عندما وقعت عيناي على رواية «أنفاس صليحة»، الرواية الفائرة بجائرة كتارا للرواية العربية 2018 وشرعت في قراءتها؛ كنت ألتهم سطورها التهاماً وأنا أطالع فقراتها وأتمنى ألا تنتهي هذه القصة الشيّقة، وأدركت للتو أنني أمام عمل إبداعي ناضج وبناء فني أصيل وسرد كتابي مُحكم رصينٌ في تسلسله لا يقل شأنا عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال تلك الراوية التي حلت ضمن أفضل مئة رواية على مستوى العالم وتصدرت قائمة «بانيبال» لأفضل مائة رواية عربية وتُرجمت إلى عشرات اللغات، «أنفاس صليحة» تنقلنا إلى ذاكرة الزمان والمكان عندما تصوِّر لنا مدينة تِيْمُبكتُو، كمدينة نُصبت داخل قلعة حصينة محاطة بالأسوار ونسجت حولها الأساطير، فهي رقعة جغرافية مركزية في قلب الصحراء وهي نقطة ملتقى القوافل التجارية من الطوارق والعرب في تخوم مالي، تلك المدينة التي كانت تسيطر على مسامعنا حينما كنا طلّابا نستمتع بدراسة التاريخ للتعريف بالممالك الإسلامية التي نشأت في غرب إفريقيا، حيث كنا لا نعرف عن تلك الكيانات سوى أسماءها، حيث يأخذنا الكاتب عمر فضل الله في رحلة شيّقة بالكلمات إلى هذه المدينة المنسية والتي تمثل منارة إسلامية في أدغال القارة السمراء.
وإذا كانت رواية موسم الهجرة إلى الشمال انطلقت من قضايا موضوعية وسياسية واقتصادية جريئة، فإن جوانب رواية «أنفاس صليحة» تعالج قضية راهنة لازالت ظلالها تتمدد في القارة الإفريقية وتُعقد حولها المقايضات والصفقات السياسة وهي مسألة الرِق والتي أصبحت محل تهديد وابتزاز لكثير من الأنظمة في إفريقيا.
ما يؤسف حقًا هجرة هؤلاء المبدعين واستقرارهم خارج السودان بعد أن صارت هذه البلاد طاردة لابنائها وما يزيد الحسرة أن أعمالهم تُترجم وتُدرّس في المعاهد الأوروبية العتيقة مثل أعمال الروائي بركة ساكن المقيم في النمسا وعمر فضل الله المقيم في لوس انجلوس.

محمد بشير بابكر

التعليقات

أضف تعليقك