إلى الدكتور عمر أحمد فضل الله من أحد معحبيه حجازي معتصم من الطليح

العيلفون ملتقي النبوغ والفكر والإبداع …
علي الشاطئ الأيمن من نهر النيل الأزرق الدفاق جنوبي محافظة شرق النيل تربض مدينة العيلفون بكل ثقلها الحضاري العريق؛ تقابلك مآذنها العاليات وقبابها الزاهيات متألقة وضاءة؛ وكأنما عناها أمير الشعراء ( أحمد شوقي ) – وهو يستقبل بلاده بعد غيبة – قائلآ :-
هدانا ضوء ثغرك من ثلاث … كما تهدي – المنورة – الصحابا …
تكاد تطل عليك من خلال هاتيك المآذن والقباب مواكب العلم والعلماء التي ازدانت بها العيلفون عبر القرون ؛ والعيلفون في تاريخها الحديث تشكل بوتقة إنصهرت فيها كل أجناسها العديدة ؛ في تناغم وإنسجام ينظرون بعين معجبة لذلك السجل الحافل بالأمجاد من لون الشيخ إدريس في دولة الفونج حيث كانت بلاده مورداً عذباً لكل طلاب العلم يعلمهم الشيخ ويجزل لهم القرى، حيث تدور جفونه الواسعات، من جيد الطعام تغرف من قدور راسيات ، وقد بلغ الشيخ درجة علمية عالية ، شهد له بها شيخ علماء الأزهر ( علي الأجهوري ) عندما حاوره أحد تلاميذه حاملاً رأيه في قضية تحريم التمباك ؛ فبعث الأجهوري للعالم السوداني ود الأرباب بشارة ومعها هدية إيذاناً له بالفتوى وإعترافاً باستقلال الرأي السوداني، في مجال العلم.
وتتعطر أجواء العيلفون من بعد ذلك بأريج نار القرآن ومن أشهر شيوخهم – الشيخ ( المقابلي ) الولي العارف الذاكر ، وفي العلم والفروسية يقابلك الشيخ – ( مضوي عبد الرحمن ) على صهوة فرسه يحمل سنانه ويحاصر الخرطوم من صفحتها الشرقية ، مساعداً المهدي في حصاره دولة الكفر حتي تم الظفر وانتصر الإسلام .
وسجل العيلفون الحديث به قامات تربوية عديدة آخذ منه نموذجآ – أستاذ ( أحمد حامد الفكي ) ، مشيراً إلى دوره في إعلاء شأن العلم في بخت الرضا وفي غيرها من المحافل التربوية ؛ وغير هؤلاء – فهم كثيرون .
إن هذا السجل الذي نأخذ منه شذرات ليدعو أجيال العيلفون الحديثة ، إلي تضافر جديد في إطار قومي موحد لإعادة ذلك الماضي المشرق .
لقد دارت بخلدي هذه الخواطر ، وأنا بين المثقف والمبدع والمفكر والعالم المتميز..
( الدكتور عمر أحمد فضل الله ) مثالاً .. فهو مبدع ومفكر وعالم وكاتب وأديب وباحث من مبدعي ومثقفي السودان ، تجاوز حدود الإبداع والثقافة إلى ما يمكن أن يطلق عليه
” الموسوعي اللامع ” ، يغترف من بحور الثقافة والمعرفة ما يوزن جبالا” من الذهب والمعادن النفيسة !!
ليس بمقدورك أن تصنفه من أي جيل هو ، من أجيال الأدب والثقافة والإبداع ، كلما حاولت الإقتراب منه تجد أن المسافة بينك وبينه طويلة وشاقة، ويتعذر عليك أن تقترب من شواطئها إلا بقدر معقول، وهو مايسمح لك سعيك لمجاراته دون أن تجد بمقدورك إلا أن تترك مسافة معقولة بينك وبينه ، حتى لا تغرق في أعماق مياهه الهادرة أو يصيبك الدوار من شدة ما ستواجهه من أهوال عندما تسعى للإقتراب من شواطئه ،وكأنك في رحلة سفر شاقة في بحر الظلمات!!
لكنه واضح كوضوح الشمس لايتلون ولا يهوى قلب أعناق الحقيقة أو يقبل بالمراوغة معها أو الإلتفاف عليها ، يقول كلمته بلا خوف أو تردد حتى وإن أغضبت الكثيرين أو لم تعجبهم ، شامخ كشموخ النيل في أعماق حضارته وسعة معرفته ، ويغترف من مياه النيل منابع إبداعه الفلسفي والأدبي والثقافي عموما” لكنها ثقافة من نوع خاص ،وهو ربما يتمنى دوما” لو أن السودان قد أوقعته الطبيعة قرب أحد المحيطات، لكي يكون بمقدور من يلج من أغوار الثقافة وعالم الإبداع أن يستزيد منها ، وهو ينهل من سحر الطبيعة وجمالها الخلاب ما يمكن أن يداعب مخيلة هذا المبدع المتميز على كل أطر وجوانب الإبداع، وكانك أمام مثقف عملاق إرتقى الى مكانة أولئك الكبار من أعمدة الثقافة والأدب والعلوم ممن كتبوا في سفر السودان مايخلد ذكرهم الطيب لقرون، وهو قليل الإنتاج الثقافي، بالرغم مما صدر له من روايات ومقتطفات أدبية إبداعية هنا أو هناك ، لكن موسوعيته الثقافية والعلمية حين تقابله أو يتسع لك الوقت لمحاورته أو الدخول في جدل فلسفي معه تكفي لمجلدات من الفلسفة والنظريات ، وكم تتمنى لو يكون بمقدورك أن تلم ببعض من إضافات هذا الرجل، الذي يفتخر السودان بأنه أحد نجومه بل كواكبه المضيئة علماً وثقافة وأخلاقاً وأدباً جم وقيماً وإبداعاً ونظريات وفلسفات ، وما أن تريد أن تغترف من أي علم من علومه حتى تجد مبتغاك في أن تشبع نهمك مما أنت تحلم به من أمنيات وما يختلج في دواخلك من معالم الإبداع، ويكبر بك لينقلك إلى عوالم أنت تجهل عنها الكثير، أو ربما لم تكن لديك القدرة على مجاراة تلك الثقافة الموسوعية التي أودعها الله في عقل هذا الرجل وضميره، حتى أوصلته الأقدار إلى تلك القيمة الإبداعية النادرة كندرة المعادن النفيسة والمياه النقية بين ينابيع الطبيعة وسحرها الخلاب!!
رجل ليس من السهولة أن تخوض في مكنوناته ، لكنك ما إن تقترب منه لفترات أطول ، حتى تجد أنه ليس بمقدورك إلا أن تستزيد من غزارة علمه وسعة مداركه، يحول الكلمة إلى لغة مصقولة موجزة بليغة يختزل بك البلاغة إلى أقصى حدودها ، ويخرج منه النص الإبداعي رشيقاً حلو المذاق طيب المنبع ، وقد يحول بعض الكلمات إلى سيوف يقاتل بها، في الوقت الذي يطوع الكلمة في وعاء آخر أو مناسبة أخرى ليجعل منها إبداعاً سحرياً يداعب مخيلة الحالمين بالمجد، أو ربما يبلغ بك عندما تقترب منه مبالغ أمراء الحرب وأمراء السلام، فهو لايهوى الحرب إلا في إطار المعرفة الإنسانية، “حرب العقل والمعرفة” وسيفه عقله وجواده هو هذا الخيال الجامح الذي يصهل بعالمه ، حتى لتجد أنك أمام فارس مغوار يلوي ذراع منافسيه، ومن يود مبارزته، حتى لتتخيل نفسك أمام مبارزة من نوع خاص قد تضطرك للتراجع عن مواجهة سهامه، ومع هذا تبقى تهوى تراقب مشهد المعركة التي يود الخوض فيها وكيف يرمي سهامه لانها لاتصيب أياً من جسمك بكدمات، بل تزيدك قدرة على أن تبلغ مديات الرجال المحاربين بسلاح المعرفة والثقافة فوق قدراتك المعرفية إن صح التعبير، إذ أن محسوساتها صعبة الإدراك إلا عندما تبلغ من العلم رسوخاً وعلو شأن !!
إنه الكاتب والأديب والروائي والمفكر والباحث والموسوعي والعالم الجليل السوداني الدكتور عمر فضل الله الذي وهبه الله من قدرات الإبداع والتميز الفكري الخاص ما يشكل جبلاً من جبال الإبداع الشاهقة، كلما حاولت الصعود وأن تلج وديانه ومرابعه، لتصعد إلى أعالي قمته حتى تعود قهقرياً إلى الوراء !!
من مواهبه التي من الله بها عليه أن لديه في القدرة على تطويع الكلمة وأن يستخرج من معادنها، كلمات مصقولة تغنيك عن قراءة كتب ومجلدات، فتقف حائراً أمام هذا الرجل الذي تتدفق كل مجريات الإبداع من قلبه وقلمه، مايجعلك ترتجف أن حاولت الإقتراب من شواطئه، لكنك ستبقى في كل الأحوال بعيداً بمسافة ما عنه حتى وإن سعيت لأن تمتلك إرثاً ثقافياً ومعرفياً يدخلك في منتجعات الإبداع ، وكلما حاولت الإقتراب لشغف في معرفة قيمته الإبداعية تشعر أنك أمام بحر متلاطم الأمواج، ليس بمقدورك مضاهاة أمواجه أو معرفة إلى أي المديات بمقدورك أن تغوص في أعماق تلك البحيرات التي تتدفق عذوبة ورقة وسماء صافية رقراقة، تجد فيها كل مايشدك الى سحرها الخلاب.
المبدع المتميز في بلدتنا ممن على هذا المستوى من الرجال هو من شق طريقه وسط منظومات فكرية وأخلاقية وسياسية ويخرج من كل هذه المنظومات بإطار جديد مختلف تماماً؛ ويضيف إلى المعرفة الإنسانية ما يشكل عالماً خاصا به، يشكل إطار إبداعه وتميزه وإضافاته الفكرية، فهذا مالا يتوفر للكثيرين ممن ولجوا عوالم الإبداع ،والتميز وصار إسماً لامعاً ليس من السهولة الدخول في عوالم مكنوناته الفكرية والقيمية، بعد أن بلغ شأناً من القيمة الإبداعية ما لا يمكن بمقدور أحد من أن يجاريه أو يقترب من شواطيء إبداعه ، ولهذا تبقى هناك مسافة يصعب على الكثيرين الولوج في مياهها وسط صخب البحر الهائج دوماً، وهو مايؤهله لأن يبقى أحد أهم الروافد التي تسقي بحور الإبداع ويرتشف منها محبوه ومن أهلتهم الأقدار للإقترب منه ان يجدوا فيه مبتغاهم الى حيث علو المنزلة ومنازل الكبرياء !!
السؤال الذي يراود الكثيرين ممن يعرفون عنه ثقافته الموسوعية، لماذا لايحب هذا الرجل تسليط الأضواء عليه في وسائل الإعلام، وتبدو إجابته مقنعة إلى حد ما أن حال الزمان الذي نعيشه، وما يواجهه من أهوال، وعزوف كثير من المبدعين عن الظهور ، وإهمال الكثيرين للثقافة وللمبدعين وعدم الاكتراث بهم وبقيمتهم الفكرية والأخلاقية هو ما يرغم الرجل للابتعاد عن الأضواء، لكن كثيرا من المبدعين في مجالات الأدب والثقافة والإعلام يدركون معنى مايحمله الأديب والمفكر الكبير من بحور الإبداع، مايشكل زاداً يغترف منه كل حالم بمجد او الصعود الى حيث ما يتمنى الأخيار ان الكواكب اللامعة ليس بمقدور الغيوم والسحب وأمطارها الكثيفة أن تحجب أضواءها، إن لم تزدها تالقاً وعلو شأن، وهو مالا يتوفر إلا لقلة قليلة وهبها الله كل هذه الخصال الفريدة ؛ والمواهب النادرة، لكي يبقى إشعاعها يتوهج ونورها يضيء ، ويبقى برغم إشكالات الزمن الثقافي الرديء هو أحد رجالات الثقافة والأدب والفكر والعلم وعملتهم النادرة ممن يشار لهم بالبنان !!

التعليقات

أضف تعليقك

2017-07-26T08:33:47+00:00 26يوليو 2017|أخباري|