خيميائية عربية: قراءة لرواية أنفاس صُليحة لعمر فضل الله
عُمرسُليمان

رواية دسمة، تتلخص في (صُليحة) الجدة المُتجاوزة المائة من عُمرها، والتي يحكي لها زوجها وولدها وحفيدها قصة حياتها منذ بلغت العاشرة من عُمرها؛ لأنها تحب أن تسمعها منهم، بوسيلة غرائبية عَبر حُضن تلتقي فيه الخواطر والرؤى، يحكي لها حفيدها ـ ومنه إلى ولده أو ولد ولد ولده ـ قصة انتقالها من المغرب من بلاد شنقيط إلى وسط أفريقيا والسودان عبر السلطنات الإسلامية، حيث تُسافر عبر الصحراء خلف جدها الشيخ (عبدالحميد اللقاني) الذي ذهب للحج، وهو مَن رباها بعد موت والديها بالوباء، وكل منهما عائلة الآخر، وكل شغفه وشاغله، في مشاعر وَلهة متبادلة بين الطرفين برغم بُعد المسافات على مر الرواية، تتيه فيها (صُليحة) على الرمال بلا مُرشد سوى حدسها وشغفها حتى تقع مُنهَكة، فتنقذها قبيلة الحسَّانية، تتعرف فيها على صديقة قديمة كانت أنقذتها من قبل، (لُلَّاحَسِينة)، تُداويها وتُؤنسها وتُعلمها وتساعدها على اللحاق بقافلة جدها بأن تُلبسها ملابس شقيقها الهالك، وترفقها بقافلة الملح التي تتخذ سبيل القوافل والتجارة والحج، لكن عاصفة تفرقهم، فتضل، يعثر عليها قاطع طريق، فيعرف من بعيرها (مطيع) مكانتها في الحسَّانية رفعة المكانة وقوة البأس وشجاعة رجالها، فيُساعدها على بلوغ وِجهتها، ليضعها على مدينة (تيمبكتو) ويُحذرها من البقاء في المدينة المترعة بتجار الرقيق، تجد مخطوطة جدها عند بائع مخطوطات، فتعرف أنه مر من هنا وباعها من أجل الجوع الشديد، يُساومها البائع على إعطاءها المخطوطة بالبقاء مع أمه أسبوعين فتوافق، وتلتقي بها وتخدمها، يتحابان، فتُصارحها بأنها ليست إلا مجرد أسيرة قاطع طريق وتاجر رقيق مريضة مُقعدة، ومن ثم تساعدها على الهرب إلى قوافل الحج على بُعد وموعد مُعينين مانحةً إياها مخطوطة جدها وعن طِيب خاطر مهر زوجها قلادة ذهبية ثمنًا للرحلة، تذهب فيها لتلتقي بسيدة فقيهة عالمة ذات حسب ونسب وشرف، (ميمونة)، التي تُطلعها على أسرار مخطوطة جدها العظيمة. تتصاحبان وتتدارسان وتتسامران حتى وصولهما إلى مدينة (سُوبَا)، هناك تتركز الأحداث في الأبعاد السياسية والمؤامرات السلطوية في حقبة تاريخية سنة 1500ميلادية(القرن 15)، تظهر تفاصيل شخصيات نَوه عنها الكاتب في بداية الرواية، ويبدو كما لو صنع تشويقًا في البدء ليصله في الأحداث التاريخية الأخيرة. (عبد الله القِرِين) قائد قبيلة القواسمة العربية الكُبرى، ومُوحِد قبائل المسلمين، الذي حاصر (سُوبَا) عاصمة مملكة (عَلَوَة) المسيحية لإعادة كرامة العرب. الأميرة (دُوَانَة) وسكنها مع ابنتها (أُونَتِّي) في قفر الصحراء قًرب مسكن الجان عند ساقية الشيطان عشر سنوات بلا مأوى ولا طعام ولا شراب كافيين أو صالحين، تغُربًا وتواريًا عن قتلة زوجها الأمير (أُونْدِي) قائد الجيوش ومستشار الملك وولي العهد بعده، قتله وصلبه البطريرك المُتسلِط (دِيرِين) كاهن الكنيسة الفاسد وعدد من الأمراء الطغاة؛ ليستولوا على الحُكم، ويقوموا بتطهير عرقي غاشم من المسلمين في (سُوبا). استغل (عبدالله القِرِين) شغفها للانتقام من قتلة زوجها، وقام بإقناعها لتتعاون معه عبر خطة جهنمية على إضعاف الحُكام، ليسهل عليه اقتحام المدينة ويضمها للمجد العربي، وبالفعل دخلت (دُوَانَة) وابنتها (سُوبا) وتقربت من الأمراء بخدعة رهيبة أفشت الوقيعة بينهم. صاحبت (صُليحة) (أُونَتِّي)، وأمنتها أمها، فأسرت إليها بقصتها، فيما كانت تعمل على خطتها التي أوقعت قتلة زوجها في شر أعمالهم وحاق بكل واحد منهم مصيره المُهلِك، ثم خرجتا آمنات ظافرات، ليتمكن (عبدالله القِرين) من المدينة ويدخل بجيشه الذي كان يُحاصرها من سنتين فيدمرها تدميرا، وانقطعت أخبار (صُليحة). ينتقل الكاتب لخبر جدها الذي ذاق العناء والمشقة الشديدتين في الصحراء بين قطاع الطرق والجوع والتشرد من أجل حج بيت الله الحرام، ثم عاد بعد سنة، ليجد أن قريته قد هلكت عن آخرها بفعل الوباء، يحزن ويندم على تفريطه في حفيدته، ولم يكن منه إلا أن قرر أن يفني حياته في البحث عنها والسَير على خطاها من أجل إيجادها، حتى استيأس وبلغت به المشقة مبلغها، ليلقى مفاجأة كبيرة انتهت بها الرواية نهاية سعيدة.

ـ تتمتع الرواية بأسلوب شيق ورشيق مخدومة بأوصاف شاعرية للأفكار والمشاعر والأماكن والأشخاص وعناصر الطبيعة، تجعل النفس تبتهج بالتشبيهات والاستعارات الرقراقة والأنسنة، في كثير من مواضع الرواية مترامية الأحداث والمشاهد متزاحمة الشخوص. كأنما تنساب في الجوف كماءٍ زلال مستمد من أبيار الصحراء أو قنينة المؤن في هودجٍ ظليل تحت نيران الشمس.

ـ حِسها الديني مرتفع، على الصعيدين الإسلامي والنصراني، بحيادية روائية بارعة، وهو ما راقني للغاية، إذ أن الكاتب أثبت موهبته السردية، ولم يخجل من تخييم الأجواء الدينية ـ الإسلامية بالأخص ـ على الرواية، كما يفعل بعض الكُتاب، ثم يصنفون هذه الأجواء بدينية ووعظ مباشر! مع أن أعظم الكُتاب العالميين يُظهرون هويتهم الدينية ولا يجدون غضاضة في وسم شخصياتهم بالدين!

ـ الرواية مغامرة مُمتعة لا تقل عن روايات المغامرات العالمية المُشوقة، لكنها تحدث في مضارب رمال الصحراء العربية، من ناحية بلاد المغرب العربي، تنزل لأسفل إلى مجاهل أفريقيا ووسطها حتى دارفور والنوبة. تُؤرخ للقبائل والقُرى والحقبة التاريخية التي هيمنت عليها.

ـ الرواية وإن كانت تُذكرني برواية المملوك الشارد لـجورجي زيدان، ورواية الكونت مونت كريستو لـ أليكسندر ديماس في نصفها الثاني، إنما هي أقرب لرواية الخيميائي في بعض غرائبيتها وإسهاب وصفها وتأملاتها بين الصحراء والغاية القصوى لبطلها، لكنها أكثر واقعية وأكثر قبولًا وأبلغ روحًا وأشغف حبًا وعاطفة، تؤكد على مظاهر كثيرة في عالم الصحراء، وتُدون تفاصيل البداوة في أبسط وأجلى صورها. خيميائية خاضت الصحراء لغاية وجدانية خالصة ولَم شمل رحم قريب من الروح والنفس. إنها خيمياء تليق بطبيعة العرب المُرهفة المُترعة بالعاطفة، التواقة للتعارف والأُنس والدِفء العائلي.

ـ كنا نظن أن الصحراء صامتة وخاوية وجرداء، لكن بهذه الرواية نرى أن الصحراء أكثر صخبًا من المُدن، تحتشد بحكايات لا أول لها ولا آخر، هي مسرح مفتوح وواسع لكُتاب المغامرات والخيال الجامح الذي يحتمل الأساطير والشِعر والقصص والفروسية وقطع الطريق والسفر وهروب الضحايا واللائذين، وعُلو الدُول وزوال ريحها.

ـ يُمكن تصنيف الرواية كأدب رحلات في صورة رواية، فكثير من أسفار الحج وغيرها يكون مُتخماً بالقصص والروايات والأحداث طويلة الزمن، تروى في رواية طويلة يُمكن إدراجها تحت جنس أدب الرحلات.. فهي تجمع بين روايات المغامرات وبين أدب الرحلات، فهما جنسان خضعا للرواية واختلطا بها في صورة رومانسية جمة.

ـ المكان في الرواية هو البطل والمهيمن على الأحداث، لا يتحرك الزمن إلا لمكان، والزمن هو أداة المكان للحلول فيه ووصفه والاستمتاع به والتنقل بين أرجاءه والتمازج بناسه مهما اختلفت جنسياتهم وعشائرهم وألسنتهم. المكان هو الغاية الحقيقية لذاكرة الإنسان، شهادة، توثيق وتأريخ وحياة. ذاكرة الإنسان مرتبطة بالضرورة بالمكان، ومكانة الصحراء في ذاكرة الإنسان مكانة أصيلة وتوثق قيمته ووجوده وشهادته وخياله وفكره وأصالته وعُمقه وتسلسل أجياله. المكان هنا هو المطلوب والغاية.. بلاد المغرب وبلاد النوبة ووسط أفريقيا، الانتقال بينها جسر لا يمكن قطعه، ما دامت فلول البشر متناثرة بين طرفيه وبقاعه. إثبات للصلة والتواصل والارتباط. تكشف مدى العُسر لبناء الجسور بين الأمكنة، تحت لفح الحاجة والاحتياج، ليس فقط للمؤن الحيوي، بل للمؤن العاطفي والروحي. الصحراء ليست جرداء كما كنا نظن، بل هي موفورة بالحياة والحب والإنسانية والإيمان والطموح وأغذية البطون والأرواح. البشر يسري فيها فيُعمرها كسريان الماء في عروقها وشقوقها فيُحييها بالنبات والأحياء.

ـ رواية ذات حبكة جيدة، قالبها مُوفَق، بناءها مُتماسك، أسلوبها مُشوق، سياقها مسترسل وإن كان مكرراً في بعض الأحيان، مما يُربك المتلقي ويُشتته، لكنه لا يؤثر قط على متعته وإثارته فيها واجتياح كيانه بالحُب العظيم الذي غمر قلب (صُليحة) فخاضت أهوال الصحارِ، وتوغل من قلب (دُوَانَة) فخربت لأجله دولة.

. مما راقني للغاية هذا الحديث:
(الأمر متعلق بالمحبة يا ولدي؛ لأنك حين تُحب أحدًا حُبًا عظيمًا ويُبادلك ذلك الحب فإن روحيكما تلتقيان وتأتلفان وتتوحدان كواحدة، وتذهبان حيث يريد أحدكما أن يذهب، فيرى ما يراه الآخر. وأنا أحببتُ جدك حُبًا عظيمًا، وهو أحبني مثل ذلك، وتآلفت روحه وروحي فرجعنا للماضي معًا، وعشنا معًا، حتى تمكن من رؤية حياتي الماضية كلها. الأيام مطايا الأحداث يا ولدي والقلوب بوابات الزمن، فكل قلب له يومه، وكل يوم مدخله الخاص، فهو باب إلى الماضي يسوقك عبر درب غير درب اليوم الآخر، فترى من ناحية مختلفة لا ترى مثلها في اليوم الآخر).

لمَن أحب قراءة الرواية، مراسلتي،،،

#أميرالخيال
#عُمرسُليمان