مقدمة

موضوع الدراسة

تتناول هذه الدراسة بالرصد والتحليل والنقد الأدب الذي كتب عن وكالة الإستخبارات الأمريكية المركزية CIA وذلك بغرض فهم هذه الوكالة وكيفية عملها. ترتكز الدراسة على محاور البحث التالية:

  1. هيكل الوكالة وإداراتها المختلفة ووظيفة هذه الإدارات
  2. علاقة الوكالة بالمؤسسات الأمنية الأمريكية الأخرى.
  3. تجنيد عملاء الوكالة وكفاءاتهم وتدريبهم.
  4. علاقة الوكالة برئيس الولايات المتحدة، ومن ثم علاقتها باتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية.
  5. علاقة اليهود بالوكالة وفي هذا المبحث نرى أنه لابد من تناول علاقة اليهود باسرائيل من جانب، وعلاقة الوكالة باليهود الأمريكيين من جانب آخر.

يلاحظ أن كل مبحث من المباحث الخمسة المذكورة يمكن أن يكون دراسة كاملة ومنفصلة، بل إن كل مبحث يمكن تقسيمه إلى مباحث أخرى يشكل كل واحد منها دراسة منفصلة. يمكن، مثلاً، أن تمثل مديريات الوكالة (المبحث الأول) مباحثاً منفصلة. تستطيع أن تفرد بحثاً كاملاً عن مديرية الإستخبارات المضادة، أو مديرية التقديرات والتحليل.

نلاحظ كذلك أننا لم نفرد باباً لعمليات الوكالة وكيف إدارتها ويدخل في هذا الباب إدارة العمليات الإستخبارية ونوع تلك العمليات. ولكن القاريء سيجد ذكراً لبعض العمليات الهامة في معظم أبواب هذه الدراسة مما يؤكد أن هذا الموضوع هام ولا يمكن تجاوزه. ونرى أنه يحتاج إلى بحث منفصل.

يتضح من هذا البيان أن هذه الدراسة بأكملها ليست سوى مقدمة لدراسة وكالة المخابرات الأمريكية المركزية. لعلي، أو غيري، يمكن أن يتابع مباحثها بالتدقيق والفحص والدراسة، في بحوث عديدة.

 

أهمية البحث

تنبع أهمية البحث من كونه يدرس تجربة إنسانية كبيرة جداً نرى أن هنالك منافع كثيرة يمكن أن تحققها هذه الدراسة والدراسات المماثلة الأخرى. أول هذه المنافع هو أن هذه الوكالة ـ مهما دبرت من مكائد وأعمال عنف وقتل وتشريد وتواطأت مع جهات ـ مثل اليهود ـ تدير ذات العمليات البشعة ـ فإنها قدمت عملاً ضخماً لحماية بلدها ورعاية مصالحه منذ الحرب الكونية الثانية. نشأت هذه الوكالة في أيام كان الجيش النازي في عنفوانه ولم يكن مبالياً بأمريكا وغيرها كما أنها وقفت في وجه الجيش الأحمر الذي لم يكن يبال بالفتك بكل ضعيف.

في هذه الظروف المضطربة قدمت هذه الوكالة حزاماً أمنياً قوياً سهل على الولايات المتحدة القيام بالبناء الداخلي. هذا ليس دفاعاً عن جرائم الوكالة وميكافيليتها، ولكن الذي يجب تقريره هو أن وجود الوكالة فقط شكل عامل تخويف deterrent لمن يريد النيل أو حتى التعامل مع الولايات المتحدة.

قبيل الحرب العالمية الثانية كانت تتجاذب الولايات المتحدة بين دعاة الإنعزال عن مشاكل العالم الخارجي من جانب، وقوى الإستقطاب الدولي لجذبها لحلبة الصراع الدولي من جانب آخر. حينما قررت الولايات المتحدة الدخول إلى حلبة الصراع الدولي، كان في معيتها جهاز استخباري معتبر شكل النواة الأساسية ليس لقيام الوكالة فحسب، إنما في طريقة عمل الوكالة من بعد.

ثاني المنافع التي يمكن أن تجنى هى معرفة، أو الإقتراب، من معرفة آلية اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية. نعتقد ـ ولا أظن أن هنالك من ينازع ـ أن المعلومات ركن هام في اتخاذ القرار. إذا علمنا أن جزءاً كبيراً جداً من المعلومات التي تصل إلى البيت الأبيض مصدره هذه المؤسسة، ندرك بجلاء أهمية وضع الوكالة في الإدارة الأمريكية. نعتقد أن الإدارة الأمريكية لها ثلاثة أضلاع هامة هى: البيت الأبيض ويمثله الرئيس ومساعدوه من الوزراء، والكونغرس وهو المجلس التشريعي الرئيسي، وجهاز الإستخبارات. ويحيط بهذا المثلث اللوبي اليهودي الذي نجده متغلغلاً في كل الأضلاع وخارجها. كما يتضح من الرسم أدناه ومن اتجاه الأسهم فإن الأضلاع تؤثر في بعضها. نزعم أن الأضلاع يمكن أن تعمل في تناغم ويمكن أن تتجاذب وتتصارع.

مثلث الإدارة الأمريكية ودائرة اللوبي اليهودي

من هذا التبيان يتضح أنه بدراستنا لجهاز الإستخبارات نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في فهم آلية اتخاذ القرار، ذلك أن مرحلة جمع المعلومات وحصرها وتحليلها تعتبر مرحلة أساسية في اتخاذ القرار، وتنفيذه، حيث نجد أن هنالك عمليات كثيرة جداً، خاصة فيما يتعلق بالأمن الخارجي، تقوم بتنفيذها هذه الوكالة.

منهجية ومصادر البحث

البحث في أي جهاز استخباري من الأعمال الشاقة والصعبة جداً، إذ ليس بالإمكان عمل منهج لجمع المعلومات الميدانية بالطريقة المعهودة في عمل البحوث. ذلك أن أي جهاز استخباري يحيط نفسه وعمله بسرية كاملة. ومعلوم أن أي جهاز استخبارات يمتلك جهازاً داخلياً لحماية العمل الإستخباري وسريته، وذلك منعاً للإستخبارات المضادة من اختراق الجهاز.

لكل ذلك ينبغي أن نحذر القاريء من أنه لن يجد معلومات أو أحداث جديدة لم يسبق نشرها. الجديد هنا هو ترتيب تلك المعلومات والأحداث وتسلسلها وربطها مع بعضها.

لم يبق أمامنا سوى المعلومات المكتوبة والسماعية وهى متوفرة لكافة الناس في شكل مقالات وكتب وأشرطة كاسيت وفيديو.

هذا الأدب ينشر أحياناً بعناوين جذابة جداً بغرض الدعاية لسرعة التسويق مثل كتاب علاقات خطرة، مؤلفه أندرو كوكبيرن وكتاب من يجرؤ على الكلام،  مؤلفه بول فندلي. يمكن تصنيف هذا الأدب إلى قسمين:

  1. كتب كتبت بواسطة صحافيين غربيين أو رجال استخبارات عملوا في أجهزة استخبارات غربية.
  2. إصدارات الصحافيين ودور النشر المضادة للغرب، مثل ما صدر من الكتاب السوفيت.

رغم إيماننا أن هذه الإصدارات جميعها ـ سواء كتبها أصدقاء الولايات المتحدة أو أعداؤها ـ تحتوي على بعض المعلومات التي يمكن أن تكون صحيحة إلا أنها جميعاً كتبت بعناية فائقة لتخدم غرضاً معيناً. الكتب التي كتبت في المعسكر الشرقي (حينما كان هناك معسكر شرقي) أصدرت بغرض الدعاية السياسية ضد الولايات المتحدة. ونجدها اتخذت نفس النهج الذي اتخذته الوكالة تجاه المعسكر الشرقي وهو الدعاية بأن المعسكر الآخر معسكر ارهاب. لذلك نجد معظم تلك الإصدارات عبارة عن سجل لعمليات سرية قيل أن الوكالة قد قامت بها عن طريق مكتب التنسيق السياسي الذي أنشيء عام 1948. تحولت مهام هذا المكتب إلى قسم العمليات الخاصة. مثال هذا النوع من الإصدارات هو كتاب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والإرهاب الدولي الذي كتبه مجموعة من الكتاب السوفيت.

أما ما كتبه الغربيون أنفسهم فمعظمه كتبه صحافيون ورجال قانون ومن سموا أنفسهم عملاء سابقين للوكالة. وكتابة العملاء هؤلاء عادة تأتي في شكل اعترافات وعادة يحاولون عدم الزج بأنفسهم في خضم العمليات الدموية. تتصدر كتابة الغربيين قصص كثيرة عن المضايقات التي وجدها المؤلف في تأليف كتابه، وصعوبات أخرى مع دور النشر. هذه القصص قد تكون حقيقية، وقد تكون ستاراً لجعل الكتاب وعملية كتابته واقعية. وقد تكون دعاية لإعطاء الكتاب أهمية. وهذه المعارك عادة ما تفتعلها دور النشر بغرض التسويق.

من الصعوبة بمكان الحكم على كتابة العملاء، إن كانت هى فعلاً عملية اعتراف confession ـ بالمعنى الكنسي للكلمة ـ نتيجة لضمير عاد له إحساسه وآدميته، أم أنها عمل استخباري آخر. أياً كان الحال فإن بعض ما كتبه الغربيون والعملاء يخدم أغراضاً استخبارية محضة. ومثال لذلك كتاب من يجرؤ على الكلام. السؤال الذي يطرح نفسه هو إذا لم يكن هنالك من يجرؤ على الكلام فكيف تجرأ بول فندلي، مؤلف الكتاب، على القول إذن؟ نعتقد أن هذا الكتاب  قد كتب بعناية فائقة حيث أن المؤلف يعلم أن هذا سؤال هام لذلك حاول بطريقة غير مباشرة الإجابة عنه. يتحدث الكاتب في صدد الكتاب بحرقة وحنق شديد عن الأضرار الشخصية التي لحقت به من اليهود مما يعطي دافعاً قوياً للجرأة والكلام. ولكن نجد أنه إذا قرأ هذا الكتاب أي مواطن أمريكي طموح فإنه سيعمل ألف حساب للوكالات اليهودية التي أعطى المؤلف انطباعاً بأنها تستطيع أن ترفع من شأن من تشاء وتحط قدر من تشاء، كما يبدو كذلك من الكتاب أنه لابد من مد حبال الود وتجنب عداء الوكالات اليهودية. هذا التحليل يتماشى مع إحدى ركائز فلسفة السياسة الأمريكية وهى التخويف deterence وهى سياسة معلنة ويذكرها المسئولون الآن كأحد الذرائع لتطور صناعة السلاح. ويستخدمون تعبير deterent للدلالة على الأسلحة النووية المتطورة.

ونلاحظ كذلك أن المعلومات التي تسرد من الإصدارات التي تعنى بشأن أخبار عالم الإستخبارات عبارة عن معلومات سماعية في معظمها. قل أن تجد لها دليلاً موثقاً.

أمام هذا المأزق في كتابة هذه الدراسة ستكون منهجتنا هى دراسة وتحليل هذا الأدب المكتوب والمسموع وذلك بمحاولة ربط الحوادث حتى ننفذ إلى بعض ما لم يوضع في كلمات بعد. سنعتمد في هذا على مطابقة المعلومات وذلك للتحقق من مصداقيتها. وسنحاول أن نجعل المطابقة cross-checking بين الكتب ذات الأهداف المختلفة.

هيكل الوكالة

نتناول في هذا الباب الشكل الإداري للوكالة مركزين بصورة رئيسية على عمل إداراتها وعلاقة الوكالة بالمؤسسة الإستخبارية الأمريكية كافة، حيث أن الوكالة ليست هى الوحيدة المطلعة بالعمل الإستخباري في الولايات المتحدة، ولكن هذا لا يتعارض مع الوضع الخاص للوكالة في الإدارة الأمريكية.

وحتى يستبين الشكل الإداري للوكالة هنالك بعض الحقائق والمعلومات التاريخية التي سنختصرها فيما يلي من سطور آملين أن تكون لنا عوناً على فهم إدارة الوكالة.

قامت الوكالة في عام 1947 خلفاً لمكتب الخدمات الإستراتيجية Office of Strategic Services وقد كان الهدف الأساسي من وراء قيام الوكالة هو تنسيق المعلومات الإستخبارية التي تأتي من أماكن وأجهزة شتى. لقد اتضح للإدارة الأمريكية بتصاعد أعمال الحرب العالمية الثانية أنها تحتاج إلى جهاز استخباري أقوى. ومن الأحداث الهامة التي عجلت بقيام الوكالة حادث مرفأ بيرل. هاجم اليابانيون هذا المرفأ في عام 1941. وقد كان ذلك مفاجأة للأمريكان. لم تكن المفاجأة بسبب عدم توفر المعلومات عن إمكان الضربة وزمنها ومكانها، ولكن بسبب عدم تجميع المعلومات وتحليلها تحليلاً دقيقاً. كانت المعلومات متوفرة لدى مكتب استخبارات السلاح البحري وشعبة الحرب، ولم تعط لمكتب منسق المعلومات. كانت المعلومات ترسل في شكلها الخام للرئيس، مما يعطل اتخاذ القرار.

هذه الحادثة جعلت الإدارة الأمريكية تهتم بأمرين هامين:

أولهما:  جمع المعلومات في جهة واحدة بغرض تنسيقها

وثانيهما: تحليل هذه المعلومات تحليلاً دقيقاً.

كان هذان ا لأمران من المهام الرئيسية التي أوكلت للوكالة حينما قامت.

ورثت الوكالة كذلك عن مكتب الخدمات الإستراتيجية أكثر من ذلك. في أيام الحرب العالمية الثانية أوكل لهذا المكتب مهمة مكافحة التجسس والقيام بالأعمال السرية، وأعمال التخريب، ونشر الشائعات لتثبيط الروح المعنوية للجهة المعادية وتوزيع المعلومات والوثائق الكاذبة وإغراء الطابور الخامس. في هذا الشأن قام عملاء الوكالة بعمليات كبيرة في أوربا. قام ديولز بعملية  Operation Sunrise التي هدفت إلى جر إيطاليا للإستسلام في عام 1945. وفي نفس الأثناء قام وليام كولبي بدعم المجموعات المضادة في فرنسا وألمانيا. ومن أكبر العمليات التي قامت بها الوكالة بعد قيامها بعام في 1948 الدخول في معركة الجواسيس في فينا وبرلين حيق وقعت الوكالة مع الإستخبارات البريطانية ضد الإستخبارات السوفيتية في معركة السيطرة على النقابات والصحف ودور النشر ومجموعات الضغط.

يستبين من هذه هذه المعلومات أن الوكالة بجانب جمع وتحليل المعلومات كانت تقوم بعمليات عسكرية وشبه عسكرية وغيرها.

بعد هذا العرض لمهام الوكالة سنطرح الآلية (الإدارات وعملها) التي تستخدمها الوكالة للقيام بتلك المهام.

علاقة الوكالة بالمجتمع الإستخباري

أما فيما يختص بعلاقة الوكالة بالأجهزة الإستخبارية الأخرى نجد أن الجهاز الإستخباري للولايات المتحدة يتكون من وكالة المخابرات المركزية ووكالة استخبارات وزارة الدفاع والوكالة القومية للأمن والمكتب القومي للإستطلاع ومخابرات وزارة المالية ووزارة الطاقة ووزارة الخارجية، بالإضافة الى استخبارات الجيش ومكتب استخبارات سلاح البحرية واستخبارات سلاح الجو واستخبارات قوات المارينز.

مدير الوكالة هو الناصح الرئيسي للرئيس ومجلس الأمن القومي في كل ما يتعلق بشأن الإستخبارات القومية. وهو المسئول عن وضع البرامج والميزانية الخاصة بإدارة الإستخبارات  الخارجية وعليه تقع مسئولية توجيه جمع وتحليل المعلومات الخاصة بالمجتمع الإستخباري كافة. وهو المسئول عن تنسيق كل العمل الإستخباري .

يرأس مدير الوكالة، كذلك، مجموعة ممثلي وكالات الإستخبارات التابعة لمجلس الأمن القومي. ويعمل كذلك كعضو استشاري لهذا المجلس. من الناحية الدستورية تتبع الوكالة لمجلس الأمن القومي.

لما كان أحد الأدوار الرئيسية لمدير الوكالة هو التنسيق بين الوكالات المختلفة فإن ساعده الرئيسي في هذا الشأن هو فريق عمل المجتمع الإستخباري. يقوم هذا الفريق بتنسيق جمع المعلومات وذلك بغرض ضمان أن العمل الإستخباري جميعه يخدم الأهداف المرسومة ويركز على الموضوعات ذات الأهمية والأولوية.

ولمساعدة مدير الوكالة في مهامه التنسيقية فإن ما يلي الوكالة من عمل هو القيام بالعمليات السرية في الخارج والقيام بالمخابرات المضادة في الخارج وهى مسئولة كذلك عن القيام بالبحوث وتطور الإدارات التقنية لجمع المعلومات. على الوكالة كذلك الإستفادة من التقنيات الحديثة في هذا الشأن. يقع عليها كذلك مد متخذي القرار في الإدارة الأمريكية بالمعلومات السياسية والعسكرية والإقتصادية ومعلومات عن الأشخاص ومعلومات اجتماعية.

ويتضح من هنا الدور الخطير للوكالة حيث أنه مناط بها تطوير آلة العمل الإستخباري في كل المجتمع الإستخباري فهى من هنا لها علاقة قوية بالإستخبارات العسكرية والبحوث الإقتصادية والتقنية والعلاقات الدولية.

بعد هذا الإيضاح لدور مدير الوكالة والوكالة نفسها في إدارة دفة العمل الإستخباري، سنتعرض في السطور التالية لعلاقة الوكالة ومديرها مع الهيئة الإستخبارية العامة لرئيس الولايات المتحدة.

هيئة الرئيس للإستخبارات

نلاحظ أن المجتمع الإستخباري ـ رغم ضخامته حيث يضم كل وكالات الإستخبارات في أمريكا ـ يتبع لمجلس الأمن القومي. هذا المجلس هو أحد ثلاثة مجالس رئيسية تعين الرئيس في إدارة العمل الإستخباري والإستفادة منه. المجلسان الآخران هما مجلس الرقابة الإستخبارية والمجلس الإستشاري للإستخبارات الخارجية.

يتضح من الرسم “3” أن مدير الوكالة هو أحد المستشارين الرئيسيين للوكالة فيما يختص بالإستخبارات. يقدم المدير استشارته عن طريق عضويته في مجلس الأمن القومي. يضم هذا المجلس رئيس الولايات المتحدة ونائبه ووزير الخارجية ووزير الدفاع. يعمل مدير الوكالة بجانب رئيس هيئة الأركان مستشاراً رئيسياً.

يعمل مدير الوكالة عضواً في مجلس كبار ممثلي الوكالات ويرأس الجلسات حينما تكون الجلسات خاصة بالمخابرات. تضم الهيئة في عضويتها ـ بجانب مدير الوكالة المركزية ـ مساعد الرئيس لشئون الأمن القومي، ونائب وزير الخارجية، ونائب وزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، ونائب النائب العام، ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي، ومدير الوكالة القومية للمخابرات. رئاسة جلسات اللجنة مناوبة بين الأعضاء تحكمه أجندة الإجتماع. هذا المجلس منوط به تقديم المشورة لمساعدة مجلس الأمن القومي لوضع السياسات الأمنية المناسبة، كما أن عليها تسهيل التنسيق بين الوكالات في حالة العمليات التي تستدعي عمل أكثر من وكالة.

ترتبط الوكالة، كذلك بمجموعات ممثلي الوكالات، المنبثقة عن مجلس كبار الممثلين، عن طريق ممثل مدير الوكالة.

يجب أن نذكر القاريء هنا أن موضوع الدراسة هنا هو وكالة المخابرات المركزية فقط، وليس الهيئة الإستخبارية الأمريكية بكاملها. لهذا لم ندخل في تفاصيل وتكوين الوكالات والمجالس الأخرى. هدفنا من حديثنا الموجز أعلاه تبيين وضع الوكالة في تلك الآلة الإستخبارية الضخمة.

الصورة التي عرضناها أعلاه ربما تعطي انطباعاً أن أجهزة الإستخبارات تعمل في تناغم تام. ولكن هذا لا يتوقع في واقع الحال. لما كانت الإستخبارات الخارجية تهتم باعلاقات الدبلوماسية والعسكرية فإن الصراع بين الوكالة والخارجية والهيئة العسكرية أمر متوقع ومحتمل.

مثلاً، يخاف العاملون في الوكالة كثيراً من رد فعل وزارة الخارجية لما يقومون به من عمل ومن خطط. في هذا الشأن يمكن للقاريء أن يرجع إلى كتابات مايلز كوبلاند. ويجب أن نعلم كذلك أن الوكالة تستخدم مجموعة كبيرة من السواتر منها السفارات. والأمثلة على ذلك عديدة. ذكر كوبلاند(1) أن عميل الإستخبارات المركزية المدعو كيم قد رتب مع الخارجية انتقال ضابط المخابرات ايجلبرغر إلى وزارة الخارجية ثم ينتقل إلى القاهرة بصفة ملحق اقتصادي. هذا يعكس التعاون بين الوكالة ووزارة الخارجية. ولكن كوبلاند ذكر في نفس الصفحة أنه إذا كان وزير الخارجية دالاس ” على علم مسبق بكل شيء فمن الصعب جداً على أي إنسان أن يدخل في ذهنه وله بالمطرقة والسندان ” أمر آخر” .. وهكذا أصبح وزيرنا مثله مثل البراكين وجبال الثلج، ما نسميه:”عامل لابد من العيش معه”. أهمية هذا الكلام تنبع من أمرين: أولهما أن وزير الخارجية يمكن أن يكون له رأي يختلف عن رأي ضباط الوكالة ويملي رأيه فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. وثانيهما هم أنه رغم تشعب شبكة الإستخبارات وإدارتها إلا أن اتصال ضباط الوكالة بالجهة ذات الإختصاص يكون مباشراً متخطياً الحواجز البيروقراطية. وهذا الأمر الأخير ورثته الوكالة عن مكتب الخدمات الإستراتيجية وطريقة عمل دونوفان ـ رئيس المكتب. حيث أنه كان يتخطى البيروقراطية ويصل إلى الرئيس مباشرة. وهذا الأمر ليس بالسهل في الولايات المتحدة حيث نجد الكونغرس يفرض رقابته التي أعطاه إياها الدستور بقوة. تمكن دونوفان والرجال الذين رأسوا الوكالة من بعده من تخطي عيون رجال الكونغرس بحجة أم أمر الإستخبارات من الأمور الأمنية التي ينبغي أن تحاط بسرية تامة.

كلا الأمرين اللذين ذكرناهما من المسائل التي تحتاج إلى تدقيق وبحث. سيجد القاريء في متن هذا البحث الصغير إشارات عديدة لهذين الأمرين.

بعد هذه الإشارة نقول ان وكالة المخابرات المركزية اتخذت من الإدارات ما يمكنها من القيام بمهامها الرئيسية التي ذكرنا آنفاً والقيام بدورها كعضو في آلة استخبارية ضخمة. والوكالة تراجع شكلها الإداري دائماً لتتمكن من مواكبة المستجدات. نجد أن الوكالة لها أربعة أقسام رئيسية: نائب المدير للعمليات، ونائب المدير للعلوم والتقانة، ونائب المدير للإستخبارات، ونائب المدير للإدارة.

لما كانت أهم مهام الوكالة هى البحث العلمي الدقيق فإن مكتب نائب المدير للعلوم والتقانة يقوم بهذا الأمر. نعلم أن البحوث تحتاج للمعلومات. هذا الأمر مكن الوكالة من الدخول في كل أسرار الدولة حتى العسكرية منها، وذلك بغرض جمع المعلومات من أجل الدقة في البحث. في عام 1965 وافقت وزارة الدفاع على إيكال أمر بحث تكاليف العمليات العسكرية الخارجية وبرامج الفضاء إلى الوكالة. هذه الموافقة حسمت أمر حرمان الوكالة من الإطلاع على الإمكانات العسكرية للولايات المتحدة.

علاقة الوكالة بالإدارة الأمريكية

بعد أن استعرضنا الشكل الإداري العام للوكالة والعلاقة الإدارية بين الوكالة والآلة الإستخبارية العامة للولايات المتحدة، سنتعرض بتفصيل أكثر إلى علاقة الوكالة بالبيت الأبيض والكونغرس. نقصد بالبيت الأبيض الرئيس ومساعديه من وزراء. والمجلس الإستشاري للإستخبارات التابع للرئيس. ما يهمنا هنا هو مدى أثر الوكالة على الإدارة الأمريكية.

كثير من الناس، حتى المختصين منهم، يجعل الوكالة اخطبوطاً ضخماً ويصورها على أنها هى التي تدير الحكم في الولايات المتحدة. لكن هذا الرأي لا يثبت لدى التحقيق والتدقيق. نعتقد أن وكالة المخابرات المركزية ذات أثر ضخم في الإدارة الأمريكية وفي اتخاذ القرار إلا أن هنالك قوى أخرى قد تقوى وتنتصر على الوكالة. في الباب السابق رأينا العلاقات المتشعبة لوكالة مع معظم الوزارات. كثيراً ما يحدث بعض الإختلاف بين الوكالة وأي جهة من هذه الجهات وكثيراً ما تنتصر الجهة الأخرى لرأيها.

بالنسبة لعلاقة الوكالة برئيس الولايات المتحدة فتظهر على أنها علاقة بيروقراطية عادية بين الرئيس وأحد مستشاريه، حيث أن مدير الإستخبارات هو الناصح الأمني الأول للرئيس. العلاقة القانونية تعطي انطباعاً أن للرئيس اليد الطولى. صدر قانون في عام 1947 أنشيء بموجبه مجلس الأمن القومي وذات القانون أنشيء بموجبه وكالة المخابرات المركزية كهيئة عسكرية تتبع لمجلس الأمن القومي. هذا المجلس هو المسئول الأول عن إسداء النصح وإعطاء المشورة للرئيس. كما ذكرت سابقاً فإن مدير الوكالة يعمل مستشاراً لهذا المجلس وليس عضواً دستورياً فيه.

هنالك بعض الأحداث التي تشير بوضوح إلى أن رئيس الوكالة له اليد الطولى ويمكن أن يسيرها بالطريقة التي تروقه. هذا يتضح بجلاء إذا علمنا أن الرئيس يمكن أن يعزل المدير متى شاء. قام، مثلاً ريتشارد نيكسون بالضغط على الوكالة للتستر على تسلل عملاء الوكالة إلى رئاسة اللجنة القومية الديمقراطية في مبنى ووترقيت. وهدد نيكسون مدير الوكالة بالفصل عن الخدمة إن هو أباح لنفسه إفشاء سر ذلك التسل. وقد تم بالفعل فصل دك هلمز عن منصبه كمدير للوكالة نتيجة لرفضه التستر على ووتر قيت.

فضيحة ووتر قيت تمثل درساً بالنسبة لفائدة الإستخبارات حيث أن مدير الوكالة دك هلمز قد اُخبر أنه تم القبض على رجل يدعى ماكورد ـ وهو ضابط سابق بالوكالة ـ واربعة آخرين قبضوا متسللين إلى مبنى ووترقيت. إن الوكالة تتابع كل عملائنا السابقين بدقة وهو أمر تتبعه الوكالة مع كل عملائها.

 

التعليقات

أضف تعليقك