strategy_002الاستراتيجية في أبسط صورها هي كيفية القيام بعمل أي شيء. هي الخطة العامة. وهذه الخطة لا تحتاج إلى أن تدون على الورق ولكنها تحتاج أن يتم استيعابها وفهمها وحفظها في الأذهان، وبذلك يكون لدى أحدنا استراتيجية لـ ، أو يكون لديه (الفهم والاستيعاب) لكيفية تشييد منزل مثلاً أو تأليف كتاب أو الاستثمار في تجارة معينة أو خدمة مصالح بلاده. ولنكون أكثر دقة في التعريف يمكننا القول إن الاستراتيجية هي خطة استخدام الموارد لتحقيق الأهداف. وهي بذلك لا تتجزأ من أو بالأحرى هي العلاقة في فهمنا وتطبيق هذا الفهم ما بين الوسائل والغايات، وما بين الموارد والأهداف، وما بين السلطة والأحكام، ومابين المقدرات والنوايا في أي ميدان من ميادين النشاط الإنساني. 

وبهذا التعريف يضيق مدى الاستراتيجية ليتناسب مع أبسط مهام وأنشطة الأفراد كما يتسع مداه ليشمل الأهداف والغايات الكبرى لدى الأمم أو ما يسمى الخطة العظمى. قد نستخدم مصطلح الاستراتيجية لنشير إلى الخطط والإجراءات التي تصوب نحو غايات محددة، والوسائل التي يتطلبها بلوغ هذه الغايات، وطرق وكيفية استخدام هذه الوسائل وهنا يجب أن نعزل العوامل التي أدت إلى اختيارنا لتلك الوسائل والأهداف فنجعلها خارج دائرة الاستراتيجية.

كما يمكننا أيضاً أن نُعَرِّف الاستراتيجية في صورتها العريضة بأنها بيئة المصالح في مقابل الأخطار والمهددات التي تسوغ الغايات التي نصبو لبلوغها، إضافة إلى القوى والمقدرات التي نحتاجها لبلوغ تلك الغايات، بالإضافة إلى العوامل والمؤثرات الخارجية في سياقيها المحلي والدولي واللذين تعمل الاستراتيجية وتدور في إطاريهما.

وكأي كاتب في الشأن الاستراتيجي أجدني أبدأ بوضع إطار عريض ثم أدلف شيئاً فشيئاً نحو الموضوع المحدد وهو استراتيجية العلاقات الخارجية. الكتابة في الشأن الاستراتيجي كانت مقتصرة في القديم على الموضوعات العسكرية وحدها دون سواها، وكان القراء يتجهون بأفهامهم نحو الأمور العسكرية كلما قرأوا كلمة “استراتيجية”، بل إن كثيراً من الكتاب ظلوا يستخدمون مصطلح” استراتيجية” ويقصدون به الخطط العسكرية على وجه التحديد. وبالمقابل اكتسب نفس المصطلح قبولاً واسعاً في عالم المؤسسات حيث دل على التخطيط طويل الأمد.

و نؤكد هنا أن مفهوم الاستراتيجية هو أكبر وأكثر فائدة من أن نقصره على الاستخدام العسكري فقط. وبهذا فإننا ننطلق في هذه الدراسة إلى آفاق أوسع وأرحب في المفهوم الواسع “للاستراتيجية”. ولكننا قبل أن نبلغ هذا المدى سوف نستصحب المفهوم العسكري قليلاً ونحن نكتب عن مفهوم “استراتيجية العلاقات الخارجية” لنلاحظ كيف تم استخدام هذا المصطلح في الإطار العسكري في مقابل المفهوم الواسع للاستراتيجية وخاصة في مسائل الأمن القومي.

ومثلما أنني أحاول أن أجعلكم تعتادون استخدام لفظ “استراتيجية العلاقات الخارجية” رغم غرابته على أصحاب هذا الشأن في السودان فإنني سوف أستصحب معكم المفهوم العسكري للفظ “استراتيجية” لتتضح صلته الوثيقة بالعلاقات الخارجية أيضاً، ثم بعدها وحين نتناول القضايا الشائكة للعلاقات الخارجية تكونون قد اعتدتم التفريق بين الأمرين فلا يضطرب فهمكم بينهما. وبالطبع لا بد من تناول هذه المصطلحات بالتعريفات الصارمة والتي تفيدنا عند مباشرة التحليل الاستراتيجي. كما أن التعريفات يجب أن ترتبط بعلاقة وثيقة مع استخدامات علماء هذا الشأن ومفكريه وممتهنيه بالإضافة إلى عامة الناس. وللأسف فإن هذا الربط سيكون أحد المشكلات التي ستواجهني وذلك لأن التعريفات العريضة سوف تضطرك أحياناً للمفاضلة والاختيار من بين تعريفات تبدو كلها معقولة ومقبولة لتذهب نحو اختيار ضيق ليس بالضرورة هو التعريف الأوحد ولا الأشمل! ولكن بما أن هذا الأمر يفيدني في شحذ الذهن قليلاً لإعادة اختراع المصطلح حتى يخدم أغراضي من هذه الدراسة فإنني سوف أراعي أن تكون إعادة الاختراع أقرب ما تكون لما تعارف الناس عليه من فهم تقليدي للمصطلح.

من الاستراتيجية العسكرية إلى استراتيجية الأمن القومي

الاستراتيجية العسكرية هي استخدام وسائل عسكرية لتحقيق أهداف عسكرية، وإذا استخدمنا منطق كلاوزفيتز فيمكننا أن نقول إنها تستخدم لتحقيق “الغايات السياسية العليا..” جنرالات الحرب يعرفونها بأنها “فن وعلم توظيف القوات المسلحة لأي أمة لتأمين أهداف الأمن القومي وذلك عن طريق استخدام القوة أو عن طريق التهديد باستخدام القوة”. ويمكننا القول إن هناك ثلاثة جوانب من هذا التعريف لا قيمة لها. أولها: إن الوسيلة  الوحيدة التي يتناولها التعريف هي الوسيلة العسكرية “القوات المسلحة”. وثانيها: ان الاستراتيجية العسكرية عوملت باعتبارها خادمة وتابعة لأخرى أعلى وأسمى وهي “الغايات السياسية للدولة”  والتي في واقع الأمر ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها تعكس خلاصة المستوى الأعلى للتفكير الاستراتيجي. ثالثاً: وهو الجانب الذي يدعو للتأمل فإن التعريف لا يقتصر على فكرة شن الحرب من أجل تحقيق الغايات بل يتضمن أيضاً إمكانية تحقيق الغايات العليا للدولة عن طريق التهديد بشن الحرب دون الدخول في حرب أو قتال حقيقي. وقد اعتاد العسكريون على التفريق بين الاستراتيجية العسكرية والتكتيكات التي تعنى بالتنظيم والترتيب الأمثل للقوة وطرق الحشد وفنون المناورة للاستعداد للقتال أو أثناء المعركة بالإضافة الى استخدام الفنون والوسائل العملياتية والتي تمثل نقطة الالتقاء مابين الاستراتيجية العسكرية والتكتيكات وذلك في مسرح العمليات أو أثناء الحملات العسكرية. وبهذا فإن الاستراتيجية العسكرية هي توظيف القدرات العسكرية في نطاقها العريض وعلى المستوى الأعلى .

القادة الحقيقيون يدركون جيداً أنه حتى لو حققت جيوشك الانتصار العسكري في ميادين القتال وساحات المعارك فإن نجاحك في الوصول للغايات السياسية وغيرها يتوقف على الاستخدام الفاعل لما هو أكثر من القوة العسكرية. إن كثيرين ممن كتبوا في الفكر الاستراتيجي غفلوا عن حقيقة أن استخدام القوة العسكرية حتى لو أدت إلى الانتصار العسكري فإنها يجب أن تعتبر عاملاً واحداً فقط ضمن مجموعة العوامل الاستراتيجية الأخرى غير العسكرية والتي يمكننا أن نطلق عليها في مجملها “الاستراتيجية العظمى”. ولو انطلق المنظرون الاستراتيجيون للحرب التي ظل السودانيون في الشمال يشنونها ضد الجنوبيين من هذا الفهم الأخير فلربما نجح السودانيون في المحافظة على وحدة البلاد، ولما انفصل الجنوب بالاستفتاء الذي دل على فشل الشماليين في التمازج النفسي والاجتماعي مع سكان الجنوب. لقد اعتاد بعض علماء الفكر السياسي أن يكتبوا عن “الاستراتيجية العظمى” للدول في معناها العسكري الضيق أكثر من كونها جسداً واحد يشمل كل جوانب الحياة العامة للبشر  وتتأثر أعضاؤه العديدة بشكوى أى عضو منها.

التعليقات

أضف تعليقك