خطــاب السيد/علي أحمـــد سحلـــــول

إلى الأمين العام لجامعة الدول العربيـة

الرقم وخ/ش م/2/1/أ/حدود

التاريخ 11 محرم 1413هـ

الموافـق 11 يوليو1992م

الســـيد الأمـــين العــــــام

السلام عليكم ورحمة الله،

الموضوع: مشكلة الحدود السودانية المصرية

أحسبكم تعلمون بما يدور هذه الأيام عن موضوع الحدود الشمالية الشرقية لجمهورية السودان  مع جمهورية مصر العربية وهي المنطقة التي تضم محافظة حلايب واستمر السودان يمارس حقه السيادي عليها منذ أن اكتسب صفة السيادة والإستقلال عام 1956م. أثارت مصر الموضوع لأول مرة عام 1958م وفجرت المشكلة أزمة حقيقية في العلاقات بين البلدين، تقدم السودان أثرها بشكوى رسمية لمجلس الأمن وقتذاك. ولقد تم احتواء المشكلة وحسب السودان وقتها أن المسألة لا تعدو أن تكون سحابة عابرة في العلاقة بين الحكومتين أفتعلت بسببها الأزمة وذلك للقناعة الراسخة بأن منطقة حلايب لا تحتاج لكثير براهين لإثبات تبعيتها للسودان. على أن المشكلة أصبحت تطل برأسها كلما ساء التفاهم وتباينت وجهات نظر البلدين حول بعض المسائل والقضايا القومية والإقليمية تاركة أيضا آثارا سلبية على العلاقات الثنائية. وبدا وكأن المسألة أصبحت كرتا تلوح به الحكومة المصرية كلما اختلفت الرؤى والمواقف وتباينت التوجهات بين البلدين. وانطلاقا من هذا الفهم حرصت حكومة ثورة الإنقاذ الوطني في السودان على حصر وعلاج كل ما من شأنه أن  يعترض مسار العلاقات السودانية المصرية أو يؤثر على خصوصيتها، وذلك بوضع هذه العلاقات في إطارها الصحيح وتأكيد الثوابت والأسس التي ترسي عليها. وعلى هذا الأساس عكست المباحثات التي عقدت بين السيد محمد حسني مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية والسيد الزبير محمد صالح، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة والوزراء السوداني أبان زيارته للقاهرة خلال شهر فبراير الماضي، عكست هذا الحرص عل الحفاظ على خصوصية هذه العلاقة وضرورة الإبتعاد بها عن المزالق بما يضمن استقرارها والعمل على تطويرها لصالح الشعبين الشقشقين.

ومن هنا نتج الإتفاق على فكرة انشاء لجنة مشتركة تعني  بمسألة الحدود السودانية المصرية. وقد عقدت هذه اللحنة اجتماعها الأول في الخرطوم برئاسة السيد علي محمد عثمان يسن، وكيل أول وزارة خارجية السودان للجانب السوداني، والسيد د. أسامة الباز وكيل أول وزارة خارجية مصر للجانب المصري. ولقد كان الإجتماع الأول مفيدا، وكان مؤملا أن تواصل اللجنة اجتماعاتها لبحث المشكلة والتوصل إلى حل حاسم ودائم لها يتيح للبلدين الفرصة للإنطلاق بعلاقتهما وتعاونهما الثنائي إلى آفاق أرحب.

ولعله من البداهة أنه لكي تواصل اللجنة المشتركة اجتماعاتها لابد من خلق المناح الملائم لتسهيل وإنجاح مهمتها الأمر الذي يحتم توفير الإرادة السياسية من قبل الطرفين لحسم المشكلة ثم عدم اللجوء لتصعيد الموقف فيما يتعلق بالوضع بمنطقة الحدود. على أن الجانب المصري للأسف الشديد، اتخذ سلسلة من الإجراءات التي تتنافى وروح الإتفاق الذي تم بين الطرفين لبحث وحسم المشكلة بطريقة ودية وفي إطار عمل اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها خصيصا لهذا الغرض. هذه الإجراءات في نظر حكومة السودان، تهدف تدريجيا لتغيير هوية ووضع منطقة حلايب السودانية بحيث تصبح المنطقة في نهاية الأمر تابعة لمصر وذلك بتجريد وإزالة السيادة السودانية عن موارد المنطقة البشرية وثرواتها الطبيعية. نورد امثالا لسلسلة من الإجراءات والتدابير المصرية التي اتخذت هذا الغرض وذلك بعد الإجتماع الأول للجنة المشتركة فيما يلي:

أ. إدخال 20 شخصا مسلحا من رجال الأمن المصري ونشرهم في شوارع قرية (ابو رماد) السودانية        بالمنطقة. ولقد سبق هذا الإجراء حدوث مواجهة مسلحة نتجت عنها وفاة اثنين من رجال الشرطة السودانية.

ب. قرار وزارة التأمينات والشئون الإجتماعية المصرية صرف مبلغ 50 جنيها مصريا للأسر المحتاجة في منطقة حلايب وصرف بطاقات سلع تموينية لهم.

ج. الإتجاه لاستغلال الإمكانات السياحية في المنطقة والتفاوض مع شركات سياحية بغرض الإستثمار لإقامة مشروعات سياحية على سواحل البحر الأحمر.

د. البدء في تنفيذ مشروعات جديدة لربط مدينة حلايب السودانية ببعض المدن في جنوب الصعيد المصري بطرق برية وبشبكة اتصالات هاتفية، وبتنفيذ خطة لتحقيق ما يسمى بـ (السيادة الإعلامية المصرية) بإيصال الإرسال التلفزيوني للمنطقة لربطها بمصر (ثقافيا واعلاميا وفكريا) حسبما جاء في تفاصيل الخبر في الصحف المصرية.

هذا بالإضافة إلى عدد من الإجراءات والسياسات التي اتخذت قبل اجتماع اللجنة المشتركة والتي يبدو أنه مخطط لها سلفا بغرض تمصير المنطقة وطمس وإزالة هويتها السودانية. ولقد مارس السودان كثيرا من ضبط النفس ازاء هذه الإجراءات مكتفيا بالإحتجاج بالوسائل الدبلوماسية ومعبرا عن الأمل في تهيئة الجو الملائم للجنة المشتركة لمواصلة بحث وحسم المهمة الموكلة إليها لذلك فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية فيما يتعلق بالمنطقة غير مقبولة لحكومة وشعب السودان، وهي اجراءات في نظر الحكومة السودانية غير قانونية وباطلة ولا تغير أو تنتقص من الحق السوداني شيئا.

وحكومة السودان _إذ تخطر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بهذا إنما ترغب في وضع الأمين العام في الصورة ليقف على تفاصيل هذه التطورات وعلى الطريقة التي تمت بها سيما ومنظمتنا، فيما نعلم، تولي مثل هذه القضايا الإهتمام الذي تستحقه لما يترتب عليها من آثار قد تنعكس سلبا على العلاقات بين اعضائها وتؤثر تأثيرا مباشرا على استقرار الأوضاع فيها.

إن الأمر الذي تود حكومة السودان تأكيده في هذه الرسالة هو أنها لا تزال منفتحة ومستعدة لمواصلة بحث هذه القضية على الصعيد الثنائي وفي إطار عمل اللجنة المشتركة بين البلدين، وسيظل السودان يبذل كل ما من شأنه أن يسهل عمل اللجنة ويساعد على انجاح مهمتها، ويأمل في نفس الوقت أن يتوفر استعداد وروح مماثل من الجانب الآخر.

أما إذا استحال ذلك فإن السودان لن يجد سبيلا سوى طرق الوسائل المتاحة لحسم المشكلة وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة بما في ذلك اللجوء إلى التحكيم الدولي.

أرجو أن انتهز هذه الفرصة لأعبر لكم، سيادة الأمين العام، عن فائق تقديري.

علي أحمد سحلول

وزيـــر الخارجية

إلى الســــيد د. عصمت عبد المجــيد

الأمـــين العــــام

جامعة الدول العربية

القـــــــاهـــــرة

 

التعليقات

أضف تعليقك