عمر فضل الله يواصل العزف على متوالياته السردية:

أطياف الكون الآخر نموذجا للرواية المعرفية

 

(1)رواية أطياف الكون الآخر

 

صدرت الرواية لأول مرة في طبعتها الأولى عام 2014 عن دار الياسمين بالشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وظهرت الطبعة الثانية عام 2018 عن دار مدارات الخرطوم بالسودان، أما الطبعة الثالثة فكانت عام 2020 عن دار البشير بالقاهرة مصر.

الرواية تقع في 320 صفحة من قطع الرواية المتوسط 14 x 20، والغريب أن أحداث الرواية يقع جزء كبير منها في هذه الدول الثلاثة.

قسم الكاتب الرواية إلى 14 فصلا، ولعل لإهداء الرواية الذي سنتكلم عنه لاحقاً في عتبات النص علاقة كبيرة بالفصل الثالث في الرواية والذي عنونه المؤلف بأطياف الطفولة. في الفصل الثامن من الرواية والذي عنونه الكاتب ببرابي مصر يتحدث عن مصر وأهلها وسماتهم الطيبة وحبهم للحكايات، وعاداتهم وطريقة معيشتهم، وفي الفصل الثامن من الرواية والذي عنونه الكاتب بسواجن يتحدث عن السودان وأهله الطيبين الكرماء، وفي الفصل الثالث عشر يتحدث عن الحضارة والعمران في دبي الإمارات العربية المتحدة وعنون الفصل بأبراج الوصل، وفي الفصل الأخير والمعنون بحلم ليلة صيف تحدث كثيراً عن مدينة أبي ظبي.

وكما يذكر الروائي المصري الراحل المبدع خيرى شلبى (1938-2011) أن الكاتب الموهوب هو من ينسيك أنَّك تقرأ لأنه يضعك مباشرة فى قلب الحدث دون مقدمات، فإنه يجعل منك طرفاً أصيلاً فى الفعل الفنى الخاص بالقراءة منذ السطر الأول للرواية، فإن هذا يحدث لنا بالضبط مع هذه الرواية الفريدة.

تستخدم الرواية تكنيك الاسترجاع إلى الخلف وهو ما يطلق عليه Flashback حيث بدأ الكاتب القصة من النهاية ويرجع بنا للأحداث منذ ميلاد الشخصية وحتى لحظة نهايته مع كم هائل من الدراما والتشويق الفني رفيع المستوى.

والرواية كما يتفق النقاد على أنها حمالة أوجه، يفسرها كل من يتلقاها بطريقته الخاصة وأطره المرجعية المختلفة وفقاً لخبراته وعالمه الخاص، ونظريات التلقي تعطي اهتماماً كبيراً لهذا المنظور، فقد يظن بعض القراء أن المؤلف يريد بها جانباً دعوياً يحذرنا من الشيطان وألاعيبه، في حين يظن آخر أنها لمجرد التسلية أو إعطاء معلومات عن فترات معينة، بينما يرى آخر أنها تفضح خطوات الشياطين وتكشف السحر والسحرة وتوصل إلى طريق يقصده المؤلف، وقد يرى آخر أن الرواية هذه مجرد قالب يضع فيها الكاتب آراءه ووجهات نظره الخاصة به، ولكن كل ما يهمنا في هذه المقالة إلقاء الضوء على هذه الرواية باعتبارها علامة هامة في مشروع عمر فضل الله الروائي.

 

(2)الكاتب ومشروعه في الرواية المعرفية

 

سنبتعد في هذه المقالة عن التوجه القائل بأن الكاتب هو ما يكتب، ولا يعني هذا بالضرورة أننا سنلتزم بالتوجه البنيوي في النقد والذي يهتم بالنص فقط دون غيره، رافعاً شعار: “النص ولا شيء غير النص”، مهملاً الجوانب النفسية والتاريخية والاجتماعية المحيطة بالنص.

عمر فضل الله (1956-    ) كاتب وروائي سوداني مهم ولد في قرية العيلفون بولاية الخرطوم بالسودان في أول يناير ونشأ وترعرع وتعلم في السودان والمملكة العربية السعودية، وحفظ القرآن الكريم صغيراً، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على الماجستير والدكتوراة هناك، ولا يزال يقيم بها حتى الآن بعد أن عمل بالسعودية والإمارات. الروائي والشاعر عمر فضل الله خبير بأنظمة ومشاريع الحكومة الإليكترونية وهو حائز على درجة الدكتوراة في علوم الحاسب الآلي تخصص نظم المعلومات. حصل علي جائزتين في غاية الأهمية في مجال الرواية العربية في عام 2018 حيث حصل على جائزة الطيب صالح  العالمية للإبداع الكتابي في دورتها الثامنة عن روايته «تشريقة المغربى» في فبراير وفي أكتوبر من العام ذاته حصل على جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الرابعة بفرع الروايات المنشورة عن رواية “أنفاس صُليحة”. المؤلف أيضا له ديوانان شعريان: زمان الندى والنوَار، وزمان النوى والنواح، وله أيضاً في مجال الكتابة العامة كتب كثيرة منها: حرب المياه على ضفاف النيل، حلم إسرائيل يتحقق، وتاريخ وأصول العرب بالسودان.

للكاتب تسع روايات حتى الآن تم ترجمة عدة روايات منها إلى اللغة الإنجليزية وهي ترجمان الملك وأنفاس صليحة، وتشريقة المغربي وفي انتظار القطار، بينما ترجمت ترجمان الملك إلى اللغة الروسية وهناك محاولات الآن لترجمة بعض رواياته إلى الفرنسية والروسية مثل رؤيا عائشة ونيلوفوبيا وآدم وحواء، وأطياف الكون الآخر التي ستدور مقالتنا النقدية عنها.

في أطياف الكون الآخر لا يمكن أبداً أن يكون عمر فضل الله هو الراوي، حيث إن الرواي هو الشيطان نفسه، ولذا نحينا جانبا فكرة تتردد كثيراً في أذهان كثير من النقاد أن الكاتب ليس سوى ما يكتب، على الرغم من أن الكاتب يتوسل في كتابة هذه الرواية لنا بصيغة المتكلم الذي يحكي لنا أحداث هذه الرواية البديعة التي تشد القارئ من أول جملة فيها حيث يقول في صفحة 12: “نسيت أن أقدم نفسي مع أنه أمر صعب جداً، فقد تغيرت أسمائي كثيراً حتى أنني ما عدت أذكر منها إلا القليل. فقد اتخذت اسماً في كل دورة من دورات الزمان، وجسماً فيما لا أستطيع أن أعده من الأماكن والأحوال. أستطيع أن أصير كبيراً في الحجم مثل الجبل أحياناً، أو أتضاءل فأصير مثل نملة صغيرة. وعندي قدرة عظيمة على الطيران، فأنا أسرع طيار في العوالم السبع وأستطيع الانتقال من أي مكان إلى آخر، مهما كان بعيداً وذلك بمجرد النظر ناحيته. ولكنني الآن ما عدت أقدر على تلك الحركة وذلك الطيران”، ولا يتردد الكاتب على لسان الشيطان أو إبليس في أن يخبرنا بنفسه عن كنهه، وكيف أنه يختلف عنا تماما نحن البشر الذين يطلق علينا بني الصلصال حيث يقول في صفحة 14 من الرواية وهو يخاطب المتلقي أو القارئ بقوله: “مازلت تحس أنك خائف مني؟ هل مجرد ذكري مخيف لهذه الدرجة؟ وهل تصدق أنني أخاف منك أكثر مما تخاف أنت مني وتخشاني؟ أنت في نعمة كبيرة فأنا خفي بالنسبة لك ولا أظهر لك ولا تراني إلا نادراً، ولكن أنت بالنسبة لي نقمة وعذاب”. لا يهتم الراوي باسمه ولذا نجده يقول في صفحة 13: ” ما هو اسمي الآن؟ سمني ما شئت فلا فرق عندي. فما عادت الأسماء شيئاً ذا بال، ولا أصبحت تدل على شخصيات أصحابها. فما هي إلا مجرد أسماء”. ويخبرنا في صفحة 16 بأن جنود أبيه عزازيل طاردته معظم أيام حياته، وبعدها يحدثنا عن أمه، وكيف ماتت في مخاضه قبل أن تراه، وبعدها يحدثنا عن أبيه عزازيل سيد بني الناروالعدو الأول لبني الصلصال كما في صفحة 23 من الرواية،

هذه الرواية تنتمي للمشروع الروائي للكاتب والذي يمكن أن نطلق عليه مشروع الرواية المعرفية، والذي يهدف إلى تحقيق كل من المعرفة وإتاحة المعلومات من جانب Information والمتعة والتسلية من جانب آخرEntertainment ، وهذا يعني ما يمكن أن نطلق عليه Infotainment حيث يتحقق للقاريء لذة المتعة الناجمة عن القراءة والناتجة عن الاستثارة والتشويق من خلال أحداث الرواية، بالإضافة إلى إمداده بالمعلومات الهامة التي يمكن أن تضيف للجانب المعرفي للمتلقي في مختلف الجوانب، وسنوضح جانباً كبيراَ من مشروع الكاتب الروائي في الرواية المعرفية عند إخضاع الرواية للتحليل في هذه المقالة.

لننظر جيداً إلى أول جمل في الرواية حيث يبدأ الراوي والسارد العليم حديثه في الفصل الأول من الرواية كلامه بصيغة المتكلم الحكاء، ثم يخاطبك كقارئ أو كمتلق ضمني أو صريح، فتجده يوجه الكلام لك شخصياً، ولعل هذا كسر حدة صوته السارد، ولقد أوضحنا هذا من قبل، كما نبه الكاتب القارئ بعدها لاستكمال الرواية، لأنه بالفعل شيطان ثرثار، يستطرد كثيراً ثم يعود إلى نفس النقطة التي تركها ليستكمل حكاياته التي لا تنتهي بطريقة فنية مثيرة درامية تجبرك على إنهاء الرواية في جلسة واحدة أو جلستين على الأكثر، فالكاتب يمتلك ذخيرة من حيل التشويق والمفارقات والاستثارة التي تأخذك من أول سطر في الرواية، بل بداية من عتبات هذا النص البديع الذي أظن أنه مكتوب بطريقة فنية تختلف عن كل من سبقه.

 

 

 

(3)عتبات النص

 

في صورة غلاف الرواية نجد صورة مشوشة أو مغبشة لشخص غير واضح المعالم يسبقة أربعة أشخاص بنفس الصورة دون القدرة على إمكانية تمييز شكلهم أو ملابسهم، على أن الشخصيات التي تسبقه تطول وتكبر في كينونة أطياف تعلو وتكاد تصل السماء وهم يسيرون في مكان أشبه بغابة أو كوة ستبتلعهم جميعاً في عالم من المجهول، ولكن اليقين أنهم على هيئة البشر، أو كائنات تتلبس البشر، وهذا ما حدث بالفعل في الرواية مع شخصية إبليس حين تلبس امرأة وهي (رحمة)، أو عندما كان يتلبس جسد أي شخصية يريدها ليتخفى، كما أنه جيد في التخفي في شخصية تاجر هندي وأمير من أمراء الشرق، أو أي رجل يريد أن يكون في صورته. هؤلاء وكأنهم يخرجون من بؤرة الانتباه ليغيبوا في عالم آخر باهت الملامح، ومن الواضح أنهم ليسوا من عالمنا أو دنيانا، ولعل هذا يشير إلى فكرة الأطياف أو الطيوف، أو إلى شخوص مجهولة بالنسبة لنا.

يتفق هذا مع فكرة الرواية بأننا سنغوص مع شخوص وأبطال ليسوا من عالمنا وإنما من عوالم أخرى وأكوان مغايرة ، ولعلنا نريد أن نعرف عنها أو نسبر أغوارها لأنها تثير انتباهنا وتجعلنا نتطلع لمعرفة أشياء عنها.

يؤكد هذا لنا إهداء الكاتب هذه الرواية في صفحة 5 من الرواية: إلى طفولتي الجميلة أهدي أحلامي”. ولعل فترة الطفولة من أكثر فترات العمر إغراقاً في الخيال وغوصاً في عالم الجن والأساطير والحكايات، فلم نكن ننام في هذه الفترة حتى نستمع لحكايات الأمهات والجدات عن عالم الجن والعفاريت والأبالسة وحكايات الأساطير التي ظلت آثارها فينا حتى مرحلة الكبر والنضج.

يقدم لنا الكاتب طريقة جديدة تأسرنا في أغوار روايته وتشد أقدامنا نحو الرواية حيث يقول في مفتتح الرواية قبل الفصل الأول في صفحة 7 حيث يقول المؤلف: هذه الرواية أملاها طيف زارني ذات ليلة!”.

 

(4)المتن الحكائي والمبنى الحكائي

 

علينا قبل أن نبدأ في عرض البناء الدرامي للنص أن نفرق بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي. المتن الحكائي يعبر عن الأحداث الروائية كما وقعت بالفعل، أو كما يفترض أنها حدثت في الواقع، ولذا فمن الطبيعي أن تكون خاضعة لمبدأ السببية والتتابع الزمني والسلسلة الزمنية كما وقعت فعلاً.

أما المبنى الحكائي فيختص بطريقة بناء العمل وتركيبه بشكل يبرز الخلافات بين كاتب وغيره في طريقة تقديم هذه الأحداث.

فلو ذهب فلاح إلى السوق بعد أن حصد المحصول في حقله وباعه، فهذا يعد بمثابة المتن الحكائي، أما المبنى الحكائي فيبرز لو قام أكثر من كاتب بتحرير هذه القصة أو إعادة كتابتها بطريقته الخاصة، فسيبرز كاتب ما أحداثاً معينة ويغفل أحداثاً أخرى أو يقلل من أهميتها، بينما يركز كاتب آخر على تعب الفلاح في عملية الزراعة، بينما يركز غيره على عملية التعب في السوق من أجل البيع بمكسب كبير.

هذا الجانب والذي نعني به المبنى الحكائي يعني عملية الخلق الفني والإضافة إلى القصة وإضافة أو حذف شخصيات ورقية قد يكون لها أصل في الواقع أولاً، وكل هذا لتتصارع وتتحاور وتختلف وتتفق، وعلى الكاتب أن يكون بعيداً عن هذا العالم الذي يخلقه متحرراً من مواقفه الأيديولوجية وسلوكياته العاطفية، فتتحقق للقارئ متعة جمالية نتيجة موضوعية المؤلف، ولكن الكاتب في هذه الرواية بالذات، وفي معظم أعماله لا يستطيع أن يتخلى عن أيديولوجيته الواردة والظاهرة بجلاء في معظم أعماله والتي تتمثل في عدم مخالفة ما ورد في القرآن العظيم والسنة النبوية عن إبليس والأنبياء والتي تتجلى طول فترة قراءتنا للرواية، فالكاتب ملتزم تماما بكل ما جاء في القرآن والسنة في روايته، ولم يحد قيد أنملة عن التزامه التام بهذه الأيديولوجية، ولعل هذا يوضح ضرورة ما ذكرناه من قبل عند الحديث عن نشأة الكاتب إذ حفظ القرآن الكريم في مرحلة الطفولة مبكراً، كما أنه درس وعمل لفترة في المملكة العربية السعودية.

 

(5)بين أطياف الكون الآخر لعمر فضل الله وأولاد حارتنا لنجيب محفوط

 

تختلف رؤية عمر فضل الله لإبليس كثيراً في هذه الرواية عن رؤية أديب نوبل نجيب محفوظ (1911- 2006) لشخصية إبليس والتي جسدتها شخصية إدريس في رائعته أولاد حارتنا حيث سببت جدلاً كبيراً في الأوساط الأدبية والثقافية والدينية وقت صدورها، ، وهناك سببان أساسيان لهذا الاختلاف: الأول التزام عمر فضل الله الديني وأيديولوجيته التي أوضحناها من قبل بينما لم يلتزم نجيب محفوظ بشخصية إبليس كما جاءت في الكتاب والسنة، بل جعله محفوظ يبيع البطاطا والتين الشوكي على عربة يد ويرقص عجيزته بعد طرده من البيت الكبير بيت الجبلاوي، كما أن شخصية إدريس في أولاد حارتنا رمزية على العكس من شخصية إبليس في عمر فضل الله فهي حقيقية، والسبب الثاني أن نجيب محفوظ في أولاد حارتنا كان يحكي قصة الكون كله منذ النشأة، كما تعرض لأنبياء كثيرين، على العكس تماماً من عمر فضل الله، والذي كانت زوايته مختلفة تماما، حيث لم يذكر الأخير شخصية النبي موسى وهي شخصية جبل في أولاد حارتنا أو عيسى وهي شخصية الرفاعي في أولاد حارتنا، كما أن إبليس لم يكن الشخصية الرئيسية في رائعة نجيب محفوظ، خلافاً لشخصية إبليس المهيمنة والساردة منذ بدايتها وحتى نهايتها في أطياف الكون الآخر.

 

نلمس في رواية أطياف الكون الآخر ونحن نحاول أن نستكتشف العلاقة بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، إمكانية تحول الواقعي إلى خيالي والعكس، وهذا ما قام به المؤلف بالفعل ببراعة، ولذا سننقترب من الإضافات الجمالية أو الحذف الواردة في العمل عند الحديث عن الشكل الفني، وهذه طريقة يمكن أن نسميها في عالم السرديات بالصيغة السردية.

وبتطبيق هذه النظرية على الرواية التي بين أيدينا حيث نخضعها للمناقشة نجد أن المتن الحكائي واضح ومعروف للبشر، منذ خلق الله آدم على الأرض، بل من قبل هذا ومن قبل خلق آدم، حيث كانت هناك مخلوقات تعيش في هذا الكون من قبل آدم سفكت الدماء وتقاتلت كما أخبرنا القرآن بأن الملائكة سألت رب الكون إذ أخبرهم بأنه سيخلق في الأرض خليفة. سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من العالين ورفض السجود لآدم عاصيا أمر الإله الواهب الخلاق. طُرد من الجنة ومن رحمة الله، وتكفل بإغواء المؤمنين عبر العصور ليقعدهم بعيداً عن صراط الله المستقيم، وبدأ الصراع بين إبليس وأهله للكيد لبني البشر والصراع ممتد حتى اليوم، حتى عندما يبعث الله الرسل والأنبياء ليعيدوا للناس صوابهم وإيمانهم برب الكون، ومن الناس من يؤمن ويتبع سبيل الرسل، ومنهم من يكفر ويتبع طريق الشيطان واسمه في الرواية هنا عزازيل، وهو والد الراوي حتى بعثة محمد آخر الأنبياء والرسل وحتى تقوم الساعة.

هذا هو المتن الحكائي للرواية، أما المبنى الحكائي في هذه الرواية فيختلف إلى حد ما، ولا ينطبق أساساً إلا في الفكرة الأساسية حيث يعد الشيطان عدوا لبني الصلصال، ويبرع الكاتب في إضافة شخصيات وحذف شخصيات أخرى أو تعمد عدم ذكرها، ويفعل نفس الشيء في الأحداث، وهذا ما سندلل عليه لاحقا بعد الحديث عن البناء الدرامي للنص.

 

(6) البناء الدرامي للنص

 

تنتمي هذه الرواية إلى البناء التقليدي الأرسطي الخاص في حبكته بالبداية والوسط والنهاية، على الرغم من توسلها بمحاولات الكاتب الظاهرة في استخدام تكنيكات الحداثة وسرعة الانتقال وفجائيته إلى دول عربية متعددة، والتحول في الزمان لما يزيد على ثلاثة آلاف سنة، واستخدام تكنيكات الحذف والإضافة، والإيغال في مختلف المدارس الأدبية غير الكلاسيكية كالواقعية والرمزية والسيريالية وما إلى ذلك، ولكن حبكة الرواية في الحقيقة تقليدية تعتمد على صوت الراوي الواحد، الذي يحكي القصة عبر سنوات مختلفة وفي أماكن متعددة، ملتزماً بالبناء الذي سبق به أرسطو منذ أكثر من ثلاثة قرون قبل الميلاد. الكاتب يحكي رحلة حياة ابن عزازيل، وأيضا يعتمد على شخصيات أعدها مسبقاً لتوضيح فكرته وإيصال المغزى الذي يهدف إليه المؤلف، وهذه الشخصيات يورطها في أحداث بحبكة معينة ومن خلال صراع في حبكة معدة مسبقاً، ومهارة فائقة في الحوار ستتضح عند الحديث عن الجوانب الفنية في النص والإبداع في استخدام جناحي الإبداع الروائي من سرد وحوار ببلاغة وعبقرية تثير الذهن وتنمي الخيال وتسابقك لنهاية الرواية التي تجري خلفها بشكل يقطع الأنفاس من لذة المتابعة.

تبدأ الرواية بحديث من إبليس وهو يتحدث عن كبره وعجزه وشعوره بدنو الأجل، ثم يعرج في حديثه عن والديه، ويخبرنا أنه ابن زنا، ومع ذلك عندما نمضي قدما في الرواية لنكتشف أنه أسلم وحسن إسلامه وسافر للحج وصار يحافظ على الصلوات في مواعيدها في المسجد صفحة 263 من الرواية، ولا أدري ما الدافع الدرامي أو الحتمية التي تجعل من شيطان هذه الرواية ابن زنا، ومع ذلك يسلم. ولا أدري ما الحتمية الدرامية التي جعلته يتزوج من رحمة؟ أكان هذا هو السبيل الوحيد ليتلبس جسد امرأة أو يحل فيها رغم أنه طيف؟!

تكون الرواية في تصاعد بالأحداث الدرامية عندما يحكي بطريقة شائقة عن خروجه للحياة من رحم أمه (فريجا) في جب عميق تحت الأرض وكيف أرادت أمه أن تنقذه من سطوة أبيه بالهروب إلى الأرض السابعة وكيف ماتت قبل أن تلده، وهي مع ذلك تحبه لدرجة أنها طمست ملامحه لتنتقم من أبيه وهي أجمل أنثى في تاريخ الأكوان، ولذا أحبها أبوه على مر التاريخ ولم ينسها أبدا، ولقد ساعد طيفها إبليس مرات عديدة وأنقذه من بطش أبيه ودله كثيراً على الصواب وطرق الهرب.

يحكي لنا إبليس الراوية الأساسي والبطل قصة والده طاووس الملائكة ورفضه السجود لآدم، ويحكي لنا سبب اهتمام والده عزازيل بأسطورة جلجامش بتشويق غاية في الروعة ويكشف لنا السبب في هذاحيث استغل بني إسرائيل هذه الأسطورة للتغيير في التوراة، ويشرح لنا بعد ذلك طفولته وصداقته مع (أشتوت)، ويحدثنا بعدها عن السحر مع (نمكور) الساحر اليتيم و(قاتش نيسابا) وممارسة الجنس وفضح ما يحدث والعقد المبرم لبيع الأرواح، وطقوس والزار وطقوس التعميد، وفي منتصف القصة أو وسطها يقع إبليس في حب (ميسون) ويجرب العواطف البشرية عندما أراد أن ينقذ المرأة التي هي على دين إبرام، وهو إبراهيم النبي، ويسافر لمصر ولا يلحق به، ثم يسافر له في مكة بعد أن يسلم بعد سلسلة من الأحداث يسافر فيها إلى كثير من الأماكن.

وفي نهاية الرواية ينتقل شيطان الرواية وبطلها الأول والأهم إلى أبراج الوصل في دبي ويُبهر بها ويشبها بوادي عبقر حيث يُعجب بالحضارة والتقدم، وتختم الرواية بأن يكشف لنا عن البيت الذي استقر فيه في أبي ظبي وينتظر الموت فيه حيث يتمنى أن تكون مذكراته وضعت بعض المفاتيح لمعرفة عالمنا الغامض‘ وقبلها يتحدث بلغة الفيلسوف وبشكل تقريري عن حضارتنا قائلا: “إن ضعف حضارتكم يعود إلى جنوحكم لعالمكم المحسوس المنظور وحده دون غيره، وإيمانكم به مع إنكار العالم غير المادي، أو التنكر له رغم وجوده في اللاوعي عندكم جميعاً، مع أن كل فرد منكم يحمل في جوانحه روحاً تتحكم في الجسد وتسيره، وعقلاً يفكر له، ونفساً مليئة بالمعاني والمشاعر، وكل هذه أشياء غير مادية وغير منظورة، بل هي الحاكمة والمسيطرة على عالم المادة”. يطلب منا بعد هذا أن ننتظر ليملي طرفا آخر من مذكراته، ثم يقول لنا في آخر سطور الرواية في صفحة 316   ما يلي: “ حركة يدك وأنت تلمس صفحة الورقة وتتحسسها بأصابعك في حياء تدل على أنك مستيقظ بالفعل.. جميل جداً. لقد نجحتُ في أداء دوري. فأنت تستمتع بالقراءة ومتابعة الأحداث. هل مازلت تظن أنك نائم وأنك تحلم؟ لا فائدة فيك… استيقظ .. وعش حياتك !!”

تعج الرواية بشخصيات أضافها الكاتب من وحي خياله نحب بعضها ونبغض بعضها، وقد نجح الكاتب في استدراجنا بالفعل إلى هذه المحبة أو كراهيتها بأسلوبه الدرامي الساحر أحيانا والساخر في أحيان أخرى، كما أقنعنا بشخصية الشيطان الرئيسة الثرثارة فجعلنا نتعاطف معها ونعيش معها مشاعر الحب أو الكراهية أو الخوف أو التعجب.

تكنيك القطع أو الانتقال من حال إلى حال أو من موقف لآخر أثمر وجعلنا في حالة تشوق مستمر لنعرف ماذا سيحدث فيما بعد، وكذلك الانتقال من الأحداث الأساسية إلى أحداث فرعية أو أقل أهمية مع تكنيك المطاردة جعل الرواية أكثر سرعة، لا سيما في الأحداث في معبد أوروك ومحاولة إنقاذ المرأة الإبرامية التي أحببناها لاتباع تعاليم دين إبرام والحبيبة ميسون.

أحببنا شخصية (أوشيك) المتدين المحافظ على أذكاره، وتابعنا رحلة إبليس بطل الرواية وساردها، وأحببنا شخصية (رحمة) الطيبة المرسومة بدقة أجبرتنا على حبها لبساطتها على الرغم من أنها عرفت إبليس من أول وهلة، ومع ذلك وافقت على الزواج منه.

المفارقات الدرامية التي أبرزها لنا الكاتب على لسان إبليس وهو فر حالة ذهول من مخترعات العصر الحديث جعلتنا نضحك أونشعر بالسخرية من هذا الشيطان الذي بنبهر من الكهرباء وبطاقة الدفع الإليكترونية والميكروييف والبنايات الشاهقة وأبراج دبي.

 

 

(7) تقنيات السرد والمتواليات السردية في الرواية

 

(6)

تودروف

 

(7)

السرد ومهارة الحوار

 

(8)

الفكاهة في الرواية ومصدر المفارقة

 

(9)

القديم والحديث وعرض رحلة الكون

 

(10)

الحكمة والفلسفة

 

(11)

قصة الكون ونشأته ومحاولة تفسير ما يحدث فيه

 

(12)

التضمين

الشعر والقرآن

 

(13)

القص السردي والدراما والارتقاء باللغة

 

(14)

البناء الدرامي وعناصره والمؤثرات الفنية

 

 

***

(1)

 

للكتابة أحياناً بالنسبة للكاتب مفعول الدواء أو فلنقل مفعول النسمة المنعشة في صيف قائظ، فلها وحدها القدرة على امتصاص الغضب والضجيج الداخلي ولها وحدها إمكانية التعبير الصادق عن مكنونات النفس ونوازعها، قبل أن تكون ومضة ضوء موجهة نحو المجتمع تبحث عن مكمن خلل أو وسيلة للحل. فالكتابة حالة إبداعية خاصة لا يمتلك زمامها إلا من أوتي الموهبة والقدرة بالإمساك بعنان الكلمات قبل أن تنطلق من بين يديه كفرس جامحة.

ويعبر الكثير من الكتاب عن الكتابة بأنها متعة حياتهم وسبب وجودهم ومصيرهم الأبدي الذي لا فكاك منه، فالكاتب التشيكي فرانز كافكا وجد في الكتابة هدف حياته وجوهر وجوده.

والكاتب الروسي فيدور ديستوفسكي كان يكتب من أعماق روحه ويصور كل الانفعالات والحالات النفسية التي يمر بها الإنسان حتى تبدو شخوصه كأنهم بشر حقيقيون يعيشون بيننا بمعاناتهم وصدق مشاعرهم، حتى قال عنه سيجموند فرويد مؤسس علم النفس الحديث: (كل مرة أنتهي من كتابة بحث عن حالة نفسية أجد ديستوفسكي قد كتب عنها في رواياته).

أنطون تشيخوف الطبيب الذي أصبح من أعظم الأدباء في الأدب الإنساني كان يقول: (إن الطب هو زوجتي والأدب حبيبتي)، أما الكاتب البريطاني جورج أورويل فقد ذكر بأنه قرر منذ أن كان طفلاً بأنه سيصبح كاتباً، رغم أنه يقر بصعوبة معرفة دوافع كاتب دون معرفة شيء عن تطوره المبكر وعصره الذي يعيش به، ويُحدد أورويل أربعة دوافع للكتابة، هي: حب الذات، والحماس الجمالي، ثم الحافز التاريخي والهدف السياسي، ويضيف أورويل أيضاً (أكثر ما رغبت به هو أن أجعل من الكتابة السياسية فناً).

أما الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي فتقول: (أحتاج أن أروي قصة، إنه هاجس فكل قصةٍ هي بذرة في داخلي، تبدأ في النمو والنمو حتى تصبح كالجنين، ويجب عليّ أن أتعامل معها عاجلاً أو آجلاً).

وتضيف الليندي (على مرّ السنين، اكتشفتُ أن كل القصص التي رويتها، وكل القصص التي سأرويها مرتبطة بي بشكل أو بآخر).

والكتابة بالنسبة للكاتبة والروائية العراقية الكبيرة لطفية الدليمي فهي كما تقول: (متعة شخصية خالصة كمثل متعة الحب — الكتابة بالنسبة لمن يدرك سرها — فعل حرية نمارسه مع انفسنا دون انتظار مباركة او تكريس من خارج ذواتنا وكلما اتجهت الكتابة إلى البحث عن ثمن او مردود لها في عالم السوق تحولت إلى سلعة قابلة للفساد، يالجمال الكتابة عندما لا تنتظر سوى متعة لحظتها التي تتوالد وتكبر في حياة الكاتب كفعل الحب العظيم — شكرا للحياة لأنني اكتب ما أحب وأحب).

أما الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب يصف الكتابة بأنها نشاط إبداعي لا يستطيع أن يعيش بدونه، لأنه كما يصف نفسه (اشبع رغبة بداخلي في أن اكتب). ويصف الكاتب السوري الكبير حنا مينا نفسه بأنه (كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين) ويضيف مينا (مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب بل هي طريق شاق صعب).

وحينما سُئل الأديب والكاتب التركي أورهان باموك الفائز بجائزة نوبل في الآداب لماذا تكتب؟، قال ببساطة: (أكتب لأن تلك رغبتي، أكتب لأنني لا أقدر على القيام بشيء آخر غير الكتابة، أكتب كي أشير أو أناقش بعض الآراء التي وردت في كتبي، أكتب لأنني غاضب منكم جميعا، من العالم كله. أكتب لأنه يروق لي أن أنزوي في غرفتي اليوم كله. أكتب لأنني لا أستطيع تحمل الحقيقة إلا وأنا أغيّرها، أكتب حتى يعرف العالم أجمع أي حياة عشنا، وأي حياة نعيش، أكتب لأنني أحب رائحة الورق والحبر، أكتب لأنني أؤمن فوق ما أؤمن به، بالآداب وبفن الرواية، أكتب لأن الكتابة عادة وشغف).

أما الروائي المغربي الطاهر بن جلون فيقول: (أكتب لأنني احب ممارسة الكتابة، وأحب أن اكتب بصراحة وبكل احساسي، الكتابة بالنسبة لي ممارسة يومية ولا اعتبرها عملا شقيا بل اعتبرها واجبا قوميا.. أقوم به بكل شغف)، كما يقول الشاعر العراقي الكبير عبدالوهاب البياتي: (اكتب كي لا أموت، اكتب كي أستطيع مقاومة الموت وهذا يعني الكثير).