سُنْجَاتَا

“قصة حب نسي الزمان أنه رواها من قبل فأعاد تكرارها”

نشأت في بيت أمي “تَانِيْشَا” وأنا لا أعرف أباً غير جدي “دَلْمَار”. وكان يحبني حباً عظيماً، فكنت أهرول إليه وأنا صغير كلما عاد من سفر أو من القصر لأنني أعلم أنه قد أحضر لي هدايا معه. لم يكن مهماً ماهي الهدية ولكنني كنت أفرح بما يحضره لأنني لحظتها أحس أن لي قيمة وأن هناك من يتذكرني وهو بعيد.

مرة أحضر لي قلابة لقنص الطيور، فقد كان يعلم ولعي بصيد القطا، وفي مرة أحضر لي “نبلة” تشبه المقلاع. مقبضها من خشب الأبنوس، وشريطها سَيْرٌ من جلد “التيتل”، فكنت أتباهى بها بين أقراني عدة أيام قبل أن تصير عادية. وفي مرة أخرى حين عاد من الاسكندرية أحضر لي معه “خذروفاً”( ) فكنت أديره في دكة باحة الكنيسة المنحوتة من الحجر الصوان، فيطن طنيناً وهو يدور حول نفسه ويحدث صوتاً مثل رفيف أجنحة طائر الدوري حين يوشك أن يحط على نافذة غرفتي من الخارج. ورأته “سُنْجَاتَا” فأعجبها، وحين لمحتُ البريق في عينيها أخبرتها أنه يمكنها أن تحتفظ به لتلعب به في بيتها، فطبعت على خدي قبلة سريعة مباغتة ثم انطلقت تركض به نحو بيتها. حين سألتني أمي مساء ذلك اليوم عن “الخذروف” أين هو وماذا فعلت به، نظرت إلى الأرض حياء وتغير لون وجنتى، فقالت أمي:
– “سُنْجَاتَا”!؟
أجبت وكأنني سأموت من الخجل.
– نعم يا أمي!
– هه.. متى صرت بهذه الشقاوة؟ أعرف أنك مسكين وقليل الحيلة. واضح أن أقرانك علموك الشيطنة. سوف أنتبه في المرة القادمة وآخذ بالي منك!! وهي ماذا أعطتك بالمقابل؟
قالتها وقرصتني في خدي وهي تبتسم ابتسامة عريضة. جدي “دَلْمَار” كان مشغولاً معظم الوقت، ولذا فقد كانت أمي هي بمثابة أمي وأبي. كنت قريباً منها فكانت تخبرني بأشياء كثيرة وكنت أخبرها بكل شيء يحدث معي، إلا ما يحدث بيني وبين “سُنْجَاتَا”. لم أعرف ما هو شكل أبي، فلم أره قط. قال لي جدي أنني ولدت بعد فقدان أبي بأشهر قليلة، شهرين أو ثلاث. وحين كبرت قليلاً وكان الأطفال يلعبون معي كان بعضهم يناديني “بن تَانِيْشَا”، ورغم أنني كنت أحب أمي جداً إلا أنني كنت أغضب من مناداتي بهذا الإسم فقد كنت أعتبره تحقيراً لي، فكنت أنهال عليه بالضرب، ثم أخاصمه ولا أعود ألعب معه حتى يعتذر ويسترضيني. وأما لماذا كنت أعتبر مناداتي باسم أمي تحقيراً لي فقد كنت أرى أن جميع أقراني لهم آباء وينادونهم باسم آبائهم إلا أنا. فقد كانوا يدعونني باسم أمي. كنت أتخيل أبي دائماً وأعقد المقارنات في ذهني بيني وبينه. أبي يتيم الأم ماتت أمه وهو صغير، وأما أنا فقد فُقِدَ أبي قبل أن أولد. كان أبي وحيد أبيه وأمه، وأنا وحيد أبي وأمي. أبي رباه “دَلْمَار” وأنا رباني “دَلْمَار”. كنت أفكر في أبي كلما رأيت صبياً يسير مع أبيه في السوق أو أباً يعلم ابنه الرمي بالسهام خارج أسوار سوبأ. كنت أرسم لأبي صورة جميلة في ذهني. صنعت منه في خيالي بطلاً من أبطال الحروب مرة، وجعلته قائداً عظيماً مرات، وتخيلته ملكاً من الملوك متوجاً والناس يسجدون له، مثل النجاشي عندنا في عَلَوَة. وفي مرة أخرى تخيلت أن أبي هو الكاهن الأكبر في الكنيسة يجلس أمام المصلين بملابسه البيضاء الزاهية المطرزة بالذهب، بينما يقوم الشماس بتلاوة الصلاة كل يوم أحد. صنعت لأبي صور كثيرة وشخصيات متعددة. وأحياناً كنت أكلمه بكلام كثير حينما أكون وحدي. وكنت أسمعه وهو يرد على أسئلتي وينصحني. قلت لأبي مرة: أين أنت يا أبي فأنا أشتاق إليك كثيراً؟ هل تعلم أن أمي تبكي كل ليلة في فراشها؟ أنا أعلم لماذا تبكي. لأنك ذهبت سريعاً. ليتني رأيتك ولو مرة واحدة وأنا مستعد أن أتخلى عن نصف عمري مقابل ذلك. احتفظت أمي بملابس أبي التي تركها وراءه، وحين كبرتُ أخرجتها من صندوق كان في غرفة أبي ولبست قميصاً منها.afewerk-tekle_tsedey

كانت غرفة أبي مغلقة طوال هذه السنين، ولم أرها مفتوحة يوماً ولا يدخلها أحد. ويوم لبست قميصاً من قمصان أبي وخرجت من غرفتي صرخت أمي وهرعت ناحيتي واحتوتني بيديها وذراعيها وجثت على ركبتيها تبكي. كان جدي “دَلْمَار” قد عاد لتوه من القصر. لأول مرة أرى جدي غاضباً. رفع صوته وأشار بيده في حزم : – اخلع هذه الثياب فوراً. وإياك أن تلبسها مرة أخرى. من الذي أعطاك هذه الثياب؟ مجنونة أنت يا “تَانِيْشَا”؟ ما هذا الذي تفعلينه بابنك؟ – أنا لم أعطها له ولم ألبسه إياها يا عمي، فهو الذي أخذها من غرفة أبيه. خلعت قميص أبي بسرعة وألقيت به على الأرض، فأسرع إليه جدي وأخذه دون أن ينظر إليه وأعاده بسرعة في صندوق أبي وأغلق الصندوق. ورغم أنه اجتهد أن يخفي أى مشاعر في وجهه تعبر عن تصرفه هذا، إلا أنني قرأت الحزن العميق في عينيه، واضطرام وجنتيه. لاحظت الاختلاف الواضح في مشاعر جدي عن مشاعر أمي حين لبستُ قميص أبي. كان جدي منزعجاً بينما قرأت في نظرات أمي أنها لم تكن تود أن أخلع قميص أبي أبداً. التباين في ردة فعل أمي وجدي جعلت ذهني كقدر يفور بالسؤالات المنثالة. لماذا كانت ردة فعل أمي انفعالية وبهذه القوة بعد كل هذه السنين من موت أبي؟ ولماذا غضب جدي “دَلْمَار” حين رآني في ثياب أبي؟ ولماذا الحزن العميق في عينيه ووجهه؟ شيء طبيعي أن ألبس ملابس أبي. ولكن لماذا هي محرمة على؟ ومن هو أبي أصلاً؟ وهل هو ميت فعلاً؟ وكيف مات؟ وأين قبره؟ ولماذا مات قبل جدي “دَلْمَار”؟ هنل هناك شيء تخفيه أمي عني؟ أو لا يريدون أن أعرفه؟ كانوا لا يجيبونني حين كنت أسألهم: أين مقبرة أبي؟ أريد أن أزور قبره. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى الكنيسة، وكان “أبونا يُوأنَّسْ” واقفاً على عتبة الباب يهم بالخروج. ولكنه لما رآني داخلاً أقبل نحوي بلهفة حين رآني. وعاد معي داخل الكنيسة. ولكنني لما سألته هل كان يعرف أبي “أَبِيْلُّو” تغير وجهه فجأة وأصابته مسحة حزن واضحة. “أبونايُوأنَّسْ” غير ماهر في إخفاء مشاعره. ظاهره مثل باطنه، ولهذا فقد كنت أحبه. سكت ولم يرد. ثم اعتذر بلطف وقال لي إن أمامه مشوار هام ولا بد أن يدركه ولم يعدني بإكمال الحوار في مرة قادمة. انقلبت على أعقابي وخرجت من الكنيسة ، وسرت هائماً على وجهي في طرقات سوبأ، وقادتني قدماي دون أن أشعر إلى شجرة الأراك قرب الكنيسة والتي كنت أجلس تحت ظلها مع “سُنْجَاتَا” حين كنا في السابعة، بعد أن أكون قد قطعت غصناً صغيراً، ونزعت أوراقه ثم بدأت أنظف به أسناني، وكانت “سُنْجَاتَا” تأخذه من فمي وتنظف أسنانها بطرفه الآخر. كان له طعم لاسع، ورائحة نفاذة ولكنها محببة. كانت أسناننا تصبح بيضاء بعد أن ننظفها بالأراك، وكنت أقول لها: – انظري أسناني كيف صارت؟ ثم أفرج شفتي ليبدو صف أسناني ناصع البياض. وكانت “سُنْجَاتَا” تضحك وتقلدني فتفرج شفتيها وتقربهما مني وتقول: – انظر أسناني كيف صارت؟ وفي إحدى المرات قربت فمها كثيراً من فمي، وحين كانت تتحدث شممت رائحة أنفاسها فأثارت في نفسي شيئاً غريباً أصابني بخدر لذيذ، ودون أن نشعر التصقت شفاهنا، وبادرت هي فقبلتني، فكانت هي أول قبلة من “سُنْجَاتَا”، ولم أكن يومها أعرف ما هي القبلة أصلاً، ولكنني أحببتها. كانت أمي تقبلني من خدي، وفي أحيان قليلة كانت تقبلني من فمي قبلة خاطفة، وكان لقبلتها وقع مختلف وشعور آخر. أما قبلة “سُنْجَاتَا” فقد أوقدت في نفسي رغبة أن أقبلها مرات ومرات. وفي كل مرة كنت أحس بشعور غريب. في ذلك اليوم الذي شهد أول قبلة بحثت عن الكلام فلم أجده. كنا قبله نتحدث كثيراً وكانت “سُنْجَاتَا” قبل ذلك تنطلق في الحديث ببراءة، فقد كانت مترعة بالنقاء. وبعد أول قبلة اضطربت وترددت، ثم قبلتني بقوة، ثم صمتت صمت القبور. ولم تنظر في عينى بعدها. وانطلقت تجري نحو بيتها. وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين فكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفها الأيمن والأيسر وهي تجري وتهز رأسها يميناً وشمالاً، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري. خفت ألا أراها بعد ذلك اليوم ولكن اللقاءات تكررت كل يوم بعد ذلك تحت شجرة الأراك. وتكرر تنظيف الأسنان حتى صارت أسناني تبرق في الظلام. وبالطبع تكررت مشاهد ما بعد السواك.

يتبع : ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)
منقول من منتديات العيلفون جنة عدن