مناهج المعرفة ومجالات التفكير

لكل مجال من مجالات المعرفة منهج لدراسته والبحث فيه. ويختلف المنهج باختلاف المجال المدروس. ويرى بعض العلماء أن المنهج هو الذي يحدد موضوع البحث. فالمنهج الاستقرائي التجريبي مجاله الظواهر المشاهدة، والمنهج الاستنباطي الصوري مجاله الرياضيات والميتافيزيقا. ويرى البعض الآخر من العلماء أن موضوع البحث هو الذي يحدد المنهج الواجب اتباعه بمعنى استحالة استخدام المنهج الاستقرائي التجريبي في الميتافيزيقا. أما ما يتعلق بالمجال أو الموضوعات والقضايا التي يعالجها كل منهج فهناك تداخل بين الموضوعات فقضايا الفلسفة مثلا تدخل في الدين والميتافيزيقا ومصادر المعرفة.

التفكير العلمي (المنهج العلمي وخصائصه)

يطلق مصطلح (تفكير علمي) إذا أريد مدح التفكير كما أصبح مصطلح (تفكير غير علمي) لفظ ذم أو استهانة بالتفكير. ولكننا نعتقد أن استخدام كلا المصطلحين بهذه الطريقة ليس دقيقا، ولتأكيد هذا القول فإن علينا أن نميز بين ثلاثة مفاهيم :

العلم: SCIENCE

وهو يشير الى مجال المعرفة الذي قوامه المنهج الاستقرائي التجريبي الذي يدرس الظواهر المحسوسة.

اللاعلم NON-SCIENCE

يشير الى مجال المعرفة الذي قوامه المنهج الاستنباطي الصوري مثل الفنون والآداب وماوراء الطبيعة، وعند بعض الفلاسفة يشمل الانسانيات HUMANITIES . ووفق هذه التيارات الفلسفية فإن الظواهر الاجتماعية لا يمكن اخضاعها للدراسة العلمية الموضوعية (بالمعنى الوضعي لمصطلح علم الذي شرحناه آنفا). أما اللاعلم فإنه ـ وإن لم يكن بوسعه أن يقف ندا من ناحية الموضوعية والدقة والحيدة للعلوم التجريبية ـ  إلا أنه يتمتع بالكثير من الاحترام. ولا يستخدم تعبير اللاعلم لفظ ذم في حقيقة أمره بل هو محض لفظ يستخدم للتمييز بين ما يقع في دائرة العلوم التجريبية الوضعية من جهة وتلك المجالات التي لا يصلح المنهج الاستقرائي التجريبي في دراستها لأنها تقع خارج دائرة الظواهر الحسية وبذلك لا يمكن ملاحظتها. وبالتالي لا يصلح المنهج الاستقرائي لدراستها وكشف حقيقتها.

ما هو ضد العلم ANTI-SCIENCE

يدل على أشكال النشاط التي تتنافى مع منطق العقل عموما كالشعوذة والدجل. وهى أمور لا تتنافى مع العلم وحده بل تتناقض مع الدين والفلسفة. هناك خطأ كبير يقع فيه البعض حين يقصرون الأنموذج الصحيح للمعرفة على المنهج العلمي فقط مستندين على النجاح الذي أحرزته المعرفة العلمية وبذلك يصادرون كل أنماط المعارف التي لا تنتمي الى هذا المجال. وهذا هو ما سقطت فيه الوضعية المنطقية المعاصرة التي استخدمت مبدأ (التحقق) لا للتمييز فقط بين العلم واللاعلم بل بين ماله معنى (العلم) وما ليس له معنى وهذا الأخير يضم كل ما هو خارج دائرة العلم التجريبي.

 

مناهج المعرفة

المنهج الأرسطي

تعد نظرية أرسطو في المعرفة تمهيداً لنظريته في العلم الذي يتجه لادراك التصورات الكلية وقد سلك في ذلك طرقاً متعددة أهمها الاستدلال (السولوتيزم) أو القياس الذي يتجه للوصول الى نتائج يقينية ترتبط بمقدمات يقينية. وقد سمى أرسطو الحجة السولوتزمية بالحجة العلمية. ولنا أى معرفة تكتسب عن طريقها هى معرفة علمية طالما أنها تبدأ بمقدمات يقينية أى:

مقدمات يقينية + حجة علمية = معرفة مكتسبة يقينية

الأوليات عند أرسطو تسمى علوماً متعارفة مثل قانون الذاتية والثالث المرفوع وقانون التناقض. وهى عادة لا تدخل في القياس بل يتمشى القياس بموجبها دون ذكرها أى أنها مقدمات بالقوة لا بالفعل وهى ليست غريزية في العقل ولكن العقل يكتسبها بالحدس فتبدو كالغريزية فإذا ما أرجعنا معرفتنا العلمية (اليقينية) الى الوراء نجدها تأتي عن طريق منهج الاستنباط. هذه العلوم المتعارفة التي تحدث عنها أرسطو تعتبر هى بداية المعرفة.

يطرأ هنا السؤال كيف نصل الى المقدمات؟

من وجهة نظر أرسطو نصل الى المقدمات عن طريق البداهة والاستقراء ولكن ليس الاستقراء الاحصائي وانما الاستقراء الحدسي من خلال رؤية الأشياء ثم القفز بأحكام عامة بالبديهة الى قانون يحكم الأشياء وهذا القانون هو القانون الأول ويبدأ بالتجربة.

يفترض أرسطو أن هناك ملكة خاصة بالإنسان جعلته يقفز بالأحكام من جزء الى كل فالمعرفة العلمية عنده تبدأ بالتجربة وتمر بالاستقراء الحدسي الى قوانين عامة أولية مفسرة ثم منها نستنبط وقائع أخرى بالملاحظة. فمنهج أرسطو استقرائي حدسي استنباطي. ويدل على أن البحث في العلوم الطبيعية يبدأ بالملاحظة وينتهي بها. ولا يختلف الاستقراء عن القياس عند أرسطو لأن كليهما يبحث في الارتباط بين الجزئي والكلي. والقياس عند أرسطو هو الاستدلال الذي يثبت نتيجة تلزم مقدمات وشرطه أن يقوم على ثلاثة حدود هى الحدان الأصغر والأكبر ويرتبطان بالحد الأوسط. مثال:

كل إنسان فان           (حد أكبر)

سقراط إنسان            (حد أوسط)

إذن سقراط فان                   (حد أصغر)

والاستقراء الأرسطي هو نسبة الحد الأكبر الى الحد الأوسط بواسطة الحد الأصغر وهذا النوع من القياس يفيد في الحصول على مقدمات أولية مباشرة.

والمعرفة التي نحصل عليها بالاستقراء نستدل عليها من معرفة سابقة ويتضح ذلك من النظر لأنواع المعرفة المختلفة والعلوم الرياضية والنظريات الأخرى التي نحصل عليها بالقياس والاستقراء. وهذا ن الطريقان يستخدمان معرفة سابقة لتقديم معرفة جديدة فالقياس يقتضي التسليم بمقدمات ويوضح أن الكلي متضمن في الجزئي ولكى يكون القياس يقينيا يجب أن تكون مقدماته يقينية أى بحاجة الى برهان.

والاستقراء عند أرسطو ليس مجرد تعميم ننتقل فيه من معرفة الجزئيات الى معرفة الكليات انما هو طريقة لاثبات المعرفة يتلخص في اثبات صدق قضية كلية يذكر أمثلتها الجزئية التي تؤكد صدقها. لذا فالاستقراء عند ارسطو ينقسم الى نوعين:

استقراء تام: يحصي الأمثلة الجزئية للقضية الكلية.

استقراء ناقص.

والاستقراء عند أرسطو لا يكون منهجا علميا الا اذا كان استدلالا احصائيا ينطوي على الضرورة واليقين. ومقدمات القياس الاستقرائي لا يمكن ملاحظتها بالتجربة الحسية المباشرة لأن الجزئيات التي يحصرها أرسطو ليست الأفراد بل الأنواع (الانسان، الحصان، البغل) وليست (عمرو وزيد في الانسان ولا أفراد الحصان) ولأن الخطوة الأولى لمعرفة الجزئيات لا تأتي بالمشاهدة الحسية بل من تعريف الانسان وهذه معرفة تفترض حدسا عقليا وهى معرفة ضرورية لأنها تستند على الحدس الذي يجعلنا ندرك الكلي من خلال ادراك الجزئيات المحسوسة وهذا الانتقال من الجزئي الى الكلي يعتبر نوعا من التعميم أساسه الحدس العقلي.

فالمعرفة التي تتعلق بالجزئي تفيدنا من وجه واحد هو الصفة المحسوسة لكن اضافة لهذه الصور المحسوسة للجزئي توجد في نفس اللحظة معرفة عقلية مدركة ادراكا مباشرا بالفكرة الكلية التي يندرج المفرد الجزئي فيها. لذا فإن تفسير أرسطو لأي موجود بواسطة العلل الأربع يفترض أن لا يتم الا بتصور ما يمكن أن يصير اليه فيتحول الى وجود بالفعل فكأنما المعرفة العلمية عندما تبدأ بالتجربة تمر باستقراء حدسي الى قوانين عامة أولية ومنها نستنبط وقائع أخرى.

نقد المنهج الأرسطي

تعرض منهج أرسطو لنقد من المحدثين لأنه عقيم لا يساعد في الاكتشاف لذا فهو مجرد تحصيل حاصل. القياس الأرسطي لا يفيد في اكتشاف قضية جديدة لأن النتيجة التي يوضحها تكون متضمنة في المقدمة الكبرى.

تحدث أرسطو عن الاستقراء الذي يبدأ بمعرفة جزئية تنتهي بالتعميم على قضايا كلية لكنه لم يعن به عناية كافية بل عنى بالقياس عناية أكبر لأنه اعتبر القياس هو المنهج السليم الذي يؤدي للمعرفة اليقينية أي أننا ما دمنا نبدأ بمقدمات يقينية فإننا نصل لنتائج يقينية وهذا ما أسماه القياس البرهاني.

أما الاستقراء الذي ننتقل فيه من الأمثلة المشاهدة بالحواس الى نتائج عامة فإن مقدماته ليست واضحة ولا يقينية لأنها مستمدة من الخبرة الحسية. والإدراك الحسي يبين لنا الواقع لكنه لا يفسره ونتائجه ليست يقينية وتتصف بالاحتمال.

المنهج الاستقرائي INDUCTION

يعتبر المنهج الاستقرائي محاولة للبحث عن منهج يتلاءم مع الروح التي سادت العلوم في عهد فرانسيس بيكون حيث حاول بيكون أن يتبناها فخرج الى الناس بمنهجه المنسوب اليه وهو المنهج الاستقرائي الذي عرفه في كتابه “الأورغانون الجديد” وهو ينظر الى العلم على أنه تراكم معرفي عن العالم الطبيعي.

يقوم أساس المنهج الاستقرائي الذي صاغه بيكون على مفهوم المشاهدة OBSERVATION حيث يرتقي الباحث من مستوى المشاهدات الجزئية الى مستوى النظريات والقوانين العامة. ويستخدم في ذلك عدة خطوات هى:

  1. جمع المعلومات: حيث يقوم الباحث بجمع المادة أو المشاهدات التي تقع تحت ملاحظته في التجربة.
  2. تصنيف المعلومات: حيق يقوم الباحث بتصنيف تلك المواد أو المشاهدات التي قام بجمعها في جداول أو قوائم دون أن يلجأ الى افتراضات أو خبرات سابقة.
  3. التعميم: حيق يقوم الباحث بالبحث عن الصفات المشتركة للمواد أو المشاهدات وعزل الحالات التي ليست لها علاقة بالظاهرة وهنا يستطيع التوصل للصفة التي ترتبط دائماً وليس عرضيا بوجود الظاهرة والتي تكشف عن أسبابها وبذا يصل الى قضية كلية أو تعميم علمي.
  4. الاختبار: ويتلخص في اختبار ذلك التعميم والبرهنة على صحته بتطبيقه على حالات مماثلة لكنها جديدة وتحت ظروف جديدة.

نقد المنهج الاستقرائي:

  1. يفترض بيكون في المشاهدة أن تكون موضوعية لا تحكمها خبرات سابقة.. غير أن ذلك لا يمكن فقد يكون لنا تصور مسبق للظاهرة على مرحلة المشاهدة بل ان بعض الأفكار السابقة للتجربة والتي أسماها بيكون الأوهام قد تقود أحيانا لاكتشافات علمية هامة. وحتى التصنيف نجده يقوم على افتراضات سابقة عن خصائص الأشياء المصنفة. إذن ليست هناك مشاهدة موضوعية غير خاضعة لأى افتراض. لأنه دون الافتراضات السابقة أو الضمنية لا يمكن الحكم على شيئين بالتشابه. وخلاصة هذا النقد أن الباحث عند قيامه بالتصنيف انما يقوم بذلك بتطبيق مفاهيم معينة حتى يظهر الاختلاف أو التشابه بين العينات المصنفة وهنا يظهر دور الخيال وأهميته في الكشف العلمي.
  2. أما فيما يتعلق بالتعميم والاختبار فقد بحث العلماء فيها ما يقرب من مائتى سنة وعرفوا هذه المشكلة بمشكلة الاستقراء. فمشكلة البرهان الاستقرائي الأساسية أنه مهما تحرينا فيه التدقيق فإنه يظل قاصرا من الوجهة المنطقية في إعطاء القول الفصل والدليل الحاسم النهائي.

ولتوضيح ذلك نقارن الدليل الاستنباطي والدليل الاستقرائي فقد وجد الفلاسفة في البرهان الاستنباطي نوعا من البرهان الدائري لأن النتيجة متضمنة في المقدمات لذا فهو لا يضيف لنا شيئا أكثر مما هو موجود في المقدمات لذا فهو لا يصلح في مجال العلوم الطبيعية فيستعاض عنه بالبرهان الاستقرائي الذي يقودنا الى معلومات جديدة لم تكن متضمنة في المقدمات. لكن المشكلة هى أنه طالما كانت النتيجة المتحصلة بالاستقراء تقول أكثر مما شاهدناه في المقدمات فكيف نضمن الحالات التي لم نشاهدها بأنها ستكون مماثلة لحالة المشاهدة والاجابة هى أنه من الصعوبة ضمان ذلك لأن المستقبل يختلف عن الماضي الذي استندت اليه مشاهدتنا وهذه المشكلة التي سميت بمشكلة الاستقراء.

لقد أشار كثير من الفلاسفة لمشكلة الاستقراء أولهم هيوم ورسل ثم الوضعيون وأخيرا كارل بوبر. وقد لخص رسل مشكلة الاستقراء في كتابه PROBLEM OF PHILOSOPHY فأوضح أن التعميم المتحصل بواسطة الاستقراء يشمل عددا من الحالات التي سنشاهدها مستقبلا بيد أنه يكون مستندا الى عدد محدود من المشاهدات التي شاهدناها في الماضي. إذن لا يمكننا منطقيا حصر حالات التعميم الاستقرائي مما يجعله غير يقيني النتائج بل تكون نتائجه احتمالية.

لكن ماذا لو أسندنا التعميم الاستقرائي لقانون أشمل وأعم؟

يرى رسل أننا لو أسندناه لقانون أعم مثل قانون الانتظام في الطبيعة UNIFORMITY OF NATURE فإن ذلك سيكون مفيدا لأن قانون الانتظام في الطبيعة نفسه تعميم استقرائي لأنه جاء نتيجة مشاهدات لسير قوانين الطبيعة في الماضي بأنها تسير على وتيرة واحدة. وهكذا ظلت مشكلة الاستقراء غصة في حلق الفلاسفة لكونها غير قابلة للحل الحاسم والنهائي. وبالاضافة لما ذكره رسل وهيوم اضاف الفيلسوف المعاصر نلسون قودمان قضية أخرى ترتبط بالاستقراء وهى عدم قدرتنا على معرفة كيفية الانتقال من الماضي الى المستقبل لأن الانتقال يعتمد على التصورات والتصنيف لذا فإن الأشياء التي قد يصنفها فرد بطريقة معينة قد تختلف عن طريقة شخص آخر. وبهذا أضاف لنا نلسون قودمان مقدمات حجة جديدة يبين بها ضعف المنهج الاستقرائي.

منهج التكذيب FALSIFICATION لكارل بوبر

ذكر كارل بوبر KARL POPPER أنه في شبابه المبكر لاحظ اختلافا كبيرا في النظريات العلمية التي كانت سائدة آنذاك. فلاحظ مثلا تعارضا واضحا بين نظرية اينشتاين والماركسية والتحليل النفسي. فقد اعتقد اينشتاين أن مسار الضوء ليس مستقيما في كل الحالات فإذا صادف جسما أو كتلة في طريقه فإنه سينحني ولم يتأكد من هذا القول ويبرهن عليه إلا في عام 1919م حين كان هناك خسوف للشمس ثم ملاحظة ضوء النجم حين يقترب من الشمس غير أن اينشتاين كان سيترك نظريته ويرفضها اذا ما أثبتت التجربة عدم صحتها.

وفي الجانب الآخر فإن الماركسيين والتحليليين كانوا يبحثون دائما عما يدعم نظريتهم ويرفضون الحالات التي تتناقض مع نظرياتهم وهى الطريقة المعروفة بنظرية التكذيب والتي هى عبارة عن نظرية تفصل العلم مما هو غير علمي. فالعلماء يبحثون دائما عما يكذب أو يعارض نظرياتهم حتى يستطيعوا أن يجدوا لها قبولا. لكن النظريات غير العلمية لا يبحث أصحابها عن الأشياء المناقضة لها. مثلا نظرية كبلر KEPLER التي تقول ان مدارات الكواكب بيضاوية لا يمكن برهنتها بصورة قاطعة ونهائية لعدم استطاعة مشاهدة كل الكواكب والمهم في عدم قدرة المشاهدة هذه يتمثل في أنه يؤدي الى رفض النظرية اذا ما وجدت حالة واحدة من الكواكب تكذب تعميم النظرية.

والسؤال الآن هو: هل يمكن رفض النظريات بالطريقة التي اقترحها بوبر هذه؟

لقد دعانا بوبر الى رفض أية نظرية اذا ما ظهرت حالة واحدة مضادة تكذب النظرية أو تناقضها. مثلا قانون نيوتن الثالث في حركة الأجسام القائل بأن: (لكل فعل رد فعل يعادله تماما) افترض أننا عند التحقق من حالة هذا القانون صادفتنا حالة واحدة لا تتفق معه فهل يعد هذا سببا كافيا لرفض قانون نيوتن في الحركة؟

أولا: إن رفض أية نظرية كانت يجب ربطه بمشاهدة معينة ومحددة.

ثانيا: يجب أن تكون الظاهرة التي قادت الى رفض النظرية قابلة للاعادة مثلها مثل الحالات المؤيدة.

فرفض النظرية إذن عملية ليست بهذه البساطة التي تصورها بوبر.. ولنأخذ هذا المثال:

كل البجع أبيض

روزا بجعة

إذاً روزا لونها أبيض

لكن افترض أننا وجدنا بجعة سوداء في استراليا مثلا فهل هذه الحالة كافية لرفض التعميم القائل “كل البجع أبيض”؟ يقول بوبر: إن هذه الحالة الواحدة للبجعة السوداء كافية لعدم تعميم القول.

يرى بعض الفلاسفة الذين انتقدوا مبدأ بوبر المسمى بمبدأ التكذيب أنه قد بسط الأمر كثيرا لأن تكذيب القانون يجب أن يبنى على تواتر حالات كثيرة تكذب القانون وليس حالة واحدة فقط أى يجب أن تكون الحالة المضادة قابلة للتكرار.. ثم لماذا لا ندقق في الحالة التي يبدو أنها تناقض التعميم أو القانون؟ لأن وجود بجعة سوداء ربما يرجع الى مرض طاريء أصاب تلك البجعة و ربما كان ذلك الطائر الذي رأيناه يشبه البجع ولكنه ليس بجعة.

ومن أشهر الفلاسفة الذين عارضوا آراء بوبر الفيلسوف توماس كن THOMAS KUHN الذي لاحظ أن النظرية العلمية يجب ألا تترك على ضوء الحالات المناقضة وقد طرك آراءه في كتابه STRUCTURE OF SCIENTIFIC REVOLUTION وخلاصة آرائه أن العلم لم يتقدم الا أن ممارسات العلماء كانت متمثلة في البحث لحل بعض المشاكل التي نشأت في وجود بعض الظواهر الطبيعية التي استعصت على التعليل في ضوء النظريات والقوانين المتاحة لكن البحث عن حلول لمشاكل بعض النظريات لا يقود لرفض النظريات المتعارضة مع الظواهر فالنظرية قد تفشل في تفسير ظاهرة ما أو جملة ظواهر لكنها قد تكون مفيدة في تعليل كثير من الظواهر الأخرى بصورة جيدة. إنه يبدو أمرا غير معقول أن يرفض العلماء نظرية أو نموذجا مفيداً لأن بعض الظواهر الأخرى لا يمكن تفسيرها خلال هذا النموذج.

إذا عدنا الى تاريخ العلم ونظريات نيوتن في الحركة نجد أن النموذج الذي فسر به نيوتن حركة الأجسام والأجرام السماوية أثبت فاعلية كبرى. أما في حالة المادة وذراتها وجزئياتها فلم يصلح نموذج نيوتن مما استدعى اكتشافه نظرية أخرى هى النسبية وهى تعديل لنموذج نيوتن ليمكنه من تعليل أكبر قدر من الظواهر. غير أن هذا لم يؤد الى رفض نظرية نيوتن لمجرد مواجهتها ظواهر مضادة مثلما يرى بوبر. والخلاصة هى أن فلسفة كن العلمية كشفت أهمية ما يعرف بالنموذج وهو هيكل أساسي يسود في حقبة وزمان محدد يساعد العلماء في معرفة العالم.

مبدأ التحقق PRINCIPLE OF VERIFIABILITY

يعتبر مبدا التحقق بمثابة حجر الزاوية الذي تقوم عليه الوضعية المنطقية. ولذا فنحتاج الى تعريف الوضعية المنطقية قبل الحديث عن مبدأ التحقق.

الوضعية المنطقية:

يطلق لفظ الوضعية المنطقية LOGICAL POSITIVISM في الفلسفة المعاصرة على الوضعية في ثوبها المعاصر. والإشارة هنا الى حلقة فينا VIENNA CIRCLE التي ظهرت سنة 1929م كما يطلق عليها اسم التجريبية المنطقية LOGICAL EMPRICISM ولفظ التجربة هنا يشير الى التجربة الحسية فالقضايا في نظرهم لا تكون ذات معنى الا اذا كان ما تشير اليه يمكن ادراكه بالتجربة الحسية. وقد ضمنت الوضعية المنطقية باديء الأمر تعاليمها الجديدة في كتاب ظهر سنة 1929 بعنوان “التصور العلمي للعالم كما تراه فينا”  وقد كان الهاجس الأول للوضعية المنطقية هو انشاء فلسفة علمية وتحري الدقة في التعبير عن طريق التحليل المنطقي للألفاظ والمقولات. غير أنهم انصرفوا عن هذا الهدف وتحولوا عنه الى تحطيم الميتافيزيقا. وقد ارتبطت الوضعية المنطقية بأسماء كل من موريس شليك SCHLICK وستيفنسن STEVENSON وألفريد آير AYRE ورودلف كارناب CARNAP .

 

مبدأ التحقق:

يمكن صياغة مبدأ التحقق على النحو التالي:

” لاتكون القضية ذات معنى الا اذا تحققت صحتها تجريبيا. وقضايا العلم الطبيعي من جهة والمنطق والرياضيات من جهة أخرى هى وحدها ذات قيمة ومعنى. وقيمة صدق القضية هى امكانية التحقق بالتجربة لمعرفة ما إذا كانت صادقة أو كاذبة”.

ولكارناب مساهمة أساسية في تحليل التركيبات اللغوية يظهر فيها واضحا في تصوره للقضايا التحليلية والقضايا التركيبية. وهذا التقسيم يمثل أساس مبدأ التحقق وبذا يتضح بأن الوضعيين المنطقيين يميزون بين نوعين من القضايا هما:

  1. القضايا التركيبية SYNTHETIC

تشمل كل القضايا التي يمكن التحقق من صدقها وكذبها تجريبياً وهى التي تكون وصفاً لواقعة خارجية. ووفقاً لمبدأ التحقق الوضعي المنطقي فإن الشرط المطلوب لكون القضية ذات معنى لا يكمن في صدقها انما في امكانية التحقق منها بواسطة التجربة الحسية لمعرفة ما اذا كانت صادقة أو كاذبة. وهذه القضايا التجريبية هى ما نواجهه في مجال العلوم الطبيعية وقد جعل الوضعيون المنطقيون من المعرفة العلمية مثالا يحتذى للمعرفة الحقيقية وقبلوا منهج العلوم الطبيعية لأنها تركيبة تعمل على زيادة معارفنا العلمية وهى وحدها التي تعنى بمتطلبات مبدأ التحقق الذي يقول به الوضعيون المنطقيون.

  1. القضايا التحليلية ANALYTIC

هى التي لا تصف واقعة خارجية وتشمل القضايا التي لا سبيل للتحقق منها تجريبيا إلا معرفة مدى صدقها وكذبها بواسطة التجربة الحسية. غير أنها لا تحذف من مجال ما له معنى. وهذه القضايا التحليلية تمثل ما نواجهه في مجال المنطق والرياضيات. أما فيما يخص صدقها وكذبها فإنه أمر يتحقق بالعقل وليس بالتجربة.

وهناك نوع آخر من القضايا تخرج عن إطار العلم التجريبي وهى ليست بالتركيبية أو التحليلية وتضم كل ما تقرره الميتافيزيقا والأخلاق والجمال لذا فهى لا تدخل في دائرة ما له معنى. ويشير الوضعيون المنطقيون إلى أنها ليست قضايا اذ ليس لها مدلول حقيقي لذا فهى خلو من المعنى في نظرهم.

إن ما كان يشغل بال الوضعيين المنطقيين هو محاولة وضع حد فاصل بين ما له معنى وما هو خال من المعنى وموقفهم هذا لا يخلو من تطرف واضح اذا ما قارناه مع موقف كانط من الميتافيزيقا حيث تحدث عن حدود العقل الانساني وعدم قدرته على إدراك ما هو متجاوز لعالم الظواهر وهذا لم يجعله يقول بأن القضايا التي توصل اليها الميتافيزيقا خالية من المعنى بل قال انها تقع خارج دائرة العقل الانساني . وهذا موقف يختلف عن الوضعيين الذين قالوا بحذفها من دائرة ما له معنى ووقفوا موقف المنكر الرافض لكل ما هو خارج اطار العلم الطبيعي والمنطق والعلوم الرياضية وهذا الموقف نجده واضحا لدى كارناب الذي يراها عقبة في سبيل تطور العلم.

  1. اشتهرت الوضعية المنطقية بتعظيم العلوم الموضوعية لذا حصرت المعرفة في مجال العلوم الطبيعية والحقائق المشاهدة المرتبطة بالتجربة الحسية.
  2. يقود مبدأ التحقق الوضعي المنطقي لمصادرة كل القضايا الأخرى خارج العلوم التجريبية والرياضية والمنطق فهو يهدف الى هدم الميتافيزيقا لذا جاءت خطورته على قيم الأخلاق ونظرية القيم والمعرفة الفلسفية.

المنهج العلمي التجريبي

يستخدم بغية التوصل الى القوانين المفسرة للظواهر الحسية التي يدرسها ومن خلال القوانين يتم التفسير الذي هو غاية العلم ومن بعد التنبؤ استنادا على تلك القوانين.

الهدف الأساسي للعلم هو البحث عن الحقيقة، حقيقة الظواهر الحسية التي تتمثل في اكتشاف القوانين التي تفسر تلك الظواهر. ويعقب التفسير التنبؤ أو يسير معه جنباً الى جنب. لكن إذا كان هدف العلم التجريبي هو الفهم فإن ثمة جانبا آخر يترتب على اكتشاف تلك القوانين اذ أن القوانين المكتشفة لا تلبث عند تطبيقها أن تمنحنا ثمارا محسوسة هى بمثابة شهادة الصدق أو الدليل على صحة المنهج المتبع.

المعرفة العادية

وهى في مقابل المعرفة العلمية وهى ذاك النوع من المعرفة الذي لا يلتزم منهجا بعينه في تحصيله كما ليس له مجال بعينه وهو يمثل مجموع المعارف التي يحصل عليها الانسان من بيئته سماعا أو تلقينا ويتم قبولها في أكثر الأحيان دون تساؤل عن صحتها أو مصدرها وهو لا يهم الدارس الا بالقدر الذي يستخدم فيه لمعرفة أنماط التفكير في مجتمع بعينه من المجتمعات.

هذا النمط من المعرفة يطلق عليه اسم المعرفة الوضعية أو العلم الوضعي.

المعرفة العلمية بطبيعتها معرفة جزئية أى يتناول كل فرع منها جزءا بعينه من الواقع فالكيمياء تتناول تركيب المادة والفلك يتناول حركات الأجرام السماوية. وهى تتحرك من الجزئي والوقائع الى القوانين العامة.

المعرفة العلمية لا تمنح تصورا شاملا للوجود في مجموعه كما هو الحال في الفلسفة.

أما موضوعات المعرفة العلمية التجريبية فهى:

  1. الطبيعة الصماء: مثل الفيزياء والكيمياء .
  2. الكائنات الحية: مثل الفسيولوجي والطب وغيرها.

أما الانسانيات كعلم الاجتماع والعلوم السياسية وعلم الأخلاق وكل علوم ظاهرة السلوك الانساني فقد حاولت اتباع المنهج التجريبي الاستقرائي وقد اصابت شيئا من النجاح إلا أنها لم تبلغ درجة العلوم الطبيعية وذلك لأن خصائصها تختلف عن خصائص المعرفة التجريبية العلمية حيث يصعب التحرر من المؤثرات الآيديولوجية أو الثقافية أو العرفية وبذلك فإن المنهج التجريبي لا يصلح في شكل الكامل الا في اطار العلوم الوضعية.

خصائص المعرفة العلمية:

  1. إن دعامة التفكير العلمي هو ما يعرف بالمنهج الاستقرائي التجريبي. وموضوع دراسته هو الظواهر المحسوسة ويستند اساسا على الملاحظة والتجريب OBSERVATION AND EXPERIMENTATION والملاحظة لا تعني محض جمع المعلومات وتكديس الاحصاءات فذلك التجميع يجعل منهم كما يرى فرانسيس بيكون طائفة من النمل تخزن مخزونها دون أن تقيم منه شيئا أما العلماء التجريبيون الحقيقيون فهم كالنحل يمتص الرحيق ليصنع منه عسلا.

وقد حاول بيكون بمنهجه احلال منهج جديد محل المنهج الأرسطوطاليسي القديم الذي يقوم على القياس المنطقي باعتباره المنهج العلمي الوحيد آنذاك للخصول على المعرفة والذي يقوم على استنباط النتائج من المقدمات المفترضة وتلك المقدمات نفسها عبارة عن تعميمات متسرعةمأخوذة من التجربة أو مقبولة دون تدبر من فلسفة أرسطو أو أى سلطة فكرية أخرى دون بذل عناء لاعادة النظر فيها أو فحصها للتيقن من صدقها أو كذبها حيث غدت بمثابة المسلمات.

كان بيكون يرمي ليس الى انكار المباديء الأولى AXIOMS ولكن الى اعادة النظر في الكثير منها بواسطة اخضاعها للتجربة والملاحظة بمعنى أن يتعلم الباحث من كتاب الطبيعة المفتوح والذي لا يحصر نفسه في اطار التعريفات اللفظية اضافة الى أن الاكتشاف العلمي والبحث العلمي ليس نشاطا معزولا فلابد من التعاون بين الباحثين وذلك يقتضي تجميعا منظما للحقائق وحفظا لتلك الحقائق المكتشفة.

وكان كثيرا ما يتم التعارض بين الاستقراء INDUCTION من جهة والقياس المنطقي من جهة أخرى فالاستقراء ينطلق من الحالات الفردية (الخاص) ليتوصل الى قانون عام أما القياس فإنه ينطلق من (العام) ليثبت الخاص أو الجزئي وكان بيكون يرغب في الوصول الى منهج جديد يقف جنبا الى جنب مع القياس فأطلق على منهجه الاستقراء. فالاستقراء وفق هذا التصور ينطلق من الحقائق FACTS وليس من الافتراضات ASSUMPTIONS وبذلك نجح بيكون في نقل التفكير العلمي من مجال التأمل المحض الى مجال الملاحظة والتجريب والحقائق العينية.

 

الفرق بين الملاحظة والتجريب:

  1. ليس بالضرورة أن تكون الملاحظة أمرا قصديا وذلك على عكس التجريب الذي يقوم به العالم عن قصد وباعداد خاص ومسبق.
  2. هناك من العلوم ما لا سبيل أمام العالم لاجراء تجارب حول وقائعها وبالتالي يكتفي بمحض الملاحظة.
  3. من خصائص المعرفة العلمية أيضا الانطلاق من الجزئي للوصول الى القوانين العامة وهذا هو جوهر الاستقراء وبالتالي فإن المعرفة لا يمكن أن تكون يقينية وذلك على خلاف المعرفة الاستنباطية الصورية في مجال العلوم الرياضية حيث الانطلاق من مسلمات يقينية تقود الى نتيجة يقينية وبذا يمكننا القول ان العالم التجريبي بوسعه استخدام المنهج الاستنباطي بعد التيقن من المسلمات.
  4. من مقومات المنهج العلمي ما يعرف بقانون العلية العام. إن اطراد الحوادث (ونعرفه من خلال المشاهدة) يشير الى افتراض متضمن بأن هناك ثمة حتمية DETERMINISM تربط بين الوقائع أو ظواهر الطبيعة. وهنا يأتي أحد الجوانب الهامة في العلم وهو القدرة على التنبؤ فإذا كان الافتراض هو:( عند توفر العلل أو الأسباب فلا بد أن تحدث النتيجة) فإن هذا يمكن العالم من معرفة وقوع النتيجة متى توفرت عللها وأسبابها.
  5. الدقة في التفكير والتعبير فلا مجال لاستخدام ألفاظ أو لغة تحتمل أكثر من مدلول فالخطاب العلمي هو خطاب وصفي DESCRIPTIVE لا يحتمل وصف أو تقديم الرؤى الخاصة ومن هنا جاء وصف الخطاب العلمي بأنه موضوعي OBJECTIVE على حين أعدت أنماط التفكير أو الخطاب الأخرى بأنها تحتوي العنصر الذاتي SUBJECTIVE
  6. التزام الحيدة التامة تجاه الموضوع المدروس فلا نأتي اليه بتصورات أو رؤى مسبقة ولا نحاول التمسك بعماء بهذا الرأى أو ذاك اذا ثبت عدم صدقه وذلك يقتضي التحرر من القناعات الشخصية والمؤثرات العقائدية أو الآيديولوجية أو الثقافية فما يهمه هو الوصول الى الحقيقة.

التعليقات

أضف تعليقك