تاريخ وأصول العرب بالسودان

وبعد، فبين أيديكم كتاب “تاريخ وأصول العرب بالسودان” الذي ألفه الفحل بن الفقيه الطاهر، بن الفقيه عمر، النافعابي، الجعلي، من نسل السيد العباس، عم رسول الله . جمعه المؤلف في آخر عمره، وطبع بعد وفاته. ويعتبر الكتاب من المؤلفات السودانية القليلة في تاريخ العرب بالسودان والتي كتبها مؤرخ سوداني فلم يصدر قبله إلا عدد قليل من المؤلفات التي تنسب إلى مؤرخين سودانيين، مثل الدكتور مكي شبيكة والأستاذ الدكتور يوسف فضل حسن، ذلك أن معظم المؤلفات في تاريخ السودان كتبها مؤرخون مستشرقون، أو باحثون أجانب (مثل ماكمايكل( )، أو تريمنجهام( ) أو نيكولز( ) أو كتبها رحالة ومنصرون أمثال فرن( ) الرحالة الألماني الذي زار السودان في خلال سنتى 1840 – 1841م وألان مورهيد( ) أو بي إم هولت( )} أو كتبها مؤلفون عرب من غير السودانيين من المبتعثين للتدريس في الجامعات بالسودان أو الذين تعرضوا للدراسات السودانية بحكم عملهم ووظائفهم (مثل الشاطر بصيلي عبد الجليل، ودكتور شوقي الجمل، ودكتور زاهر رياض وابراهيم فوزي ود. مصطفى مسعد وغيرهم). ومعظم هذه المؤلفات كتبت إبان الاستعمار المصري الإنجليزي للسودان أو بعيد الاستقلال بفترة قصيرة.
وقد بذل المؤلف – رحمه الله- جهداً كبيراً في جمع مادة الكتاب حيث سافر إبان شبابه إلى كثير من القرى والأمصار وقابل الثقات ونقل عنهم، فأخذ بذلك من مصادر نادرة انفرد بها وسوف نوردها في الصفحات التالية عند شرح عملنا في التعريف بالمصادر. كما أن المؤلف قد توخى الدقة في جميع ما كتبه وحرص على الوصول إلى المصادر وحينما لا تتوفر المصادر يشير إلى ذلك.
عملي في هذا الكتاب:
أحمد الله أن وفقني لإخراج وإعادة طباعة كتاب “تاريخ وأصول العرب بالسودان” ليكون بين أيدي القراء في ثوبه الجديد، بعد قيامي بتذييل وبيان المصادر والمراجع التي أشار إليها المؤلف في أصل كتابه مـع الشرح والتعليق على كثير منها وضبط بعض مفردات الكتاب وشرحها وتذييل النص بالحواشي والتعليقات و إخراجه للناس في طبعته هذه. وكان هدفي الأول هو أن يظل هذا الكتاب في متناول الجميع بعد أن نفدت نسخ الطبعة الوحيدة منه منذ ما يقرب من أربعة عقود واختفت من المكتبات، ولم يقم أحد بإعادة طباعتها رغم أهمية هذا المرجع الذي لا غنـى لمن يدرس أو يبحث أو يكتب في تاريخ وسير وأنساب العرب بالسودان، بل لا غنـى لمن يكتب في تاريخ السودان عنه. وكنت قد اطلعت على هذا الكتاب منذ عدة عقود، ولاحظت الطباعة السيئة والإخراج الرديء الذي لا يليق بهذا السفر النفيس، رغم أن من طبعه في ذلك الوقت قد بذل الجهد بما تيىسر له، كما لاحظت أنه لم ينل حظه من الدراسة والتحقيق بما يليق به فكان ذلك أول ما حفزني لإعادة جمع وإخراج وطباعة الكتاب، ومقابلة مادته بما كتبه الآخرون عن تاريخ وأصول العرب بالسودان لا سيما ما كتبه (هارولد مكمايكل) و(محمد عوض محمد) وذلك لتناولهما القبائل العربية بالدراسة المفصلة وكذلك سير الأنساب التي ذكرها (عثمان حمد الله) – رحمه الله – في مؤلفه القيم (سهم الأرحام). ثم شغلتني الشواغل والسفر حيناً من الدهر وضاعت مني نسخة الكتاب (تاريخ وأصول العرب بالسودان) ضمن ما ضاع من مكتبتي. ثم أعارني أخي وابن خالتي – الدكتور إبراهيم علي الجعلي- نسخته الوحيدة من هذا الكتاب والتي كان قد اقتناها وحافظ عليها زمناً طويلاً، لما رأى من حرصي على تحقيقه وإعادة طباعته، فحفزني ذلك لبذل الجهد لإعادة جمع نص الكتاب، ثم بدأت في شرحه وتذييله وكتابة الحواشي والتعليقات على ما ورد فيه، وبمرور الأيام تجمعت عندي مادة رأيت أن أشارك بها القراء، خاصة بعد أن استفاض الجدل والحوار والنقاش حول أصول العرب بالسودان وأنسابهم لا سيما الجعليين من بني العباس بين مثبت ونافٍ ودارس ومحقق، وناقد ومدقق.
ولا أزعم أنني بإخراج هذا العمل للقراء في طبعته هذه التي بين أيدينا قد تمكنت من تحقيق الكتاب بما يستحق من دراسة مستوفية فذلك أمر بعيد المنال، ودونه سنوات من الدراسة والبحث والتقصـي، ولم يعد في العمر متسع، فاكتفيت بما يسر الله لي من جهد وذلك حتى يتوفر الكتاب بين يدي القراء وإنني لأرجو أن يوفق الله النشء من بعدي لتحقيق مصادره ودراسة ما ورد فيه من معلومات انفرد بها المؤلف.
أولاً : قمت بتحقيق مصادر المؤلف التي ذكرها رحمه الله في آخر الكتاب حيث قال تحت عنوان: (بعض مصادري): “نقلي لما حواه هذا السفر أخبرني أحمد ولد الأرباب نمر أنه نقل من الفقيه محمد ولد عبد الرازق أخبره وأطلعه على مذكرات القاضي زراع (أو ذراع) فيما نقله من سجل ملوكي في دار الأرباب أو الملك ادريس بن الملك الفحل ويتضمن هذا السفر قيام الأمير ادريس والد ابراهيم جعل من بغداد ومصـر ودخوله بر العجم المسمى السودان ويحفظ تاريخ الملوك بعده إلى الملك الفحل وابنه الملك ادريس ومحل وفيات الملوك ومدة ملك كل واحد كما وأني وجدت بيدى شيخ خط الهلالية الشيخ التاي ولد سعيد الرجل الزكي الحافظ تاريخ الزبير ود ضوة ونقلت منه مفردات عن بعض قبائل قحطان وعن فروع رفاعة أولاد رافع ولد الأمير عامر ونقلت من الشيخ أحمد الشيخ طه البكري نبذة من تاريخ السمرقندي ووجدت مذكرة عند الأرباب خالد الملك عمر الملك نمر عن عامة فروع الجعليين وعن بعض سكان دار الجعليين واني دخلت أم درمان والإمام المهدي موجود ولم يكن بها مبنـى غير أوضة فيها المهدي وقطن بأم درمان كل السودان ووالدي من الذين يؤلفون فيجتمع إليه بعض الأعيان والذوات ويحكون عن تاريخ البلاد والأنساب وأيضاً كنت مع والدي كثير الحضور لمجلس الياس باشا ام برير ومن هذه الاجتماعات وحضور الثقاة فهمت الكثير غير أن السن ضيعت ذاكرتي ولذا أعتذر عن خلط إن كان لأواصل إصلاحه وأخبرني الناظر محمد بن الناظر موسى بن الناظر ابراهيم الويل آليابي الهدندوي المؤرخ المطلع عن تاريخ البلو ومدة ملكهم وعن تاريخ النابتاب وسمعت عن الفقيه العلامة الشيخ موسى ولد الزاكي العباسي عن أخبار جعل وأخبار عامة قبائل قحطان ومع نقلي من الثقاة فقد حصل عندي بسبب السن التوهم والغلط وسبحان من لا يخطيء”.
وقد لخص المؤرخ الباحث الأستاذ الطيب محمد الطيب( ) – رحمه الله- ، في مقدمته للكتاب أهم المصادر التي أخذ منها شيخنا الفحل لمؤلفه (تاريخ وأصول العرب بالسودان)، فدرست تلك المصادر واجتهدت في التحقق منها، لا سيما وأنها مصادر أصلية سعى إليها المؤلف وسافر إلى بقاع السودان ليصل إليها في وقت كان شد الرحال فيه صعباً.
ثانياً: اجتهدت في تنظيم مادة النصِّ وتنسيقها وضبطها وضبط نصوصها ما أمكن وتصويب بعض الأخطاء الكتابية والإملائية التي وقعت سهواً.
ثالثاً : ذيلت النص بالشروح والحواشي والتعليقات بالهوامش مع الإشارة إلى المراجع وذكرت الآراء المخالفة وقارنت بينها وأحياناً أبدي رأيي أو أرجح قولاً على قول مع التعليل عند الترجيح وأحياناً أسرد الأقوال المختلفة وأترك الحكم عليها لفطنة القاريء واجتهاد الباحث.
رابعاً : أوضحت المبهم المغمور فعرفت به وتركت المشهور.
خامساً : قمت بتخريج بعض الروايات ورددتها إلى أصولها مع التعليق عليها.
سادساً : قمت بنقد النصِّ وعلقت عليه.
سابعاً: أوردت سير بعض الأعلام الذين وردت أسماؤهم في نص الكتاب أو الذين أشير إليهم كمصادر وعرفت بهم.
ثامناً: تناولت أهم مواطن الخلاف حول مصادر أنساب الجعليين وخاصة ما دار حول السمرقندي وذرية الفضل بن عباس بن محمد بالإضافة إلى آراء مكمايكل التي دونها في كتابه تاريخ العرب في السودان.
تاسعاً: ذكرت بعض المراجع العربية والأجنبية التي وردت في التحقيق ولم أستوعب الكل فاكتفيت بذكر المهم منها.
عاشراً: اجتهدت في إضافة فهرس مرجعي للكتاب لييسر للباحثين الوصول إلى ما ورد فيه من أعلام وقبائل دون عناء.

التعليقات

أضف تعليقك