الحب في زمن الكراهية والبطل الضد

نظرات في رواية أنفاس صليحة للكاتب السوداني/ عمر فضل الله

تمهيد

لاتستطيع وأنت تتصدى لمناقشة عمل ما أن تنسى الصدى الذي تركه فيمن تلقاه قبلك، على الأقل تكون متحفزاً إما للموافقة على ماأبدوه من رأي أو منكراً له وراسماً لنفسك خطاً آخر ووجهة أخرى تراها أنسب، ومن هنا فحينما بدأت قراءة هذه الرواية (أنفاس صليحة) كان في اعتباري أنها فازت بجائزة كتارا وهذا في حد ذاته يطرح سؤالاً فورياً هو لماذا؟

وبهذا السؤال بدأت أول خطواتي في دربها باحثاً ومنقباً. وأقول حقيقة إن المجهود الذي رأيته هنا كان مجهوداً كبيراً بذله قلمٌ ينتمي للسودان العريق  تاريخاً وجغرافيا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً أيضا،  فعبّر بثقافة دلالتها واضحة في ثنايا القص وبدرايةٍ بفن الرواية وأدواتها جلية من خلال النقلات المتقنة مابين الشخوص والأحداث والحبكة الدرامية وبخاصة في ردود الأفعال للشخصيات الموجودة بالعمل والمؤثرة بشكلٍ كبيرٍ فى تسلسل الحدث. ولعلي من خلال هذا العرض السريع للرواية أستطيع أن أقدم رؤيةً تكون جديرةً بالحديث عنه.

..

ابتداء

لايعرف الإنسان الأشياء إلا بضدها.

تلك مقولة أراها تنطبق على هذه الرواية بشكلٍ كبير. فإذا كان لكل رواية مفاتيح للدخول إليها فلدينا هنا مفتاحان أساسيان: الأول رباط  الحب بين الجد و الحفيدة، ثم رباط الانتقام بين الأميرة دوانة وقتلة زوجها الأمير أوندي. ومن هذين المفتاحين تستطيع التوغل في الرواية لتجد منتهي الحب ومنتهى الكراهية أيضاً، الاثنان في خطين متوازيين منفصلين ومتصلين في ذات الوقت. ورغم أن ظهور الأميرة دوانة قد تأخر كثيراً إذ بدأت الرواية بفصلٍ أولٍ يتحدث إجمالاً عن سقوط  مدينة سوبا المدمِّر والذي أنهى كل مظاهر الحياة فيها تماماً وأنهى تاريخ  دولة علوة وفتح الباب لدخول القواسمة بعد صراع دام طويلاً تم فيه حصار مدينة سوبا لمدة عامين بواسطة القواسمة بانتظار اللحظة المناسبة للوثوب إليها وتمزيق أشلائها انتقاماً لما فعله القس ديرين بسكان مدينة سوبا من المسلمين من قبل.

..

وبالنظر لهذا التضاد في الأهداف والأفكار والأفعال أيضاً فإننا يمكننا النظر إلى الرواية بمنظور البطل الضد، ومناقشة فكر وتصرفات هذا البطل الضد وتأثيره في الرواية على سير الأحداث ككل.

البطل الضد الذي نعنيه هنا هو هذا البطل الآخر الذي يأتي عادة تالياً للبطل الرئيسي في البطولة، ويظل مع ذلك وثيق الصلة بالحدث البطولي، حيث أنه مشارك بطريقة فعالة في الحدث ذاته، فهو له وظيفة خاصة تسند إليه خدمة لأهداف البطل الرئيسي، رغم أنها مضادة له، فالضدية وصف يحدد موقع الآخر من البطولة، ووظائفه التي يقوم بها خدمةً للبطل الرئيسي.  فالضد إذن هو صاحب المركز الثاني في نفس البطولة وهو بذلك ممكن أن نطلق عليه  بطل الظل، لأن البطل الرئيسي تتركز عليه الأضواء وهو يصعد  نحو البطولة، التى ماكانت لتتحقق لولا وجود بطل الظل هذا، فالبطولة إذن تظل دوماً مرهونة بوجود الآخر الضد. ولدينا هنا في روايتنا بطلان ينطبق عليهما هذا الوصف، وهما شخصية سيدى محمد المختار المغربي  صديق الحاج عبد الحميد اللقاني جد صليحة، والشخصية الأخرى هي شخصية البطريرك ديرين كاهن كنيسة سوبا العتيد.

ننظر أولا إلى  شخصية سيدي محمد المختار، فقد  كان معلما للقرآن في شبابه، وحين كبر اكتفي بالجلوس في زاويته يعالج المرضي بالرقية – كما نصت الرواية على هذا (ص 54،55) – وكان له مجلسه الذي يجتمع فيه الرجال  كل ليلة يحتسون الشاي، ويجترون الحكايات والمغامرات، ويناقشون أمورهم، ويتدبرون أحوالهم المختلفة في ظل الظروف السائدة، وبخاصة الوباء الذي قضى على الكثيرين من جهة، وبسببه هاجر الكثيرون من المغرب إلى جهات أخرى. من جهة ثانية فهذه الشخصية المسيطرة والمسموعة الكلمة بما لها من ثقل ديني يفرض على الجميع توقيرها والإنصات جيداً لما تقوله من آراء نظراً لكبر سنه من ناحية، ولدوره الديني من ناحية أخرى. لذلك فحينما عزم الجد عبد الحميد اللقاني على السفر لبلاد الحجاز للحج استدعاه إليه سيدي محمد المختارمعترضاً على سفر البنت الصغيرة صليحة معه.

وبطبيعة الحال كانت رحلة الحج في ذلك الزمان محفوفةً بمخاطر جمة لدرجة أنهم كانوا يودعون المسافر ويدعون له بالنجاة من مخاطر الطريق، من الصحراء وقسوتها من ناحية، ومن عصابات قطاع الطرق من ناحية أخرى، ومن النخاسين الذين يخطفون الناس ويبيعونهم في سوق النخاسة عبيداً من ناحية ثالثة. لذلك كانت تلك الرحلة غاية في  الخطورة وتتطلب الحذر والحيطة والسير في قوافل وجماعات لتحمى بعضها بعضاً وربما استأجروا من يحميهم طوال الطريق. ومن هنا فقد كان الرأى الذي رآه سيدي محمد المختار هو الحفاظ على اليتيمة صليحة تلك البنت الصغيرة لأنها لن تتحمل بحال أهوال الطريق، ولن تصمد لقسوة الصحراء وغيرها من أهوال. لذلك وجه اللوم إلى  عبد الحميد اللقاني  بسبب قراره باصطحابها معه.

ولو نظرنا إلى رأى سيدي محمد المختار  بعيداً عن علاقة الجد بحفيدته لوجدنا أنه كان محقاً في قراره هذا الذي كان نابعاً من معرفته ويقينه بصعوبة سفر مثل تلك الصغيرة هذه المسافة الطويلة من المغرب إلى بلاد الحجاز، وأنه رأى من الأفضل أن تبقي البنت في المغرب مصانة ومحفوظة في الزاوية  لحين عودة جدها الذي تجهز وحجز لرحلته ولم يكن من السفر بُدٌّ بحال من الأحوال. لذلك استدعي الجد عبد الحميد وعاتبه على قراره هذا، ولأن العاطفة التي تربط الجد بحفيدته وهي عاطفة نبيلة لن يفهمها ويقدر مداها إلا من اقترب من الاثنين وعرف جيداً كيف يكون الرباط بين طفلة صغيرة فقدت أبويها معاً في الوباء، ولم يعد لها إلا جد يرعاها، وفي ذات الوقت فإن هذا الجد قد فقد أحباءه وأهله، ولم يعد له إلا تلك الطفلة، فهي التي تمنح حياته طعماً وأيامه بهاء ونورا. رباط حريري شفاف لايراه ولن يراه ويشعر به إلا من يتعمق ويدرك تماماً حقيقة مشاعر الاثنين، وهذا مايفسر حالة الجد الذي سافر حزيناً بائساً نادماً أشد الندم على سفره دون حفيدته، لدرجة أنه رغم اشتياقه لبيت الله الحرام والحرم النبوي، كان يتمنى أن تنتهي المناسك سريعاً ليعود إلى المغرب من أجل حفيدته. وأيضا هذا الرباط هو الذي يفسر فرار البنت من الزاوية في غفلة عن سيدي محمد المختار وخادمه برهامي وراء جدها، غيرمبالية بأهوال الصحراء ومافيها من أخطار. وحتى بعدما عانت ولاقت في سفرها مالاقته  لم تبال بما جرى لها وكان تفكيرها منصباً على شيء واحد جعلته  هدف حياتها، وهو بطبيعة الحال العثور على جدها. لذلك يمكننا هنا أن نضع  شخصية سيدى محمد المختار موضع البطل الضد لوقوفه ضد الرباط الرابط بين الجد وحفيدته، حتى ولو لم يكن موقفه هذا نابعاً من حقد أو غيرة، أو إصرار على التفرقة بينهما لحسدٍ مثلاً، بل كان كما قلت خوفاً على البنية اليتيمة من أهوال الطريق.

فاذا انتقلنا إلى البطل الضد الآخر، وهو البطريرك ديرين سنجد هنا شخصية مختلفة كل الاختلاف، فهو إنسان شديد الطموح، خرج عن ناموس الدين الذي يتمسح بأذياله ويتدثر بمعطفه، إلى دنيا يبتغيها راغباً ولاهثاً من أجل الوثوب عليها، فهو قد عاني من النبذ بعد أن أدارت كنيسة الاسكندرية وجهها عن كنيسة سوبا، وبعد أن تجاهلت كنيسة إثيوبيا كنيسة سوبا. لكنه لم يبال بهذا وركز تفكيره في السيطرة على سوبا والصراع مع الملك الجديد ذاته إلى درجة أنه في نهاية الأمر أهمل أمره وصار هو الحاكم الآمر الناهي في البلاد، مستعيناً بالمرتزقة الذين كونهم من قبائل النوبة والأحباش والبجا. وأطلق عليهم  جيش الكنيسة. ولو كان مكانه رجل آخر يهتم بأمر الكنيسة حقاً ويسعى إلى إعادة تنشيط دورها الذي انحسر كثيراً في الأونة الأخيرة لاختلق الوسائل لمخاطبة الكنيستين وإقناع المسئولين فيهما بأن سوبا آمنة، وأنه يستطيع حماية الرهبان الذين ستوفدهم الكنيستان أو إحداهما إليه. ولكنه لم يأبه لكل هذا وركز كل تفكيره في شيء واحد هو السيطرة على مقاليد الأمور وذلك بالقوة العسكرية التي أسماها جيش الكنيسة الخاضعة له شخصياً والتى يتولى الإنفاق عليها من مدخرات الكنيسة، وكذلك التدخل في أمور الحكم ومشاركة الملك الجديد الذي جاء بعد مقتل الملك عفايق في قراراته ثم الانفراد بالقرار وحده ليس هذا فقط بل إنه هاجم المسلمين داخل سوبا وقتل من قتل وباع من باع. ورغم الحصار الذي ضربه القواسمة على سوبا لمدة عامين لم يلن ولم يرضخ، بل على العكس ظل سادراً في غيه معتمداً على جيش المرتزقة، ومحاولاً الانفراد بالسلطة وإزاحة الملك ليأخذ مكانه معتمداً على ما كنزه من جواهر وأموال في قبو لايعلم مكانه سواه، وهو في كل هذا على استعداد لفعل كل شيء وأى شيء، من أجل تحقيق نزواته سواء فى امتلاك الحسان  من النساء، أو اكتناز المجوهرات، أو تجنيد مزيد من المرتزقة لحمايته وحماية أطماعه.

تلك هي شخصية البطل الضد البطريرك ديرين.

وعلى الجانب الآخر نجد عبد الله القرين أو عبد الله جمّاع  بطل القواسمة المسلمين وزعيمهم الداهية، الذي وضع لنفسه هدفاً، هو الإنتقام ممن اعتدى على مسلمي سوبا وقتل منهم الكثيرين وباع منهم كعبيد للنخاسين، ونهب وسلب  أموالهم. هذا الزعيم عبد الله القرين تحكي لنا الرواية عن عمق تفكيره مقارنة بصديقه وساعده الأيمن عامر، فهو يقضي وقته متفكراً في القضية كأمير عربي لعرب القواسمة، من كافة أرجائها. فلديه هدف وهو تجميع قبائل المسلمين ليكونوا قوة تستطيع فرض إرادتها، وخاصة بعد الحروب الضروس التي خاضوها ضد دولة علوة وانتصروا فيها ودخلوا سوبا واستوطن المسلمون من القواسمة فيها لكن البطريرك ديرين عاد بجيشه من المرتزقة الذين أسماهم جيش الكنيسة واستطاع دخول سوبا وطرد القواسمة، فكان لابد من إعادة الكرة عليه انتقاماً منه لما فعله وبخاصة فى حرائر النساء العربيات وعبد الله القرين في ذات الوقت يخشي من الصراع مع تلك القبائل المسلمة وبخاصة الجعليين، ويتحايل لكي يضمن وقوفهم بجواره أو على الأقل حيادهم. لذلك فهو يسعي لهذا الهدف بكل قوته  إلى درجة انه يعرف باختفاء الأميرة دوانة وسكنها عند  ساقية شبيش المهجورة عند منحنى النهر، والتى تسمي ساقية الشيطان، ويذهب إليها لعقد اتفاقية معها لثقته أنها بإصرارها على الانتقام ممن قتلوا زوجها وصلبوه وقطعوا رأسه متهمين إياه بالخيانة تستطيع أن تمد له يد العون، فهي أدرى بجيش سوبا لكون زوجها المغدور به الأمير أوندى كان قائداً للجيش بالإضافة لولاية العهد، وهي تعرف دهاليز الحكم وجمَّاع بالمقابل يستطيع أن يساندها. ومن هنا نرى أن الكاتب يريد أن يؤكد لنا أن عبد الله القرين لم يترك طريقاً فيه عون له إلا سلكه مهما كان وعراً مادام سيحقق به الهدف المنشود، وهو اجتياح مملكة علوة وتدمير سوبا على حكامها الطغاة الذين أفسدوا حياة شعبها واعتدوا على السكان المسلمين المسالمين وأعملوا فيهم القتل بأبشع صوره، وباعوهم وأذلوهم وأخذوا نساءهم مابين اغتصاب وبيع وتشريد. لذلك يمكننا كما قلت من قبل أن نطلق لفظ البطل على القرين والبطل الضد على ديرين البشع الروح الذي لم يتورع عن دفن الأمير مندو منافسه اللدود حياً ودون أدنى بادرة من شفقة.

..

الغلاف والعنوان

يقول المثل العربي: (الجواب يعرف من عنوانه) وكذلك الرواية تعرف من عنوانها. والعنوان هنا (أنفاس صليحة). وكلمة أنفاس جمع نَفَس، والنفس في معجم المعاني الجامع هو الريح تدخل وتخرج من أنف الحي ذي الرئة وفمه حال التنفس. والنفس أيضا هو نسيم الهواء. وصليحة تصغير اسم علم مؤنث وهو صُلْحَة ومدلول الاسم كما هو واضح يدل على الصلاح والخير وبالتالي يكون مدلول المضاف والمضاف إليه في العنوان أنفاس صليحة أنها أنفاس صالحة طيبة ونسيم حاني وليس ريحاً عاتية.

فالنفس عادة يخرج من الانسان وبدونه لايستطيع العيش فاذا امتزج هذا النفس مع آخر فالحياة هنا تكون واحدة ممتزجة أو متماهية وبهذا المعنى يمكن اعتبار الرؤية واحدة والشفافية واحدة والاحساس سواء بالماضي أو الحاضر إحساساً واحداً لأنه بين روحين تنفستا من نبعٍ واحد لذلك نجح العنوان كثيراً فيما أرى.

ونلاحظ أن اسم ”صُليحة” الذي اختاره مؤلف هذه الرواية لكي يطلقه على بطلة هذه القصة، له دلالته بالنسبة لأهل العيلفون وغيرهم من الخرطوم الكبرى والمنطقة عموماً. فاذا عرفنا أن المؤلف هو من بلدة ”العيلفون” القريبة من ”سوبا” عاصمة مملكة ”علوة” وجدنا منطقية اختياره لهذا الاسم لبطلة روايته. أما الغلاف فقد ظهر جلياً بالجانب الأيسرقوام أنثي شعرها مفرود خلفها بما يعني أنها تسير في جو عاصف يتميز بلونه الأصفر بدرجاته وأمامه وخلفه اللون الأزرق. وفيه وجه يلوح كنذير شر يتربص بها ثم عاصفة متداخلة الألوان بما يوحي بما واجهته في رحلتها وهنا نجدنا أمام سيل من الاسئلة كلها يفجرها هذا العنوان أنفاس صليحة بما ينذر برواية تحمل التشويق والشغف بداية من العنوان والغلاف وهذا بطبيعة الحال يدفع القاريء دفعاً للمضي في السير وراء الكلمات وخلف السطور ليرى ماهناك.

..

توصيف الرواية

وإذا تتبعنا فصول الرواية سنجد أنه يمكن توصيفها على أنها رواية وصفية تهتم كثيراً بإبراز صفات كل ماتتحدث عنه من أشخاص أو أماكن أو أحداث. فقد وصفت بدقة الأميرة دوانة وسيدى محمد المختار وأونتى وديرين وغيرهم وكذلك بادية البطانة (ص 19) والصحراء بكل وحشيتها وبكل هدوئها ومافيها من قطاع الطرق والبدو والقبائل السيارة أيضا. وكذلك وصفت قوم العنج (ص 19) ونجد أيضا أن المؤلف قد أوجد حبكة لاستدعاء الحكاية من زمنها القديم عن طريق النقل مابين الجدود والأحفاد بعيداً عن أسماع من لايمتلك المقدرة على تصديق ماحدث وهو التخاطر ما بين الأحباب الذي كان بداية معرفة صليحة به اقتراحاً من زوجها عبد السميع حيث قال (ص 241) :

قالت لي يوما لو كنت أقدر أن أريك حياتنا الماضية مع جدي لفعلت ولأريتك كيف كنا. قلت لها تقدرين. قالت كيف. قلت لها تعالي نتخيل أننا رجعنا إلى الماضي معاً واحكي لي. كنا ساعتها نتناجى مثل عروسين، وكانت قد وضعت رأسها على كتفي، وكنت أسمع أنفاسها تتردد في أذني، لكنِّي في تلك اللحظة  سموت بروحي معهاً فانتقلنا معاً إلى ماضيها ورأيتك. وعلمت أن روحينا تنظر في الماضي فترى كل شيء، وكَّأن ُصَلْيحة قد أصبحت شفافة بحيث يحدث أمامها الآن. وحين حدثتها بأنني أرى نفس ما تراه صدقتني. وقالت لي لو رأيت ما أراه الآن فأريدك أن تصفه لي. فبدأت أصف لها كل شيء أراه. كنت أرى الماضي معها. انتقلت روحي وروحها إلى الماضي فرأيناك وأصبحنا نراك كل يوم، حتى علمنا أنك قد وصلت سوبا وأنك قريب من هذا المكان

هنا كان عبد السميع زوج صليحة يحادث الجد بعد أن عثر عليه في الصحراء وهو يضع يده تحت خده متوسداً رمال الصحراء في الليل البهيم.

او كما قالت صليحة نفسها (ص 33): الأمر متعلق بالمحبة يا ولدي. لأنك حين تحب أحدا ً حبا ًعظيما ويبادلك ذلك الحب فإن روحيكما تلتقيان وتأتلفان وتتوحدان كروح واحدة، وتذهبان حيث يريد أحدكما أن يذهب، فيرى ما يراه الآخر. وأنا أحببت ّجدك حبا ًعظيماً، وهو أحبني مثل ذلك، وتآلفت روحه وروحي فرجعنا للماضي معاً، وعشناه معاً، حتى تمكن من رؤية حياتي الماضية كلها.

الأيام مطايا الأحداث ياولدي والقلوب بوابات الزمن، فكل قلب له يومه، وكل يوم له مدخله الخاص، فهو باب إلى الماضي يسوقك عبر درب غير درب اليوم الآخر، فترى من ناحية مختلفة لا ترى مثلها في اليوم الآخر. فدرب يوم الاثنين الذي سار فيه جدك ليس هو درب يوم الخميس الذي سلكه أبوك.

ولم ينس المؤلف وصف حالة الجد عبد الحميد اللقاني وهو مغترب رغماً عنه أولاً عن أهله وناسه إما بالمفارقة أو الموت بسبب الوباء، ثم بعدها اغترابه عن حفيدته، وكذلك وصف الحفيدة صليحة وقد خلت دنياها من أبويها أولاً ثم من أنفاس جدها، وغير هذا من التفاصيل الصغيرة والدقيقة التى حفلت بها روايتنا، بما جعلنا  نشعر أننا نعيش مع صليحة ونتعاطف معها وهي تهرب باحثة عن جدها فتقطع الصحراء غير هيابة ولا وجلة، وتتعرض للنخاسين الذين يبيعون العبيد، وتتعرض للموت جوعاً وعطشاً فى الصحراء، ورغم هذا لايخامرها الإحساس ولو للحظة واحدة بالتراجع عن البحث عن جدها.

وكذلك ينتقل الكاتب إلى وصف حالة الأميرة دوانة وماجرى لها من تبدل حياتها كلها ونجاتها بنفسها وابنتها بما يشبه المعجزة، ولجوئها إلى مكان مهجور لايقربه البشر، وهو ساقية شبيش المهجورة أو ساقية الشيطان كما كانت تسمى لاعتقادهم أنها مأوي غول رهيب لايرحم، وإصرار دوانة على الانتقام، وصراخها في الفضاء العاري ووسط الخلاء بصوت يحسبه الناس صوت الغول نفسه، ويخافون الاقتراب منه، فنجد في نفوسنا ميلاً لقضيتها وليس تضاداً معها أو رفضاً لمنطقها، فما عانته طوال عشر سنوات هى عمر  غربتها وتوحدها مع وحشة المكان وقلة الزاد فيه، يجعل الانتقام هدف حياتها وزاد أيامها ومبلغ حلمها. وقد نجحت في هذا كثيراً (ص 220) لدرجة أن الأجيال اللاحقة قد صنعت مثلاً يقول:

(عجوبا خربت سوبا)  (ص 225).

لذلك يمكن أن نطلق عليها أنها رواية وصفية وهي بذات الوقت رواية تاريخية فهي تتحدث عن حادثة تاريخية بعينها هي سقوط سوبا وانتهاء دولة  علوة. ولكن  كاتبنا بطبيعة الحال يتحدث عن هذا بطريقة فنية بعيدة عن النقل المباشر للتاريخ، فمهمة الكاتب الروائي ليست فى التسجيل الحرفي للأحداث، ولكن المقدرة على تصور المرحلة التى يكتب عنها، وتتابع أحداثها بحيث يضيف أو يحذف بشرط ألا يخل بالتاريخ المسجل، ويوظف كل هذا في التعبير عن ذلك العصر فنياً ومجتمعياً وإنسانياً أيضا. وقد نجح الكاتب في هذا فى اعتقادي لأبعد حد.

فالرواية التاريخيّة تُعبّر بشكل مباشر عن الواقع التاريخيّ ونقاط التحوّل الإنساني من خلال إعادة سرد التاريخ  بشرط إعمال خيال الروائي في الأحداث بما لايخل بالأصل التاريخي كما ذكرت.

وقد اعتنى الكاتب بذكر تاريخ وظروف وآثار هجرة القبائل العربية إلى السودان وتزايد أعداد أفرادها وجماعاتها، إلى الدرجة التي أهلتها لاكتساح مملكة ”علوة ” المسيحية وإسقاطها وتدمير سوبا تماما، وانتزاع الملك منها في القرن الخامس عشر الميلادي

..

نوازع الحب والكراهية في الرواية

وقد جعل  الكاتب شغله الأول العلاقة الأبدية بين البشر والتي لاتنمحي بزمن، ولا تذوب ببعد مكان ألا وهي علاقة المحبة. فالرواية تضرب لنا أعظم الأمثلة على هذا الحب، ليس فى قصة صليحة فقط، وهي القصة الأم في الرواية، بل وقصة الأميرة دوانة أيضاً التي استطاع الكاتب أن يعبر عن أروع الحب فيها، بضده وهو الانتقام. فالانتقام الرهيب هنا عبر عن حب عظيم كان لافتقاده وبتلك الطريقة الوحشية أثر كبير حوّل الأميرة الرقيقة الهادئة الراقية إلى امرأة أخرى تماماً، لاهدف أمامها ولاتفكير ولا إرادة إلا شيء واحد هو الانتقام لدرجة أنها حينما ذهب اليها عبد الله القرين (ص 154) قالت له  كلاماً وعبارات جعلت شعر رأس «عامر» صديقه  يقف من هول ما سمع فقد قالت:

  • لا أريد أموالا ولا أملاكاً فقد وهبتكم كل أموال (ُسوبا) وأملاكها- لا أريد أموالاً وغنائم حين تدخلونها. خذوها جميعها. زوجي هو الذي كان أحق بالملك بعد مقتل الملك السابق «عفايق». وطالما أنني وريثته من بعده فقد وهبتكم جميع رجالها عبيداً وبناتها ونساءها إماءا. لكن بالمقابل أن تمكنوني من القتلة. لقد بقيت عطشانة للأخذ بثأر زوجي عشر سنوات وكأنه اغتيل اليوم.

وبالفعل لم تهدأ ولم يستقر قلبها وتستريح روحها إلا بعد بلوغ غايتها بسقوط علوة كلها وتدمير سوبا ومقتل المتآمرين على زوجها الأمير أوندى.

وقد استطاع الكاتب ببراعة أن يطرح علينا الأسباب التى مكنت لنوازع الحب في قلب صليحة وكذلك في قلب الأميرة دوانة، فصليحة مات أبواها نتيجة انتشار الوباء ببلاد المغرب فلم يبق لها إلا جدها عبد الحميد اللقاني، فتقاربا وصارا متلازمين في كل شيء، حتى في لهفتهما للذهاب لبلاد الحجاز للحج، وماسمعته صليحة اثناء جلوسها في حجر جدها أثناء المناقشات مع بقية الرجال فى زاوية سيدى محمد المختار جعلها تعيش هذا الحلم ويمتلك كيانها كما امتلك كيان الجد الذي كان يتوق لزيارة بيت الله الحرام، ومسجد نبيه الكريم. وأصبح وجود كليهما مرتبطاً بالآخر، ومشاعرهما وأملهما أيضا يكاد يكون واحداً. أما الأميرة دوانه فقد كان زوجها الأمير أوندي هو كل حياتها لدرجة أنها من شدة رغبتها بالانتقام ومن شدة فقدها لهذا الزوج كانت تخرج في الفلاة وتمزق الصمت الرابض في الأنحاء بصراخها طلبا للانتقام (ص 86 ).

وبطبيعة الحال تأثرت الابنة الجميلة  أونتي بحال أمها من ناحية، وحينما أدركت هول المأساة ازداد الجرح عمقاً في قلبها وأصرت هى أيضاً على الانتقام من ناحية أخرى، فتوحدت الاثنتان في هدف واحد استطاعتا تحقيقه كما رأينا في الرواية.

إذن فالحب العظيم يصنع المعجزات وتلك ببساطة رسالة روايتنا. الحب يجبرك على خوض الصحراء رغم هول خوضها ورغم فزع القلوب من خوضها والحب يجبرك على الانتقام حينما يمس حبيبك الضر أيا كان.

ومهما كان الطريق وعراً والدرب عسيراً إلا أن النهاية محتوم فيها النصر للحب. أما الكراهية والأحقاد فمصيرها دوماً الفشل والانهيار. وهذا ماحدث في سوبا ولكل من كان فيها من المتآمرين الذين أعمتهم المصلحة والغايات الرخيصة عن الهدف الأسمى، وهو الحفاظ على سوبا والتوحد من أجلها، فدفن مندو حياً وقتل ديرين، وقتل الملك زوجته الملكة، وتحرك عم الملكة بجنوده لمحاربة جنود الملك، وتواجه الفريقان، وتحولت سوبا لساحة قتال بين الجميع وانهارت داخلياً قبل أن يهزمها الغزو الخارجي من القواسمة.

..

هيمنة اللغة الشعرية على الرواية

أولاً لنا ملاحظة مهمة وهي أن الكاتب استخدم لكل بيئة تحدث عنها اللهجة الخاصة بها. فوجدناه في المغرب يورد ألفاظاً مغربية، فنراه يقول في (ص  48، 49) في حوار سيدي محمد المختار وعبد الحميد اللقاني:

  • سلام عليك سيدي محمد شنو بغيت مني؟
  • مُصطّي أنت ؟ مزنزن أنت يالقاني؟
  • معاذ الله سيدي، وشنو كاين؟ وعلاش تعايرني؟
  • علاش تسير بها اليتيمة ياعبد الحميد لبلاد القبلة وأنت عارف أنه بينك وبينها مسافة مايسلم منها صالح ولاطالح، فكيف مع هاد الصغيورة؟
  • كيف عرفت سيدي؟
  • وليداتي سمعوا هدرتك مع صليحة وأنت تقول لها غانمشيو للحج وحنّا كانصحوك الا بغيت تسير سير بوحدك فهمت

وفي الصحراء يورد ألفاظ الصحراء، كما في حوار لُلَّا حسينة وصليحة (ص 78) :

  • ليش خيمتك طايحة؟
  • خَيمَتْ ارجال م اطيح!

 

ويصفها وصف العارف القدير (ص 92،93) ومع هذا نجده يقدم الرومانسية العميقة والفكرة المتماسكة بدون إفراط أو إسهاب، ووجدنا الهدف سواء لصليحة أو للأميرة أوندى واضحاً جلياً لا لبس فيه، مع تنوع السرد مابين ضمير متكلم ومخاطب وغائب مما أعطى للسرد جاذبيته.

وقد استطاعت اللغة الشعرية الراقية أن تعبر عن كل هذا بطريقة سلسة وبعيداً عن التزيد أو الإغراق في الصور مما يخل بتسلسل السرد.

..

حال مدينة سوبا قبل الغزو مباشرة

نأتي للأحداث الداخلية لمدينة سوبا وكيف كانت عبارة عن حلبة صراع بين أجنحة مختلفة المآرب والأفكار:

فهناك ديرين من جهة بطموحة وحيله التى لاتنتهى، ورغبته الأكيدة في التخلص من كل منافسيه ليفرغ له العرش ويصبح ملك يديه، وكذلك عدم مبالاته بتغاضي كنيسة الاسكندرية والكنيسة الاثيوبية عنه، وانفراده بالكنيسة في سوبا،  ليس بدافع ديني كما قلنا ولكن حباً فى السلطة والإنفراد بالأموال والمجوهرات، ثم الانتقام من المسلمين داخل أسوار سوبا، فقتل منهم من قتل، وباع من باع عبيداً للمماليك وغيرهم، واستطاع تكوين جيش أسماه جيش الكنيسة، اشتراه بأموال الكنيسة.

وهناك أيضا الأمير مندو المنافس الشرس الطامع في الملك ايضاً والذي تآمر لسرقة أموال ومجوهرات الكنيسة من ديرين  ليظهره امام أتباعه من المرتزقة بأنه مخادع وكاذب وليس لديه مال يدفعه لهم، واستعان في هذا بخادم ديرين وتابعه (كُرشاب) معتقداً أنه يمكن ان يخون سيده ويبوح له باسراره تحت تأثير الخمر، ولم ينتبه للمكيدة المقابلة التي دبرها له ديرين حتى استدرجه إلى قبو مظلم يغلق بباب حديدي يزن عدة اطنان وأغلقه عليه للأبد، وقتل تابعه (أُرْصُد) أيضاً. ولم ينته الأمر عند هذا فقد استطاعت دوانة زوجة الأميرأوندي أن توقع بين الملك وزوجته وعمه الذي هو والد زوجته فجعلت الملك يقتل زوجته والعم يهرع للقصر للانتقام لمقتلها ويتحرك جنود الملك لحمايته وقتال العم وجنوده ووسط هذا الهرج الكبير تأتي الفرصة للقواسمة وكان الانتقام العظيم كما وعد عبد الله القرين الأميرة دوانة فلم يبق قصر ولا بيت إلا هدم ولم يبق جندى إلا قتل وأصبحت سوبا مقبرة كبيرة يملؤها البوم  وتنتشر فيها الجثث في كل مكان.

..

بين الخيال والواقع في رواية أنفاس صليحة

تمتاز الرواية بالخيال الخصب السارح مع مرويات الأحداث بما يتوافق مع الفكرة الرئيسية التى اختطها الكاتب لنفسه بحيث يعادل مابين الأحداث الحقيقية وتصوره الخاص لها، وخلقه لأحداث فرعية تتوافق وتتماشي معها. وقد استغل ميزة الواقعية السحرية في هذا بطريقة ممتازة وبخاصة عند عناق صليحة  لزوجها او ابنها او حفيدها، والاندماج او التماهى الذي يحدث  بالعودة إلي ماضي صُليحة الذي لا يعرف عنه شيئاً أصلاً فيستطلع الماضي ويحكي لصُليحة نفسها بلسان المتكلّم بطريقة (الفلاش باك). عما يرى رؤية العين وكأنه موجود فى الحدث لكن غير مشارك فيه .

..

الحبكة الفنية في الرواية

نأتى للتكتيك الفني وهنا حَدِّثْ ولا حرج، فقد قدم في بداية روايته إحاطة شاملة بما جرى في علوة وسقوط سوبا على يد القواسمة بقيادة عبد الله القرين أو عبد الله جمّاع، ثم مهد للدخول في موضوعه الأساسي الخاص بصليحة، فجعل أحد الأحفاد  بعد مايزيد عن 500 عام يرى قبرين متجاورين ثم يرى حلماً كما يقول الكاتب بلسان الحفيد (ص 25):

رأيت في النوم أن القمر قد وقع هناك في البادية الشرقية عند شجرة السمر العجوز، وغاص تحت الأرض ولم يخرج منها. ثم تبعته نجمة مضيئة جاءت على إثره، ودخلت معه فتدثرت بالتراب. رأيت هذا الحلم مرتين.

وبعد ثلاثة أيام رأى في الحلم أيضا الآتي:

بعد ثلاثة أيام رأيت القمر وذلك النجم يسيران جنبا إلى جنب من بيتنا في القرية، فيخرجان إلى البادية الشرقية، ويرقدان بجوار شجرة َ السمر.

وقص على أبيه مارأى. ومن هنا دخل الكاتب إلى قصة صليحة فقد أخبر الأب ابنه بخبر القبرين وقال إن جده قد حكى له رواية عن جده أى جد الجد ومن هنا بدأت حكاية صليحة (ص 27).

وقد سار الخط الدرامي للأحداث في خطين متوازيين هما خط صليحة وخط الأميرة دوانة أرملة الأمير أوندي ورغم تقاطعهما قرب النهاية الا أن هدف كل منهما كان مختلفاً فالجد قد وصل لحفيدته أخيراً بالحب الذي هو المحرك الأول لأحداث الرواية. فقد جلست صليحة وزوجها عبد السميع وتقاربا وتمازجا وتماهت مشاعرهما ورؤاهما وحددا مكان الجد وذهب الزوج إليه. أما دوانة الأميرة فحينما فرغت من إتمام انتقامها ولا أقول مؤامرتها أسرعت بالخروج من سوبا شاعرة أن الهدف قد تحقق ولم يعد لها فى المدينة البائسة من مبتغى أو شيء يراد

بسلاسة ومقدرة وتحكم في السرد بلغة  دالة متوافقة مع تصاعد الأحداث  درامياً استطاع الكاتب أن يقدم روايته بخلطة مبهرة من التاريخ والعادات المختلفة سواء للمغرب أو البدو أو الصحراء أو المدن مثل سوبا وتيمبكتو وأعطى لكل لهجتها دون إخلال بالسرد أو وجود إعاقة للمتابعة وتلك مقدرة يجب تحيته كثيراً عليها.

أخيراً أقول شكراً لكاتبنا الكبير دكتور عمر فضل الله على رواية سعدت كثيراً بقراءتها.

شكراً لك وتمنياتي بمزيد من التوفيق إن شاء الله.

محمد داود