جمهورية السودان الديمقراطية

وزارة الشئون الداخلية

إدارة الحدود

 

سلسلة مذكرات الحدود الدولية

الوثيقة رقم (1)

حــــــــــــــول

الحدود بين السودان ومصر

يوليـــو 1984

الرقم المتسلسل (حدود: 0000)

ترجم عن رسالة الدكتور ـ البخاري عبد الله الجعلي

المكتوبة أصلا باللغة الإنجليزية بعنوان الحدود في إفريقيا

دراسة التطورات والأوضاع القانونية لحدود السودان

 مع التركيز على الحدود مع مصر

ترجمة وإعداد

المقدم شرطــة

أحمد الحسين عبد الرحمن

المحتويــــــات

الجزء الأول:                 صفحة

1ـ أصل الحدود         4 ـ 7

2ـ ظهور النزاع          7 ـ 10

الجزء الثانــي:

1ـ مسألة التاريخ الحرج

بالنسبة للنزاع القائم

بين مصر والسودان    11 ـ 15

الجزء الثالــث:

1ـ وجهة النظر السودانية  16 ـ 30

الجزء الرابـــع:

1ـ وجهة النظر المصرية   31 ـ 44

الجزء الخامس:

الوضع القانوني وموقف الحدود الحالي     44 ـ 48

 

 

الجزء الأول

المقـــدمة:

لقد ارتبط تاريخ السودان على الدوام بوجه أو آخر بتاريخ مصر، وقد كان سكان شمال السودان الحالي مواجهين عبر القرون بمشكلة الإختيار بين سياسات ثلاثة تجاه مصر:

1ـ أن يخضعوا للسيطرة المصرية

2ـ أن يحققوا استقلالهم

3ـ أن يغزوا مصر

  ولعله بسبب هذه الخلفية، وعلى غير ما جرى به الحال في معظم حدود السودان الأخرى نشأت مشكلة حقيقية تجاه الحدود بين القطرين في عام 1958.

  1. أصـــل الحــدود

    لقد أرست اتفاقية 19 يناير 1899 بين بريطانيا ومصر قواعد الحكم الثنائي بعد غزوهما للسودان وهزيمتهما له في 1898 وقد وصف السودان في تلك الإتفاقية بأنه كل الأقاليم جنوب خط عرض 22 درجة التي

(1) لم يسبق لها أن اخليت من القوات المصرية 1882 أو

(2) التي كانت تدار بواسطة حكومة معالي الخديوي قيل سقوطها مؤقتا في يد الثوار ولكنها استعيدت بواسطة حكومة جلالتها والحكومة المصرية متضامنتين.

لم يعرف بعد السبب الذي دعى كرومر مخطط الإتفاقية إلى اختيار خط العرض 22 درجة ليكون الحدود ببين السودان ومصر وبالرغم من أن إختيار الخط يبدو ظاهرياً أنه الإختيار الأنسب في تلك الظروف إلا أن الإختيار لم يتم على أسس جغرافية أو إجتماعية .. بالإضافة إلى أنه قسم النوبة ذات الطبيعة الواحدة والأصل الواحد إلى قسمين يتبع كل منهما لقطر مختلف .. وقد كانت حياة النوبة الإجتماعية سودانية صميمة ولا صلة لها بالمصريين، وقد بدأت عيوب تحديد الحدود بخط مستقيم يتبع خط عرض 22 درجة في الظهور مباشرة بعد الإتفاقية وتمثل ذلك في الآتي:

    وجد أنه من الضروري بعد ثلاثة أشهر فقط من اتفاقية يناير 1899 إجراء مفاوضات محلية مشتركة لمعالجة الخط الهندسي بالقرب من حوض النيل في محاولة ليكون الوضع أكثر ملائمة مع الواقع المحلي، وقد كان الجانب السوداني من اللجنة يتكون من : (قمندان حلفا وضابط من الشرطة بينما الجانب المصري يتكون من مندوب إدارة الأراضي المصرية وضابط الشرطة لمركز حلفا وقد تم تأييد الإتفاق الذي توصل إليه الطرفان بواسطة السيد وزير الداخلية المصري وصدر بموجبه أمر من وزير الداخلية أشتمل على نصوص الإتفاق  وقد كتب به الوزير لمحافظ النوبة ووزارات العدل والأشغال والمالية وقد جاء في فقرة من فقراته ما ترجمته:

(لقد تم الإتفاق بين .. على جعل الحد الشمالي الأقصى للسودان على الجانب الغربي للنيل) نقطة على بعد 200 مترا شمال بربا (مبنى مهجور) بمنطقة فرص وعلى الجانب الشرقي (للنيل) يكون وضع بربا عند ادندان وقد تم وضع علامتي حدود هناك، كتبت (مصر) على الوجه الشمالي بكل منهما (السودان) على الوجه الجنوبي، وقد كان هذا بحضور عُمد ومشايخ القريتين المشار إليهما بأعلاه، وقد نتج عن هذا اضافة قرية فرص للسودان بإستثناء (9) فدادين و(2) قيراط و (58) شجرة بلح لتبقى بمصر..

أما أراضي أدندان والتي كانت مصر تفرض عليها الضرائب وهي من توابعها فقد أضيف منها للسودان (99) فداناً و (7) قيراط و (155) شجرة بلح .. وعليه وبهذا التحديد تكون (10) من قرى المحافظة ضمت لحدود السودان تصل مساحتها (094ر4) فدانا و (12) قيراط و(20) سهما من الأرض تشتمل على (112) فدانا و (5) قيراط و(12) سهما من الأراضي غير المسجلة وكذلك (206ر82) شجرة بلح، كما يصل عدد سكانها إلى (138ر13) شخصا وتمشيا مع ما سبق يتضح تقسيم ماتبقى من المركزين الفرعيين حلفا والكنوز فيما يلي: (من خطاب وزير الداخلية المصري)

”   وبما أننا هنا أيدنا هذا التحديد الذي شمل عدد القرى والسكان وقدر الأرض المفروض عليها الضرائب وعدد الأشجار وهي أشجار البلح وتعديل أسم مركز حلفا إلى مركز كورسكو .. عليه فقد كتبنا لك ولوزارة العدل والأشغال المالية للعلم” 00

تجدر الإشارة هنا إلى أن الإجراءات التي أتبعت في وضع الحدود تتفق تماما مع الوسائل المتبعة في تخطيط الحدود، فقد تكونت اللجنة من الإداريين وموظفي الأراضي إلى جانب العُمد والمشايخ للقرى المعنية، وقد توصلت اللجنة المشتركة إلى اتفاقية دقيقة ومفصلة ومقبولة لدى كل الأطراف المعنية …

لقد خططت الحدود بوضع حجرين عند الحدود على ضفتي النيل شمال فرص حيث وضع اسم (مصر) على الوجه الشمالي منها و (السودان) على الوجه الجنوبي .. وبناءاً على ذلك تم رسم الخط الموصل بين النقطتين على كل الخرائط الرسمية المصرية منها والسودانية، وقد ترك فراغ على جانبي النيل عند رسم الحدود على امتداد خط عرض 22 درجة ليشير لعدم مواصلة خط الحدود في تلك المنطقة..

وحقيقة قد رسم سهمان يتجهان للشمال ليبينا أن الحدود تعبر شمالاً ولا تقطع مجرى النيل في تلك المنطقة..

ويبدو أن تعديل الخط 22 درجة واضافة مايمكن أن يسمى بنتوء وادي حلفا للسودان قد لفت انتباه السلطات المصرية وشجعها للمضي قدما في ذات الإتجاه بهدف الوصول إلى وضع حدود نهائية بين مصر والسودان تتلاءم والأوضاع المحلية وعليه بمجرد اكتشاف أن قبيلة البشاريين والتي معظمها في السودان، تسكن وترعى وتحتل المنطقة بين نهر عطبرة (خط عرض  17 درجة ش) وبين شلاتين على ساحل البحر الأحمر (خط عرض 8/23 درجة ش) من جانب وأن قبيلة العبابدة التي معظمها في مصر تسكن وتحتل مناطقاً جنوب خط عرض 22 درجة وغربي خط الطول 34 درجة شرق من جانب آخر فان ذات السلطات قد قررت تصحيح هذا الوضع .. وكما جري من قبل في سنة 1899 فقد كونت لجنة حدود مشتركة برئاسة حاكم أسوان وضمت ممثلين لكل من حكومتي السودان ومصر في أسوان بتاريخ 30 مارس 1902 وقد حددت صلاحيتها في الآتي:

“لتفحص وتستفسر عن الحقوق المكتسبة للقبائل البدوية المصرية والسودانية والتأكد من وضع كل قبائل البشاريين تحت الإدارة السودانية بصفة نهائية ووضع كل قبائل العبابدة تحت الإدارة المصرية..”

وقد رفع قرار اللجنة المشتمل على خريطة توضح آبار المنطقة والأراضي المستغلة بواسطة كل قبيلة إلى وزير الداخلية المصري والذي أصدر بموجب ذلك الأمر المؤرخ في 14 نوفمبر 1902 وقد ورد بالأمر بعد الإشارة لتكوين اللجنة ومسائل أخرى الآتي:

(لقد تم الإتفاق على أهمية وضع وتحديد دقيق لحدود أراضي للقبائل المصرية والسودانية وذلك بهدف تحسين الخدمات). وأشار إلى أن اللجنة عقدت اجتماعاً في 31 مارس 1902 وأنها أنجزت أعمالها واتخذت قراراً أرسلت صورته لوزارة الداخلية ووضعت خطة تبين فيها الآبار التابعة لكل قبيلة بالإقليم وقد جاء بالأمر أيضا، أنه (تم الإتفاق على أن تضم حدود منطقة القبائل التابعة لمصر كل القبائل وهي العبابدة البدويين بإستثناء قبيلة جب الملكاب ومنطقة أبار (بيركوات) التى تتبع للسودان .. وبعد أن تبين أن قرار اللجنة قد حصل على موافقة الوزير نورد ما جاء البند الثاني من الإتفاق والذي وصف الحدود الشمالية لآبار منطقة قبائل البشاريين.

“تبدأ الحدود الشمالية من بئر شلاتين على ساحل البحر الأحمر ممتدة حتى بئر منيقا ومن هنا إلى جبل ايشقرو إلى جبل أم الطيور ومن ثم إلى دياكا، ومن دياكا يستمر الخط حتى آبار سُتمر ومن هنا إلى جبل بعرتزوقو واخيرا إلى كروسكو” وكما لخص رايتر فان الحصيلة لكل من الأمر والإتفاق هي:

    حدود إدارية طولها (222) ميلاً تشتمل على عدد من الخطوط المستقيمة من الغرب للشرق إلى الجنوب على خط طول 5/33 درجة شرق تقريباً حتى 30 ميلًا من جبل بعرتزوقو وفي الإتجاه الشمالي الشرقي حتى 29 ميلاً من بئر حسمات لامار وشمال الشمالي حتى 32 ميلا من جبل الضيقة (17 ميلاً جنوب خط عرض 22 درجة و15 ميلا الى شماله) شمال شرق حوالي 15 ميلا من جبل ام الطيور القوقاني شمالي الشمال حوالي 42 ميلاً من جبل نقرووب القوقاني وجنوباً إلى بئر منيقا حوالي 17 ميلا وشمالا حتى بئر شلاتين والبحر الأحمر حوالي 36 ميلا وقد أفرز تحديد 1902 بعض المتاعب الإدارية منها أنه بموجب الأمر فقد رسم خط مستقيم بين بعرتزوقو وجبل بعرتزوقا إلى الجنوب من خط عرض 22 درجة من كورسكو وعليه لم يكن واضحا إذا كان على السودان أو مصر أن يدير المنطقة المحددة بالنيل وخط عرض 22 درجة والخط بين جبل بعرتزوقو وكورسكو.. وقد أثيرت المسألة لأول مرة في 1907 عندما كانت مصلحة المساحة المصرية على وشك طبع خريطة بمقياس (1: 500000) تبين الحدود الإدارية بين مصر والسودان .. لم تثر مسألة الحدود غربي كورسكو حتى 1907 كما جاء في تقرير لمدير المخابرات التابع لمكتب الحربية بالقاهرة، وذلك عندما أثار المسألة مع ونجت سردار الجيش المصري وحاكم عام السودان ولم يكن الأخير متأكدا مما جعله يوكل بحث المسألة للموظفين البريطانيين وقد وجد الموظفون أن كل القرى من كورسكو إلى فرص باستثناء جزيرة فرص تقع تحت الإدارة المصرية وأن قلة من الميلكاب يقيمون بكورسكو أي تحت الإدارة المصرية وعليه فقد اتفق الموظفون البريطانيون على أن يقتصر الجزء الغربي من الحدود الممتدة من بعرتزوقو حتى كورسكو لينتهي عند خط عرض 22 درجة وقد حصلت الإتفاقية على موافقة السردار وأيدت في 1909.

2) ظهور النزاع

لقد استمر مايسمى بالحدود الإدارية ومازال بحكم علاقة الحدود بين السودان ومصر لأكثر من خمسة عقود .. ويبدو منطقيا عدم المساس بالترتيبات الإدارية التي استمرت لمدة طويلة لأنها ما زالت تؤدي الغرض..

ورغم ذلك ففي يناير 1958 حاولت حكومة مصر أن تعكس هذا الترتيب وكان قد دعى لإنتخابات عامة في السودان في ذلك الوقت وفي الجانب الآخر كانت مصر على وشك إجراء استفتاء وانتخابات رئاسية .. وقد أشارت المذكرة المصرية في 29 يناير الموجهة لوزارة الخارجية السودانية أشارت إلى أمر الإنتخابات وضمنت باختصار وجهة النظر التي تقول أن الحدود تتبع خط عرض 22 درجة شمال كما وضعت في البدء في اتفاقية 1899..

ونتيجة لذلك، طلبت الحكومة المصرية ضم كل المناطق شمال خط العرض 22 درجة شمالاً (أي المناطق التي تضم حلايب والمناطق المجاورة سويا مع المثلث شمال حلفا إلى مصر ..

 والمذكرة على أي حال تشير إلى رغبة الحكومة المصرية تسليم السودان المنطقة إلى الجنوب من خط عرض 22 درجة شمالا والتي وضعت تحت إدارة الحكومة المصرية في 1902 ويمكن القول بناء على ذلك أن هذه المذكرة كانت البداية لتزاع الحدود بين السودان ومصر..

بينما كانت الحكومة السودانية تعد ردها على المذكرة المصرية أشارت التقارير إلى أن قوة من الجيش المصري في طريقها إلى منطقة حلايب واستدعى وزير الخارجية السوداني بالإنابة السفير المصري بالخرطوم في 11 فبراير للتعليق على صحة التقرير. وقد طلب إليه ايضا أن يعكس لحكومته:

إن الحكومة السودانية تتمنى أن تكون الأخبار المتعلقة بتحرك القوات غير صحيحة وإذا كانت صحيحة سيكون لها أثر خطير على علاقات الصداقة بين القطرين وقد ركزت الرسالة على:

أنه من المستحيل للحكومة السودانية أن تتخلى عن أقليم ظل جزءا من السودان لنصف القرن الماضي..

بعد هذه الرسالة الشفوية، تسلم رئيس الوزراء السوداني في 13 فبراير مذكرة أخرى من الحكومة المصرية مؤرخة في 12 فبراير أخطر السودان بموجبها بأن الحكومة المصرية في ممارستها لحقوقها المعترف بها ومتابعتها لسيادة قواتها تود اشراك مواطني الأقاليم الواقعة تحت الإدارة السودانية بمناسبة الإستفتاء والإنتخابات الرئاسية للجمهورية العربية المتحدة .. بينما كان السفير المصري يطلب ردا عاجلا لهذه المذكرة صرح رئيس الوزراء السوداني بالآتي:

إن الحدود الحالية المبينة بالخرط هي المقبولة لدى الجميع بما في ذلك مصر، وتلك الحدود هي الأساس الذي حددت به الحدود الجغرافية للسودان المستقل .. والأكثر أهمية هو الحقيقة التي تشير إلى أن ذات الحدود ظلت بغير نزاع لمدة  تقارب الستين عاماً.. ويبدو أن الحكومة المصرية لم تقتنع بوجهة نظر السودان وقررت السير قدما في خطتها لاستشارة مواطني منطقة النزاع  وقد تجلى هذا في 16 فبراير عندما أخطر وزير الخارجية المصري السفير السوداني في القاهرة بأن لجنة للإنتخابات وقوة من حرس الحدود قد سبق ارسالها الى المناطق المتنازع عليها..

لقد رأت الحكومة السودانية في اصرار مصر على ارسال موظفين للإنتخابات بصحبة قوات مسلحة تأكيدا للأخبار المؤسفة التي وصلت من قبل ونفاها السفير المصري وبناء على ذلك قرر مجلس الوزراء السوداني التصدي للدعوى المصرية واتخاذ كل الإجراءات الضرورية في الحال لحماية سيادة السودان .. عن طريق الإتصالات على المستويات العليا بما فيها اتصال رئيس الوزراء بالرئيس جمال عبد الناصر، ورفع الأمر لجامعة الدول العربية، وافادة الشعب السوداني بموقف الحدود ..

وعليه ففي مساء 17 فبراير عرف الشعب نزاع الحدود عندما أصدرت الحكومة السودانية بيانا رسميا شرحت فيه كل ما يتعلق بالدعوى المصرية .. وركز البيان على تصميم الحكومة على الدفاع عن الأقليم السوداني واشير بصفة خاصة إلى اكتشاف المعادن والذي اعتقد أنه واحد من الأسباب للدعوى المصرية .. وفي الجانب الآخر صدر بيان مصري جاء فيه : إن حكومة السودان تجاهلت اتفاقيات دولية وأن كل رخص الإستكشاف في المنطقة المعنية كانت تصدر على الدوام من الحكومة المصرية بمعرفة حكومة السودان.

عند فشل رئيس الوزراء السوداني في الإتصال بالرئيس جمال عبد الناصر طلب إلى السفير المصري في الخرطوم أن ينقل الطلب السوداني بأن تمتنع مصر عن مواصلة خطتها لاستشارة المواطنين السودانيين في المناطق المتنازع عليها وبالإضافة لذلك أرسل وزير الخارجية السوداني إلى القاهرة لينقل للرئيس ناصر رغبة السودان في تأجيل هذه المسألة إلى مابعد الإنتخابات السودانية التي تحدد اجراؤها في 17 فبراير .. وبما أن هذا الوقت بالنسبة للسودان غير مناسب لمناقشة النزاع اقترح وزير الخارجية السوداني أن حكومة السودان مستعدة (كبرهان لحسن نواياها) أن تمد الحكومة المصرية بتعهد مكتوب بعدم استعمال إجراء الإنتخابات السودانية في المناطق المتنازع عليها كواحد من الدلائل في النقاش المقترح لاثبات حق السودان في تلك المناطق. إلا أنه بالرغم من الظروف الصعبة السائدة في السودان في ذلك الوقت رفضت الحكومة المصرية قبول الإقتراح السوداني بل طلبت مصر عدم إجراء الإنتخابات السودانية في مناطق النزاع ..

وكما ترى الحكومة السودانية فان الدعوى المصرية (تمس السيادة السودانية والحقوق السودانية كما تمثل تدخلا في شئون السودان الداخلية التي ظل يمارسها لازمان طويلة، كما تمنع السودانيين من ممارسة حقوقهم الداخلية الكاملة .. وكذلك تعد تدخلا في شئون السودان الذي حقق السيادة والأستقلال) .. وبناء على ذلك طلبت حكومة السودان إجتماعا عاجلا لمجلس الأمن لمناقشة الوضع المتدهور على الحدود السودانية المصرية وقد اجتمع مجلس الأمن في 21 فبراير..

عرض مندوب السودان كل المجهودات التي تمت بواسطة السودن لمعالجة المسألة بالوسائل الأخوية مع مصر عند تقديمه لقضية السودان وقد اضطرت حكومته إلى وضع الأمر أمام المجلس بعد الفشل في الحصول على أي تعاون من مصر .. وفي الجانب الآخر استهجن مندوب مصر قرار السودان بعرض المسألة على مجلس الأمن وذكر أنه بناء على المادة (33) من الميثاق على الأطراف أن تحاول حل نزاعها بوسائل أخرى قبل عرض المسألة على مجلس الأمن .. وقبل أن يتحدث مندوب مصر في الموضوع المطروح علق على كلمة “اعتداء” التي استعملها مندوب السودان في حديثه أمام المجلس وقد جاء قوله: بناء على ميثاق الأمم المتحدة تعني كلمة “اعتداء” هجوما مسلحا اللهم إلا إذا كنت مخطئا وهذا يعيد عن الحقيقة في هذه القضية ..

فيما يتعلق بالقضية ذكر أن قضية مصر يمكن اثباتها بالمناقشة والمستندات ورغم ذلك أعلن أن حكومته اتخذت موقفا صديقا تجاه السودان وأصدرت البيان التالي:

“للإبقاء على الروابط التي تربط الشعبين المصري والسوداني قررت الحكومة المصرية تأجيل علاج مسألة الحدود إلى ما بعد الإنتخابات السودانية .. ستبدأ المفاوضات لعلاج كل المسائل التي لم يقر فيها بعد اختيار حكومة السودان الجديدة .. ومصر التي اوضحت تضامنها مع السودان من أجل حريته واستقلاله اتخذت هذه الخطوة أساسا لاعاقة المخططات والنوايا الخبيثة للذين استغلوا الفرص للإساءة للعلاقات الأخوية بين القطرين الشقيقين .. وكذلك لم تستجب مصر للإستفزازات والتي أريد بها خلق الشعور بتدخل القوات المسلحة أو غزو السودان بينما الحقيقة هي عدم وجود قوات مسلحة مصرية على الحدود السودانية الجنوبية بخلاف الورديات العادية للحدود .. وتعلن حكومة مصر مرة أخرى أن القوات المسلحة المصرية لم تكوّن لغزو السودان وإنما لمساعدته في مواجهة العدو المشترك ..

وتبع هذا البيان تلخيص رئيس المجلس للنقاش على الوجه التالي:

لقد أستمع مجلس الأمن لبياني السودان وممثل مصر وسجل تأكيدات ممثل مصر بأن حكومته قررت تأجيل تسوية مسألة الحدود إلى ما بعد النهو من إجراء الإنتخابات السودانية وبالتأكيد ستبقى الشكوى التي قدمها السودان أمام مجلس الأمن ..

الجزء الثاني

 

مسألة التاريخ الحرج بالنسبة للنزاع

القائم بين مصر والسودان

 

ان ما يسمى بالتاريخ الحرج شديد الإرتباط بالنزاعات الدولية بصفة عامة والنزاعات الإقليمية والحدودية بصفة خاصة.. ففيما يتعلق بنزاع الحدود الذي ظهر في 1958 بين مصر والسودان وبصفة خاصة على ضؤ تجميد النزاع بواسطة الدولة المدعية وهي مصر فأن أهمية التطرق لهذه النقطة من الصعوبة تجاهله.. لقد عزف جونسون (التاريخ الحرج) بأنه: ” التاريخ الذي بعده لاتؤثر الأفعال المباشرة أو المتروكة بواسطة الأطراف على الوضع القانوني ” وذلك بالتفصيل على تعريف سابق لنفس الكاتب وهو: “التاريخ الذي بعده لا تؤثر أفعال الأطراف على الوضع القانوني ” أما بالنسبة للوتريخت فان التعبير يعني ” التاريخ الذي يجب أن يشار اليه كتاريخ لتبلور النزاع الإقليمي ” وبعد سنة عرف روشت (التاريخ الحرج) بأنه: ” التاريخ الذي بعده لن تؤثر أفعال الأطراف على الموضوع، وتقرر حقوق الأطراف بناءا على الوضع القانوني القائم في ذلك التاريخ” ..

وكما وضعه قليوي ” في القانون الدولي فإن لحظة الزمن التي تقع في نهاية الفترة  التي يدعى إن موضوع حقائق النزاع وقع أثنائها هي التي تسمى عادة (التاريخ الحرج) ، وكما قال جننقز ” مهما يكون التاريخ الحرج فحقيقته هي: ” أنه التاريخ الذي بعده لن تستطيع أفعال الأطراف التأثير على الموضوع” .. والحقيقة حددها السير جيرالد فتزمورس بالنيابة عن المملكة المتحدة في قضية مبكويرز بصفة واضحة..

وعليه يمكن القول بأن تقرير (التاريخ الحرج) له أهمية على الأقل لسببين رئيسيين:

أولاً:  إن اختيار مثل هذا التاريخ يعني تقرير أية أحكام للقانون هي التي يجب أن تحكم المواضع الناشئة من الإتجاهات المختلفة للدعوى وهذه النقطة لها أهمية خاصة فيما يتصل بمسألة تطبيق القانون الدولي في تفسير الحق التاريخي..

ثانياً: إن تعيين التاريخ يتضمن تقرير محتوى النزاع كما هو قائم في التاريخ الحرج، بغض النظر عن أي ” دلائل تشتمل على أفعال ذاتية في المرحلة التي وجد فيها النزاع” .. أن معظم نزاعات الحدود مشتملة على تقارير تاريخية وتشريعات وممارسات إدارية مختلفة تثير مواضيع حساسة تمس مفهوم (التاريخ الحرج) “الإشارة إلى قضية بلماس“..

فيما يهمنا فإن السؤال هو: ما هو التاريخ الحرج فيما يتصل بالنزاع الناشيء بين مصر والسودان؟ هل هو التاريخ الذي أرسلت فيه مصر مذكرتها الأولى للسودان، أم تاريخ المذكرة الثانية ؟ أم التاريخ الذي أصدرت فيه حكومة السودان بيانها للشعب؟ أم التاريخ الذي تقابل فيه وزير الخارجية السوداني بالمصري؟ أم التاريخ الذي عرض فيه السودان شكواه لمجلس الأمن؟ أم هو التاريخ الذي صارت فيه مصر والسودان دولا مستقلة؟

رغم أن كل هذه الإحتمالات لا تخلو من أهمية، إلا أنه ليس في النية في هذه المرحلة تحديد ما إذا كان واحداً أوغيره هو التاريخ الحرج.. وفي الظروف الخاصة بنزاع الحدود بين مصر والسودان فإن الإجابة على السؤال الرئيسي تعتمد إلى حد كبير على الإجابة على موضوع آخر: إلا وهو كيف تم التوصل إلى “تجميد” النزاع وما هي النتائج القانونية لذلك التجميد؟.

وفي هذا الصدد يمكن ذكر أنه بالرغم من كل المجهودات التي بذلها السودان لحل المسألة مع مصر إلا أن الأخيرة أصرت على إرسال لجان الإنتخابات تحت حماية قوات مسلحة إلى مناطق النزاع، وقد اعترضت الحكومة السودانية على الدعوى المصرية، ورفعت المسألة إلى مجلس الأمن.. ثم بعد ذلك قررت مصر وحدها  “تجميد” النزاع بإعلانها بياناً إنفرادياً جاء فيه إتخاذ قرارها بتأجيل النزاع إلى ما بعد الإنتخابات السودانية.. وهنا لا بد من توضيح أنه بالرغم من أن البيان الإنفرادي كان مقصوداً به أن يخدم غرضاً سياسياً.. وقد كان ناجحاً في ذلك.. إلا أنه لا يمكن التقليل من معانيه القانونية.. لقد سبق إيراد نص البيان المصري، وعلى كل حال فمن المناسب النظر لهذا الجزء من البيان الذي يقرأ ” للإبقاء على الروابط التي تربط بين الشعبين المصري والسوداني قررت الحكومة المصرية تأجيل تسوية مسألة الحدود إلى ما بعد الإنتخابات السودانية وستبدأ المفاوضات لعلاج كل المسائل المعلقة بعد إختيار حكومة السودان الجديدة

 بكل المفاهيم ووسائل التفسير فإن المعنى الطبيعي والعادي للبيان يدل على نفسه فمصر قررت إنفرادها وبرغبتها الحرة تأجيل تسوية نزاع الحدود إلى ما بعد النهو من الإنتخابات السودانية التي حدد لها 27 فبراير 1958 وبالتأكيد لم تجر الإنتخابات فقط ويتم تكوين الحكومة وإنما أيضاً أجريت عدة أنتخابات وتكونت سلسلة من الحكومات منذ صدور البيان المصري.. وفي حقيقة الأمر ــ فإن مصر على النقيض من بيانها  تركت إي إشارة للموضوع بعد ذلك.

 وكما وصفها هولت” ماتت العاصفة فجأة تماماً كما قامت، فقد إتفق المصريون على تأجيل النزاع ولاموا عليه الإمبريالية، وتركت المنطقتين في حيازة السودان“..

أن نوايا حكومة مصر تسير في اتجاهين، أما أن مصر قررت صرف النظر عن مطلبها غير المؤسس في 1958م ــ وهذا بالنسبة للسودان له عدد من الدلائل التي  تبرره وتؤيده.. وأما أن مصر مازالت تعتقد ان لها نزاع حدودي مع السودان وواضح ان هذا خارج إطار الموضوع هنا وعلى كل حال فتكفي الإشارة إلى أنه إذا تخلت مصر عن المطلب فإن مسألة التاريخ الحرج تصير مسألة أكاديمية.. أما إذا كان البديل الثاني صحيحاً حتى إذا كان بالنسبة لمصر فقط فإن مسألة التاريخ الحرج ستكتسب أهمية خاصة في أي تسوية  قانونية لاحقة..

وعلى ضوء هذا فإن هناك شك كبير عما إذا كانت الدولتان ستتفقان على “تاريخ حرج” واحد أو أكثر .. ومما يزيد من صعوبة الوصول لإتفاق “التاريخ الحرج” هو حقيقة أن أحد الأسس للحق المكتسب لأحد الأطراف وهو السودان هو فترة الوضع الراهن، وعليه فإن السودان غالباً ما يفضل أحدث (تاريخ حرج).. وفي الجانب الآخر فإن الطرف الآخر وهو مصر من الطبيعي إن تفضل واحداً متقدماً ليتسنى لها إستبعاد هذا الأساس للحق السوداني.. وبسبب هذه الإعتبارات العملية فإنه من الضرورة إختيار كل الإحتمالات المتصورة التي يمكن أن يقترحها أي من الطرفين ..

أن أول تاريخ يتوقع إقتراحه من أحد الطرفين “غالباً ” ما تكون مصر” هو 19 يناير 1899.. وهذا هو تاريخ توقيع الإتفاقية الإنجليزية المصرية.. وبناء على هذا الإقتراح فإن الحدود المشتركة بين مصر والسودان تحدد بخط عرض 22 درجة شمالاً.. وهذا بالطبع لا يتناقض فقط مع القرارات التي أصدرها وزير الداخلية المصري، في مارس 1899 ونوفمبر 1907 على التوالي  وانما وأيضاً يستبعد (فترة الوضع الراهن) وهي الأساس للحق السوداني على المناطق المتنازع عليها، إذا ما إتخذ هذا التاريخ كتاريخ حرج فلن يكون هنالك نزاع..

إن هذا الإقتراح بالرغم مما به فإنه يجب عدم الإستهانة به ففي نزاعات الحدود كثيراً ما يحدث مثل هذا.. ويتضح ذلك في قضية منكوبرز1935..

ان أي محاولة لإقتراح 19 يناير 1899م كتاريخ حرج للنزاع بين مصر والسودان يجب أن ترفض لانه إختيار افتراضي وأهم من ذلك لعدم وجود نزاع على السيادة الموجود في ذلك التاريخ، وحقيقة لا يمكن تصور أن تقترح مصر 1899م كتاريخ حرج في أي نزاع يجد لان مصر نفسها ألغت نفس الإتفاقية في 1952م ..

التاريخ الثاني الذي يمكن اقتراحه بواسطة أي من الطرفين ( مصر غالبا)  يمكن أن يكون أي تاريخ بين 29 يناير 1958م ـ تاريخ المذكرة الأولى  و21 فبراير 1958م تاريخ البيان المصري الذي جمد بموجبه النزاع إلى ما بعد الإنتخابات السودانية .. وفيما يتعلق بمصر فأن هذا الإقتراح يمكن أن يسند بحقيقة أن عاملين على الأقل لإستيفاء تصنيف فتزورمورس لتقرير التاريخ الحرج دخلا في هذه الفترة ..

وهما: تاريخ حدوث النزاع والتاريخ الذي تقدمت فيه الدولة الثانية أو المدعية بأول دعوى محددة على الإقليم..  وهذان هما تاريخ دعوى محددة على الإقليم .. وعلى كل فمن الممكن أن يهاجم هذا الإقتراح على أنه ليس بكاف على الوجه التالي:

في المقام الأول اذا تحدد تاريخ الحدوث كتاريخ حرج سيقود هذا ( في حالة قضايا النزاعات ) طويلة المدى ـ كالنزاع بين مصر والسودان إلى فصل الدلائل والعوامل التي لها صلة حقيقية باحداث للقضية ..

 ثانيا: بينما لا بد من الإعتراف بأن التاريخ الذي تقدمت فيه الدولة لمناقشة دعواها لأول مرة يمكن أن يكون تاريخا حرجاً، يوجد شك كبير عما اذا كان هذا مناسبا فيما يتعلق بمصر. ففي هذه الحالات لابد من نذكر أن كل البيانات والمذكرات التي أصدرتها الحكومة المصرية في الفترة المذكورة هي بنص  القانون ليس الا تأكيدات.. ومما يمكن أن يحكم به من خلال المستندات التي أحضرت من قبل، يدرك أن وجهة نظر مصر هي التي أوصلت إلى عدم التفاوض في المسألة بطريقة يحدد فيها كل طرف موقعه بوضوح وهذا الإتجاه واضح في الإقتباس التالي من البيان الذي قدمه مندوب الحكومة المصرية أمام مجلس الأمن:

بينما مصر مقتنعة بأنها على حق، في هذا النزاع وأننا يمكن أن نثبت بالنقاش والمستند صحة حقنا في مناطق النزاع. لا أعتقد أن هنالك ما يمكن كسبه اليوم من مناقشة ـ خاصة في مجلس الأمن ـ

المسألة القانونية والتي يبدو إن النزاع بين مصر والسودان صادر عنها وحقيقة لا يوجد مبرر للإشارة هنا للإتفاقية المتعلقة بإدارة  السودان المعقودة في القاهرة بين مصر وبريطانيا العظمى 1899م أو للقرارت الوزارية المصرية عن إدارة المنطقة التي جاءت مؤيدة لقضية مصر”  

ثالثاً : كما رأينا من قبل فأن قرار تأجيل تسوية نزاع الحدود إلى ما بعد الإنتخابات السودانية قدمته مصر منفردة، رغم أنه سبق لها رفض اقتراح سوداني شبيه إلا أن التأجيل جاء بعد وضع المسألة أمام مجلس الأمن بواسطة السودان … في تلك الظروف يبدو صعباً جداً لمصر أن تناقش بأن التأجيل قد أخذ شكل الترتيب المتفق عليه بين الأطراف لانتظار تسوية النزاع لأن هذا يتطلب إتفاقية أو معاهدة تحتوي على الترتيب بينها

كما أوضحنا من قبل فإن الترتيب قد اتخذته مصر منفردة.. وعليه من المقترح أن السودان لا يمكن أن يؤخذ بأنه ملزم بتظيم (وضع راهن) في وقت معين من 1958م لأن النزاع لم يثر مرة أخرى بواسطة الدولة المدعية ولم تعترض مصر اطلاقاً على ممارسات السيادة العديدة التي يمارسها السودان.

رابعاً: منذ أن فشلت مصر في متابعة ما وضعته في 1958م فقد أصبح مفتوحاً للطرف الآخر وهو السودان مهاجمة أي اقتراح لتحديد التاريخ الحرج في وقت معين في 1958م على أنه اقتراح غير ذي بال

الإشارة لفترمورس في قضية منكويرز والسبب التكتيكي لمصر هو تشييد الخزان والإتفاق على مياه النيل ـ

التاريخ الثالث الذي يمكن اقتراحه بواسطة أي من الأطراف ( في هذه الحالة غالباً السودان) وهو التاريخ الذي أتخذ فيه أحد الأطراف خطوات نشطة لتحديد إجراءات لتسوية النزاع مثل المفاوضات والتحكيم أو تسوية قضائية وفي الظروف الخاصة بالنزاع بين مصر السودان، يمثل هذا التاريخ الذي يبلور فيه الإختلاف ليصير نزاعاً على سيادتهما على الإقاليم المتنازع عليها .. ( الإشارة لفترمورس .. وبقى أن نذكر أنه بخلاف الإحتمالات السابقة فمن الصعب جداً لاية حكومة تدعى لتقرر في نزاع لحدود بين دولتين من الدول الإفريقية أن لا تناقش أهمية تاريخ إستقلال كل طرف عند محاولة تقرير التاريخ الحرج وقد قال اللوث ” أن التاريخ الحرج لأي دولة افريقية كانت مستعمرة قد يكون وقت استقلالها، وعندما سيكون خط الحدود الذي كانت تعمل بموجبه بدون اعتراض من جيرانها هو حدودها المحددة

بينما من الممكن أن يكون هنالك تاريخاً حرجاً واحداً إلا أن النقاش أفرز أنه من الممكن أن يكون هنالك أكثر من تاريخ  واحد .. وبناء على ذلك وفيما يتعلق بالنزاع  المعلق  بين مصر والسودان يمكن القول باننا أمام تاريخين إختياطيين الأول هو تاريخ إستقلال مصر أي عام 1922م والثاني هو 1956م تاريخ إستقلال السودان..


 

الجـزء الثالـث

 

وجهـة النظـر السودانيـة

 

مما سبق يمكن تلخيص موقف السودان تجاه نزاع الحدود مع مصر في الآتي :

لقد حددت الحدود بصفة مبدئية في إتفاقية يناير 1899م ـ بخط عرض 22 درجة شمالاً .. وقد عدل هذا على أية حال في مارس 1899م ونوفمبر 1902م عن طريق أوامر وزير الداخلية المصري التي أيد فيها اتفاقيات سابقة قامت بوضعها لجان مشتركة مثلت فيها مصر والسودان .. وقد أجريت هذه التعديلات بهدف تسهيل الإدارة واختصار تحركات القبائل على جانبي الحدود

( ومن هنا يتضح أن الحدود الإدارية ـ لأسباب عملية لجد هامة .. وأن الخط 22 درجة شمالاً أعتبر كحدود عامة، وان تلك التعديلات التي أجريت على الخط الإصطلاحي أجريت بسبب ضرورة تفادي وضع جزء من قبيلة واحدة تحت إدارات مختلفة .. والحدود الحالية للسودان تؤيد هذا، وقد بقيت بعد اصلاحات محددة لاكثر من خمسة وخمسين عاما.)

وطبقا لوجهة نظر السودان فأن مصر يجب أن تؤخذ بسلوكها أنها معترفة وقابلة ومقتنعة بوجهة النظر ( القائلة) أن خط عرض 22 درجة شمالاً كما هو معدل بالحدود الإدارية هو بكل التوجهات والأهداف الخط الإداري ـ التقليدي الموضوع والمعروف الذي حدد إقليم الإختصاص لكل من حكومتي مصر والسودان، عندما كانا مستعمرتين وبعد إستقلالهما ومنعها من ادعاء مناطق النزاع ..

طبقاً لنظرة السودان أيضاً فان بريطانيا العظمى، المهيمن على مصر (بالاحتلال فيما  بين 1882م ـ 1914م بالحماية فيما بين 1914م ــ 1922م)  والسودان بحق الغزو ” يجب أن تؤخذ بسلوكها على انها معترفة ومقرة بالترتيبات التي تمت في1899 و 1902 على أنها تمثل التعديل النهائي للحدود بين مصر السودان وبالتالي تمنع كلا من مصر والسودان من خرق الوضع الراهن..

وبالإضافة لما سبق، يبدو معقولاً أن السودان يمكن أن يدفع بأن حكومة السودان قامت باعمال مباشرة وأخرى غير مباشرة قبل وبعد الاسقلال لتؤكد اختصاصها الإقليمي على مناطق النزاع، التي كانت وما زالت على قدر كاف من المميزات التي تكفي في القانون لاثبات حق السودان على مناطق النزاع..

دلائل لاثبات وجهة نظر السودان:

الدلائل التي يمكن أن تقدم بواسطة السودان لاثبات وجهة نظره يمكن تصنيفها على الوجه التالي:

1) دلائل غير ” كارتوغرافية“.

2) ممارسة أعمال الإختصاص على الإقليم أوسلطة الدولة.

3) الخرط.

4) الإعتراف، (نظرية الإستقرار والحدود النهائية).

(1) . الدلائل غير” الكارتوغرافية

وتشمل هذه أشياء مثل، التصريحات الرسمية، بيانات في التقارير الإدارية علاقات، تأكيدات واتفاقيات.. الخ

1) أثناء الفترة 1915 ــ 1916 كان يدور تبادل وجهات نظر بين السلطات البريطانية في مصر السودان تتعلق باعادة رسم الحدود لمركز الاقصر. ولذا في خطاب من السكرتير الخاص لحاكم عام السودان .. إلى مدير المخابرات بالقاهرة وجه الأخير بالآتي:” يرغب الحاكم العام في .. عليكم توضيح أن حكومة  السودان ليس لها إعتراض على إعلان قرار جديد ( فيما يتعلق بحدود مركز الاقصر) بشرط أن يفهم أنه لاغراض إدارية، يجب أن تبقى  الحدود الإدارية الحالية المحددة باتفاقيات عام 1902 ــ 1907 كما هي دون مساس .. وأن لا تمس القرارات الجديدة إختصاص حكومة السودان على المناطق بين هذه الحدود الإدارية وخط عرض 22 درجة شمالاً وأيضاً الجزر التي تقع خارج ساحل هذه المنطقة ..نتيجة لذلك في أكتوبر 1916 أخطر وزير الداخلية المصري وكيل السودان في القاهرة بالآتي:

طلبت مني وزارة المالية بخطابها 11/23/5 المؤرخ في 16 أغسطس أن ألفت إنتباهكم إلى حقيقة أن الحدود الموضوفة في هذا القرار لا تؤثر بأي طريق مهما كان على الحدود الإدارية المحددة بموجب قرار وزير الداخلية المؤرخ في 14/نوفمبر والمعدل في 1907

2)  في الكتاب المشهور بمخطوط السودان الإنجليزي المصري الذي طبعته هيئة البحرية، قسم المخابرات في 1922م وتحت عنوان الحدود ذكر الآتي:

يحدد السودان من الشمال بالحدود الجنوبية لمصر وقد ــ حددت الحدود السياسية بالاتفاقية الانجليزية المصرية لسنة 1899 بخط عرض 22 درجة ش ولكن الحدود الإدارية جعلت مختلفة من ذلك الخط للحفاظ على وحدة قبائل معينة وهذه الحدود الإدارية هي الموصوفة ولم يحدد بعد موضع انتهائها الغربي في صحراء ليبيا ــ وتمتد شمال وادي حلفا الى جزيرة فرص 20 ميلا شالا . وعند وادي قابقابار تتعمق جنوب شرق إلى جبل بعرتزوقو ( خط عرض 42/21 درجة شمال وخط طول 13/33 درجة شرق) ومن ثم تتجه بحد شمال شرق إلى جبل موزم مروراً  ببير تاوي إلى شرق الشمال إلى جبل أم الطيور  الغوقاني شمال شرق إلى جبل تيروب الغوناني، شرق، إلى جبل منيقا ثم شمال شرق إلى بيرشلاتين على ساحل البحر الأحمر ( خط عرض 1  / 23 درجة ش )

3) في مايو 1924 اقترح القائد العام للقوات البريطانية في مصر عند شروعه في تجميع تقرير عسكري عن القطر، إقترح ضم وصف الحدود السياسية الجنوبية مع امتداد بسيط للشمال عند حوض النيل .. وقبل أن يفعل هذا على كل حال طلب مدير العمليات الحربية والمخابرات من مكتب وزير الخارجية في لندن إخطاره بوصف الحدود المقبولة بين مصر والسودان … عندما سئل وكيل السودان في القاهرة بواسطة مكتب وزير الخارجية ليعلق على إقتراح القائد العام للقوات المسلحة البريطانية في مصر، ذكر ضمن أشياء أخرى:

أن الإختلاف بين الحدود السياسية والإدارية لهو أكثر أهمية فيما أعتقد لانه الواقع رغم أن ذلك في إعتقادي يتضح من دراسة الخرطة (1 : 000ر000ر3) من السودان الإنجليزي المصري المطبوعة في مكتب الحرب 1914“.

ومن الواضح أن أي تحديد نهائي للحدود لابد أن يقترب من الحدود الإدارية بدلاً من الحدودالسياسية كما أن أي ـ وصف نهائي يجب أن يتم بالتشاور مع الحكومة المصرية ..

ولست بالطبع مدركا للموضوع الذي هدف إليه القائد العام للقوات البريطانية بمصر من وراء الحدود السياسية لأغراض تقريره وعليه فليس واضحا لي لماذا يجب أن يبتعد عن الترتيب القائم في هذه الحالة ؟ ،،

4) المستند أعلاه أتبع بخطاب من وكيل السودان بالقاهرة للقائم بالأعمال وقد تتبع فيه مراحل تطور الحدود بين مصر والسودان ابتداء من يناير 1898 إلى أكتوبر 1916 ومما قال :

من هذا (التتبع) يظهر أن الحدود الإدارية في الحقيقة هي لكل الأهداف العملية ــ الحدود العامة وأن خط عرض 22 درجة ش أخذ على أنه الحدود العامة، وأن تلك التعديلات كما تمت باتفاق وسرعة، أجريت بهدف وضع عناصر القبيلة الواحدة تحت ادارة واحدة “..

5) يتبع هذا التحليل، أن المندوب السامي في كتاب بمكتب الخارجية  ركز على:

أن حكومة السودان تتفضل بالإعتراف بالحدود الإدارية لا الحدود السياسية لتكون حدوداً بين القطرين

أن الحدود السياسية لهي خط اصطلاحي تم تعديله في عدة مناسبات بأوامر نشرها وزير الداخلية المصري برضاء الإدارتين في كل من مصر والسودان” ..

6) بناء على تبادل هذه الخطابات والتصورات توصل مكتب الخارجية إلى أن الحدود الإدارية يجب أن تتبنى كخط نهائي للحدود بين مصر والسودان، ويثبت هذا من الخطاب الذي أرسل إلى مدير العمليات الحربية والمخابرات بالقاهرة ويقرأ:

بالإشارة للمحادثات التي أجراها اللورد اللينبي (المندوب السامي) .. إتفق السيد ايركرو على أن الحدود الإدارية لا الحدود السياسية يجب أن تتبين ويفهم أن الأولى تمثل حدودا قبلية بينما الحدود السياسية هي خط إصطلاحي” ..

7) نفس وجهة النظر المتضمنة في المستند أعلاه أكدت وعمل بها في مناسبة لاحقة، وذلك عندما سأل طابعوا الخرط راند وماكنالي وشركة شيكاغو سألوا وزير المستعمرات البريطاني في 1929 عن الإختلاف بين الحدود السياسية والحدود الإدارية وجاء بالخطاب الآتي:

” … أن الحدود السياسية هي خط اصطلاحي حدد بخط عرض 22 درجة شمالا بينما الحدود الإدارية هي تعديل للحدود السياسية تمت بأوامر نشرتها وزارة الداخلية المصرية بتراضي الإدارتين المصرية والسودانية وهي تمثل حدوداً قبلية

كما سبقت الإشارة فإن الحدود ظلت على الدوام تحكم علاقات الحدود واقليم الإختصاص لكل من الحكومتين المصرية والسودانية .. والوثيقة الوحيدة التي تحمل شيئاً عن الحدود أثناء الربع الثاني من القرن أي من 1929 إلى 1953 ـ هي الإتفاقية بين الحكومة المصرية والمملكة المتحدة فيما يتعلق بالحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان .. التي عقدت في 12 فبراير 1953 ..

وكما يوضح عنوانها فأن هذه أهم الوثائق التي مهدت الطريق لإستقلال السودان وتحقيقا لهدفنا، نكتفي بايراد المادة (7) من الإتفاقية التي تنص على:

ستكون لجنة إنتخابات مشتركة من خمسة أعضاء، سيكون ثلاثة منهم سودانيون .. ويعينهم الحاكم العام بموافقة لجنته، وواحد مصري وواحد من المملكة المتحدة، ويعين الأعضاء من السودانيين بواسطة حكوماتهم المختصة واختصاصات هذه اللجنة شملها المرفق رقم (2) بهذه الإتفاقية

حسب البند (10) من المستند (2) ستكون أعمال لجنة الإنتخابات المشتركة اختيار عما إذا كان ضروريا مراجعة مسودة أحكام الإنتخابات ومن ثم إعلان أحكام للإنتخابات القادمة بهدف اجرائها في أسرع وقت ممكن .. وعلى نطاق السودان إذا كان ذلك عمليا) .. عليه فلقد قسم السودان إلى (92) دائرة اقليمية لممثلي البرلمان بواسطة قانون انتخابات اتفق عليه الطرفان المتعاقدان وهي مصر والمملكة المتحدة .. ولا بد من تبيين أن المناطق التي نازعتها مصر في 1958 هي أجزاء من دائرتين برلمانيتين سودانيتين .. وكما موضح بالمستند (2) الملحق بهذا الفصل، فأن الخريطة رقم (1) أعيد انتاجها من تلك التي طبعت في انتخابات السودان لتقرير المصير 1953 .. وتوضح أن الدائرة رقم (29) حلفا تشمل نتوء وادي حلفا الذي اعيد للسودان في مارس 1899كما أن الدائرة (70) الأمرأر والبشاريين تضم المناطق التي وضعت تحت الإدارة السودانية في نوفمبر 1902 كما تشير الخريطة أيضا إلى أن ـ المناطق التي وضعت تحت الإدارة المصرية استبعدت من هذه الدوائر .. وقد طبق نفس القانون الإنتخابي على مجلس النواب ـ وهذا وقد كونت كل مديرية من السودان دائرة لأغراض مجلس النواب لتختار عددا معينا من الأعضاء المستند رقم (3) الملحق بهذا الفصل هو عبارة عن اعادة الخريطة التي سبقت الإشارة إليها ـ يوضح بلا شك أن المنطقة المتنازعة عليها مصر فهمت دائما بأنها جزء من اقليم السودان ومن المهم أن التقديم للوثيقة أعلاه يقرأ:

كنتيجة لإتفاقية القاهرة في 12 فبراير 1953 بين إنجلترا ومصر يجرى السودانيون الآن إنتخاباتهم العامة الأولى .. تجرى الإنتخابات تحت الدستور الجديد، الذي يمهد للحكم الذاتي الفوري ولقرار السودانيين عن مستقبل بلادهم خلال سنة أو سنتين .. وستستمر الإنتخابات من بداية نوفمبر حتى منتصف ديسمبر ..

تميزت الإنتخابات العامة الأولى في السودان بالمراقبة التي نص عليها في اتفاقية القاهرة بواسطة لجنة الإنتخابات المشتركة (بما فيهم العضو المصري) ولقد أيدت اللجنة نشر تلك الوثائق (بما فيها تلك التي أعيد انتاجها كما في المستند (2) والمستند (3) بأمل أن تساعد في رفع رغبة وتعاطف كل الأفراد الديمقراطيين للإشتراك في الإنتخابات العامة لأن الحكم الذاتي لا يشكل إلا نقطة إنطلاق نحو الأهداف البعيدة لمستقبل السودان” ..

بالتأكيد فأن هذا دليل قاطع في تأييد قناعة السودان بأن مصر يجب أن تؤخذ بسلوكها بأنها معترفة، وقابلة ومقتنعة بحقيقة أن الحدود الإدارية بكل التوجهات والأهداف، هي الخط الإداري الأنسب المعترف به والذي حكم وظل يحكم أقاليم الإختصاص لمصر والسودان .. وهذه القناعة تؤيدها أحكام محكمة العدل الدولية في قضية منكوبرز واكريبوس ..                 


 

الجزء الرابع

 

وجهة نظر مصر

 

مما سبق سرده يمكن تلخيص موقف مصر تجاه نزاع الحدود مع السودان في الإفتراضات التالية:

أن الحدود السياسية التي تفصل بين مصر والسودان يجب أن تتبع خط عرض 22 درجة ش فقط كما وضعته بريطانيا العظمى ومصر في 1899 ولتسهيل إدارة القبائل على مناطق الحدود وضعت بعض الأراضي شمال الحدود السياسية تحت إدارة حكومة السودان بينما وضعت بعض الأراضي جنوب الحدود السياسية تحت إدارة حكومة مصر.. وعلى كل حال  فهذه ترتيبات إدارية بحته لا تؤثر على الحدود السياسية وعليه ففي 1958 طلبت مصر من السودان إلغاء الترتيبات الإدارية والرجوع إلى الحدود السياسية المتفق عليها في إتفاقية 1899..

معتمدا على هذا الإفتراض دافع عبدالله أحد رؤساء محكمة الإستئناف السابقين بالقاهرة عن وجهة نظر في مقال بعنوان “الإختلاف على الحدود السودانية” نشر في 1958، وبما أن هذا هو المقال الوحيد الذى أصدره كاتب مصري مختص فإن هذا الجزء سيخصص لمناقشته .. وفي البداية لا بد من توضيح أن حكومة مصر في كل محاولاتها مع السودان فيما يتعلق بالحدود المتنازع عليها لم تورد إشارة لأي نوع من عدم قانونية الأوامر الوزارية التي أصدرها وزير الداخلية المصري في 1899 و1902 والمحاولة الأولى لإلقاء بعض الشك بطريقة غير مباشرة على القوة القانونية لهذه الأوامر الوزارية هو مقال السيد عبدالله الذى جاء فيه..

“تبع إتفاقية 1899 تعديلات إدارية معينة للحدود عن طريق إتفاقية إضافية لا على المستوى الوزاري وإنما على المستوى المحلي المحصور في وكلاء الإدارة على جانبي الحدود أو عند طريق إجراء منفرد… وأول إجراء منفرد إتخذه وزير الداخلية بإصداره أمراً صدر في 26 مارس 1899 .. وأمر آخر صدر في الرابع من نوفمبر 1902 يتعلق بالعرب الرحل شرق النيل ..”

ونظرة لهذه المقولية تبرز ثلاثة نقاط: :

أولاً:

فإن كاتب المقال يناقش نفسه، لأنه بينما ركز على أن الأوامر تتميز بأنها إنفرادية رجع وقال أن التعديلات أجريت عن طريق إتفاق.

ثانياً:

كشف الكاتب عن رغبة خاصة للتقليل من شأن المفاوضين الذين بنيت التعديلات في الحدود على مقترحاتهم .. وبهذا الشأن لا بد من توضيح أنه في كلتا الحالتين 1899 و 1902 كان هنالك مندوبون يمثلون مصر والسودان وقد إتفقوا تماماً على خطط مفصلة لتعديل الحدود، هذا وقد تصادف أن الخطة الأولى نوقشت برئاسة أعلى الإداريين الموجودين في المنطقة المعنية وهو قمندان حلفا، كما أن الخطة الثانية إتخدت برئاسة حكام أسوان أن من الصعوبة التقليل من أهمية أن تعديلات الحدود كان لا بد أن تناقش في المقام الأول بواسطة لجان مشتركة تتكون من الإداريين المحليين مثل موظفي الأراضي أو المساحة ورؤساء الإسكان الذين يقطنون على الحدود المعنية .. وهؤلاء الموظفون المساعدون كما وضعت المحكمة في قضية (ران كونتي) …

“هم موظفون لهم معرفة مباشرة وغير مباشرة بالأحوال السائدة وكذلك بمفاهيم الحدود المحلية المعترف بها”..

 ثالثاً:

وهذه من أهم النقاط وهي السؤال عما إذا كانت حكومة السودان قد قبلت أم لم تقبل محتويات الإتفاقيات التي جاءت على شكل أوامر إنفرادية أصدرها الوزير المصري في 1899 و 1902 على التوالي .. وفي هذا يمكن إستعادة أن المادة (7) من إتفاقية 1899 تقول:

” ليس لقانون مصري أو قرار أو أمر وزاري أو أي إجراء آخر يتم أو يوضع بعد هذا أن يطبق على السودان أو على أي جزء منه على ما ورد من نصوص”..

ومعلوم أن المادة صيغت بحذر شديد لإستبعاد أي شك محتمل في تطبيق القوانيين أو اللوائح المصرية على السودان .. إلى هذا يجب أن يضاف عدم وجود دلائل تشير إلى صدور إعلان من حكام السودان يحتوي على مشتملات الأوامر .. عليه وللوهلة الأولى فإن إعلان الأوامر المصرية عن مصر منفردة قد يبدو كما لو كان ملزماً لمصر فقط .. وعلى كل حال فليس هذا هو الوضع، فكما سبق أن رأينا ففي كلا الحالتين كانت هنالك لجان مشتركة تمثل مصر والسودان ناقشت مادة الأوامر .. وبالتأكيد قد أيدت الأوامر الإتفاقيات التي سبق نقاشها .. وأكثر من ذلك يجب عدم تجاهل أنه في زمن المسألة فإن بريطانيا بكل التوجهات والأهداف هي القوة المهيمنة على كل من السودان ومصر وأنها بهذه الصفة لها أن تقرر شكل الحدود بينهما والتعديلات التي يجب أن تتخذ ومن المقرر أنه في الظروف الخاصة بالقطرين في 1899 و 1902 يستحيل عمليا إثارة مثل هذه التعديلات للحدود ناهيك عن تأييدها بواسطة أوامر وزارية قبل الحصول صراحة أو ضمناً على موافقة من يحكم مصر وبخلاف ما ذكر من قبل يجب أن تذكر كل هذه الترتيبات الإدارية قد أقرها فيما بعد سردار الجيش المصري الذى هو في نفس الوقت حاكم عام السودان في 1907 وأيدها في 1909 .. أما إذا ما نوقش ضد هذا بأن إقراره لم يأخذ صورة الإعلان كما نص عليها في المادة (5) من إتفاقية 1899 ولذا فهو لا ينطبق؟ يمكن أن يجاب ذلك بأنه فيما يتصل بالحدود المشركة بين السودان ويوغندا لم يصدر إعلان من الحاكم العام في السودان 1914 ورغم ذلك فقد كانت الحدود مقبولة من الطرفين…

وأهم النقاط هي إذا تم الإتفاق من أجل النقاش بأن السودان لم يتخذ الترتيب عن طريق إعلان من الحاكم العام، فهل من الممكن أيضاً القول بأن بريطانيا وحكومة السودان لا يمكن أخذهما بأنهما طبقا الوضع الذى أقيم على منطقة الحدود؟ وبالتأكيد فإن المعلوم أن خط الحدود المضمن في إتفاقية 1899 لم يعدل بالأوامر الوزارية فقط وإنما أيضاً بالقبول الضمني من الأطراف الثلاثة وهي: الحكومة البريطانية والإدارات في كل من السودان ومصر..

والنقاش الثالث الذى طرحه عبدالله وهو الأهم هو:

“لقد ظهرت مسألة الحدود من الناحية القانونية منذ إستقلال السودان فقط، وأن الوضع الراهن الذى ظهر من الإدارة الحالية للمناطق المتنازع عليها لا ينفي الجوانب القانونية للخلاف، فهل للسودان أن يدعي ملكية فعلية لهذه المناطق؟ وأنه لتقرير الصفة القانونية لملكية السودان لهذه الأقاليم ويجب أن تأخذ في الإعتبار، أن إقليم كل من السودان ومصر قبل إستقلال السودان كانا ملكاً لمصر، وكانت الملكية كاملة، وحقيقة وقانوناً فقد كانت مصر تملك إقليم كل من الطرفين.. وقبل إستقلاله كان السودان يشكل وحدة، وحدة إدارية يحكمها  حاكم عام تعينه مصر، يتمتع بصلاحية القيادة العسكرية والمدنية..”

كما أضاف الكاتب:

“في حالة السودان فإن الأساسيين (للملكية، أي ممارسة السيادة، والسلطة) مفقودان بغيابهما”..

أن مضمون النقاش هو أن: النظريات الأساسية للقانون الدولي عامة وتلك التي تحكم الحدود خاصة لا يمكن تطبيقها عل حدود السودان قبل إستقلاله ضد مصر، والسبب الذى قدمه الكاتب هو أن السودان كان جزءاً من مصر حتى إستقلاله في 1956 فإن إقليم السودان حقيقة وقانوناً كان مملوكا لمصر … وعليه يمكن دحضد ذلك إذا إستطعنا توضيح أن السودان لم يستمر (حقيقة وقانوناً) جزءاً لا يتجزأ من مصر حتى إستقلاله ولإختيار هذا الإحتمال علينا أن نناقش المراحل القانونية المختلفة التي مر بها السودان حتى إستقلاله في 1956 وهي

(1820 ــ 1883 و ــ 1883 ــ  1898 و 1898 ــ 1956)

الوضع القانوني للسودان: (1820 ــ 1882)

كما سبقت الإشارة فإن تاريخ السودان مرتبط بوجه أو آخر بمصر وأول إتصال سياسي حديث بين مصر والسودان كان في 1820 عند غزو محمد على باشا للسودان، والدعوى المصرية بأن السودان قبل إستقلاله كان جزءاً من السودان نشأت وإستندت على هذا الغزو “وهنا وجد هولت صعوبة في تصنيف غزو (1820 ـ 1821) حيث كان التحضير في مصر بواسطة حاكم مصر، إلا أنه ليس من الدقة الحديث عن “الغزو المصري ” أن الدولة المصرية التي تتحدث العربية ذات الجيش الوطني لم تكن موجودة، فقد كانت الحكومة التركية للمديرية المصرية في أيدي المتحدثين بالتركية العثمانيين وهي الفئة الحاكمة التي تربطها بالمتحدثين بالعربية روابط جد معقدة .. وفي الجانب الآخر فإن الحديث عن “الغزو العثماني” ليس بكاف هو الآخر، بالرغم من أن نفس الفئة المتحدثة بالتركية التي تحكم مصر، حتى التي حكمت المديريات  الجديدة بعد الغزو ـ كذلك بالرغم من الإعتراف بالسيطرة العثمانية إلا أن قوة السلطان كانت أقوى في السودان منها في مصر وربما يكون التعبير الغامض ( التركي ــ المصري) هي أحسن ما يصف الغزو والإدارة التي تبعت”…

ومن المعلوم كحقيقة تاريخية أن محمد علي غزا السودان، وعلى كل حال وبنفس الأهمية يجب الإعتراف بأن هذا تم بواسطة حاكم مصر كوكيل لتركيا وبإسم سطان الإمبراطورية العثمانية، لأن مصر كما وضح هولت مديرية من مديريات الإمبراطورية العثمانية ونتيجة لذلك فإن الأقاليم المهزومة وضعت تحت السيادة التركية ولتوضيح هذه النقطة والتي لها مكانة هامة في النقاش والدعوة المصرية فإن من المناسب إختيار الوضع القانوني لمصر نفسها بصورة أدق في نفس الفترة والتي تسمى العهد التركي المصري في السودان:

وفي البداية، لابد من ذكر أنه منذ تدهور الحضارة الفرعونية وحتى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يسيطر على مصر غزاة أجانب وتحكمها عناصر أجنبية أما فيما يتعلق بنا فإن محمد علي نفسة وهو أرناؤوطي مولود في كفالا كان قد أمره سلطان الإمبراطورية العثمانية كباشا على مصر سنة 1905: ومعلوم أنه في الفترة ( 1830 – 1840) لم يعمل فقط لفصل مديرية مصر من السيادة المصرية فحسب بل ولتنصيب شخصة كمنافس للسلطان نفسة:

إن القوى الأوروبية عامة وبريطانيا العظمى خاصة لم تكن مستعدة أيضاً للسماح بخلق إمبراطورية عربية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ولذا جاء أول تحذير لمحمد علي في أواخر 1930 عندما أخطرته الحكومة البريطانية بأنه:

” ليس له حقوق إلا تلك التي منحها السلطان، وأن السلطة الشرعية التي يملكها هي السلطة التي فوضها له السلطان على جزء مما يسيطر عليه وقد أوكلت إليه للسبب الأوحد هو إستعمالها لمصلحة وإطاعة أوامر السلطان وأن السلطان له الحق في أخذ ما أعطى، وقد يفعل هذا إذا ما تطلبت سلامته ذلك: أما إذا لم يكن لدى السلطان وسائل الدفاع عن نفسه فإن له حلفاء من المحتمل أن يقدموا له هذه الرسائل”..

عندما تدخلت الحكومة البريطانية وقطعت الإتصال بين مصر وسوريا نتيجة لغزو محمد علي لسوريا وفي عام 1840، فإن اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطانية، في خطاب مؤرخ في 18 يوليو 1840 إلى الكولونيل هورجز قال الآتي:

” إذا إشتكى محمد علي من – قطع الإتصال – ومن إجرائه دون أخطار ، فيجب عليك تذكيره مدنيا بأننا حلفاء السلطان: وأن محمد لم يكن مستقلاً وذو سيادة بحيث تكون له أى علاقات سياسية مع القوى الأربعة، وأن تلك القوى ليست ملزمة بإعطائه أي إخطار عما يرغبون في إتخاذه من إجراءات

وأكثر من ذلك فإن اللورد بالمرستون في رسالة لاحقة مؤرخة في 14 سبتمبر 1940 قال:

“علي أن أوجهك أن توضح كتابة لمحمد علي: أن مصر جزء من متلكات السلطان، وأن البريطانيين لهم حقوق معينة وإمتيازات فيما يتصل بسلامة أشخاصهم وممتلكاتهم وتجارتهم في كل أجزاء الإمبراطورية العثمانية: بموجب الإتفاقيات المعقودة بين التاج البريطاني والبحرية:

إن المناخ  السياسي الأوروبي على كل حال مهد الطريق لعقد معاهدة 1841 بين النمسا وبريطانيا العظمى وروسيا من جانب والإمبراطورية العثمانية من جانب آخر، والتي بموجبها منح السلطان صلاحيات لمحمد علي في الإدارة الداخلية لمديرية مصر إلى جانب أن القوى الموقعة أثبتت ومنحت السيادة على مصر لتركيا فإن فرمان 1841 الذي أيد الإتفاقية شمل النصوص العامة التالية:

1) كل المعاهدات المعقودة والتي ستعقد بين (البحرية) والقوى الصديقة ستكون سارية في مصر..

2) كل الضرائب ستفرض وتحصل بإسم السلطان وبما أن المصريين أيضا تابعين للأسطول البحري فإن تنظيمات معينة يجب إجراؤها لمنعهم من الإنفصال بوصفهم..

3) تحديد المقدار السنوي الذى يجب على مصر أن تدفعه..

4) يجب ألا يزيد جيش مديرية مصر عن 000ر18 رجل ولكن نظراً لأن حدود وبواخر مصر أنشئت لتخدم الأسطول البحري سيكون قانونياً في زمن الحرب زيادة عددهم للحد الذى يراه ــ الأسطول البحري ـ مناسباً

5) على أن تحمل القوات في مديرية مصر نفس شعار (البحرية) وقد لخص لتسل بصدق الموقف:

“هذه المعاهدة (1841) التي وضعتها بريطانيا والقوى الأخرى عرفت حصيلة  الكسب السياسي لمحمد على بمنحه أكبر أحفاده من الأولاد ـ عن طريق موافقة دولية حق حكم مصر وفي حدود معينة ـ إنشاء إستقلال إداري مصري ولكنها تركت مصر قضائياً تحت خدمة الأسطول البحري.

حقيقية أن مصر إستمرت كمديرية تحت سيادة الإمبراطورية العثمانية لم تكن واضحة فقط في تطبيق المواد السابقة، وإنما أيضا من الصلة الوثيقة بين حاكم مصر والسلطان العثماني .. عليه ففي فرمان 1866 رقي السلطان العثماني إسماعيل باشا إلى درجة الخديوية كما رفع عدد الجيش المصري إلى 000ر30 رجل والأكثر أهمية أنه رفع ما تدفعه مصر للسلطان من ضريبة سنوية من 000ر400 إلى 000ر750 جنيها تركيا وذلك بنفس الفرمان .. وفي فرمان آخر في نفس السنة غير السلطات طريقة الخلافة للباشوية من أكبر الأحفاد كما في نظام الأسرة المحمدية إلى أكبر الأبناء كما في أوربا. وتركيزاً على أن مصر هي إحدى أهم مديريات الأمبراطورية، فإن نفس المساند حدد طريقة تعيين الوصي في حالة وفاة ولي العهد قبل أن يبلغ إبنه 18عاما  .. وفي فرمان في 1867 معنون  لإسماعيل باشا (الموصوف بأنه وزير جاد)  الذى يحمل رتبة وزير أعظم مع صفة خديوي مصر تحدث فيه عثمان رجوب عن:

“إحترام معاهدات الأسطول البحري في مصر وبعض الإستثناءات في مجال فرض الضرائب وغيره ــ على الأجانب والتحذير من ــ الدخول في ـ معاهدات ـ والتهديد من نتائج الدخول في معاهدات لها أثر سياسي أو غيره…

كما صدر فرمان في 1869 بمنع الخديوي من التعاقد على أي مديونية بدون موافقة السلطان وقد ألغي هذا على كل حال بفرمان آخر صدر في 1873 بمنح الخديوي الحق في الدخول في إتفاقيات مع الدول الأجنبية فيما يتعلق بالمسائل الداخلية.. وكان رأي وزارة الخارجية البريطانية في 1873 هو:

” أن الخديوي لم يكن معترفاً به ولم تعترف به الآن جلالتها كحاكم على مصر كدولة ذات سيادة وإنما تعترف به كحاكم وريث لعرش مديرية مصر تحت سيادة السلطان التركي”..

وفي السنين الخمس الأخيرة دخلت مصر في مديونيات مرهقة وقد إتهم الخديوي بالفشل في مقابلة مديونياته التي تعاقد فيها مع قوى أوربية، كما أن السلطان العثماني كصاحب سيادة عزل الخديوي إسماعيل وعين إبنه توفيق ليخلفه.. وقد فعل ذلك ويست ليك.. (والرجوع أيضا للمحكمة في قضية جاركي عن الوضع الدولي الحدودي لمصر حيث قال:

“.. لقد ظهرت مصر كجزء من الإمبراطورية من خلال الفرمانات ونظم جيشها كجزء من جيش الإمبراطورية كما أن الضرائب تفرض وتقدر بإسم الأسطول، وتطبق معاهدات الأسطول على مصر، وليس له تشريعات منفصلة وأن علم كل من الجيش والأسطول هو علم الأسطول التركي _ كل هذه الحقائق المستخلصة من كتاب معروفين لا تتناسب ولا تتماشى مع السيادة المتطلبة لتجعل القطر في مصاف الدول العظمى”.

وبقى أيضاً إضافة غزو محمد على للسودان تم بتأييد فرمان عثماني صدر في 1841 حيث جاء فيه:

” تأييد السلطان لصلاحية محمد علي لحكم مديريات النوبة دارفور ـ كردفان، سنار وكل الولايات خلف حدود مصر وذكر أن هذه الحقوق على أي حال تنشىء حقاً في الإرث واضعين في الإعتبار الوضع القانوني لمصر في جانب والرباط القانوني بين الأقاليم المختلفة من السودان والإمبراطورية العثمانية في جانب آخر، فهل في الإمكان النقاش المصري الذي يقول أن السودان في 1820 ـ 1880 كان حقيقة وقانوناً جزءاً من مصر أن يقبل؟ وتكفي الإشارة لما أورده رياض المؤرخ المصري وهو:”                 

“واضح أن محمد علي لا يملك أي سيادة وقانونياً حرمت مصر من أي سيادة.. وأن مناقشة مصر بأن لها سيادة على السودان هي مناقشة بدون أسس قضائية .. إن فقدان مصر للسيادة على نفسها يفقدها السيادة على الأقاليم الأخرى وإذا كانت إجراءات تعيين حكام السودان التي إتخذها محمد علي بعد إسماعيل كانت بواسطته مباشرة دون الرجوع للسلطان فلا يغير هذا من حقيقة وضع محمد على نفسه كوكيل وكل ما يمكن أن يقال هو أن السودان صار جزءاً تابعاً للسلطان عن طريق مصر..”

 الوضع القانوني للسودان: 1882 ــ1898م:

1ـ لعدة أسباب من بينها العنف الذي صاحب غزو محمد علي والضرائب الباهظة التي فرضت كنظام غير معروف للسودانيين وفساد الإدارة والثورة العرابية في مصر قامت ثورة في السودان بقيادة محمد أحمد المهدي وإستمر نظامه حتى الغزو الإنجليزي المصري في 1898..

2ـ أثار الكتاب المصريون الحق التاريخي لمصر على السودان حيث قال شكري أن السودان إحتله محمد علي بالنيابة عن السلطان التركي وأن ما كان تحت السيادة التركية من السودان عرف بإسم السودان المصري.. كما أشار صبري لدستور مصر الذي أنشأ مقاعد للنواب في 1882 والقانون الذي تم بموجبه على أنهما دليلاً على أن السودان جزءاً من مصر..

3ـ أن نقاش شكري لا يثبت أن السودان كان جزءاً من مصر حتى في الفترة التي عرفت بالعهد التركي المصري بل بالعكس فإنه يثبت نقاش الرئيس وهو أن السودان على الأقل منذ 1820 كان تحت السيادة التركية ولم يكن تحت سيادة أخرى.. أما نقاش صبري فإنه من الصعوبة أن يقف لأنه هو نفسه إعترف بعدم إنتخاب ممثلين للسودان وعزي ذلك لقيام الثورة العرابية ويبدو أن هذا مبالغاً فيه لأن السبب الرئيسي هو قيام الثورة المهدية..

4ـ في 1883 وصلت الثورة المهدية إلى مرحلة حادة وخطيرة مما جعل البريطانيين يوصون وزراء الخديوي (بالوصول لقرار مبكر لإخلاء كل الأقاليم شمال أسوان أو على الأقل شمال وادي حلفا) والنقطة هي أن التوصية بالإخلاء وليست بالإنسحاب ..وأن الإخلاء إجبارياً وليس إختيارياً..

5ـ بلاشك فإن دولة المهدية عملت في الفترة (1884 ـ 1898) على تحطيم أي وجود مصري أو نفوذ تركي على السودان وذلك على نحو ما جاء على لسان بعض الكتاب عن السودان لرفض دعوى أن السودان إستمر في فترة المهدية كجزء من مصر..

6ـ ما يدل على إستقلال المهدية بالسودان هو عدم وجود خطر للأسطول التركي أو خديوي مصر،، وعدم فرض أي ضرائب بخلاف تلك التي فرضها خليفة المهدي..

7ـ أن الحقيقة المؤكدة هي أن ما يسمى بالحق التاريخي لمصر وحق السيادة الإسمي لتركيا على السودان قد أنهى بثورة ناجحة وقامت بديلاً لهما دولة منتظمة معترف بها من بريطانيا العظمى كدولة مهيمنة على مصر، ومن السلطات المصرية التي أبعدتها السلطة الجديدة وأقامت نظاماً بديلاً..

8 ـ من المهم الإشارة للوضع القانوني لمصر المدعية نفسها، في خلال فترة المهدية في السودان، فقد جرت عدة تحولات على مصر ليست في دعواها عن السودان وإنما في وضعها القانوني، وقد نتج هذا عن تدخل بريطانيا العسكري في 1882والذي تم تحت شعار القضاء على الثورة العرابية 11 ورغم وعد بريطانيا للسلطان التركي بأن التدخل سيكون مرحلياً إلا أن الحقيقة كانت بخلاف ذلك فرغم إعتراف بريطانيا السابق بالسيادة التركية على مصر إلا أنها رفضت رفع إحتلالها عن مصر..

وعليه فيمكن القول بأنه في الوقت الذي إنتهت فيه السيادة  التركية على مصر فإن بريطانيا أقامت حمايتها عليها.. ولا يتضح هذا في استمرار الوجود البريطاني بمصر فحسب وإنما أيضا في معاهدة 1887 التي جاء فيها أن تركيا تركت بريطانيا لتبقى لمراقبة التنظيم والدفاع العسكري للقطر ــ وقد قال الرفاعي الكاتب المصري بذلك.

9ـ على ضوء كل هذا يتضح أن الوضع الشرعي لمصر فيما بين (1881 و 1914) ذو طبيعة مزدوجة ففي جانب كانت مصر تابعة من توابع تركيا وفي الجانب الآخر فهي محمية تابعة لبريطانيا..

ومع اعتبار الوضع القانوني السابق للسودان في (1821 ـــ 1881) فإن مصر ليست لها سيادة على السودان ويتبع ذلك ولأسباب قوية أنه سيكون غير صحيح أن السودان أثناء ثورة المهدية إستمر حقيقة وقانونا جزءا من مصر.

الوضع القانوني للسودان: (1898 ـــ 1956):

  1. لقد خبر السودان كما ورد من قبل في تاريخه الحديث غزوين ــ كان الأول في 1821 والثاني في 1899 وتخللهما قيام دولة المهدية وكانت أول مشكلة واجهت الغزو الأخير هي إيجاد نظام يحفظ لمصر مصالحها ويقوي موقف بريطانيا وقد كان الحل في اتفاقية 19 يناير 1899 بين بريطانيا ومصر.. ولفهم الوضع الشرعي للسودان في هذه الفترة فلابد من الوقوف على خلفية اتفاقية 1898، ففي خطاب من لورد سالسبري إلى كرومر تساءل الأول عما إذا كان من الحكمة رفع العلمين البريطاني والمصري بالخرطوم وذكر أن هذا قد يكون فيه معنى احتلال كل دولة المهدية وقد ركز على هذا المعنى في خطاب آخر وقد تغيرت النغمة هذه المرة من اقترحات إلى توجيهات وقد طلب إليه رفع العلمين المصري والبريطاني جنبا إلى جنب بالخرطوم وذلك لأن بريطانيا ساهمت عسكريا وإقتصاديا في غزو وإحتلال السودان.. وقد كان نتاج هذه الرسائل المتبادلة والتوجيهات لرفع العلمين البريطاني والمصري سوياً
  2. لقد تحدد مبدأ حق السيادة بالغزو في مقدمة اتفاقية 19 يناير 1899 كواحد من اهدافها حيث جاء:

بما أن هنالك رغبة في وضع اعتبار لمطالب الحكومة البريطانية بحق الغزو في المساهمة في التسوية الحالية والعمل في المستقبل وتطوير النظام المشار إليه في مجال الإدارة والتشريع..

  1. لقد بدأ أن هنالك تناقضا في نصوص الإتفاقية حيث جاء في مادتها الأولى الحديث عن مديريات في السودان كانت ثائرة بينما جاء الحديث في مادتها الثالثة عن ضم السودان لبريطانيا بحق الغزو، وهو فيما يبدو أنه من عيوب الإتفاقية ولكن لا يجب أن يكون هذا بمعزل عن دوافع الإتفاقية والظروف التي وضعت فيها.. فقد كان كرومر مواجها بموقف معقد وصعب.. ففي المقام الأول عليه تذكر أن القوى الأوروبية تتصارع على افريقيا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر، وأن السودان ذو أهمية خاصة بالنسبة لبريطانيا فقد كانت بريطانيا حريصة لإيجاد موقع لها في السودان لضمان تأكيد سلامة إتصالها الإمبريالي ولتقيم إحتلالها لمصر.. ومن المؤكد أن فشودة بالنسبة للدبلوماسية البريطانية لم تكن مجرد حادثة استعمارية.. وفي المقام الثاني فإن مهمة كرومر ليست في عزل أي قوة منافسة من إيجاد موقع لها في السودان فحسب وإنما أيضا ليمنع إكتساب الحقوق والإعتراف بامتيازات للأوروبيين شبيهة بتلك التي وجدوها في مصر.. وفي المقام الثالث أراد كرومر أن يبقي على مصالح مصر التاريخية في السودان بشكل لا يؤثر على حقوق بريطانيا المرجوة والمكتسبة.. ويمكن القول بأن هذا الموقف قصد ضمنا في تعريف اقليم السودان بأنه “مديريات معينة في السودان كانت قد ثارت ضد سلطة معالي الخديوي” وبذا يكون كرومر قد قال صراحة إن بريطانيا وجدت لها موقعا بحق الغزو وذلك خلال قراءة المادة الثالثة من الإتفاقية..

في محاولة لأحد الكتاب المصريين الحديثين لإزالة التناقض بين المادتين الأولى والثالثة بحيث تتماشى مع دعوى الوطنيين المصريين، ذكر أن اتفاقية 1899 لم تحدث تغييرا في حق سيادة مصر على السودان حين قال:

“إن الإتفاقية قصدت فقط أن يدار السودان بالتضامن بين بريطانيا ومصر، وأن التناقض البادي في المقدمة ربما يكون قد حدث اهمالاً”.

ولا يمكن قبول هذا لعدة أسباب منها: وكما أورد الكاتب نفسه فإن على أي محكمة أن تقرأ نص الإتفاقية متكاملة دون بتره أو حذف جزء منه بحيث يعطي معنى آخر قد نصت الإتفاقية بصفة عامة على:

  1. وصف الحدود الشمالية للسودان.
  2. رفع العلمين البريطاني والمصري في كل السودان.
  3. وضعت القيادة العسكرية والمدنية في يد الحاكم العام الذي يعين بقرار من الخديوي بناء على توصية من الحكومة البريطانية.
  4. وضع الصلاحيات التشريعية الكاملة في يد الحاكم العام، ولا يطبق القانون المصري على أي جزء من السودان ما لم يعلن ذلك الحاكم العام.
  5. عدم تمتع الأجانب بامتيازات خاصة.
  6. عدم السماح بإقامة القناصل في السودان إلا بموافقة من بريطانيا عليه فمن الواضح أن بنود الإتفاقية وضعت كل السلطات التشريعية والإدارية في يد بريطانيا العظمى.

وفي محاولة لاختيار اتفاقية 1899 وصل أحد الكتاب المصريين إلى أن الإتفاقية:

“لا تعني التأثير على حق سيادة مصر على السودان وإن قصد الأطراف من عقد الإتفاقية هو لمجرد إرساء إدارة جديدة للسودان” مركزا على أن قرار إخلاء السودان في 1884 قد فرضته بريطانيا على مصر ذهب الرفاعي إلى أنه “من الناحية القانونية، فيما يتعلق بتأثيرات اخلاء السودان يجب تذكر أن مصر لم تقصد أبدا إلى الإخلاء مرة أخرى.

 لا يمكن قبول وجهة نظره لعدة أسباب:

ففي المقام الأول: بالرغم من أن أصل قرار الإخلاء بريطاني إلا أن نوبار باشا رئيس وزراء مصر هو الذي أمر بإخلاء السودان.. وفي الواقع فإن بعض حقوق السيادة الهامة بما فيها السيادة الإسمية لتركيا على السودان نقلت ومورست بواسطة بريطانيا.

فيما يتعلق بنقطة قصد الأطراف المتعاقدة في فترة عقد الإتفاقية من المهم توضيح عما إذا كان هناك أطراف متعاقدة بذلك المعنى وقد رأينا بأنه بالرغم من اتخاذ الإتفاقية لشكل التعاقد إلا أنها في الواقع شكل من اشكال الإعلان الذي يحوي بعض البنود المملاه بواسطة بريطانيا العظمى وعليه فمن الصعوبة في فترة الإتفاقية وظروفها التحدث عن قصد الأطراف المتعاقدة لغياب التكافؤ.. وإذا كان لابد من ذلك فيمكن الحديث عن بريطانيا العظمى فقط لأنها هي التي أملت..

إن مسألة السيادة على السودان موضوع معقد ولابد من الإعتراف بأن كلمة سيادة لم ترد بالإتفاقية كما لم ترد أية اشارة للسلطان العثماني ويجب أيضا تذكر إن مسألة السيادة على الإقليم وثيقة الإرتباط بالقبول الشرعي لممارسة السلطة التشريعية والإدارية لدولة ما على ذلك الإقليم .. وللتحقق من معرفة معنى وضع كل تلك السلطات في يد الحاكم العام لابد من الوقوف على تعريف كلمة سيادة التي هي:

“مجرد تعبير يبين سلسلة من المطالب الخاصة والمكثفة التي تضعها عادة الدول لنفسها في علاقاتها مع الدول الأخرى”

ويمكن تأكيد أن سلسلة هذه المطالب المكثفة بكل التوجهات والأهداف قد مارستها بريطانيا العظمى على السودان (الإشارة للمادة الثالثة من الإتفاقية وهي خاصة بتعيين الحاكم العام وصلاحياته”

لقد جاء في خطاب لكرومر موجه إلى كتشنر الذي عين حاكما عاما للسودان لتوه. إن على الحاكم العام أن يتبع توجيهات وكيل جلالة الملكة وقنصلها العام بالقاهرة وأن يمده بالمعلومات عن الأحداث الهامة الجارية المتعلقة بالسودان.. وبين له أن الغرض الأساسي من الإتفاقية هو تمكين حكومة جلالتها من ممارسة سيطرة مناسبة كما نبه إلى ضرورة طلب توجيهات وكيل جلالة الملكة وقنصلها العام فيما يتعلق بالمسائل المتصلة بالعلاقات الخارجية للسودان..

إن كل التشريعات تهدف إلى إبعاد مصر وما المادة الخامسة التي تمنع تطبيق القوانين المصرية إلا مثال لذلك.. وبهذا فقد أقامت الإتفاقية بالفعل تكوينا قانونيا مختلفا للسودان وقد أيد هذا التكوين بالمادة (7) التي أشارت إلى عدم اختصاص المحكمة المشتركة في أي جزء من السودان..

ورغم صحة أن اتفاقية 1899 سكتت عن علاقات السودان الخارجية إلا أن المادة (10) أشارت إلى عدم السماح للقناصل بالإقامة في السودان إلا بناءاً على موافقة بريطانيا.. وبهذا تكون بريطانيا وحدها هي التي تحدد وجود قناصل بالسودان وقد حرمت كل من مصر وتركيا من هذا الحق..

مرة أخرى رغم أن الإتفاقية لم تشمل مادة عن عقد المعاهدات إلا أن سلطة عقدها قد تولته حكومة السودان من جانب وبريطانيا من جانب آخر وقد شمل ذلك اتفاقية الجمارك (1901) واتفاقية البوستة (1902) واتفاقية التلغراف (1902).. وبما  أن هذه الإتفاقيات عقدتها بريطانيا العظمى فإن من المهم توضيح أن معظم اتفاقيات الحدود ومعاهداتها وقعتها بريطانيا العظمى بدون أية مشاركة مصرية.. ولم تقتصر سلطة الحاكم العام في عقد الإتفاقيات مع الدول الأخرى فحسب وإنما عقد بعض الإتفاقيات مع مصر نفسها التي سويت بها بعض المشاكل بين الإدارتين المصرية والسودانية.. إذا فقد كانت مصر بعيدة عن عقد الإتفاقيات نيابة عن السودان (الإشارة لقضية بنسيتي وتويستاس ضد حكومات مصر والسودان، وقد نفت مصر مسئوليتها وأقرت أن حكومة السودان لها كيانها الخاص ولها أن تعقد ما تشاء من الإتفاقيات.. وكانت مرافعة السودان مبنية على أساسين:

  1. عدم اختصاص المحكمة المشتركة في نظر قضايا السودان.
  2. إن اتفاقية 1899 أقامت حكما ثنائيا منح السودان سلطات تشريعية وإدارية وقضائية مختلفة ومستقلة عن تلك التي للحكومة للمصرية.

ولقد حكمت المحكمة باستبعاد مصر من الدعوى وعدم اختصاصها في الدعوى ضد السودان (الإشارة لمقتطفات من القرار)..

وعلى ضوء هذا لا يمكن لعبد الله أن يناقش بأنه قبل استقلال السودان كان كلا اقليمي السودان ومصر كانا تابعين لمصر وأن الملكية كانت كاملة وأن مصر حقيقية وقانونا كانت تملك كلا الإقليمين..

وقبل الإستمرار في دحض نقاش مصر الرئيسي من المهم تذكر أن مصر صارت محمية من بريطانيا بعد 1882 واستمرت كذلك حتى 1914 حين صارت محمية بريطانية كاملة.. بعد انتهاء السيادة التركية.. (الإشارة لإعلان الحماية) وبعد هذا الإعلان صار كل من مصر والسودان تحت السيادة البريطانية.. وبالرجوع إلى الموضوع الرئيسي وهو الوضع القانوني للسودان، فلابد من القول بأن كل ما ذكر يقصر عن النتيجة التي توصل إليها بلانكارد من أن السودان صار دولة ذات سيادة في حالة عدم اعتبار المعنى التشريعي للسيادة.. ويكفي لعدم قبول ما أورده بلانكارد أن المصدر الحقيقي للسيادة على الأقل في النظرية الشرعية ــ لم يكن الحاكم العام كما قد يبدو في الممارسة الفعلية..


الجزء الخامس

 

الوضع القانوني وموقف الحدود الحالي

 

بعد كل ما ورد من نقاش ينبغي التعرض للوضع القانوني من حيث ارتباطه بما يسمى “بالحكم الثنائي” وهذا النظام كان مدار جدل فوق أنه نادرا بالدرجة التي تجاهله فيها بعض المختصين ـــ  وقد عرفه بعض من تطرق إليه بأنه ممارسة سيادة مشتركة على اقليم بواسطة دولتين أو أكثر (الإشارة لتعريف أوبنهايم).

يبدو بناءاً على التعريف العام المقبول للحكم الثنائي بأنه سيادة مشتركة على اقليم ما على أساس التكافؤ أو كمجال مشترك لصلاحية الأوامر القانونية الوطنية للدولتين أو للدول أو “السلطة الإقليمية” كما وصفها مولر بأن هذا لا ينطبق على السودان حيث أنه لم يكن تحت السيادة التركية أو المصرية..

لقد جاء في تقرير مولر أن استقلال مصر لم يقصد به ويجب ألا يسمح له بأن يستعمل كنص مسبق ليعني بأية طريقة حقوق السيادة الإسمية لتركيا التي اختفت في 1914 وعلى كل حال فقد اعترفت اللجنة بمصالح مصر السكنية في مياه النيل ولا تحتاج للإشارة بأن هذه المصالح شيء والسيادة شيء آخر..

فقد أثار بعض الوطنيين المصريين بعد استقلال مصر، قضية أن السودان جزء من مصر مناقضين( اتفاقية 1899 والإستثناء الرابع المتعلق بالسودان وقد دافع المختصون البريطانيون عن ذلك (الإشارة لبيان وزير الخارجية البريطاني أمام مجلس العموم) وقد أورد فيه أن بريطانيا مسئولة عن السودان، وأنه بفضلهم تم احتلال السودان، وقد أعقب ذلك اتفاقية 1936… التي أشارت إلى:

  1. إن الهدف الرئيسي للإدارة يجب أن يكون مصالح السودانيين.
  2. إعتراف الحكومة المصرية باتفاقية 1899.
  3. تحدثت الإتفاقية عن “السودانيين” وذلك يعني وجود سودانيين وأقاليم سودانية..
  4. تركت الإتفاقية موضوع السيادة دون قرار.

وعليه يمكن القول بأن هذا النظام الموحد خلق دولة مستقلة جديدة منفصلة ومميزة عن مصر لها سلطات تشريعية وإدارية وقضائية ولها بعض سلطات للسيادة وقد قامت بالفعل إدارة سودانية شبه مستقلة.. وفي الجانب الآخر بينما كسبت بريطانيا حقوق سيادة إضافية على السودان، حفظت لمصر مصالحها الهامة في مياه النيل ــ كما حفظ لها طوال الفترة  من 1899 ــ 1956 حق رفع علمها على السودان.. وبالنسبة لنقاش عبد الله الذي يقول بأن السودان جزء من مصر، صار من المعلوم بعد النقاش أعلاه أنه لا يمكن قبول أن السودان قبل استقلاله لا يستطيع استحضار أسس القانون الدولي الذي يحكم نزاع الحدود ضد مصر (الإشارة لنزاع باكستان كنس أورادرد 1968)..

لقد قال عبد الله إن السودان لا يستطيع إدعاء أحقية قانونية في ملكية المناطق المتنازع عليها ـــ كما لا يمكن للسودان استحضار نظرية الملكية، ورغم الإقرار بذلك إلا أن السودان يمكنه استحضار نظرية الوضع الراهن والذي ساد افريقيا ومنه تجميد الحدود على ما تركها عليها الإستعمار (قرار منظمة الوحدة الإفريقية باحترام الوضع الراهن فيما يتعلق بقضايا الحدود لسنة 1964..)

لقد تلاحظ أن السودان أعلن منذ 1956 قبوله الحدود السابقة لاستقلاله وذلك على ضوء نظرية الوضع الراهن.. يجب أن نذكر أن كلا من مصر والسودان أعضاء مؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية وأن النزاع نشأ لأول مرة في 1958.. وكانت وقتها مصر والسودان من الموقعين على وثيقة منظمة الوحدة الإفريقية وملتزمين بنص المادة 3 ” 3″ من الوثيقة بمراعاة الوضع الراهن.. وأن قبول مصر للقرار في 1964 يعتبر تأييدا، وقد تناقض مصر كما فعلت الصومال بأن المقصود من القرار النزاعات التي ستقوم وليست النزاعات الموجودة وهو نقاش ضعيف لأنه:

أولا: من المشكوك فيه قصد القرارات المستقبلية دون القائمة أصلا وذلك لوضوح النص..

ثانيا: من المهم ذكر أن مراكش صوتت ضد القرار وأن الصومال تحفظت عليه كما لم تتحفظ مصر على القرار وهذا يكفي للتفريق بين موقف مصر وكل من المغرب والصومال وعليه يمكن القول بأن مصر ملتزمة بالحرف والروح بنظرية الوضع الراهن.

وفي النهاية في محاولة للتقليل من أهمية المعاني القانونية لما يسمى بالحدود الإدارية ناقش عبد الله بأن حق الإدارة الذي منح بفعل انفرادي من جانب مصر على السودان لا يمكن بكل الوسائل اعتباره منشأ لحقوق السيادة.. وأن الفترة التي تمت فيها تعديلات الإختصاص الإداري لا يوجد فيها مظهر من مظاهر السيادة السودانية أيا كان نوعه على المناطق المتنازع عليها ليبرر حكما لصالحه..

إن ما يهم هنا هو المعنى القانوني لما يسمى بالحدود الإدارية ..

وفي هذا الصدد لابد من القول بأن خط عرض 22 درجة شمال هو الحدود الأصلية التي وضعت باتفاقية 1899 وأن عبد الله يتفق على هذا كما أنه سيقر أن الخط كان خطا افتراضيا وصفه سيرشل بأنه يفصل بين الحضارة والهمجية.. كما أن عبد الله سبق وأن أقر بأن هذه الحدود قد عدلت لأسباب إدارية ــ وأن هذه التعديلات أجريت بعد سنتين من عقد الإتفاقية لوضع إدارة كل قبائل البشاريين تحت الحكومة السودانية.. ولابد من تذكر أن اتفاقية 1899 التي  أنشأت ما يسمى بالحدود السياسية أشارت في أنها تعني أن تكون “متعلقة بمستقبل إدارة السودان” وهذا في حد ذاته يعني أن وصف الحدود بخط عرض 22 درجة شمال وصف افتراضي.. وعلى كل حال وبما أن التعديلات لما يسمى  بالحدود السياسية نتجت عن اعتبارات إدارية ومن بينها تفادي وضع فروع قبيلة واحدة تحت إدارات مختلفة ومع اعتبار أن الحدود كما أسلفنا قصدت أن تكون دائمة لا مؤقتة كما في حالة الحدود السودانية الكينية، وبما أن اتفاقية 1899 ـــ نفسها عقدت وطبقت من أجل حسن الإدارة وتسوية وضع السودان من المقدر أن الحدود الإدارية ــ كما وضعتها الأوامر الوزارية وقبلتها الحكومة البريطانية وكل من ادارات مصر والسودان من المقدر أن تبقي بكل التوجهات والأهداف العملية هي الحدود السياسية بين مصر والسودان..

إن النقطة التي يجب أن توضح هي أن ما يسمى بالحدود الإدارية يجب أن يؤخذ على أنه تم باتفاقية 1899 وظل متمشيا مع روحها وأن هذا هو السبب الذي جعل كل من بريطانيا ومصر والسودان يقبلونها بدون أي تحفظات لأكثر من نصف قرن.. إن الحدود الإدارية التي عدل بموجبها ما يسمى بالحدود السياسية لها أهمية أكبر من الخط الإفتراضي بسبب أن الحدود الإدارية قامت فيها ولاءات لها.. وقد وضعت هذه الولاءات مسئوليات على حكومة السودان لأكثر من خمس عقود بالنسبة للمواطنين، وقد لعب ممثلوهم المنتخبون دورا في تحقيق استقلال السودان.. وهذه النقطة تكشف بوضوح قدرة الحدود بغض النظر عن أصولها.. في خلق اختلافات على كلا الجانبين يمكن إستعمالها كأسس للنقاش للإحتفاظ بالحدود.. (الإشارة لما أورده برسلرت حول الموضوع)..                       

التعليقات

أضف تعليقك