رواية “تشريقة المغربي” للدكتور عمر فضل الله:
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=
في حقيقة الأمر: لم أكن من عشاق الراويات، ولا من محبي قراءتها. وإن كنتُ قد قرأت طرفاً منها في طفولتي الحالمة، وعشت مع قصصها، وتنقلت بين حكاياتها.
ودائماً أجد نفسي ميالاً للطرح العلمي والأدبي المباشر، دون الحاجة لتعرجات الروايات، ولا فزلكات الأقاصيص. ولكلٍّ وجهةٌ هو مُوَلِّيها.
📚 وحينما انتابتني فكرة قراءة الأعمال الأدبية الروائية فكرت في الاطلاع على روايات الروائي الباحث الموسوعي (الدكتور عمر فضل الله).
وعندما زرتُ #معرض_الخرطوم_الدولي_الكتاب_2019 وفقني الله- تعالى-لاقتناء أربع روايات من تصنيف ذلك الباحث الهمام؛ ألا وهي:
❶- “أنفاس صُلَيْحة”.
➋- “أطياف الكون الآخر”.
➌- “ترجمان الملك”.
➍- “تشريقة المغربي”.
وقد كنت متشوقاً للنظر في هذه الروايات، ومتعطشاً لقراءتها. وفي واقع الأمر توجد بعض الأعمال العلمية التي تشغلني عن القراءة الحرة هذه الأيام.
🕑 ولكن حينما كنت في الخرطوم أيام معرض الكتاب، وأنا أحمل هذه الدرر الثمينة والغنائم المتينة؛ وجدتً وقتاً بعيداً عن مكتبتي المتواضعة وحاسوبي البسيط. فاقتنصت تلك السانحة، واستغللت هاتيك الفرصة؛ فهرعت إلى تلك الروايات. فكرستُ وقت فراغي للقراءة في رواية من روايات الدكتور عمر فضل الله.
📙 بعض الإخوان نصحني أن أبدأ برواية “أنفاس صُلَيْحَة” الحائزة على (جائزة كتارا للرواية العربية)، ولكن وجدت نفسي منقادة، وهمتي متجهة نحو رواية “تشريقة المغربي” الفائزة بـ(جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي).
📘 فأمسكت بـ”التشريقة”، وأنا في شوقٍ كبير لقراءتها. وحينما بدأت قراءة تلك الرواية شَرِقْتُ بها، فجذبني سحر كلماتها، واجتالتني روعة قصتها، واستولى على حماطة قلبي جمال سردها. ففنيتُ وذُبتُ في لججها العميقة، وتُهْتُ في دهاليزها، واختفيت في سراديبها؛ حتى نسيت نفسي، وأنا اقرأ في تلك الرواية.
🔰 إذا كان أهل التاريخ في الزمان السالف يتحدثون عن (تغريبة المشارقة)، وأشهرها تغريبة بني هلال، وبني سليم، وبني المعقل، ونحوهم من قبائل قيس عيلان وقُضَاعَة؛ فإن هذه الرواية تغوص في الأغوار، وتسبح عكس التيار؛ لتتحدث عن (تشريقة المغربي)!.
وفي الوقت الذي ظهرت فيه تلك الرواية “مُشَرِّقَةً”؛ فإذا بها تبحر بي أنا في الاتجاه المعاكس “مغربةً”!.
🌓 نحن في بلاد السودان محسوبون على المشارقة، ولكننا في حقيقة الأمر بَيْنَ بَيْن؛ فلسنا بمشرقيين خُلَّص، ولا مغربيين خُلَّص!.
📌 فموقعنا الجغرافي وسط بين المشرق والمغرب، وثقافتنا خليط بين المشرق والمغرب. وقد أخذنا من ثقافة المغاربة ما لم يأخذه مشرقي قط. هذا مع احتفاظنا بقدر كبير من الثقافة المشرقية، وتحفظنا على بعض ثقافاتها.
✸ فمن الروايات القرآنية الحاضرة في بلادنا: روايتي (ورش عن نافع)، و(قالون عن نافع). وهي من الروايات المشهورة في المغرب العربي. ولا تكاد تجد لها أثراً في بلاد المشرق إلا في إطارٍ ضيقٍ محدود.
✸ ومدرستنا في الفقه المالكي هي خليط بين فقه المشارقة والمغاربة. فكما أخذنا من “الصِّفْتِي” و”العشماوي” المشرقيين؛ أخذنا كذلك من “الأخضري” المغربي، وغيره.
✸ وأوزان أهلنا البقارة العروضية في أشعارهم، ومقاماتهم النغمية في أهازيجهم هي في الحقيقة أوزان أندلسية حافظوا عليها منذ أن قدموا من الأندلس. حتى أن البنات الصغار في الليالي المقمرة يسمرن، وينشدن أشعاراً على الأوزان والألحان الأندلسية!.
✸ وما زالت المرأة عندنا تلبس الثياب البيضاء علامة على الحداد، كما هو الحال في بلاد المغرب والأندلس. وهذا بخلاف جميع نساء المشارقة اللائي يلبسن الثياب السوداء علامة الحزن والحداد عندهن!.
✸ وعلى المستوى الإثني والعرقي توجد قبائل عديدة من البربر في السودان كالهوارة وغيرها. وفي النوبة الشمالية نجد الثقافة البربرية= الأمازيغية حاضرة بقوة؛ حتى أن أهل مصر كانوا ومازالوا يطلقون عليهم لفظ (البرابرة)، بل يطلقونها على كل سوداني!. هذا غير القبائل العربية المغربية كـ(قبيلة المغاربة)، و(المشايخة الشرفديناب)، وغيرها من القبائل الأخرى.
 كانت الفرصة مواتية في الزمان السالف لتشريقة المغاربة؛ فطريق أهل المغرب إلى بيت الله الحرام كان من جهة بلاد السودان؛ حيث يقطعون تلك الصحراء عبر الْجِمال وبقية الدواب إلى مدينة سواكن الساحلية، ثم يعبرون البحر إلى الحجاز. هذا بالطبع كان قبل ظهور ثورة الطيران ووسائل النقل الحديثة.
🗒 أعود فأقول: إن الرواية تتحدث عن قصة رجل مغربي من أصول أندلسية يسمى (عبد السميع بن عبد الحميد المغربي) جاء إلى السودان قافلاً من طريق الحج. وعمل في وظيفة (كاتب حجج السلطان). وهذا السلطان هو سلطان مملكة الفونج.
فبَيْنَا أنا أمخر عباب تلك الرواية المتلاطم؛ فإذا بأمواجها العاتية تقذف بي في جزيرة غناء ساحرة؛ جميلة المنظر، تغني عصافيرها على دوحها وارفة الظلال، باسقة الأفنان، وتسيل المياه من وديانها الصاخبة، وتنبع من عيونها الدافئة.
هذه الجزيرة هي (مملكة الفونج)؛ حيث أصبحتُ أهيم في رياضها، فأتنقل بين قصص عبد السميع، وحكايات صُلَيْحة، وأنساب السمرقندي، وإصلاحات أدريس ود الأرباب، ووو… الخ.
🔗 فالكاتب في هذه الرواية استخدم (أسلوب المزج والمزواجة):
 فمزج بين الخيال والواقع، وزاوج بين أسلوب الرواية والسرد التاريخي؛ فأنتج خليطاً متجانساً، جميل الطعم، سهل الهضم.
 ويستخدم الكاتب المزاوجة أيضاً في اللغة التي يكتب بها الرواية؛ فيأخذك العجب حينما تجده يستخدم نفس مصطلحات الفونج والعبدلاب القديمة التي كانوا يستعملونها في زمانهم، ويزاوج بينها وبين العامية المعاصرة، مع وجود اللغة الفصيحة، فيصيغ الكلام في لغة ثلاثية سلسلة، جميلة معبرة.
🗞 حينما تقرأ تلك الرواية تخرج بمعلومات تاريخية دقيقة لا تجدها في كتابٍ واحد. فهي معلومات اجتمعت في مكانٍ واحد، ولا تدرك إلا بالغوص في أعماق الكتب والبحث في لجج المجلدات المطولة.
🖍 إن هذا القلم عجيب، كيف لا وهو قلم رجل تضلع من أحداث التاريخ الذي يكتب فيه؛ حتى امتزجت بلحمه وعظمه؛ فصار يكتب التاريخ في شكل قصص، ويصيغ الأخبار في هيئة حكايات، وينثر أحداث الماضي في صورة حوارات.
 الدكتور عمر فضل الله روائي عظيم، صاحب قلمٍ فذ ويراعٍ سيال؛ يجبرك على قراءة رواياته، وهي روايات جميلة هادفة؛ تأخذ بلب القاريء، حتى يسبح في حياضها، ويمرح في رياضها.
فتجد في تضاعيف كلامه وثنايا حديثه: القصة، والتاريخ، والفلكلور، والأدب الشعبي، والمفردات العامية القديمة، ومصطلحات السلطنات السالفة.
📖 لقد عقدت العزم على أن أقرأ كل روايات الدكتور عمر فضل الله؛ رغبةً في الاستفادة التاريخية منها، ولكي أستمتع بقصصها الجذابة، وحكاياتها المشوقة.
❍ والآن أحط رحالي عند هذه المحطة، وأترجل لأمسك بالقلم؛ فإن الكلام عن هذه الرواية لا ينقضي، والحديث عنها لا ينتهي؛ فهي معين لا ينضب، وعينٌ لا تنقطع، وبحر لا يجف

التعليقات

أضف تعليقك