khartoumairport1

khartoumairport

من أراد أن يقف على حقيقة التردي السحيق الذي انحدرت إليه الإدارة والخدمات في السودان فليذهب إلى بوابة المغادرة الدولية بمطار الخرطوم. حين أوقفني موظف أمن الطيران المدني عند أول بوابة ليصادر جواز السفر ويمنعني من الدخول للحاق بشباك الاجراءات الذي أوشك على الإقفال كنت أظن أن هذه نكتة أو أن السودانيين قد اكتشفوا برنامج الكاميرا الخفية  بعد أن أصبحت شيئاً عتيقاً في العالم المتحضر. ولكن اتضح أن الأمر هو خلاف ذلك تماماً وأن ما يحدث هو عين الواقع البائس والحقيقة المتجردة في سفور وقح. وأنه لا نظام هناك ولا احترام ولا تهذيب أو قواعد للخدمات أو التعامل الدبلوماسي الحصيف في واجهة البلد وإنما هناك وجه قبيح متخلف لم يتغير قط ولا يدل على أي شيء جميل أو إيجابي سوى عجز إدارة الطيران المدني أن تعكس رحابة أهل السودان وسماحتهم وأصالتهم. ولقد ظل المسئولون يواجهون كل هذا العجز المخزي والسقوط الفاضح بالسكوت المشين الذي لا يصلح خطأ ولا يواري سوأة .

لقد ظللت لسنوات عديدة أحمل الهم ، وأتردد كثيراً قبل اتخاذ قرار السفر للسودان خشية المعاناة في صالات القدوم والمغادرة، ولكنني الآن أنصح كل قادم ورائح من السودان أن معاناة الخروج تبدأ معك عند أول بوابة، بل إنني لم أر في حياتي – وقد ظللت أسافر عبر مطارات العالم المتحضر والمتخلف – لأكثر من خمسة وأربعين عاماً، مثل هذا المثال المشين الذي يتكرر كل يوم وقبل كل رحلة عبر مطار الخرطوم. وليس المجال هنا هو مجال الشكوى من تخلف التقنية أو عدم وجود الخدمات أو غيبة الإدارة بالكلية فوجود مثل هذه الأشياء هو أمر بعيد المنال في بلاد ظلت تطرد علماءها وتنفي شبابها، ولكن المجال هو للشكوى من أخلاق العاملين في أمن الطيران المدني فهل يصدق أحد أن موظف أمن الطيران المدني بارع جداً في الاستفزاز والإهانات وأن وظيفته هي استعراض القوة والعضلات على المسافرين وأنك إن جادلته دون حقك تعدى عليك بلسانه ويده؟ حدث هذا اليوم الجمعة 15/2/2013 في تمام الساعة الواحدة وأربعين دقيقة ظهراً عند بوابة المغادرين بالصالة الدولية لمطار الخرطوم، ولولا العيب والحياء لصورت هذا المشهد ونشرته بالصوت والصورة على اليوتيوب ليراه العالم أجمع فهو أكثر إمتاعاً من كثير من المقاطع  التمثيلية الكوميدية لأنه مشهد حقيقي بل هو أكثر إمتاعاً من مباراة في المصارعة الحرة والفارق هنا هو أن مصارع أمن الطيران المدني بمطار الخرطوم يرتدي زي أمن الطيران ويلبس شارتهم ويضع علامتهم ويتحدث باسمهم ويمثلهم. وهو حين يسبك أويلكمك لا يهمه من أنت ولا من تكون ولا من أين جئت أو إلى أين تذهب، وواضح أنه يستمتع بهذا العمل فهو يؤدي في إتقان وإخلاص ما تعلمه من إدارة أمن الطيران المدني ، وهو يؤديه بكل أمانه، لا ينقص منه شيئاً، ويظن بهذا أنه يؤدي خدمة جليلة لوطنه. khartoumairport1وواضح أن إدارة أمن الطيران المدني وإدارة المطار نفسها التي عينته موظفاً عندها وعلمته هذا السلوك لا تعرف أخلاقيات خدمة المسافرين ولا مباديء العمل الاحترافي وواضح أن مطار الخرطوم الذي أنشأه الإنجليز في عهد الاستعمار بقي كما هو وسيظل كما هو لأن من يدير أمره عاجز عن التغيير فهو مسلوب الإرادة لا يملك استقلال القرار ولا يميز الصواب والخطأ. وهذا يفسر لماذا ظل السودان في ذيل قائمة الدول المتخلفة ولماذا ظلت مطارات السودان وموانئه دون المعايير الدولية الأساسية. ومشكلة المشكلات في التغيير هي الإنسان. ومشكلة الإنسان هو غياب المعرفة الإدارية البتة وغياب التدريب والتأهيل. الكفاءات هاجرت لأنها لم تنل حقها من الإنصاف في حين تولى الإدارة غير أهلها. سوء الإدارة في السودان يطاردك في كل مكان، أينما ذهبت وأنى حللت وكأنه يتحداك ويقول لك أنا سبب التردي والتخلف والبؤس والانحطاط والجهل والهزيمة. أنا قدركم أيها السودانيون البائسون الشامخون بأنوفكم في غير مشمخ. أنا قدركم الذي يرغم هذه الأنوف التي تضع كل شيء في غير محله وغير موضعه حتى يمرغها بالتراب والهوان ويكسوها بالذل، وستظلون هكذا.. كل العالم إلى نماء وازدهار إلا أنتم فإلى ذبول واضمحلال وانحطاط.

لو كانت في مطار الخرطوم إدارة حاضرة لأمن الطيران المدني لتقدمت إليها بالشكوى والتظلم. ولكن إدارة أمن الطيران موجودة في مكان آخر غير معلوم. وأمن مطار الخرطوم بلا إدارة. ولو كان لهذا البلد وجيع تؤلمه حاله لأحدث التغيير وصنعه، ولكن بلادنا تشتكي إلى الله ظلم إداراتها لأهلها.

مساكين أهل السودان فيبدو أنهم ارتكبوا إثماً عظيماً فكانت عاقبته أن الله قد سلط عليهم في كل مرفق من يذيقهم الهوان.

ولئن سكت زمناً طويلاً عما يقع فقد كنت أرجو صلاح الحال، ولكن الحال لن تصلح بالسكوت فأنا أعلنها اليوم أنه لا سكوت. وأنا نصير كل من يرفع صوته إنكاراً للظلم أو طلباً للعدل. ولو دعيت إلى مثل حلف الفضول في السودان لأجبت. كتب أخي إسحق في مقاله الأخير أنه لو لم يبق إلا جمجمته لألقى بها حجراً في وجه مؤتمرهم الوطني، وأما أنا فأقول إن تلك الوجوه لم يعد فيها دم يسيل من حجارة إسحق وجماجمه، ولا تلك الأجساد قد أصبحت تدمى، وأنا أهيب بكل من بقي في فؤاده مثقال ذرة من غيرة على السودان أن يرفع صوته عالياً وأن نجأر بالشكوى لله رب العالمين أن يرفع عنا هذا البلاء المبين. ومثلما كنا في مقدمة الأولين في الجهاد والمدافعة وعمل الخير فإننا بإذن الله سنكون مع الآخرين حتى نعذر إلى الله.

ويا إدارة أمن الطيران المدني بمطار الخرطوم.  انتبهوا فالظلم مرتعه وخيم!!!

التعليقات

أضف تعليقك