الصادق حمد الحلال 1/2 (شاعر الوجد الشفيف) 
اسعد الطيب العباسي

 

ينتمي الصادق حمد الحلال شاعر الدوبيت الفذ والملقب بالصادق ود آمنة إلى قبيلة الشكرية، ويعتبر من شعرائها المرموقين، ولد في العقد الأول من القرن الماضي بمنطقة الصفيا، ونشأ بينها وبين منطقة ريرة وأقام بالعريض ناحية حلفا الجديدة، وتوفي في منتصف ثمانينيات نفس القرن عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وللصادق مدرسة متميزة في نظم الشعر، ويتميز بموهبة شعرية ضخمة وقدرة عالية في الأداء، ومقدرة عالية على الإلقاء، وتشاكل أشعاره السهولة والسلاسة، ونعده أحد أضلاع المثلث الشعري الكبير بأرض البطانة الذي يمثل ضلعيه الآخرين الشاعران أحمد عوض الكريم أبو سن وعبد الله حمد ود شوراني. 

أحب الصادق السفر والتنقل على صهوة الجمل، وكان يتنقل به بين كسلا ورفاعة وشندي

والدامر والخرطوم، ومن جماله الشهيرة التي كان يتنقل بها جمله المسمى “القدين”. وولعه بالجمال معروف، ويتضح لنا ذلك في مسداره الشهير”قوز رجب” ومن السمات الواضحة التي تميز أشعاره، الحنين المستظهر والوجدانيات الآسرة التي يؤطرها في تراكيبه الشعرية البديعة، ويزينها بالرنين المموسق والجرس العالي.

ومن أشهر أشعاره الجيدة تلك التي أنشأها عندما تم تهجير أهالي وادي حلفا إلى حلفا الجديدة في سهل البطانة، وسنتعرض لهذه الأشعار خلال هذه الدراسة.
 

وكان شاعرنا ود آمنة مكثراً في شعر الغزل، ولكنه نظم في كل أبواب الشعر، كما برع في وصف الطبيعة وفي الفخر والحماسة والمدح وشعر الفكاهة وغير ذلك من ضروب الشعر، وكان رائعاً ومتميزاً عندما ساجل الكبار من أبناء جيله من الشعراء وهي مساجلات كتبت على صفحة التاريخ بأحرف من نور. 

وكان الصادق مخلصاً في انتمائه إلى طائفة الختمية، وهذا ما يفسر لنا اندياح روحه الصوفية في بعض اشعاره، وبروز رموز هذه الطائفة في بعض قوافيه ولجوئه إليهم ريث وثبة كل مصيبة أو خبوء أمل. ولعل الكثيرين لا يعلمون أن شاعرنا ود آمنة الذي قذف بالسعادة إلى قلوبنا بإبداعه الشعري وسموه الفني كان يفتقدها، فقد عاش ومات عقيماً، وكانت أعز أمانيه في الحياة أن يرزق أبناءً يحملون اسمه ويرثون ماله ويستقوى بهم على صروف الزمان، ولكنها أمنية أجهضها الدهر، وتأبى بها القدر، وسنتعرض إلى ما قاله من شعر مؤثر في هذا الشأن.

وود آمنة من الشعراء الذين أحبوا أرض البطانة حباً نبع مـن صميم فؤاده وسويداء قلبه ومجدها كثيراً في أشعاره وأجاد وصف طبيعتها وبكى على أمجادها القديمة ورموزها التاريخية، وكان أكثر الناس اعتراضاً على إنشاء مشروع مدينة حلفا الجديدة وما تبعها من قرى، ومشروع خشم القربة الزراعي، على ارض البطانة. والمعروف أن ذلك تم على إثر الإتفاق التاريخي الذي أبرم بين حكومة السودان في عهد الرئيس إبراهيم عبود، وبين الحكومة المصرية التي كانت تزمع إقامة السد العالي. وبموجب الاتفاق المذكور بدأ تهجير أهالي مدينة وادي حلفا الواقعة في أقصى شمال السودان على شرق النيل إلى أرض البطانة في بداية العقد السابع من القرن الماضي، إذ أن تنفيذ السد يعني إغراق هذه المدينة العريقة، وهذا ما حدث بعد أن تم إجلاء سكانها على كاهل التعويض الذي دفعته الحكومة المصرية للحكومة السودانية، كما قضى الاتفاق بينهما والذي استثمر في إنشاء المدينة الجديدة وقراها ومشروع خشم القربة الزراعي، وذلك لاستيعاب هذه الهجرة القسرية والتوطين الطارئ، غير أن هذا الاتفاق وتنفيذه ألقى بظلالٍ اجتماعيةٍ كثيفةٍ على أهل حلفا القديمة وأهل البطانة على حدٍ سواء، فما أقسى على الإنسان أن يترك بغير رغبته موطنه وموطن آبائه وأجداده، إلى أرض غريبة وأجواء مختلفة وجيران لم يألفهم. وتبعاً لذلك تغير سلوكهم الاقتصادي وتبدل مزاجهم الاجتماعي، حتى أن بعضهم عاد إلى مدينته القديمة منضماً للذين لم يغادروها ليجاورها معهم، وهي تقبع في قاع النيل غير آبه لأية آثار.

وفي المقابل فإن إنشاء مدينة في هذه البادية كان ظاهرة حضارية لم يألفها أهل البطانة، فعانوا كثيراً من آثارها، إذ ساهمت في الحد من سيادتهم ومن حريتهم في التجوال والترحال، وقلصت نفوذهم القبلي، وجلبت لهم الكثير من التقاليد والعادات غير المألوفة لديهم، ويزعمون أن هذه الهجرة كانت مدعاة لنشر الكثير من الأمراض كالملاريا والبلهارسيا وأمراض الحيوان، ففقد الكثيرون ماشيتهم، كما اهتزت هويتهم البدوية اهتزازاً شديداً، إذ أصبح بعضهم عمالاً ومزارعين ينتسبون للمشروع الزراعي، ومن ثم رحلت الكثير من الأسر من بواديها لتسكن أرض المشروع في استقطاب غير مسبوق.

كل هذا كان كفيلاً بأن يجعل العديد من شعراء البطانة ورجالاتها ثواراً على هذا الوضع الجديد الذي لم يرضوا به ولم يشجعوه، واستحال عليهم أن يندمجوا فيه، ومنهم شاعرنا الصادق ود آمنة الذي عبر عن التحول الاجتماعي الذي أصاب تلك الرقعة بكثير من الحزن والأسى الذي خالطه التغني بأمجاد البطانة، كما كان يعيب على أهله العمل بالزراعة وترك حياة البادية، وقد عبر لنا الصادق عن شعوره هذا عندما رأى بعض أفراد قبيلته ينتظرون أمام مكتب المؤسسة الزراعية لعدة أيام لاستلام حواشاتهم، وعندما بدأ المطر يهمي جهة سدر الشيخ النعيم هزَّه المشهد فأخد ينشد: 

 

أَهَـلِكْ شَالُوا فَـوقْ ضَهرَ العَواتي ونِيبْ 

وسَدر الشيخْ نَعِيمْ نَزَلُوا المقَامُو قَريبْ 

نَاسـاً مِنْ ضِرُوع الصُهُبْ ضَايقَه حَلِيبْ 

للحَـواشَـه كَـيفِـنْ نَـفْسَهُـمْ بِتْطِيبْ 

 

فما كان من أصحابه وقد سمعوه إلا وأطلقوا جمالهم من عقالها تاركين الحواشات وكشف التوزيع. وساء ود آمنة أن المشروع قد تسبب في انسياب الماء من ترع القربة إلى منطقة الإيديات وتم قطع سروبات الحسن، وأرانب الشقلة أصبحن يبكين الإبيتر ذلك الناظر الذي لو كان حياً لمنع قطع الشجر الذي كانت تأوي إليه تلك الأرانب، كما استهجن شاعرنا منظراً رأى فيه رمزية الاحتلال، وذلك عندما اعتلى ديك من ديوك أهالي حلفا قمة جبل المعيقل وأخذ يصيح وكأنه الوارث لهذه الأرض وجبالها، فقال في كل هذا: 

 

سَروبَاتْ الحَسَنْ كِمْلَنْ خَـلاصْ وانجَزّنْ

وتُرع القِـربه مَاهِنْ في الإيديَاتْ خَـزَّنْ

أَرانبَ الشِقـله لـيْ مِيتَه الإِبيتِر عَـزَّنْ 

ودِيك نَاس حَلفا فَوقْ رَاسْ المِعَيقِلْ أَذَّنْ 

 

واتخذ ود آمنة من الإبيتر وهو الشيخ عوض الكريم ذلك الناظر القوي الذي مضى، رمزاً للقوة التي فقدت وللسيادة التي سلبت، فأخذ يقول بأن ما حدث من تخطيط لجعل منطقة اللرايروب الخلوية منطقة سكنية وزراعية، ما كان سيحدث في زمان كان فيه هذا الناظر القوي على وجه البسيطة. يقول: 

اللَيـله اللَّرَايـرُوبْ قَـدَدَولُو مَطَـايبُـو 

وبِقَى حَيضَانْ فِجِـلْ كُـلَ الثِمـارْ الجَايبُو 

فـي زَمـنْ اللِبَيتِر كَـلَ مَـاصِعْ هَـايْبُو 

وَينْ ما يهِيجْ فَحَلْ بِكسِرْ ضُراعُو ونَايبُو 

 

وامتد أسى شاعرنا كثيراً بسبب هذه الهجرة وآثارها على أرض البطانة، وهو أسىً أوحى له بالكثير من الأشعار الجيده كما رأينا في النماذج السابقة التي نختتمها الآن بالنموذج التالي:- 

 

حِلَيلِكْ يَا أمْ هَبَجْ وَكْتاً رُكُـوبْ فُرَاسِكْ 

رَاتعـاتْ هِـن وبَعَامْ الوَحَشْ بَلاسِـكْ 

بولِيسِك حَلَقْ مَنَعْ البِعَـرفُوا دُوَاسِـكْ 

الدَينكا ونِويـرْ كَبَّواالعَفَنْ فَوقْ رَاسِكْ 

ويقول الأديب السفير جمال محمد إبراهيم عن البطانة وأهلها وعن الصادق ود آمنة عندما زارها برفقة عالم إجتماع نرويجي قولا يشي بمكانة الصادق الشعرية وقيم أهل البطانة النبيلة وما إنداح من آثار الهجرة النوبية لأرض البطانة:

 

(زرت أرض البطانة في منتصف السبعينات ، برفقة الباحث عالم الإجتماع النرويجي قونار سوربو . نزلنا ضيوفا على أهل قرية ” ريرة الجديدة ” . أسبغ علينا أهلونا هناك ، كرما عربيا بدويا حاتميا كنت أجد معه عسرا في إقناع ” الخواجة ” الذي أرافقه ، أن وجودنا و إقامتنا مع هؤلاء القوم لا تشكل عبئا يذكر عليهم ، بل هو في نظرهم أمر تفرضه قيم راسخة ، و عادات أصيلة تجعل إكرام الضيف ، من أي بقعة جاء ، ” خواجة” كان أو “ود بلد ” ، من الأمور التي لا تقبل المجادلة أو المساومة . لم يكن كرما فحسب ، بل هو كسب لعادات جديدة كان لزاما علينا أن نكيف نفسينا ، أنا و “سوربو” على تحملها ، و ربما احتمالها . كنت أسترق النظر ل”سوربو” النرويجي و هو يتلقى كوب الحليب الرابع و ربما الخامس ، في صباح باكر قبل بدء عملنا .

 

وهكذا غرقنا في بحر كرم أهلنا الشكرية أياما طويلة و كسبنا ودهم و نلنا حظوة لدى قيادة القرية فكان ذلك من أسباب فلاحنا في عملنا الذي كان يتصل بالتعرف على سمات التغيير و اتجاهات التحول المتوقع في مجتمع أحدث معه تهجير النوبيين من الشمال إلى سهل البطانة ، هزة عظيمة في السائد من النظم الإجتماعية و سبل المعيشة . مشروع إقتصادي مقيم في بيئة بداوة و ترحال . يناقض نظام الرعي عند أهلنا الشكرية ، نظاما جديدا يقوم على حرفة الزراعة المقيمة ، أعتمدت للحلفاويين في مشروع خشم القربة ، والذي صاحبه قيام مركز حضري جديد ، تطور ليصبح مدينة جديدة هي ” حلفا الجديدة ” .

 

كان عملنا يتصل بالتعرف على مؤشرات هذا التضاد بين ثقافتين ، إحداهما رعوية و الأحرى زراعية أقرأ معي ما كتب “قونار سوربو ” ، في رسالته الجامعية التي قدمها في جامعة بيرجن :

” لقد تميزت السنوات الأولى بالنسبة للحلفاويين بالخوف و التردد و ضعف الثقة . و كان النوبيون يحسبون الرشايدة و البجا ، جماعات منغلقة غير قابلة للتطور . إنهم بدو في نظرهم ، يمتشقون السيوف و المدى و ينهبون البهائم بليل، و يخادعون النوبيين المقيمين الذين يستأجرونهم للعمل في حواشاتهم ضمن المشروع ” . . و يمضي “سوربو” ليقول ، إن أوامرًا قد صدرت من بعد تمنع الرحل من امتشاق الأسلحة البيضاء عند دخولهم القرى النوبية ، و أن تلك هي ذات النظرة التى يرى بها النوبيون عرب الشكرية المسالمين، الذين يساكنونهم السهل ، و هو في الأصل مقام تقليدي للشكرية .

تلك خلفية لا بد منها ، حتى أبين لك عزيزي القاريء ، كيف قابلت الشاعر الراحل البدوي المجيد الصادق حمد الحلال ، أو الصادق ود آمنة . 

 

كان للشاعر الصادق حضور قوي ، و نفس شعري مبهر . لم يكن في كامل أرض الشكرية من يجاريه ذلك الزمان الذي أحدثك عنه . رجل فارع الطول ، دقيق الملامح ، منشرح الأسارير . هاديء مثل نسمة تأتيك بعد نهار مطير ، لكنه يخفي توترا يعتمل في دواخله مما لا يخفى على من يجالسه لساعات مثلما فعلت أنا و الباحث النرويجي ” سوربو ” . القلق الذي يفيض من وجه الصادق حمد الحلال ، هو قلق الفنان ترهقه إلى جانب الحساسية المفرطة ، المعاناة يكابدها في بيئة تترصد الأصول و الأنساب 

ترصدا مهلكا)…..نواصل. 

الثلاثاء, 06 تموز/يوليو 2010 19:34

بقلم: اسعد الطيب العباسي

asaadaltayib@gmail.com

لقد كان الأديب السفير جمال محمد إبراهيم دقيقاً عندما نقل إلينا القلق الذي يفيض من وجه الصادق حمد الحلال وقال:( إنه قلق الفنان الذي ترهقه إلى جانب الحساسية المفرطة، المعاناة التي يكابدها في بيئة تترصد الأصول و الأنساب ترصداً مهلكاً).ورغم ذلك لم يوهن حب شاعرنا الصادق

ود آمنة لأرض البطانة، ومن مظاهر هذا الحب وصفه البديع لطبيعتها، ولنره الآن وهو يصفها عندما جاد عليها المطر الذي أحال حزنها إلى سرور، وأشجارها المصفرة إلى خضرة زاهية، وأضرعة نوقها العجاف اليابسة إلى وعاءٍ يمتلئ بالحليب. يقول:

العَجَـمِيه مِـنْ بَحـرَ المُحِيـط إِنْجَـرَّتْ

وَدورَينْ السِيولْ مَانْعَـه النِعـَمْ مَـا فَرَّتْ

بُطانةَ أَبْ سِنْ طَوَتْ تَوبْ الحُزُنْ وانسَرَّتْ

والبِلْ حَـاشَنْ الكِـترَه وعجـوفِنْ دَرَّتْ

وفي مربع آخر يحمل أنشودة المطر في روعة يفسدها التعليق يقول:

الضَحَوي الرَزَمْ جَابْ الدَلَيجْ مِن غَادِي

فَايضاً عَـزقَ العُـقدَه ومطيمرَ الهَادِي

أَسقي البَحَري مِـن لَيلو وبَنَات الوَادِي

يمشي كسِيدَه لا عِـندَ العُـلُو المِسَادِي

ولم يعرف عن ود آمنة شعر الهجاء، وإن اشتهرت له قصيدة هجائية في قالب فكاهي تحمل صوراً كاريكتيرية طريفة قالها عندما فرت جماعة من الفضالة من أمام ثور هاج، بعد أن عقروا ذنبه وهو مقيد فطاردهم رغم ذلك، فدارت القصيدة حول هذا الفرار، نختار منها الرباعيات التالية:

التَورْ وَدْ دَهِيسْ أَصلُوا الكُتَالْ مُو هَمُو

لكِن عَيبو وَاحـده كُـراعو مـا بِتلَمُو

شَوَّشْ وشَـال فِيهم ضَنبو يَلبَخْ دَمُـو

سَووا السَامي الله وبالصَقَيعه إِنخمُو ..!

******

الله يِقِـدَّكْ القَـايلينْ قَـبُل عَـقَروكْ

مَبسوطينْ وهُـنْ الفصْدَه ما فَصَدَوكْ

ناسْ صِديق يِزازُو ومِـنْ بَعيدْ بَاروكْ

يَعْتِر ويِنْسَنِد لامِن وَقع في الشوكْ ..!

******

جَـابْ سَلبُو الكَتِيرْ واتشَمَّـرْ الجَـزَارْ

كَـانْ قُبَالُو ضَابِحْ أَولاد أَبوهـو كُتارْ

مُـو قَـايلْ العِجِـل وَلداً بِجِيبْ التَارْ

خَلِصْ دَيَنكْ إِتْ ما بتَعرِفْ الموت حَارْ

******

مَبسوطْ الفَضُل صَـابِقْ جَـماعَـةْ دَورُو

عَضَّه الجِبَّه بيْ سنُونُو ومـَرَقْ مِنْ تَورُو

الصِـديق تَراهُـو وَلداً سَرِيعْ في فَـورُو

وَدْ خَيرْ طَفَّرْ الحَوشْ الكَبيرْ بيْ حُورُو ..!

والقصيدة تطول، يمكن الرجوع إليها كاملة بسفر الدكتور أحمد إبراهيم أبو سن “تاريخ الشكرية ونماذج من شعر البطانة.

ومن أشعاره الحوارية والتي يمكن إدراجها ضمن طائفة شعر الفكاهة والذي أجاده شاعرنا قصيدته الطويلة التي جاءت حوارية بين مزارع و غنامي(راعي الأغنام) نقتطف منها مايلي:

المزارع:

صايم طول نهارك تطوي في الحنتوت

فوق كيله و ربع لامن خريفك يفوت

جربانك كرتب و في الصرار بتصوت

يوم يا صاحبي ، بتنقدك دبيبة تموت

الغنامي:

بالكوريك تسدد ، منبلي و حرقان

واقف طول نهارك و القمح غرقان

لميت الطلب ، جيت لام سراب شرقان

إت ساعة الخلاص من العجم عرقان

المزارع:

مكاوش في القشوش القفرة و المتلية

من حر الصقط كرعيك شقوقهن مية

عرفناك في الجلب بتجمع المالية

يا جان الغنم ، وين الزكاة الفرضية

الغنامي:

الليل و النهار راكب الحمار ما بلين

تجمع في ام سراب متل الجمل متطين

آلآم الفلس ، فوقك مؤثر بين

من حش النجيل، ضهرك عضامو تزين

المزارع:

لبس عالي و مرق من بيتي زولا شاهر

فوق العسنة و البكارة ، ماني مساهر

الليل كلو تطرد في الحمير و تناهر

عيب دقني إن لبس في عمرو هدمًا طاهر

الغنامي:

إتناشر شهر فوق أم سراب مسجون

موية الترعة سوتلك تلاتة بطون

طباك الفلس ، تسأل تقول مجنون

أنا خايفك تموت من القطن مديون؟

المزارع :

القش إتملا و اتواقفنلو شروفهن

راعيهم متقز منهن ما بشوفهن

لاوي رقبتو في لوحة يمينو خروفهن

أماتو الكبار يجابدن في صوفهن

من هذه الصور الكاريكاتورية نخرج إلى أشعار المدح عند الصادق، وقد كان صادقاً بالفعل وهو يمدح صديقه الشريف إبراهيم يوسف الهندي الذي كان يغذي صداقتهما بالهدايا والمودة . يقول عنه:

تَلاتَـه في الخَصَايلْ مِـنْ رَفيقي بُعَـادْ

الخَـوف والبُخُل وطَمَعَ النَفِسْ في الزَادْ

دَا بتعَرفُو يـا البِتَقضِي كَـلْ أَغـرَاضْ

ضَبحْ أُماتْ سَرِي ودَفعَ النَقِي أَبْ عُقَادْ

ويقول عن ممدوحه أيضاً:

ليْ زَمَناً عَدِيدْ سَرجِي وفُراشِي مَدَمَّـرْ

نَفَضُو المَانحدَبْ فَوقْ الْمضَارِي وكَمَّرْ

وَدْ العِـندو فَـاني الدُنـيا مَـا بِتْعَمَّرْ

أَداني المِتِـل وَدَ الرُطَـانـه الجَمَّـرْ

وقد بلغ الصادق شأواً بعيداً في الإبداع وهويمدح ذات الممدوح عندما قال:

خَلِيفةْ يوسِف أَبْ نَظراً بِزِيـل الهَـمْ

أَجـوَاداً هَـمِيمْ وَدْ أَب عَـطَاياً خَـمْ

ضَبـَّاح الجَـزُر وكـتَ الخُلوق تِتْلَمْ

بالليلْ والنْهَـارْ سِـكِينو تَرْعَـفْ دَمْ

وقد عالج الصادق شعر الرثاء الذي يجيئ أحياناً مدحاً للمتوفي أو ما يعرف بالتأبين، وقد وقعنا على رباعية بديعة يرثي فيها الشيخ محمد حمد أبو سن يقول فيها تأبيناً خالطه التوجع وقد برزت على الوجه التالي:-

يـا تَوب العَـرايا الهَمُـو مِـن البَرَدْ

يا حَوضْ العَـطِيش وَينَ الضَمَايَا بْتَرَدْ

الموتْ يـا عظيمْ حَقـاً مُؤجـلْ فَرْضْ

هَجِيمتَكْ تَفْلَخَ الصَخرَه وتهِـزَ الأَرضْ

وكما ذكرنا فإن شاعرنا يلجأ إلى مشائخه دائماً، فهو تلميذ صوفي ملتزم، وقد رأيناه وهو يخاطب شيخه ليجعل أيامه سعيدة من خلال مربع ساحر يستعصي فهمه على الكثيرين وبه من الروعة ما به. يقول:-

يـا شَـيخَ الطَـريق العَـليكَ الطُرْقْ

حُظُوظ أَيامنا مـا تَبقى شُـوماً بُـرْقْ

الوَتِـيش البِجِـيبَنُو التُعـول الـزُرْقْ

شُفتو اللَيله في خَدْ أُم بَراطمَ المِلاقطَه الحُرْقْ

ولم يكن غريباً أن يلجأ أهل البادية لمشائخهم ويلوذون بهم في كل أمر دهاهم أو عندما تستعصي عليهم أمانيهم وتعاندهم، وحدث أن سافر شاعرنا من جبال السبعة إلى الشيخ الفاضل راجل الطندبة بريفي رفاعة، طالباً منه الدعاء ليرزقه الله بالولد، فقد كان شاعرنا يعاني من العقم، وعندما وقف بباب الشيخ أخذ يقول:-

جِيتَكْ مِـنْ جُبالَ السَبعَه ضَيف وحُوارْ

شفِيع الأُمـه مَـا قَال كُرِمُوا الشُعَـارْ

مـا تَرفـعِ يَـداك للواحـدَ القَهــارْ

قَليت الأَدب شَيخنا العُقٌـرْ مُـو حَـارْ

******

لا بَـخَجَـلْ ولا بَحَسِـبْ ولا بَضَـارَى

ويا بسَه قَصَبتي عَادمَه الخِلفَه والشوبَارَه

بي جَـاه جَـدَك وحَسَنْ الظَهَرْ في بَـارَه

سَوْلي طَرشَ أَبوكَ بالدُكَّـرِي أَب نُقَارَه

******

تلفونَـكْ ضَـرَبْ عَـمَّ الصُبُحْ والغَـرْبْ

والسَيفْ السَنِين مَـا بالِي مِـنَ الضَرْبْ

يـا بحـرَ المُحيـط وَدْ البِزِيلُو الكَـرْبْ

بَدُور مِنَكْ وَريـثْ مَـالي وخَبيرَ الدَّرْبْ

******

سَأَلتَكْ بالنَبي وصاحبَ الجَـلاله العَادِلْ

أَسكِـتْ خَشمِي لا تخَليني أكَتِّر أَجَادِلْ

بَدُور مِـن يَداك وَلدينْ وأَفـرحْ أَقادِلْ

أَسميهم بَـراي عَبد الرحيم والفاضِلْ

ورغم مأساة شاعرنا وما ظل يعانيه من أحاسيس مرة بسبب العقم، إلا أنه ظل شاعراً غَزِلاً، وله في الغزل شؤون وشجون وفنون. ولعل مساجلاته الغزلية الخطيرة مع الشاعر ود شوراني حملت جماليات وإبداعات فذة، وارتبطت بروح المنافسة الشرسة.

البَارِحْ عَليْ جَـمْرَ الصَـنَوبْ بَتعَـرَّكْ

لامِـن كَـوكَـبَ اللَيل المِقَـابِلْ وَرَّكْ

ضَاع صَبري وعلي حَسساً قَديمْ إتحرَّكْ

مِن عانسَ جَـدِي النقعْ أُم عَسِيناً فَرَّكْ

وما بال هذا الليل يقض منام شاعرنا وما بال عشقه يجلب إليه تباريح تستشعرها كبده:

اللَيلْ تِلتُو رَوَّحْ ونَجْمُـو مَـيَّل غَـرْبْ

وانَا فَـوقْ سَاقِي لامتَينْ يا مُزِيل الكَرْبْ

حَسَسْ المَاهُو مَاسْكَه التِيهَه فَاكْ الدَّرْبْ

جَابْ ليْ عِـلَةْ الكَبدَه البِتَضْرُبْ ضَـرْبْ

ومن مربعاته الغزلية التي أثارت إعجاب الشعراء قبل المتلقين، ذلك المربع الذي يقول فيه:

جُزَيعي وعدمْ صَبري وزَلازلِي وخَوفِي

مِـن سَراجَةْ الدَعجـا الوَضِيبا مِفَوفِي

الخَـلاني مِـن الغَـيرا كِتِرْ عَـوفِي

رَيدْهَا وعُشْقَهَا البَّنَا فِي مَداينْ جَوفِي

وتفرد شاعرنا في وصف الجمال والحسان تفرداً بيناً، وله فيه إشارات ذكية تحتوشها سباكة جيدة، وتبرزها المفردات الفخيمة والرنين العالي. يقول:-

شَرقَانْ في جَمالِك وعَجَزْنِي أَوصَافِكْ

وفِـيك خِلَقاً تَمَتَّعْ كُـلَّ رَاوياً شَـافِكْ

الفارسَ الابِس دِرعَ الدِوَيدي بِخَـافِكْ

عينيكْ عَينْ جَدِي ودوفةَ أُم لَببْ في اردافِكْ

ومن رباعيات ود آمنة التي أجاد فيها الوصف الذي خاللـه بوجدانياته الآسرة المربعان التاليان اللذان نختتم بهما نماذجنا من أشعاره، يقول في أولهما:-

أَسْهَامِكْ دُقـاق مَاكِي الغَليدَه الفحلَه

وشُعاعِكْ صَافي كالقمرْ المِنازِلْ زُحْلَه

عَليكْ طوَّلْ نَويحِي وصَحَـتِي المِنْحَلَه

سَالباني وبـراكْ ليَّ الأُنسْ ما بِحْلى

ويقول في ثانيهما:

أَسهامِـكْ دُقاق يَـا سَمْحَةْ الخَــدَّادْ

وسَالبانِي وعَليْ مَرَضاً مُطَـوِّلْ عـادْ

البِتقَمِحي البـيْ شُـروكو والقَصَّـادْ

تَاتِي المَشيه تِلِّي الفَوقْ خواصرِكْ هَادْ

وفي ختام حديثنا عن الصادق لا بد من إثبات حقيقة مهمة يتميز بها هذا الشاعر دون كافة الشعراء، وهي أن مستوى إنتاجه الفني لم يتدنَ أبداً إلى أقل من مستوى الروعة والإبداع، على الرغم من أنه شاعر مكثر. وقد أسفت كثيراً أن مثل هذا الشاعر لم يضم إنتاجه ديوان شعري رغم ثراء أشعاره ومكانته المتقدمة بين الشعراء، ولا يكفي أن تتناثر بعض أشعاره هنا وهناك في بعض المصادر أو أن يتداولها شفاهياً بعض الرواة، إنما يجب الحفاظ على هذا الإرث الشعري البديع بطريقة أفضل، ورجائي أن يقوم الباحثون الأكفاء والرواة الثقاة مقام ما تمناه شاعرنا من أبناء فيجمعون شعره في ديوان محقق ومشروح ليتنسم الكل عبيره ويشتم أريجه، وهذا واجب يحتمه الوفاء لهذا الرجل الذي أثرى وجداننا وأنار عقولنا وشرح صدورنا.

الفاتح ابو عاقلة :


الحنين سمة غالبة على الشعر الصادق ..
يقول الصادق حمد الحلال وهو يرى طفلا له “قنبور” وهو شارة للخلوة، يعزف على زمبارة قصب ” الفاضليلة” ” أم بليل” ” وأم بلهوى عند البني عامر” ويسمونها أيضا “هنونا”.
 

عندما رأى الصادق حمد الحلال هذا المشهد تحركت لواعجه ومكنونات نفسه وعاد به الحنين إلى طفولته العذبة فقال:

زمبارة الوليد زادتني في الغضبين
طريت جهلى وزمان أهلي مسينلي قرين
طريت مهلي وطريت أيضا شيوم أم زين
هبش راسي ولقيت عامتني شيبًاً شين
 

حنين في حنين في حنين .. 
والشيب إشارة زمانية .. والشعر سلطان الشعور!!!!