بعد قيام الجيش المصري باحتلال المنطقة بفرض الواقع على الأرض 1992 بدأ النظام المصري ينتهج الاستراتيجية التالية في مناطق حايب وشلاتين وأبورماد:

استغلال محدودية  الوجود الحكومي السوداني في المنطقة:

بصورة عامة يلاحظ أن الوجود الحكومي المركزي محدود وحتى الموجود منه مثل الجمارك وإدارة صيانة التربة واستثمار الأراضي ومصائد الأسماك وأبحاث الأسماك ضعيف البناء والأداء وينحصر نشاط بعض هذه الوحدات على الأجزاء الجنوبية من منطقة المجلس وعمليات إستصلاح الأراضي في بعض الوديان. والجدير بالذكر أن معظم رؤساء الإدارات والوحدات الحكومية يقيمون بمدينة بورتسودان الشيء الذي يجعل أمر الإشراف على وحداتهم ضعيفاً وبالتالي يساهم في اضعاف الوجود السوداني الرسمي بالمنطقة.

عدم وضوح الإستراتيجية السودانية تجاه المنطقة في السابق:

بالرغم من أهمية المنطقة وموقعها المواجه للحدود الدولية في مواجهة مصر، وبالرغم من توفر الموارد الطبيعية والإقتصادية وماتزخر به من إمكانات قابلة للتنمية والتطوير مثل ( المعادن والثروة السمكية والسياحة والثروة الحيوانية وخلافه) وبالرغم من الجهود المكثفة التي تقوم بها مصر لفرض سيادتها على المنطقة إلا أن الحكومات السودانية المتعاقبة لم تعر هذه المنطقة العناية الكافية التي تتناسب مع أهميتها الإستراتيجية والإقتصادية والإجتماعية والسياسية. ويتمثل ذلك بوضوح في الإهمال والقصور الذي تعاني منه المنطقة حالياً وفي ضعف الوجود الرسمي والبنيات الأساسية.

تكاثف مظاهر الوجود المصري في المنطقة :

الوجود العسكري:

من أهم مظاهر الوجود العسكري المصري في منطقة حلايب نقاط المراقبة البالغ عددها 12 نقطة وقد أنشئت هذه النقاط في عام 1967 ـ 1974 عقب حرب أكتوبر بين مصر واسرائيل في إطار إتفاقية الدفاع المشترك حسب المعلومات التي توفرت للجنة وتشكل هذه النقاط سرية بقيادة نقيب طيار وارتفع عدد النقاط من نقطتين في عام 1980 إلى عشرة نقاط في الفترة بين 80 ــ 81 وارتفع العدد أخيراً إلى إثنتي عشر نقطة من ميناء أبو نعام شمال أبو رماد على طول الطريق الساحلي حتى الشلاتين  وتبلغ المسافة بين كل نقطة وأخرى حوال 10 كليو مترات وعدد الأفراد الموجودين بكل نقطة 5 ـ 7 أفراد تسليحهم بنادق كلاشنكوف ومدفع 7,12  مليمتر جهاز إشارة 351.

وقد بدأت هذه النقاط بمواد غير ثابتة وانتهت بإقامة مباني ثابتة مرسوم على أبوابها العلم المصري وتمارس هذه النقاط بعض أوجه السيادة التي تتمثل في إيقاف المارة وسؤالهم عن هويتهم والجبهة التي يتوجهون إليها.

والجدير بالذكر أن هذه النقاط أنشئت أساساً بحجة الدفاع عن مصر وذلك للمراقبة بالنظر للطيران الإسرائيلي المخفض  والذي لا يمكن رصده بأجهزة الرادار كما تدعى مصر أيضاً أن هذه النقاط أنشئت لمحاربة التهريب والمخدرات بالمنطقة.

وتود اللجنة أن تشير إلى ملاحظتين هامتين حول هذه النقاط.

الأولى: أن مصر ازالت نقاط مراقبة مماثلة كانت توجد في الأراضي المصرية شمال شلاتين مع الإبقاء على نقاط المصرية داخل الأراضي السودانية. وهذا يعني أن هذه النقاط لو كانت لها قيمة عسكرية للدفاع عن مصر لما تمت إزالتها من الأراضي المصرية.

الثانية: زيادة وتكثيف هذه النقاط من 10 إلى 12 نقطة بعد عام 80 ــ 81 وذلك بعد إتفاقية السلام بين مصر واسرائيل ( كامب ديفيد) الأمر الذي يقودنا إلى الإعتقاد بأن هذه النقاط العسكرية المصرية لها أهداف أخرى وهي تكريس السيادة المصرية على هذه المنطقة أكثر من الإدعاء بأنها للدفاع وحماية مصر.

ومن مظاهر الوجود العسكري بالمنطقة أيضاً الدوريات العسكرية على النقاط والطريق من شلاتين حتى أبو رماد وكذلك زيارات المسئولين العسكرين المتكررة والمنطقة بصورة عامة.

محاولة مصر تكثيف الوجود المدني المصري في المنطقة:

بالإضافة إلى  الوجود العسكري المشار إليه  أعلاه يتمثل الوجود المدني المصري في الآتي:

أ. وجود شركتين بأبي رماد أحداهما للتعدين والأخرى لرش الجراد. ومن ملحقات الشركتين مكاتب ومخازن وكمية من خام المنجنيز يخص شركة التعدين الذي لم يتم ترحيله مع ملاحظة عدم وجود نشاط بالشركتين غير أنه يتم تغيير العاملين بهما كل ثلاثة أشهر ولديهما أجهزة إتصال مولد كهرباء  يمد بالإضافة إلى الشركتين نقطة الشرطة السودانية وبعض المواطنين كما توزع الماء مجاناً للمواطنين رغم إرتفاع أسعار المياه في هذه المناطق حيث يبلغ  سعر البرميل من 15 ـ 25 جنيه. وفي تقدير جهات الأمن السودانية المختصة أن هذه المحطات ما هي إلا غطاء لعمل إستخباري صرف ، ونوع من السعي لتكريمي السيادة.

ب. هنالك زيارات متكررة من الخبراء المصريين بصحبة بعض الأجانب بدعوى إجراء دراسات جيولوجية وزراعية وبيئية وسياحية مع ملاحظة  أن هذه الوفود تدخل الأراضي السودانية دون علم وموافقة السلطات السودانية.

ج. قامت السلطات المصرية بعمل سجل بطاقات عائلية لهم بحجة المساعدة في توزيع المواد التموينية كما قامت بنزع كل العلاقات الحدودية الفاصلة بين البلدين.

د. أنشأت السلطات المصرية طريق اسفلت من حلايب حتى شلاتين مع ربطه بالطريق المسفلت إلى داخل مصر مما يسهل إنسياب الحركة من هذه المناطق إلى داخل الأراضي المصرية.

هـ . وضعت السلطات المصرية  طريق  على طول الساحل حتى شلاتين لافتات بمنع صيد السمك بأمضاء السلطات المصرية وكذلك في منطقة جبل علبة توجد لافتات بمنع الصيد البري.

و. تقع قرية شلاتين على خط عرض 33 درجة شمال تقريباً على الحدود الفاصلة بين السودان ومصر ويفصل بينهما خور حنين  ويوجد بالجانب السوداني إستراحة مبنية من الخشب ويطلق عليها المصريون ( الكشك السوداني) ويقيم حولها بعض المواطنين السودانيين في منازل متواضعة ومحدودة العدد ومبنية من الخشب تعتمد هذه المجموعة من السكان إعتماداً كلياً على الجانب المصري في المياه والسلع التموينية وخلافه بينما نجد بالمقابل في الجانب المصري من شلاتين أن المصريين أنشأوا قرية نموذجية تسع أربعة ألف شخص وتشتمل على مرافق الخدمات،  مجلس للقرية، ومدرسة ومركز صحي ومسجد ومركز إسلامي ومحطة لتحلية المياه وأخرى تحت التشييد ومحطة لتوليد الكهرباء واجهزة إتصال متطورة وهذه القرية مربوطة مع مصر بطريق معبد ومواصلات منتظمة إلى الأجزاء الداخلية وتحصل على مياه الشرب العذبة عن طريق البر والبحر.

شيدت هذه القرية أساساً لاسكان عرب البشارين وقد علمنا أن أعداداً كبيرة رفضت السكن في هذه المباني الحديثة وفضلوا السكن في المباني التقليدية لملاءمتها لطبيعتهم.

يوجد سوق مشترك بين القريتين بها محلات تجارية ورخص سودانية ومصرية وتعرض فيها مختلف أنواع السلع المصرية  وتشكل هذه السوق مصدراً كبيراً لعمليات التهريب للسلع المصرية داخل السودان وقد شاهدت اللجنة أعداداً كبيرة من اللواري التجارية السودانية والتي علمنا انها تحمل ليلاً بالبضائع ويتم تهريبها إلى عطبرة وابوحمد وبربر ومن ثم إلى داخل البلاد

من الواضح أن القرية النموذجية  في شلاتين تشكل نموذجاً واضحاً للإهتمام والعناية التي تقدمها مصر لمواطني المنطقة في الوقت الذي ينعدم فيه الوجود السوداني والخدمات الأمر الذي يجعل إرتباط المواطنين بهذه المنطقة وثيقاً حيث يعتمدون على مصر في كل ضروريات الحياة ويشكل هذا خطورة كبيرة على الموقف السوداني إذا تقرر في وقت لاحق إجراء إستفتاء في المنطقة الأمر الذي لمسته اللجنة بوضوح من الشعور العام لحكماء المنطقة.

تزايد نشاط التعدين المصري في الأراضي السودانية:

يشكل التعدين في منطقة حلايب أحد المظاهر الرئيسية للوجود المصري  وذلك منذ الربع الأول من هذا القرن وينجلي هذا في إصدار التراخيص الخاصة بالتعدين من مصلحة الجييولوجيا المصرية لشركات أجنبية ومصرية لممارسة نشاط بالتعدين في مجال إستخراج المنجنيز والذهب والفوسفات والبرايت والحديد  بالإضافة إلى أن الشركات المصرية وغيرها  قد مارست عمليات التنقيب لسنوات طويلة والجدير بالذكر أن السلطات السودانية أصدرت تراخيص عام 1958م كرد فعل للسياسة المصرية ولم تمارس الشركات السودانية المرخص لها نشاطاً فعلياً وقد انحصر التعدين فعلياً في شركة النصر للتعدين ( مناجم جبل علبة) والتي استمرت تمارس أعمالها إلى أن تم إيقافها بواسطة السلطات السودانية رسمياً بعد الإنتفاضة في مارس ـ أبريل 1985م غير أنها مازالت تحتفظ بمكاتب ومنشآت ومخازن وكميات من المانجنيز والفوسفات معدة للشحن وبعض العاملين في منطقة أبو رماد.

هذا ولم يقتصر الوجود المصري بالمنطقة على إصدار تراخيص  التعدين وممارسة التعدين فحسب بل امتد إلى إيقاف التراخيص الممنوحة بواسطة السلطات السودانية.

قامت شركة TEXAS EASTERN INC في منطقة الحصا شمال ابورماد ( انظر الخريطة) بالتنقيب عن البترول عام 82 ـــ 83 في البحر (OFF SHORE)  والتي وصلت إلى نتائج مشجعة تؤكد وجود البترول في المنطقة ولكن اوقفت فجأة ويقال أن ذلك تم بناء على رغبة الرئيس المصري وموافقة رئيس الجمهورية السابق.

تزايد نشاط الصيد البحري والبري في المياه الإقليمية السودانية والأراضي السودانية:

يمارس المصريون أنشطة مكثفة للصيد في البحر والبر إذ تجوب سفنهم وقواربهم المياه الإقليمية السودانية على طول الساحل وتصطاد الأسماك بإستعمال وسائل حديثة، بعضها مدمر،  وتشكل إبادة الثروة السمكية بالمنطقة كالدانميت  واستعمال الشباك ضيقة الفتحات خاصة في الأوقات التي يمنع فيها الصيد بمصر ( فترة تلقيح وتكاثر الأسماك) ومن جهة أخرى ترسل مصر سواح من الدول العربية للصيد في منطقة جبل علبة بحلايب دون علم أو موافقة السلطات السودانية.

المبادرات المصرية لاستمالة المواطنين في المنطقة بتقديم الخدمات لهم:

بجانب ما تقدم وفي إطار تكريس الوجود المصري لإحتواء واستمالة المواطنين السودانيين فان مصر تقدم خدمات عديدة ومحسوسة  للمواطنين بمنطقة حلايب بالإضافة لإنشاء الطرق والذي سبق أن أشرنا إليه بوضوح في مكان آخر من هذا التقرير، والذي يسهم إيجابياً في شتى ضروب الخدمات وتتمثل الخدمات الأخرى في الآتي:

أ. توفير ماء الشرب مجاناً للمواطنين في مناطق تواجد المصريين ولبعض المواطنين من قيادي المنطقة بأسعار اسمية أو مجاناً رغم صعوبة الحصول على الماء بالمنطقة وارتفاع أسعارها.

ب. تقديم السلع التموينية في منطقة حلايب نظير بطاقات أعدت على ضوء سجلات باسماء المواطنين سبق اعدادها من الجانب المصري.

ج. على الرغم من عدم وجود مدارس مصرية في المنطقة إلا أن المصريين يختارون بعض أبناء المنطقة للدراسة في مدارسهم في مصر من مرحلة التعليم المتوسط وحتى الجامعات مع إعفاء المستوعبين من أبناء المنطقة من الخدمة العسكرية الإلزامية وقد شجع على هذا غياب المدارس السودانية العامة والعليا إلا في بورتسودان ومن الراجح أن هؤلاء الدارسين في مصر سيكون لمصلحة مصر أكثر منه للسودان.

د. تسهيل الحصول على الوثائق الثبوتية المصرية مقارنة بصعوبة الحصول على الأوراق الثبوتية من السلطات السودانية التي لايمكن الحصول عليها إلا في بورتسودان.

هـ. نسبة لسهولة الإتصال بين مصر ومنطقة حلايب فان كثيراً من المواطنين يلجأون لعلاج الحالات الهامة والمستعجلة بمصر.

و. تشجيع سكان المنطقة للزواج بالمصريات تمهيداً لطمس الهوية السودنية بالمنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك