كتب الأديب الروائي أحمد محمد عوض
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا دكتور عمر، وكل عام وأنتم بخير، وأعاده الله عليكم في سعةٍ من الروح وطمأنينةٍ من القلب وبركةٍ في العمر والقلم، فما زلتُ كلما أعدت النظر في رحلتي مع القراءة والكتابة أيقنت أن بعض الكتّاب لا يمنحون القارئ متعة العبور بين الصفحات فحسب، وإنما يغيّرون طريقة إحساسه بالعالم كله، وقد كنتم — منذ وقعت عيني على أعمالكم أول مرة — واحدًا من أولئك الذين لا يتركون القارئ كما كان قبل القراءة، لأنني لم أشعر يومًا أنني أمسك رواية عادية ذات شخصيات وأحداث ونهاية، فقد كنتُ كلما فتحت عملًا من أعمالكم أحسست أنني أصعد إلى مركبة زمنية تحملني بعيدًا عن القرن الذي أعيش فيه، وتفتح أمامي أبواب حضاراتٍ وأممٍ ووجوهٍ وأصواتٍ وأماكن اندثرت منذ مئات السنين ثم عادت تنبض بالحياة من جديد، حتى غدوتُ أؤمن — على سبيل الأدب لا المجاز وحده — أنكم أثبتم لنا أن مركبة الزمن حقيقية، غير أنها لا تُصنع من الحديد والمحركات، وإنما تُصنع من المعرفة والخيال والبحث الطويل واللغة الحية القادرة على بعث الموتى من قبور التاريخ، وقد دهشت طويلًا من هذه القدرة العجيبة التي تجعل القارئ يرى ما يقرأه بعين قلبه كأنه حاضر فيه، ففي “أطياف الكون الآخر” لم أكن أتابع رحلة طيف وحده، فقد كنت أعبر معه الأزمنة الأولى للخليقة، وأتنقل بين الحضارات القديمة، وأرى الديناصورات، وأسمع صدى المعابد والأساطير، وأشهد إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد من البيت مع ابنه إسماعيل، وأهرب معه بين الأجرام السماوية والقمقم وسواكن وشرق السودان، حتى شعرت أن الرواية تختصر تاريخًا إنسانيًا كاملًا في ثوبٍ سرديّ لا يبعث على الملل لحظة واحدة، ثم جاءت “ترجمان الملك” فوجدت نفسي داخل مملكة علوة، أعيش المؤامرات والكنائس والملوك والكهنة والسحرة والرحلات والرسائل، وأتأمل النجاشي أصحمة بن الأبجر كأنني أراه رأي العين، وقد قلت في نفسي يومها إن المؤرخ يدوّن الوقائع، أما الروائي العظيم فيمنحك الإحساس الكامل بالعصر، يجعلك تسمع وقع الأقدام في الأسواق، وتشعر بحرارة المشاعل، وترى وجوه الناس وهم يضحكون ويخافون ويتآمرون ويصلّون ويحبون، ثم حملتني “أنفاس صليحة” عبر المغرب والصحراء والسودان، فكنت أسير مع صليحة وسط الرياح والرمال والوحشة والنخاسين والأوبئة والقبائل والقوافل، وأشعر أن الرواية تحولت إلى قافلة معرفة تمشي على قدمين، وقد أدركت معها أن الكاتب حين يمتلك ثقافة واسعة يستطيع أن يجعل القارئ يتعلم التاريخ والجغرافيا والنبات والحيوان والإنسان دون أن يشعر بثقل المعرفة، ثم جاءت “تشريقة المغربي” فدخلت بها إلى السلطنة السنارية، فرأيت القصور والمكائد والمباهلات والشلوخ والنساء والقضاة وكتّاب الحجج، وعرفت كيف كانت العادات تُصنع وكيف كانت السلطة تُدار وكيف كان السودان يتشكل ببطء داخل ذلك العصر، وأحسست للمرة الأولى أن الرواية تستطيع أن تعيد الإنسان إلى جذوره بطريقة أعمق من الخطب والشعارات والمحاضرات، ثم أخذتني “في انتظار القطار” إلى زمن الغزو التركي المصري، فرأيت سعدًا وسعدية يتحركان وسط الخراب والقهر والدموع، ورأيت المك نمر وإسماعيل باشا والطبيب اليوناني والناس وهم يعيشون الخوف والجوع والنهب، ولم تعد تلك المرحلة بالنسبة لي تاريخًا محفوظًا في الكتب، فقد تحولت إلى وجعٍ حيّ شعرت به في صدري أثناء القراءة، ثم دخلت “رؤيا عائشة” فشعرت أنني أطل من نافذة مفتوحة على زمن المهدية نفسه، حتى خُيّل إليّ أحيانًا أن الإمام المهدي زاركم بنفسه وروى لكم دقائق حياته وأسراره وما رآه وما عاشه، من فرط الدقة والروح التي كُتب بها ذلك العمل، ثم جاءت “آدم أسود وحواء بيضاء” فحملتني إلى لندن الفيكتورية وشوارعها الباردة وفقَرائها ومداخنها وأحيائها المكتظة، ثم أعادتني إلى السودان لأعيش معركة كرري لا كخبرٍ تاريخي، وإنما ككارثة إنسانية تمشي أمامي بالنار والدم والصراخ، ورأيت الجنود السودانيين يتساقطون تحت رشاشات المكسيم، ورأيت أمدرمان والخرطوم كأنني أمشي في شوارعها بعد انتهاء المعركة، ثم وقفت طويلًا عند “نيلوفوبيا”، تلك الرواية التي جعلتني أرى العيلفون بعين مختلفة، فقد رأيت أهلها وطيبتهم وخلاويها وأغانيها ومدارسها وحياة ناسها البسيطة، وعشت مع عزو خوفه من النيل وفقده لصديقه وأثر الصدمة عليه، وشهدت مأساة باخرة العاشر من رمضان كأنني أحد ركابها، حتى إنني شعرت أثناء القراءة أن الرواية لا تتحدث عن شخص واحد، وإنما عن هشاشة الإنسان كلها أمام الفقد والخوف والذاكرة، ثم جاءت “نافذة في سماء الكهرمان” لتفتح بابًا آخر نحو الفيزياء الكمومية والسفر عبر الزمن، وهناك تأكد لي أن الرواية عندكم لا تعرف حدودًا ضيقة، فهي تتحرك بين التاريخ والعلم والفلسفة وعلم النفس والدين والأسطورة والإنسان بسلاسة مدهشة، وقد تعلمت من هذه الرحلة الطويلة مع أعمالكم أن الكاتب الحقيقي يحتاج عمرًا من القراءة والتأمل حتى يكتب جملة واحدة صادقة، وتعلمت أن اللغة القوية لا تولد من الفراغ، فهي ثمرة القرآن والشعر والحديث وكتب الأدب القديمة وأمهات المصنفات والتاريخ وأدب الرحلات والفكر الإنساني، ولهذا جاءت نصوصكم متماسكة ممتلئة بالحياة، تحمل في داخلها أثر الجاحظ والتوحيدي والمتنبي والرافعي والعقاد، وتحمل كذلك أثر الرواية العالمية الحديثة دون أن تفقد روحها العربية السودانية الخاصة، وقد كنتُ دائمًا أشعر بعد الفراغ من كل رواية أنني لم أخرج منها خالي الوفاض، فقد كنت أخرج وفي رأسي معرفة جديدة، وفي لغتي أثر جديد، وفي روحي رغبة أكبر في الكتابة والبحث والقراءة، حتى صرت أوقن أن مشروعكم الروائي ليس مشروع تسلية عابرة، وإنما مشروع معرفي كامل يعيد تشكيل علاقة القارئ بتاريخ السودان وهويته والإنسان والعالم، ولهذا فإن تأثيركم في نفسي لم يكن تأثير كاتبٍ أقرأ له بإعجاب عابر، فقد أصبح جزءًا من رحلتي مع الأدب نفسها، وجزءًا من السبب الذي جعلني أحب الكتابة وأحترم الكلمة وأؤمن أن الرواية تستطيع أن تحفظ ذاكرة الأمم وتعيد بناء الإنسان من الداخل، فجزاكم الله عن الأدب والمعرفة وتلامذتكم وقرائكم خير الجزاء، وأبقاكم نورًا لكل من يبحث عن الأدب الذي يرفع الذائقة ويوسّع العقل ويوقظ الروح.