المجلة العربية: عدد 492 سبتمبر 2017

نجح إنسان العصور القديمة في استخدام وسيلة خطاب ذكية تفهمها الإنسانية مهما تطاول بها الزمان وتعاقب الحدثان وتغيرت أساليب البيان. وتجلت حكمته واضحة في بساطة تلك الأساليب رغم سذاجتها في ظاهرها لكونها قامت على محاكاة الطبيعة وتقليدها في كثير من صورها البيانية. أدرك هذا كل من بحث في التاريخ القديم للإنسانية وقرأ الإشارات التي خلفها إنسان تلك العصور مشتملة على الصور المنقوشة في الكهوف والرموز التي زينت بها الجداريات القديمة وقصص الملاحم وانتصارات الملوك في الحروب أو حكاية حضارات تلك الشعوب. وكانت الصور الشفاهية في بعض العصور هي لغة خطاب بليغ قلت فيه العبارات واقتصرت على الرموز والإشارات بيد أن ذلك لم يكن دليلاً على انحطاط طرائق البيان لهذه الحضارة أو تلك وإنما كانت الشعوب تلجأ للوسائل الكفيلة بالتواصل بينها حال اختلاف الألسن فقد لجأ بعضها للتجارة البكماء حينما جهل كل طرف لغة الآخر فاضطرت للتعايش بحصر الاتصال في لغة الأبدان بديلاً عن لغة اللسان وحلت الإشارة بديلاً عن العبارة وبهذا أفلح إنسان العصور القديمة في إبلاغ رسالاته للإنسانية باستخدام لغة تفهمها الشعوب الأخرى على مدار العصور وما زالت آثارها شاخصة وطرائقها في التعبير ظاهرة. ثم إنه أعقبت ذلك عصور ازدهرت فيها الحروف والعبارة كوسيلة تواصل راقٍ بين الشعوب عبر الخط والكتابة والتأليف. حدث ذلك بتلاقح الحضارات وتقارب اللغات فانتشرت المفردات وعمدت الشعوب لاستخدام الحروف في الكتابة وبرع كل شعب من الشعوب في تطوير لغته وتطويعها وعرض ثقافته على الشعوب الأخرى، وبذلك فقد أخذت اللغات من مثيلاتها فتطورت أساليب الاتصال وتنوعت صور الجمال التعبيري والتصوير الفني للخطاب ففي حين اتسعت جماليات لغة نحو شاعرية التعابير إذا بأخرى تنحو نحو موسيقى الألفاظ والأنساق وثالثة تتميز بنصاعة العبارة وسهولة الخط والكتابة. وتنوعت أساليب التعبير ففي حين تعتبر إحدى الأمم الشعر سفيراً إذا بأخرى تبرع في الأسطورة وثالثة تعبر عن ثقافتها بالغناء والأهازيج وكلما حارت بالشعوب عبارات اللغة عادت القهقرى لمحاكاة صور الطبيعة وذلك لكونها تعتبر لغة مرجعية يفهمها الجميع. غير أن الإنسان حين اكتشف دلالات الأصوات ورموزها وعبر عنها بالحرف برع في البيان ثم عمد لتوثيق اللسان بالبنان فكتب ودوَّن إذ ليس فعل الكتابة بالحروف أو الرموز والنقوش إلا أحد صور ترجمة البيان اللساني وإن شئت أن تقول عكس ذلك فلن تبعد النجعة. وكلما اتسعت حضارة أمة ازدانت ثقافتها بالعبارة والبيان واتسعت أوعية لغتها لتعبر عن حضارتها وهويتها. وحين تطورت وسائل الإتصال ورضيت الأمم والشعوب أن تتبادل المعارف ظهرت الاختراعات فقربت المسافات واختزلت الأسفار وتبودلت الأفكار فكان في ذلك خير كبير من حيث تيسير الاتصال. إلا أن هذا التيسير انقلب نقمة في حق الكلام والكتابة والتأليف إذ أن تطور التقانات أدى إلى إلغاء الحدود والفواصل فيما بين طرائق الاتصال فجعلها عالمية في وصولها للمتلقي كما أن الأشكال المبتكرة الرقمية المحوسبة، قد أنتجت حواراً تفاعلياً متبادلاً بين الوسيلة والمتلقي فنتج عنه الشيوع والانتشار والإتاحة للجميع وتخطي حاجز المحلية إلى العالمية وتعددت وسائط وسائل عرض الأفكار والمعلومات في أشكال ومتنوعة من النصوص والصور المتحركة وقد أثر ذلك الفعل على أنماط وعادات السلوك الخاصة بوسائل الاتصال فأقبل الناس على اقتنائها واستخدامها واندمجت عناصر تقانات الحاسب مع تقانات الاتصالات وأقمارها في توليفة أنتجت أنظمة الشبكة العالمية التي أصبحت وسيطاً عملاقاً ضم بداخله جميع وسائط الاتصال الأخرى المطبوعة والمسموعة والمرئية والجماهيرية والشخصية فاختصر بذلك  حواجز الزمان والمكان وقرب بين الواقع الفعلي والافتراضي والحاضر والغائب داخل فضاء المعلومات فكأنه نقل البشر والطبيعة إلى فضاء الشبكة وإن شئت فالعكس صحيح كذلك. وبهذا فإن الإنسان قد أصبح غير محتاج للجهد الذي كان يبذله في صياغة اللغة وطرائق البيان وفصاحة اللسان فطرائق التعبير أصبحت متعددة بين يديه بل ومتاحة عبر الهواتف النقالة والحواسيب اللوحية والدفترية للتواصل مع العالم كله عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ريب أن النفس الإنسانية تميل بطبعها إلى الجمال الحسي المتمثل في الصوت والصورة والمشاهد والحركة والألوان والانفعالات. وذلك ما عبرت عنه الصور والصور المتحركة أكثر مما فعلت ألفاظ البيان وحروف اللغة. فمال شباب هذه الأجيال إلى المحتوى الشفاهي الإلكتروني لأن فيه الخروج على التقليدية وتطور تقنية المؤثرات واستثارة الخيال بصور جديدة تبهر المتلقي وتنقله إلى عوالم غريبة وهمية غير واقعية وأبنية سردية غير حقيقية تتداخل فيها عوالم الوعي والخيال ويستطيع المتلقي التعرض الانتقائي لأنماط التواصل وأشكال التأثير فهو يمزج المتعة بالعمل والجد باللهو واللعب ويعيش حياة اجتماعية افتراضية دون أن يسعى إليها بقدم أو يبذل الجهد. وهو يختزل طرائق البيان المتعددة في الخطاب باستخدام الصورة والرموز فيقدمها على البيانات والنصوص. والملوم في هذا هو تعدد تطبيقات التواصل التي جنت على ثقافة الأفراد من حيث أتاحت المعلومات للمتلقي أينما كان عبر هاتفه الصغير فلماذا لا يتجه الناس نحو ذلك فهو البديل الحديث للوسائل التقليدية التي انتظمت العالم لعقود طويلة. فلا غرو أن ينقلب النشاط الثقافي والفكري للشباب على عقبيه في العصر الحاضر إلى نشاط الكتروني  شفاهي ليعود حواراً شفاهيا فالصورة هي إحدى القوى الفاعلة المؤثرة للتواصل وتمكين (الفرد) من أداء دور مؤثر في المشاركة على مستوى العالم وقد شكلت عالماً افتراضياً موازياً للعالم الواقعي وبنية اجتماعية جديدة في المجتمع الكوني الكبير وأنشأت كيانات جديدة يربطها هذا العالم الافتراضي. لكن ما حدث من ردة حضارية ليس شراً محضاً ففيه فوائد جمة فقد أتاحت للمستخدمين وسائل سهلة للتواصل فيما بينهم دون حدود مكانية أو زمنية أو قيود بالإضافة إلى إمكانية نقل محتوى أي رسالة بسهولة ويسر. وهي قد أدت إلى سهولة التعارف والتواصل بين البشر فقد حققت قفزة مجتمعية في التعارف والاتصال وإبراز الفردية وانعدام الوصاية في الاختيار والتعبير والنشر، حيث يستطيع حتى الأمي أن يستخدم هذه الوسائل في طرح آرائه وأفكاره، ويتلقى التعليقات عليها ويناقش أصحابه فيها كما أدت إلى صقل المعرفة وزيادة الثقافة من خلال التواصل مع ثقافات جديدة وأخرى غير معروفة، خاصة في ظل وجود خبرات متنوعة بين مستخدميها. وفي ظني أن التعايش ممكن بين الحالة الشفاهية الالكترونية الجديدة وحالة التدوين والكتابة فلكل أهلها وروادها.

رابط المجلة:

التعليقات

أضف تعليقك