بسم الله الرحمن الرحيم

مركز الدراسات الإستراتيجية

المنتدى الإستراتيجي الأول

ندوة

العلاقات السودانية المصرية

   الإثنين 4 رجب 1413هـ  28/12/1992م

قاعة الصداقة ـــــــ الخرطوم

متحدثون:

بدر الديـن سليمــــان

د. عبد اللطيف البوني

د. التجاني عبد القادر

مهـدي إبراهيم محمـد

أحمــد عبد الحليـــــم

أدار الندوة:

فريق (م) السر محمد أحمد.

رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية

 

بدر الدين سليمان:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله الأمين.

أيها المستمعون  الكرام:

هذا حديث بسيط أود أن أفتتح به هذه الندوة. حديثي عن العلاقات السودانية المصرية من منظور الإستراتيجية وبمقدمة تاريخية مقتضبة.

أولا:  نقرر وبغير عاطفية أن الجغرافيا والتاريخ تضافرا على مر العصور على خلق الأسس المتينة لوحدة شبه جغرافية، ووحدة إثنية، ووحدة ثقافية في وادي النيل. ولا غرابة إذا كانت الروابط الحضارية بين البلدين السودان ومصر تذهب إلى أمد بعيد في التاريخ، فقد كانت حضارة مصر القديمة مصدر إشعاع قوي في كل وادي النيل، كما أن البحوث والحفريات الجديدة كشفت عن حضارات مزدهرة في جنوب وادي النيل، وعلى الأخص في حوضه الأوسط. وكشفت أن هذه الحضارات ليست محض امتداد للحضارات في شمال الوادي، كما كان الظن سابقاً. لقد ازدهرت ممالك قوية امتد نفوذها حتى الخرطوم، وشرقاً حتى الحدود الأثيوبية، كما نعرف ممالك نبتة وأمارات مروي. يثبت التاريخ أنه كلما حاق الضعف والإنحلال بمصر، تقهقرت الأسر المالكة، وتقهقر الأمراء والكهنة، يطلبون الملاذ في جنوب الوادي. ويسجل التاريخ ملاحم خالدة، هبت فيها ممالك من جنوب الوادي، هبت إلى الشمال تطرد الغزاة والمحتلين من شمال الوادي، وتنشر القوة والبعث والإزدهار.  ولنقرأ في إجلال لوحة الملك بعانخي في جبل البركل المقدس، حذَّر فيها الملك بعانخي جيشه من المساس بمعابد الآلهة المقدسة، وأمرهم أن يحيطوها بالإجلال والتعظيم، وأمرهم أن يدخلوا طيبة المقدسة خاشعين مبتهلين. وكلنا نعرف زحف الملك ترهاقا، حيث خلص شمال الوادي من قبضة الآشوريين. ويثبت التاريخ أيضا ظاهرة هامة وهي أنه كلما فقدت مصر استقلالها أو أجبرت على الإندماج في أمبراطوريات أكبر منها كالأمبراطورية الرومانية أو الإمبراطورية الفارسية، كانت تضمحل العلاقات بين البلدين حتى تثوب مصر لرشدها ولنفسها وتستعيد كيانها  فتزدهر الروابط من جديد.

هذا ما كان من شأن التاريخ القديم. ويذكر السودانيون سنوات طويلة من المهانة تحت حكم ولاة محمد علي بعد غزو السودان سنة 1821. ولاة محمد علي الشراكسة والأرناؤوط وحلفائهم الأوربيين حتى وفاق 1899م. وفي هذا الوفاق اعترفت بريطانيا بحق السيادة على مصر، أي اعترفت بالدعاوى الخديوية للسيادة على السودان، والتي كانت تُستمد من حق الفتح، أو من الفرمانات العثمانية، أو كما يزعمون بحق العمران. وفاق 1899 اعترف بالسيادة المصرية على السودان، ولكنه في الواقع كانت كلا مصر والسودان تحت قبضة الإحتلال. منذ ذلك التاريخ عملت بريطانيا ما وسعها لتفكيك الصلات في وادي النيل. عزلت السودان من مصر، وعزلت شمال السودان من جنوب السودان، وعملت كل ما في وسعها لعرقلة الصلات الثقافية والتاريخية والتجارية بين البلدين. جعلوا جنوب السودان منطقة مغلقة أمام المؤثرات الثقافية العربية والإسلامية. وانتهزت الحكومة البريطانية مقتل السير لي ستاك سردار الجيش المصري في القاهرة  وقوضت آخر ما تبقى من علاقات بين البلدين. في تلك الأيام بلغت المهانة بمصر ـ قبل ذلك وبعده ـ بلغت المهانة بمصر أن أدمج منصب الحاكم العام في السودان  في منصب القائد العام للجيش المصري، فكان قائد الجيش المصري هو حاكم عام السودان، وهو حاكم إنجليزي واحد، وهو ما يسمى بسردار الجيش المصري. وطيلة المفاوضات الطويلة المضنية بين بريطانيا ومصر حول الجلاء وحول قضية السودان كان الموقف المصري التقليدي هو السيادة على السودان والسيطرة على موارد النيل. أما بريطانيا ففي سعيها للإنفراد بالسودان كانت تتذرع بمسئوليتها نحو السودانيين وحقهم في تقرير مصيرهم. وكلنا نذكر قولة صدقي باشا: (جئتكم بالسيادة على السودان) ولكن في مواجهة ذلك كانت القوى الوطنية في مصر تنادي بالكفاح المشترك لإجلاء الإستعمار من وادي النيل بأسره. وتُوِّج هذا العمل وتوج هذا النضال البارز للشعبين بمذكرة مؤتمر الخريجين السوداني في 3 أبريل 1942. في 3 أبريل 1942 رفع مؤتمر الخريجين  مذكرة تاريخية للحاكم العام، حوت اثنى عشر مطلباً سياسياً. كان المطلب الأول فيها وأقرأه لكم: (أن تُصدِر الحكومتان البريطانية والمصرية في أول فرصة سانحة، تصريحاً مشتركاً، يمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير المصير مباشرة، وضمان حرية التعبير مع ضمانات تؤكد للسودانيين حق تكييف علاقاتهم الطبيعية مع مصر في اتفاق خاص بين المصريين والسودانيين) .

وكانت الخطوة التالية هي الثورة المصرية التي تخلت نهائياً عن دعاوى السيادة على السودان، وتوصلت مع السودانيين إلى اتفاق تاريخي هدفه الأساسي هو إنهاء الحكم الثنائي، وتصفية الإدارة البريطانية، ومنح حق تقرير المصير للشعب السوداني. وشاء السودان أن يختار الإستقلال.

هذه مقدمة تاريخية هامة توضح مجال أو مسار العلاقات الطبيعية بين مصر والسودان منذ التاريخ القديم. ومنذ استقلال السودان وحتى الآن مرت العلاقات بين البلدين في معارج كثيرة. والآن لنركز على موقفنا ومنظورنا الإستراتيجي كما وضعته الإستراتيجية الشاملة في العام الماضي.

تُعرِّف استراتيجية السودان في مجال العلاقات الخارجية، تعرف قوى السودان الإستراتيجية بأنها تلك القوى التي تنبع للسودان من عمق انتماءاته التاريخية. فالسودان صورة مصغرة لإفريقيا، أو هو إفريقيا المصغرة، والسودان بلد عربي بالتاريخ وباللسان وبالوجدان. والسودان بلد اسلامي، وهو جزء من كيان إسلامي واسع. وتربطنا بمصر كل هذه الإنتماءات العميقة. وتُحذِّرُنا الإستراتيجية من أن السودان أو سياسة السودان الخارجية ينبغي أن تُستثمر دائما لتقوية هذه الإنتماءات، وألا تسمح للعوارض الطارئة أن تضعف من هذه الصلات والعمق، فقوة السودان الإستراتيجية مستمدة من هذه الروابط. وتدعونا الإستراتيجية ثانياً إلى تبني سياسات الحدود المفتوحة. ونقصد بسياسات الحدود المفتوحة أن نستخدم الحدود المشتركة بين السودان وجيرانه، بدلاً من أن تكون بؤر منازعات وتهريب ومشاكسات تتحول إلى بؤر للمصالح المشتركة، وللإنسجام الثقاف،ي وتجارة الحدود ولتبادل المنافع وللتمازج الحضاري. وتحدثنا على وجه الخصوص عن المنازعات الحدودية. وأوصت الإستراتيجية أن يتم امتصاص مثل هذه التوترات في إطار مناطق للتكامل تسمح بأعمق وأوسع سبل التبادل والتعاون والتعاضد. كل هذا هو وحي الإستراتيجية الشاملة. وهدفها الأساسي ألا تصبح العارضات الظرفية أداةً لقطع الروابط التاريخية الخالدة. وهنالك صفات هامة، ملامح هامة في العلاقات بين السودان ومصر، تفرض نفسها على الذاكرة. السودانيون يذكرون بالإعزاز وقوف القوى الوطنية المصرية والثورة المصرية إلى جانب الكفاح المشترك للبلدين، وتعزيزهما لاستقلال السودان وحقه في تقرير مصيره. والمصريون والقوى المصرية تذكر للسودان مواقف عديدة خلال نفس الحقبة. كلنا نذكر كلمة عبد الناصر: (الخرطوم عاصمة الصمود) فبعد سنوات النكسة كانت الخرطوم هي ملهمة عبد الناصر في الصمود. وكانت الخرطوم هى التي مهدت لتنقية الجو العربي، ولوقف الحرب اليمنية، وللقاء التاريخي الشهير بين عبد الناصر والملك فيصل. كان ذلك موقف السودان. وسارع السودان قبل أية دولة عربية إلى قطع علاقاته السياسية والدبلوماسية كاملة مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا. ونذكر في أعقاب النكسة كيف استضاف السودان الطيران المصري الجريح. كلكم تذكرون قاعدة وادي سيدنا، أخليت من كل الطلاب والسكان والمدينة وجعلت قاعدة جوية مصرية. وتذكرون، ويذكر إخوتنا المصريون كيف استضاف السودان الكلية الحربية المصرية، رحلت من مصر إلى وطنها الثاني السودان. وتذكرون أن في ملحمة السد العالي نسى السودانيون حلفا وأهلها، وقدموها  ضحيةً أمام التحدي أمام الغرب. كل هذه هى مواقف. وتذكرون أيام كامب ديفيد، كيف غامر السودان بكل علاقاته العربية والإسلامية، ووقف مسانداً لمصر وخسر كل عالمه العربي، كل ذلك وقفه السودان بسبب هذا الإنتماء، ليس بسبب أي مصلحة. الكارثة اليوم نتجت من حرب الخليج حيث تمزق العرب، وأصبح البترول العربي وأصبحت قنال السويس، من جديد، عبئاً إستراتيجياً خطيراً على الحياة العربية. وتريد الآن بعض الجهات المشبوهة التي همها هو أن تقطع وحدة العرب، أن تقطع العلاقات السودانية المصرية. تريد أن تستخدم مصر عصاةً لتأديب هذا المتمرد، السودان الذي وقف إلى جانب العراق، السودان الذي وقف إلى جانب لبيبا، السودان الذي وقف إلى جانب الحق العربي، السودان الذي رفض الوصاية على البترول العربي، ورفض أن تصبح المنطقة العربية محميةً أمريكية. يريدون أن يؤدبوه. ويؤدب بماذا؟ بعصا مصرية.. حاشا والله. لن ترضى مصر ولن ترضى العروبة، ولن يرضى الشعب المصري ونحن مصممون أن نعيد للعلاقات العربية وللعلاقات السودانية المصرية ازدهارها وقوَّتها وثباتها. وأشكركم لحسن الإستماع.

د. عبد اللطيف البوني:

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.

أعتقد أني سابدأ  حديثي بمدخل نظري، ثم أدلف للحديث عن الوضع الحاضر. أعتقد أن ما يميز العلاقة بين مصر والسودان أن العلاقة بين هذين البلدين لا يمكن أن تكون علاقة عادية، فإما أن تسير في اتجاه التكامل والتوافق والوحدة، وإما أن تسير  في اتجاه الصراع، بمعنى أنه لا يمكن أن تكون مثلَ العلاقة بين السودان وتشاد،  أو السودان وليبيا، حدود مشتركة، سفارات وتجارة حدود وهكذا. لماذ؟ أعتقد أن الأمر كله يرجع إلى وجود نهر النيل. نتساءل هل نهر النيل هو النهر الوحيد المشترك بين دولتين في العالم؟ بالطبع لا ولكن لهذا النهر خصوصيته. أولاً:  أنه يعبر إقليماً صحراوياً طويلا. ثانياً: أن دول المنبع التي ينبع منها النيل وهى إثيوبيا ويوغندا وكينيا، ليست في حاجة له، بل هذه الدول في حاجة إلى تصريفه. وحتى كثير من أراضي السودان ليست في حاجة كثيرة إلى النيل، مثل غرب السودان، وشرق السودان، ومن باب أولى جنوبه، فلم يبق إلا الإقليم الشمالي، و الإقليم الأوسط (بلغة الجغرافيا). لذلك فإن أي أزمة يجب أن ترجع ولو جزئياً لمسألة مياه النيل. ففي آخر تصريح للسيد طنطاوي وزير الدفاع المصري تكلم عن مشاريع زراعية تهدد الأمن القومي المصري. ولعله يشير إلى أن بعض الدول بدأت أو ستنشيء مشاريع تؤثر على حصة مصر من مياه النيل. ولعله يشير إلى ما سيحدث في ترعتى كنانة والرهد. العلاقة بين مصر والسودان يمكن وبكل سهولة، أو الأصح، أن تتحول إلى علاقة تكاملية ووفاقية، وذلك لوحدة الجغرافيا الطبيعية. فمن السهولة أن تتطابق الجغرافيا السياسية مع الجغرافيا الطبيعية. فهذا النيل سلاحُُ ذو حدين، إما أن يكون أداةً للتكامل، وإما أن يكون أداةً للإحتراب، حسب ما نختار أو ما يختار أيٍ من البلدين أو ما يختار البلدان.

كيف تسير العلاقات في وقتنا الراهن؟ لا أريد أن أرجع الى التاريخ فقد تكلم عنه الأستاذ بدر الدين باستفاضة، وأحصر نفسي في الحاضر. أجيب أن العلاقة  الآن بين البلدين تسير، وللأسف، في اتجاه التأزم وفي اتجاه الصراع. هنالك عوامل كثيرة:

* عوامل محلية أي تخص البلدين مصر  والسودان.

* عوامل إقليمية.

* وعوامل دولية تسهم في تأجيج الصراع الحالي أو في تأجيج التأزم الحالي بين البلدين. أبدأ بالمستوى الدولي. والمعروف أن العالم الآن يشهد نظاماً عالمياً جديداً. ولا أريد الدخول في موضوع النظام العالمي الجديد إلا بما يخدم قضيتنا. فهذا النظام العالمي الجديد، أصبح عالم القطب الواحد. وهو في حالة تبلور ـ لم يتبلور حتى الآن ـ فالكلام عنه كالسير في الرمال المتحركة. ولكن أعتقد أن النظام العالمي الآن يمر  بأصعب سنواته: سنوات الغليان. فالدول الغربية الآن في حالة مزاودة، كل يريد  أن (يُكَبِّر كَومَهُ) أو يأخذ أكبر قسطٍ من الكعكة. وأوضح ما يكون هذا بين الولايات المتحدة وفرنسا، ففي حرب الخليج مثلا تخلت فرنسا عن كل علاقاتها التقليدية مع العرب، تلك العلاقة التي أسسها ديجول ودخلت مع أمريكا في الحرب، وبدأت تزاود. حتى أن طائرات الجاغوار الفرنسية استعملت في  المهام القذرة. في الصومال أعلنت فرنسا صراحة أن الصومال من مناطق وجودها التقليدي، ولا يمكن أن تسمح  بأن تنفرد به أمريكا. ودخلت قواتها وأخذت تشترك في كل المهام الآن في الصومال. اليابان مثلا لا تريد أن تكون متفرجا. دعمت المجهود الحربي في حرب الخليج وأخيراً قطعت معوناتها عن السودان بحجة حقوق الإنسان، تمشياً مع متطلبات النظام الدولي الجديد. مصر أيضا كقوة إقليمية تريد أن يكون لها قسطها في النظام الدولي الجديد، (تكبر كومها) فعملت على التضييق على السودان، الذي رفض توجهات النظام العالمي الجديد.

إقليمياً: حرب الخليج ـ وهذا ما تحدث عنه الأستاذ بدر الدين ـ لها دور كبير في تأجيج التأزم بين البلدين. فالمعروف أن  البلدين وقفا على طرفى نقيض. مصر  اختارت الجانب الذي انتصر ـ على الأقل حتى الآن ـ  والسودان وقف مع الجانب الذي لم ينتصر ـ إذا لم نقل انهزم ـ انطلاقاً من مبادئه. مسألة الخليج ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات المصرية السودانية. فيما يتعلق بالعوامل المحلية التي تثير الصراع بين البلدين أعتقد أنها أضعف حلقة، وهى عوامل يمكن احتواؤها، ويمكن إجمالها في مياه النيل، كما ذكرت، واختلاف التوجهات الحضارية بين البلدين. فالسودان يتخذ سياسته انطلاقاً من مبادئه الإسلامية. ومصر تريد أن تبعد الدين عن السياسة، استقلالية السودان ومحاولته أن يصبح قوة إقليمية مما  يهدد مصر التي تراهن كثيرا على موقفها من السياسة الدولية، كما قال الدكتور مصطفى الفقي رئيس مكتب المعلومات السابق، أن مصر تتفوق بأنها تفهم اللعبة الدولية. كل هذه العوامل التي ذكرتها وغيرها يمكن احتواؤها. مشكلة مياه النيل يمكن احتواؤها بالتكامل، خاصة وأن السودان دعا مصر  للإستثمار والزراعة في الأراضي السودانية، وهذا يمكن أن يكون مدخلاً، فالحكومة السودانية بتوجهها الإسلامي أيضاً، لها جانب وطني، تريد الزراعة والتصنيع. والحكومة المصرية، رغم مناداتها بفصل الدين عن السياسة، ولكننا لا يمكن أن نقول إنها حكومة كافرة، أو حكومة ضد الدين، ففيها جانب ومظهر إسلامي. وهذا ينبع من إسلام الشارع المصري الذي لا تخطئه العين. فمثلاً السياسات الدينية أو اللادينية التي تتخذ في بعض أقطار شمال افريقيا، في تقديري أنها لن تحدث في مصر. وهذا يرجع لمصر ولتكوينها، بمعنى يمكن أن يكون هنالك ـ رغم وجود هذه  الأنظمة في البلدين ـ يمكن أن تكون هناك علاقة تكامل اقتصادي، وتنسيق بين البلدين في كثير من المجالات المتفق عليها، مع التغاضي أو السكوت عن نقاط الإختلاف. وأحسب أن الجغرافيا الطبيعية ـ كما ذكرت ـ تساعد في ذلك، فالسودان بلد زراعي، يمكن أن تستثمر مصر حتى جزءاً من حصتها في مياه النيل في السودان، لأنه معروف كلما اتجه الماء إلى الشمال كلما زادت كمية التبخر. مصر مؤهلة جداً لأن تكون بلداً صناعياً من حيث السكان والعقلية التقنية. يمكن أن تكون مثل اليابان، ويمكن أن تكون مثل كوريا، بدليل صناعة السينما في مصر، وهى صناعة معقدة جداً. فهنا يبرز سؤال لماذا تقدمت مصر في هذا المجال وتركت المجالات الحيوية الأخرى؟ بمعنى آخر يمكن أن تكون هناك دولة وادي النيل المتحدة قياساً على الولايات المتحدة التي جنوبها زراعي وشمالها صناعي. قد يعتبر البعض أن هذا تهويماً، أو خروجاً عن الموضوع، أو خروجاً عن مشاكل اللحظة، ولكننا في إطار معالجة استراتيجية. لذلك ذكرت هذا كشيءٍ بديلٍ للذي يحدث الآن. أعود لأسباب التوتر الحالي. أعتقد أن سببه هو أن مصر مشدودة أكثر للنظام الدولي والإقليمي الجديد، بدليل أنها تبحث بحثاً عن نقاط الخلاف مع السودان. فأثناء حرب الخليج سمعنا عن صواريخ عراقية منصوبة لضرب السد العالي. وعندما زار الرئيس الإيراني رفسنجاني السودان سمعنا عن صواريخ إيرانية لضرب السد العالي. ثم الكلام عن الإرهاب الذي منبعه السودان أو التيار الأصولي الذي في السودان. وأخيراً  معسكرات التدريب لتدريب الأصوليين المصريين، وأخيرا جدا  مسألة حلايب والتصعيد الذي حدث فيها رغم استمرار التفاوض بين البلدين. كذلك تضارب التصريحات المصرية حتى لدى المسئول الواحد فاليوم يقول كلاما وغدا يقول كلاما آخر. أو مسئول يقول تصريحاً يسيء للعلاقة بين البلدين، وهذا يوضح لنا أن مصر Inconsistent حتى في عدائها، أوكأنها تبحث بحثاً عن الخلاف.

لماذا لم ينفجر الموقف بين البلدين؟ أعتقد لأن السودان اتخذ سياسة شعرة معاوية، وهو دائماً الذي يرخي. قد يفسر البعض أن هذا ضعفاً من السودان، أو لاقِبَلَ له بمواجهة مصر، ولكن أعتقد أن التفسير السائد أو المقبول أن للسودان أولوياته، ولا يريد فتح جبهة جديدة أو ينَجَرَّ لأمرٍ هو لم يحدده. الرأي عندي أن موقف السودان الرسمي منطلق من موقف الشعبين. لا أعتقد أن مصرياً واحداً من عامة الشعب  ولا سودانياً واحداً يريد أن تحدث مواجهة بين البلدين. وأعتقد أنه يجب ألا تراهن مصر كثيراً على ضعف أو عزلة السودان، فإذا ما حدثت مواجهة ـ لاسمح الله ـ فسوف يخسر الطرفان. ولتكن لنا العبرة في حرب الخليج الأول،ى التي استمرت ثماني سنوات، بينما كانوا يظنون أنها ستكون ضربة خاطفة لثلاثة أيام على الأكثر، ولا سيما أن مصادر التسليح والمعلومات للفريقين كانت واحدة. يمكن أن تتكرر هذه بصورة أخرى. أقول أيضاً أن زهد حكومة السودان في المواجهة مع مصر أيما كانت الأسباب ينبغي عدم الرهان عليه طويلاً، خاصة وقد بدأنا نسمع أن حدود مصر جنوب خط عرض 22. وقبل ذلك كتب الدكتور عبد الملك عودة في مجلة السياسة الدولية في يونيو 1990 يقترح أن تمتد حدود مصر إلى الشلال الرابع. فمثل هذا الكلام له خطورته، فإذا سكت الناس عن حلايب الآن باعتبار أنها أرض متنازع عليها، فسوف يتساءل الناس لماذا نحارب من يعتدي على أرضنا من جهة أخرى ـ  لا سمح الله ـ لو حصل اعتداء من جانب دولة افريقية أخرى، فهل يمكن للناس أن يسكتوا عليه أم نواجهه؟ وإذا واجهناه فلماذا كان السكوت على العدوان الذي كان من الشمال؟ هل لأنه اعتداء عربي إسلامي؟ العدوان هو العدوان. فكما هو معلوم أن السودان متباين الأعراق والتوجهات والأديان، فنتمنى ألا تخسر مصر هذا الشعب بكل هذه التوجهات. على العموم وفيما يختص بالوضع الحالي ورغم الغليان ورغم الإحساس بمرارة الظلم، لأن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء كما قال المتنبي، أتمنى أن يستمر ضبط النفس وعدم الإثارة أو عدم الإنفعال وأن تستمر حكومة السودان في موقفها الحالي، لأنه في تقديري أن الظروف الدولية والإقليمية متغيرة حتماً، فسنوات قليلة وأتفاءل وأقول شهور قليلة، وسوف يكون المسرح السياسي مختلفاً عما هو عليه الآن. وساعتها ـ إن شاء الله ـ ستعود العلاقات إلى حال أحسن مما كانت عليه من قبل، لأنها لم تكن حسنة في يوم من الأيام، رغم الشحنات العاطفية التي كانت تلحق بها، سرمدية وأزلية  وهكذا. وأعتقد أنه حتى في هذا الظرف الصعب الذي تمر به العلاقة بين البلدين يمكن التفاهم بين البلدين. فمهما قلنا أن مصر مشدودة بالنظام الدولي أو الإقليمي، فمصر أيضاً لها هامشها للمناورة. ومن الخطأ بمكان أن نقول أنها مدفوعة بالغير في كل مواقفها، فأعتقد أن تاريخ مصر وحضارتها وشعبها لا يسمح لها بأن تكون تابعاً في كل شيء. فما يحدث الآن في مسألة حلايب يوضح هذا. فمثلاً رغم الذي سمعناه بأن هناك قوات مصرية دخلت حلايب فإنه لا أثر لهذا  في الإعلام المصري، لم يُكتَب أنه قد حُررت أرض أو عاد الحق إلى أصحابه أو هكذا، وهذا يدل على أن الشعور المصري أو الرأي العام المصري ليس مهيئاً أصلاً لشيء ضد السودان. وأعتقد أن تصريحات الفريق البشير الأخيرة والتي أعقبتها تصريحات اللواء موسى وزير الداخلية، أعتقد أنها إيجابية جداً، توضح أنه يمكن التفاهم رغم كل شيء، ويمكن الخروج بهذه العلاقة من عنق الزجاجة. وشكراً جزيلا.

د. التجاني عبد القادر:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أود في الواقع أن أدخل في هذه الندوة مُدخلاً ربما يكون مكملاً، وليس هو مدخل آخر جداً عن المداخل التي اتخذها المتحدثان قبلي. والمدخل الذي أدخله هو مدخل متأمل ومراقب للعلاقات المصرية السودانية ودارس لها. وبالتأكيد أنا أُؤَمِّنُ على كل ما قيل من العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني، العلاقات التي امتدت منذ زمنٍ طويلٍ جداً في التاريخ، والروابط بين الشعبين. ولكنني كدارسٍ ومراقبٍ أُلاحِظُ أن الأمر لا يسير على ما يرام، ولا على ما ينبغي أن تسير عليه هذه العلاقات. وأود في الواقع، وأنا أحلل هذه العلاقة، أن أحصر كلامي وتحليلي في إطار ما تفعله السلطة النظامية في البلدين.  أحصر كلامي فيما تقوم به الدولة المصرية، وما تقوم به الدولة السودانية، رامياً بذلك أو معتمداً في ذلك على أن مثل هذا التحليل ومثل هذه الدراسة تعمق وتقوي العلاقة بين الشعبين، حتى ولو قادتنا هذه الدراسة إلى بعض الحقائق المريرة جداً، فلا أعتقد أنه من الكياسة أن نُحَلِّيَها من عندنا. إن تكن الحقيقةُ مرةً فلتكن كما هى، ولتُقَل كما هى. ليس من الحكمة أن نختلق لها المحُليات، فإن ذلك لا يفيدها شيئاً ولا يفيد العلاقة بين الشعبين في شيء. فأنا ألاحظ أن الحكومة المصرية، منذ زمن طويل، ربما منذ القرن الماضي، منذ العهد الخديوي في القرن الماضي، لها استراتيجية إزاء السودان (تكادُ) تكون ثابتة. أقول (تكاد) بمعنى أن هنالك بعض الحالات الشاذة. ولكنها في العموم استراتيجية تكاد تكون ثابتة. وهذه الإستراتيجية مبنية على مبررات كثيرة. بعضها مبررات إقتصادية، وبعضها مبررات ديموغرافية، وبعضها مبررات أمنية، وبعضها مبررات نابعة من أيديولوجية وحدوية في بعض الأحيان. لا أود أن أسترسل في هذه المبررات بقدر ما أشير إلى الركائز الأساسية في هذه الإستراتيجية التي تسير عليها الدولة المصرية منذ زمن طويل.

واحدة من هذه الركائز أن الحكومة المصرية تريد في الواقع أن يكون النظام السياسي في السودان أو الحكومة في السودان، رديفاً تابعاً للنظام المصري بصورة من صور التبعية، إما تبعية أيدولوجية، أو تبعية ثقافية، أو تبعية إقتصادية. وإذا تعذرت التبعية الكاملة لأي سبب من الأسباب فإن الحكومة  المصرية تريد أيضا أن ينزلق السودان في حالة من الإضطراب السياسي والإقتصادي، وعدم الإستقرار الأمني فيكون في حالة إعياء سياسي مستمر لا يستطيع أن يقدم ولا يستطيع أن يؤخر في قراراته وفي وجهته وفي استراتيجياته ولا يستطيع حتى أن يرسم استراتيجياته. إذا تعذر هذا الخيار فإنها تود أيضاً  ـ إذا صار السودان غير تابع وإذا صار مستقراً سياسياً فإنها تود أن يكون الخيار الثالث أن يبقى السودان معزولا، فلا يجد جهة يتحالف معها، خاصة إذا كانت هذه الجهة غير مرضي عنها من مصر. هذه ثلاثة مؤشرات تكاد عندي تصبح قواعد ثابتة في السياسة المصرية، منذ عهد الخديوي، حتى عهد الرئيس الحالي محمد حسني مبارك.

يضاف إلى ذلك أمر جديد هو ظهور ثورة الإنقاذ في السودان. ومجرد ظهور هذه الثورة ـ في تقديري ـ وبعد أن استبانت وجهتها واتضحت سياساتها يستطيع كل مراقب أن يتأكد من أنها قد أضعفت، إن لم تكن أبطلت تماماً، كل هذه الخيارات الثلاث المذكورة. فلا هى نظام تابع أو رديف للنظام المصري بأي حال من الأحوال، ولا هى في الواقع تتيح فرصة كما كانت تتاح من قبل للإضطراب السياسي والأمني والإجتماعي. بل جل ما فعلته في هذا المجال، وأهم ما فعلته، أنها صممت الفجوات التي كانت من الممكن أن تتخذ مداخل للنفوذ الخارجي، أو لما شابهه من اختراق، سددت الجبهة الداخلية تماما. أما الخيار الثالث الذي أبطلته ثورة الإنقاذ فهو أيضاً أنها لم تبق معزولة كما كان يتصور لها، فقد استطاعت أن تجد في الواقع حلفاء، واستطاعت في الواقع أن تفك الحصار الذي كانت تعيش فيه الحكومات الحزبية السابقة مع دول الجوار واحداً واحدا. فكت حلقات الحصار هذه حلقة حلقة، ابتداء بالشرق إن شئت، أو بالغرب إن شئت، أو بالجنوب، أو بالجنوب الغربي. تحسنت علاقات السودان مع جيرانه كأحسن مما كان عليه في أي فترة ماضية. ليس ذلك فحسب بل إن السودان في عهد الإنقاذ استطاع أن يجد له أيضا حلفاء من جهات ربما لا ترضى عنها مصر، أو لا ترضى عنها الحكومة المصرية. والشواهد دونكم. فالسودان له علاقة طيبة مع ليبيا، والسودان له علاقة طيبة مع العراق، والسودان له علاقة طيبة مع سوريا، والسودان له علاقة طيبة مع إيران. ولا أبالغ إن قلت أنه في الإطار الدولي  فإن للسودان علاقات طيبة أيضا مع عدد من الدول الكبرى. فإذن هذه الركائز أصبحت غير موجودة. ليس ذلك فحسب، بل إن ثورة الإنقاذ قد أضافت عاملا جديدا، لا ترضى عنه استراتيجية الدولة المصرية، وهو طرح الإسلام السياسي كمشروع للتحرير الشامل. ليس فقط مجرد شعار، وليس فقط مجرد تطبيق حدود للشريعة، وإنما طرح الإسلام كمشروع للتحرير الشامل، التحرير الثقافي، التحرير الإقتصادي، التحرر الإجتماعي، التحرر في كل المجالات الإستراتيجية. هذا ما طرحته ثورة الإنقاذ الوطن.ي فانضاف بذلك عامل يصعب جداً هضمه في الإستراتيجية المذكورة آنفا. وهذا البعد الجديد يشكل بالنسبة للحكومة المصرية ـ أعني بُعد الإسلام السياسي ـ يشكل هاجساً خاصاً، إذ أن الدولة المصرية ـ ولنتحدث في التاريخ الحديث ـ منذ بداية ثورة يوليو، منذ عام 1954 لها مشكلة مع الإسلام السياسي في داخل مصر ذاتها. مشكلة مشهورة ، بل إن الصراع السياسي الداخلي في مصر، في الواقع، هو صراع ظل طيلة هذه العقود بين القوى الإسلامية المسحوقة في داخل مصر، وبين الصفوة العلمانية المتغلبة على رؤوس الشعب المصري، وعلى رؤوس القوى الإسلامية في داخل مصر. فهذا الشعار، وهذا المشروع الإسلامي، يشكل هاجساً مزعجاً للدولة المصرية، أياً كانت، منذ عهد عبد الناصر، مروراً  بعهد الرئيس السادات، وتعلمون أن الرئيس السادات قد فقد حياته ذاتها في هذا المجال، وأن الرئيس الذي جاء بعده في الواقع ما جاء بعده إلا بعد أن أمضى قراراته الشهيرة بإعدام رؤوس القوى الإسلامية التي أعدمت سلفه. فإذن موضوع الإسلام السياسي موضوع حى في رأس السياسة المصرية، وفي رأس الدولة المصرية، يشكل لها هاجساً ويشكل لها عقدة في الواقع. لا أتردد في أن أذكر ذلك. ليس في المجال الداخلي فحسب، وإنما أيضاً في مجال السياسة الخارجية المصرية، إذ أن مصر في المرحلة الأخيرة صارت مرتبطة ارتباطا كبيرا ـ أقصد الدولة المصرية ـ  بمشروع التطبيع الإسرائيلي الأمريكي في المنطقة بعد أن أبرمت علاقاتها مع اسرائيل. لم تكتف اسرائيل فقط بإبرام معاهدة حدودية أو معاهدة أمنية مع مصر، وإنما تريد في الواقع اسرائيل أن تقوم مصر بدور أكبر من ذلك، هو أن تكون مدخلا لتطبيع العلاقات بين الدول العربية الإسلامية والمشروع الإسرائيلي في المنطقة. ومعلوم أن المشروع الإسلامي يصعب جدا هضمه في داخل المشروع الإسرائيلي الإمبريالي. المشروع الإسلامي في الواقع  يقف (شوكة حوت) للذين يودون أن يقوموا بعملية التطبيع الثقافي والإستراتيجي والإجتماعي الشامل بين العرب واسرائيل. ولذلك فإنه يصبح عائقا أمام السياسة الخارجية المصرية الإسرائيلية الإمبريالية في المنطقة. فلا تستطيع أن تهضمه بأي حال من الأحوال، لا في داخل مصر ولا في خارجها. إذن كان من الممكن بالرغم من كل هذا في تقديري أن يكون هنالك مجال للتعاون والتعامل المشترك ـ كما ذكر الإخوة من قبلي ـ بين الحكومتين في مصر  والسودان، لو حدث أمر واحد، هو أن تسعى مصر في الواقع نحو تحقيق مصالحها وحماية مصالحها في السودان. فلو سعت مصر فقط لتطوير مصالحها وحماية مصالحها في السودان لكانت وجدت متسعاً من الترحيب من الحكومة السودانية في أن تسعى معها ـ رغم كل شيء ـ في أن تطور علاقات مصلحية مشتركة، ولكن في تقديري إن الحكومة المصرية لا تريد  فقط تطوير مصالح مشتركة، وإنما تريد تحقيق مطامع في المنطقة. وفرق كبير بين المصالح وبين المطامع لا شك فيه. ولذلك في تقديري إن  كثيرا من الحركات والتكتيك الذي تقوم به الحكومة المصرية في الفترات الراهنة يصب في هذا الإتجاه. وقد أغراها ـ أعني الحكومة المصرية ـ أن تسير في اتجاه تحقيق المطامع وليس المصالح، أغرتها عدة عوامل. العامل الأول: الدفع الإسرائيلي نفسه، والوجود الإسرائيلي المسيطر على السياسة الدولية في المنطقة. فقد صارت اسرائيل قوة كبيرة جداً تؤثر على أمريكا ذاتها، وتؤثر على مجريات الأحداث في المنطقة. وهنالك ضغط كبير على مصر في هذا الإتجاه بمجرد الدفع الإسرائيلي والثقل الإسرائيلي والتوجه الإسرائيلي.

مما أغرى الحكومة المصرية أيضا، ربما الوجود الأمريكي الأخير في افريقيا، واستعدادها لأن تقوم بمهمة الشرطي الدولي تتدخل في العالم حيث تشاء، وأنى تشاء، وبالصورة التي تريدها، مطاوعة في ذلك الهيئات الدولية لتحقيق أغراضها، فهذا مما يغري أيضا الآخرين بأن يفعلوا شيئا مشابها.

مما أغراها أيضا في تقديري هو تصاعد الأزمة الأمنية الداخلية ذاتها، فكثير جدا من النظم تود أن تلفت الأنظار حينما تتأزم أوضاعها الداخلية إلى معارك خارجية. معركة عبد الناصر مع اليمن غير بعيدة عن أذهاننا، واسرائيل كانت آنذاك على الأبواب. ربما تكون هذه محاولة  لخلق يمن جديدة.

الشيء الرابع الذي أغرى الحكومة المصرية لأن تسير في هذا الإتجاه، هو وجود المعارضة السودانية في القاهرة على وجه الخصوص. المعارضة السابقة منذ عهد الرئيس السابق والمعارضة اللاحقة. فصارت تتجمع وتتخذ لها منطقة وثوب متقدم من القاهرة. تجري الإتصالات مع أكابر المسئولين وتتلقى كل أنواع الدعم والإعانة فربما زين للحكومة المصرية ما تقوم به وجود مثل هذه (القوى !!).

ربما يكون أيضاً الأمر الخامس الذي أغرى الحكومة المصرية بأن تسير في هذا الإتجاه هو توقع دعم مالي من بعض دول البترول التي يغيظها السودان بمواقفه المستقلة، ويغيظها السودان بمواقفه المتمردة ـ كما أشار إلى ذلك المتحدث الأول ـ.  هذه الأسباب الخمس ـ في تقديري ـ تغري الحكومة المصرية في أن تظن أنه قد واتتها فرصة كبيرة، ليس لتحقيق مصالحها في السودان أو لحماية مصالحها في السودان، وإنما لتحقيق أطماعها في السودان. ربما نذكر في هذا الجنوب، أن السودان مشغول جدا بمسألة المتمردين في جنوبه، وبمسائل أخرى، فذلك يزيد أيضا في اتجاه الإغراء. أنا لا أقول هذا تغولا ولكن أود أن أشير إلى شيء من المعلومات التي استطعت أن أجمعها في الخطوات التي قامت بها الحكومة المصرية، وأرجو ألا تكون كلها صادقة، ولكن بعضها يدعم التحليل الذي ذكرته، لأنها فعلا خطوات تدل على التحرش، وتدل على الطمع الشديد، فلا تدل على العقلانية، ولا تدل على مراعاة المصالح. فمعلوم جداً أنه  من جانب الحكومة السودانية منذ فبراير الماضي قد ذهب نائب رئيس الجمهورية لمحاولة تهدئة الوضع بين الحكومة المصرية والسودانية، وأنه قد اتفق على تطوير العلاقات بين البلدين، وألا تكون مشكلة حلايب عائقة في هذا الصدد، وأن تحال إلى اللجان المتخصصة لتحل حلا سلميا. كان ذلك في فبراير، ولكن لم تمض أيام إلا قامت الحكومة المصرية بمثل الآتي: بدأت تقريبا ربما يكون في مارس أن تعزز وجوداً آلياً وبشرياً كثيفاً في المنطقة المتنازع عليها، كأن تنشيء المباني، والمباني غير الثابتة تجعلها مباني ثابتة، وأن تعزز القوى. فمثلاً قامت بتحويل قرية شلاتين إلى مدينة كاملة، وتم افتتاح قيادات للقوات المسلحة المصرية والشرطة والأمن. وبدأت في توزيع البطاقات للقبائل السودانية، من البشاريين، والعبابدة، في المنطقة الممتدة من جنوب حلايب إلى الأراضي المصرية. في مارس بعد زيارة نائب رئيس الجمهورية مباشرة قامت قوات الدفاع المصري بإنشاء مباني جديدة داخل النقاط المصرية الموجودة أصلاً داخل الحدود السودانية. في مارس نفسه بعثت عدداً من الشاحنات المصرية تحمل مواد لتشييد المخازن والإستراحات في النقاط المصرية المتقدمة. في أبريل ـ كما تعلمون ـ هجمت القوات المصرية على الشرطة السودانية، وأسفر الهجوم عن مقتل اثنين من رجال الشرطة السودانية. الأخطر من ذلك، في تقديري، أن القوات المصرية تقوم باستخراج جنسيات وشهادات ميلاد للمواطنين في هذه المنطقة. يعني (تمصير) المواطنين الذين يوجدون في هذه المنطقة. ولو ذهبت في سرد مثل هذه التفاصيل لطالت بنا هذه الندوة، ولكن اكتفيت بهذا القدر لأشير إلى أن الموضوع ربما يكون أعمق مما  يتصور كثير من الناس، وربما يكون أحرج مما يتصور  كثير من الناس. ولذلك يفيدنا جدا في الواقع أن نواجهه كما هو، وأن نتعرف عليه كما هو، ثم من بعد ذلك  فلنتحدث عن العلاقات الطيبة الأخوية بين البلدين. فإن معرفة الحقيقة لا تضر العلاقات، بل تقويها وتمتنها. وأرجو أن أكون قد وضعت نقاطا جديدة تفيد في اتجاهات هذا النقاش مع علمي أن كثيراً من الحضور لا يستلطفونها. والسلام عليكم ورحمة الله.

مهدي ابراهيم:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

دعوني في مستهل هذا التناول أن أوجه الشكر للإخوة في مركز الدراسات الإستراتيجية، ذلك أنهم حملونا حملا نحو هذه القضية الهامة. ودعوني من بعد ذلك أن أشكر الإخوة الدبلوماسيين والأشقاء المصريين وجملة الحضور الذين في مجيئهم تأكيد على المكانة التي نضع فيها العلاقات بين البلدين. ثم إني من بعد أود أن أقول: هذا التناول تحدونا فيه النظرة الإستراتيجية، ذلك أنه يتم في مقام استراتيجي. وهو بهذه الكيفية يقتضينا أن نتجاوز الفروع والجزئيات للأصول والكليات. ومهما يكن فإن قضية العلاقات بين السودان ومصر  لا يمكن أن نحيط بها في ندوة واحدة كهذه، لا سيما وأنها ضاربة  في الأزل القديم، كما فتح لنا هذا الباب الأستاذ بدر الدين. وكذلك فإننا حين نتناول هذه القضية من المهم أن نميز بين علاقات الشعوب وبين علاقات الحكام. أما الشعوب فمن تلقاء الجوار يكفي أن تقوم بينها علاقة صديقة وحميمة لتبادل المنافع والمصالح المشتركة، وهذا هو الشأن  الموجود في كل أنحاء الأرض، أن علاقات الجوار وحدها  كافية لأن تؤسس قاعدة للتعامل السوي الرشيد بين الشعوب. فإذا أضيف إليها عامل الأصل العربي، والدم العربي، وعامل البعد الفكري الحضاري الإسلامي، وعوامل التاريخ المشترك، يصبح الأصل لهذه العلاقة أن تكون علاقة تواصل، وتكامل، وتعاون، بل وتوحد. فإذا خرجت العلاقة، رغم هذه الأصول القوية المشتركة، عن معاني الجوار الرحيم، وعن معاني الأخوة الكريمة، وعن معاني التعاون الرشيد الصالح، ودخلت في مراحل مستمرة من التأزم، يصبح من الضروري أن نزيد إمعان النظر في العوامل والأسباب التي يمكن أن تقفز عبر هذه الأسباب الموضوعية التي ينبغي أن تشكل علاقة حميمة. ولعل الإخوة الذين سبقوني في الحديث قد أغنوني كثيرا أن أخوض في التفاصيل التي ما أردت أصلا أن أخوض فيها في منبر يصوب همه نحو الإستراتيجي والكلي في هذه القضية. غير أن بعض العوامل تستوجب منا أن نقف عندها، ربما الأستاذ بدر الدين أشار إليها في واحدة منها، أن ظاهرة الإندماج في حضارة أكبر في تاريخ مصر كانت تستدعي نوعا من التباعد بينه وبين جنوب الوادي، فهل ياترى كلما توغلت سياسة الحكومة المصرية في التعاون مع محاور القوى الدولية، في التواصل الشديد الذي يمكن أن يشبه حالة من حالات القرب والإندماج مثلا في ظاهرة الحضارة الغربية، وفي ظاهرة الدورة الحضارية الماثلة التي نحن فيها والتي تقودها  أمريكا، هل ربما مثل هذا القرب والإندماج والتواصل الكثيف مع مثل هذه الظاهرة يكون مدعاة  للتباعد مع جنوب الوادي، أم يكون مدعاة للتباعد مع الطرح الإسلامي أصلا الموجود في الساحة؟ هل ربما يكون مثل هذا  تفسيراً كافياً لهذه الظاهرة التي نراها في الكدر والتأزم في العلاقات الثنائية؟ أنا أود أن أمضى  أكثر من ذلك إلى أن الذي نراه من أسباب تطرح حيناً بعد حين، مثلا مشكلة حلايب، أو مشكلة الماء بين مصر والسودان، أو حتى مشكلة الإرهاب والمعسكرات، أنا أقول إن مثل هذه العوامل التي تثار حينا بعد حين، لم تكن في يوم من الأيام دليلا حقيقيا على عوامل الجفوة والكدر القائمة بيننا وبين مصر. وربما يسألني سائل لماذا؟ أقول إذا كانت  مصر زعيمة الأمة العربية، وزعيمة العالم الإسلامي، وذات الدور الريادي في إفريقيا، استطاعت أن تطبع علاقاتها مع إسرائيل، واستطاعت أن تحل مشكلة طابا بالحوار مع اسرائيل، فهل يصبح عسيراً على مصر، التي فعلت هذا مع  اسرائيل عدو الأمة العربية والإسلامية، هل يشق على مصر، بذات النفس، وبذات الروح، أن تقبل على حل مشكلة حلايب كما  فعلت مع طابا؟ أعتقد أن الإجابة في غاية من البداهة، أن الذي استطاع أن يحل المشكلة مع العدو الإستراتيجي للأمة العربية والإسلامية، هو بالضرورة، يستطيع أن يحل المشكلة، لو كانت القضية هى قضية حلايب، 18 ألف كيلومتر مربع بين السودان ومصر، أن تُحَل، وربما في زمن قياسي، بين السودان ومصر، لو كانت القضية هى حلايب. مثل هذه الظواهر التي نراها حينا بعد حين في سماء العلاقات، قد لاتكون هى فعلا العوامل الحقيقية، وينبغي أن نبحث عن عوامل حقيقية أخرى. وأريد أن أكون في هذه العوامل متسائلاً وليس مقررا. كثير من الذين يقرأون في حيثيات العلاقة السودانية المصرية تساورهم هذه الأسئلة : هل من ناحية موضوعية، ومصر في مثل حالها، تقبل مصر أن يكون في السودان حكومة قوية تستطيع أن تحافظ على مصالح السودان ومقدراته، أم أن في مصلحة مصر الحكومة، أن يكون الحكم في السودان ضعيفاً وهشَّاً وعاجزاً عن حماية ما يسمى بمصالحه؟. هذا سؤال مهم وخطير حقيقة. وأنا أريد من كل منكم أن يمعن النظر فيه. هل تريد مصر، وترى مصر الحاكمة، أن من الخير لها أن يكون في السودان نظام يملك قراره السياسي، أم أن يكون في السودان نظام لا يملك قراره السياسي؟

هل تفضل مصر الحاكمة أن يكون في السودان نظام، لا يريد أن يكون تابعا،ً لا لأمريكا، ولا لأوربا، ولا لأية دولة أخرى في محيطة الإسلامي والعربي والإفريقي، وإنما يريد أن يكون مستقلا في قراره، يقضي فيه على النحو الذي يفضي به اجتهاده؟ هل في صالح مصر أن يكون إلى جوارها  في جنوب الوادي نظام على هذا النحو، أم في صالحها نظام يقبل أن يكون تابعا لمن حوله، أو لمن وراء ذلك؟ هل في صالح الحكومة المصرية،  أن يقوم في السودان حكم يستخدم كل نصيبه من المياه الواردة على النيل، ويستزرع بها ما شاء من أرض، وينمي فيها ما شاء من مشروعات زراعية، وينشيء فيها ما يريد من خزانات لضبط المياه أو لتوفير الكهرباء، هل في صالح النظام في مصر أن يقوم في السودان نظام على هذا الوضع، أم في صالحه أن يقوم نظام مفرط في حقه في الماء، مبدد لإمكاناته الوطنية، مبعثر لها؟ هل في صالح النظام القائم في مصر أن يتمكن السودان من أن يجهز على التمرد في جنوبه، ويعيد تمكنه من تمام التراب السوداني، ثم يعيد توظيف الإمكانات المادية والبشرية، التي ظلت تبدد في الجنوب، لصالح التنمية والعمران والنهضة ليقوى بها الوطن، هل في صالح النظام الحاكم في مصر أن يقوم في السودان نظام ممسك بأزمة الأمور في الوطن كله، جنوبه وشماله، أم في صالح النظام في مصر أن تمضي مشكلة الجنوب تستنزف السودان، تبدد إمكاناته، وتشرخ صفه، وتستدعي حركته كلها أن توجه نحو الجنوب، بحيث إذا نشأت له مشكلة في أي مكان آخر يكون عاجزاً عن أن يستدعى لها  ما تستلزمه من قدرات وإمكانات؟ مثل هذه الأسئلة تشكل جملا من القضايا، التي لو أجبنا عليها بنعم أو بل،ا تكون مفتاحاً،  لا أقول لحل المشكلات فحسب، وإنما لتحقيق مصير العلاقات الثنائية بين البلدين. بمعنى أنه لو كانت الإجابة أن مصر الحاكمة تريد نظاماً قوياً في السودان، حراً في قراره، غير تابع لأي دولة، بعيدة أو قريبة، مطوراً لوطنه، متحرراً من أزمة الجنوب، ناهضاً في اقتصاده، فبالضرورة، إذا كان النظام في مصر يريد هذا  للسودان، ويريد للسودان أن يختار النظام السياسي الذي يريد، إسلامياً، أو شيوعياً، أو يسارياً، أياً كان، إذا كان هذا هو مضمون الإجابة، أن النظام الحاكم في مصر يرضى للسودان أن يختار سائر هذه الخيارات، ويتعامل معه وفق هذه القرارات،  بالضرورة هذا سيشكل مفتاحاً لإعمار العلاقات الثنائية ولتطورها، وللمضي بها إلى الأمام تحقيقاً للمصالح المشتركة، بل تطوراً نحو الوحدة وليس التكامل فحسب. ولكن إذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة أن مقتضى زعامة النظام في مصر للعالم العربي والإسلامي، وأن مقتضى علاقته مع أمريكا، وأن مستلزمات مصالحه مع دول الخليج، وأن دوره في افريقيا، وأن علاقته مع اسرائيل، مقتضياتها تستوجب عليه ألا يجد من السودان شغباً، ولا يقبل من السودان تمرداً، ولا يقبل منه قراراً، إذا كان مقتضاها كذلك، فبالضرورة سيكون ذلك عقبةً حقيقيةً في وجه التطور في العلاقات الثنائية بين البلدين. أنا أريد بالفعل أن نتناول هذه القضية بقدر من الصراحة، وبقدر من الوضوح، بحيث يطمئن الطرفان، شمال الوادي وجنوبه، على أن كلا منهما يجاوب على هذه الأسئلة بالصراحة والصدق الذي يمكن على ضوئه أن نؤسس علاقات في ضوء الوضوح وليس في خفاء المبهمات، وربما الذي أفسد العلاقات كثيراً بين السودان ومصر، هو محاولات الطبطبة، واللمس السطحي، والتناول العاطفي، الذي ما يغنينا أبداً في نهاية الأمر، من أن نمسك بجوهر الأسباب التي تشكل تأزماً في العلاقات الثنائية بين البلدين. ربما اليوم ـ كما  قال الإخوة من قبلي ـ  إن السودان واجه محاولات التأزم في العلاقات الثنائية سواء بزيادة الوجود والحضور المصري في منطقة حلايب، أو بالأعلام المرفوعة في كل المنطقة حتى خط عرض 22، أو  مقتل الشرطيين، ربما كل هذه التي يمكن أن يسميها الساسة تحرشات أو استفزازات، أو محاولات للإستدراج، ربما السودان واجه كل هذا حتى الآن بصبر وتحمل وبسعة، لا نراها حقيقة في العلاقات في المنطقة، ترون التأزم في العلاقات بين السعودية وقطر، وترونه بين الإمارات وإيران، ورأيتموه من قبل بين العراق والكويت، ولكن السودان يباشر ضبطاً للنفس كبيراً، ويحتكم في ذلك لقيم هى قيم الجوار، وهى قيم علاقة العروبة، وهى قيم حاكمية الإسلام على أخلاقيات التعامل مع الآخرين. وهذا حقيقة ينبغي أن يكون معتبراً من قبل أشقائنا في مصر، ومن قبلنا نحن في السودان، لأن هذه قيم عرفناها في تاريخنا، وينبغي أن ننزل على حكمها، ولكن كلما ضغطنا كلما حاول طرف أن يجبر الطرف الآخر أن يباشر سياسة التنازل والتراجع والإحتكام والإمتثال إلى القيم على هذا النحو، ستأتي لحظة في يوم من الأيام بالضرورة، وتكون هذه اللحظة أن استنفد أحد الأطراف قدرته على الصبر، وعلى المصابرة، وعلى المرابطة. لعل القرآن يعطينا هذه الخزانات، فإذا نفد خزان الصبر ينبغي أن نستصحب الأخذ من خزان المصابرة، وإذا نفد خزان المصابرة ينبغي أن نأخذ من خزان المرابطة، ولكن حين ينفد خزان المرابطة ما يفعل الإنسان؟؟.. أنا أعتقد أن العلاقة بين مصر والسودان ـ حقيقة ـ  الأصل فيها كما بدأت، هو أن تكون علاقة الحسنى في الجوار، وعلاقة الأخوة العربية، وعلاقة الأخوة الإسلامية، وعلاقة  المصالح والمنافع المشتركة. أي محاولة للخروج بهذه العلاقة من هذا المسار الطبيعي هو خروج على الأصل، ويستوجب على الطرفين أن يسلكوا مسلكا لاحتواء هذه العلاقة ليس فيه مناورات ولا مداورات ولا مراوغات، لأنه في عالم القرن العشرين كبر ونضج الناس، وتحقق لهم من الوعي والإدراك ما لا سبيل لأن تتجاوزه بالمراوغات والمداورات، ولذلك في مثل هذا الظرف والعلاقات تشتبك هذا الإشتباك، وتتدهور هذا التدهور، ينبغي على الساسة في البلدين أن يقدروا أنها لو انفرطت لن تكون آثارها على الحكومتين. وهنا يخطيء كثير من الساسة لو انفجرت العلاقات بين مصر والسودان لن تكون آثارها محدودة الوقع على الحاكمين في البلدين، ولكن آثارها ستمضي بعيداً في أغوار الشعوب، وفي المصائر والمآلات، ربما لعشرات السنين للأمام. فهل يريد قادة الرأي وقادة السياسة وقادة الرأي العسكري في البلدين أن يتركوا لهذه العلاقات أن تخرج من الأطر التي يمكن أن يهيمن عليها الطرفان فيها، وأن تفلت، وأن تفتح كل الإحتمالات على مثل هذا النحو الذي نراها تتدهور فيه يوما بعد يوم، أم أن حالة من الرشد والوعي قد تتملكنا الآن، وليس بعد يوم أو بعد يومي،ن حتى نستطيع معها  أن نتدارك هذه العلاقات. الذي آمله هو أن نقدر حقيقة أن الأمر أكبر من الحكومتين، وأنه أكبر من أن يكون قضية تنازع على زعامة، أو تنازع على مياه، أو تنازع على أرض، أو تنازع على إرضاء مصالح لدول أجنبية عن المنطقة، وإنما ينبغي أن يكون أمر شعبين جمعت بينهما مثل هذه الوشائج، التي ما يتجاوزها إلا من فقد الإرادة حقيقة. هذه اعتبارات قابضة وممسكة بالإنسان، لايستطيع أن يتجاوزها إلا إذا حكمته إرادة خارجة عليه. وإني لآمل وأرجو من طرفى السلطة في شمال وجنوب الوادي أن تكون هذه المعاني هى المعاني التي نخرج بها من ندوتنا الفاتحة هذه، والتي كما قلت تقوم في مركز للدراسات الإستراتيجية  يصوب همه نحو الكليات والمآلات وليس الجزئيات والفرعيات. شكرا أخي.

أحمد عبد الحليم:

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يقول بعض  الناس لما يكون في مثل موقعي لم يترك لي من سبق زيادة لمستزيد، وبرغم هذا سأضيف قليلا.

أولاً أنا من ذلك الجيل الذي أشار إليه الأخ بدر الدين. ذلك الجيل الذي أعلى رايات الكفاح المشترك تحقيقا للجلاء على امتداد وادي النيل، فقد كان من حظي كذلك، وإن كانت المناسبة غير سعيدة، في عام 1956 لما كنت طالبا بجامعة الإسكندرية أن تطوعت في جيش الدفاع الشعبي اللواء الأول لمنطقة الإسكندرية وقطاع غرب الدلتا. ولعل بعض الناس عند تناول مثل هذا الموضوع الخطير الجليل الذي نحن بصدده اليوم يعدنا من أهل العاطفة في هذا المجال، ولكن ذلك شأن  قد قام ليس على العاطفة المجردة، ولكن على إدراك كل هذا الذي يوشج الروابط بمثل ما حكى الأخوان بدر الدين والبوني، وبمثل لم يرد له الأخ مهدي أن ينفرط، فهذا أمر كلنا يبخل به على أن يكون عرضة. فالإجابة على بعض التساؤلات التي بدأها في واقع الأمر الأخ التجاني عبد القادر، وأردفها الأخ مهدي، تقول عندي أن هذا الإستقطاب الحادث الآن في العلاقات الدولية وهذه الأحادية في هذا الإستقطاب  التي انسربت آثارها علينا هى ليست لاستمرار كما جاء في الإستراتيجية القومية الشاملة التي أشار إليها الأخ بدر الدين. فهى عند تحليلها في مطلع أمرها للتغيرات الدولية الحادثة تقول بتميع مراكز القوى وإن ظهرت في فترة قريبة هذه الأحادية. تقول إن أوربا موحدةً جديدةً ستظهر، وأن اليابان ما عادت في حاجة إلى مظلة دفاعية أمريكية ستظهر، وإنه بعد تفكك الإتحاد السوفيتي وإطلاق العديد من الدول المسلمة من ذلك العقال ستسعى كل هذه إلى تشكيل قوى جديدة، وأنه من الخير لهذه القوى التي يمتد السودان من عمق إنتمائه إليها قوى العروبة والإفريقية والإسلام، أن تسعى أن تكون مركزا من مراكز التأثير في هذا التشكيل الجديد للنظام العالمي، لا أن تغريها عوارض الهيمنة الأحادية الوقتية. أنا حقيقة كتبت في ورقتي قبل أن يتحدث الأخ مهدي حلايب ليست المشكلة. حلايب هذه ظهرت بصورتها الأعنف عام 1958 وتجابهت القوى على الحدود ثم خبت، ثم ظهرت عندما توترت العلاقات على عهد ثورة مايو في السودان ووجود الرئيس السادات في مصر، طفت على السطح ثم ظهرت على زمان الناس هذا . هى دالة، هى مؤشر لتأزم العلاقات وليست سبباً فيها ولا بانقضائها تزول كل الأسباب. ولكن الذي أود أن أقدمه هو الآتي: أن الدائم والثابت والأبقى الذي لا يريد الأخ مهدي للعلاقات أن تخرج من مساره، عندي أقوى من العارض، وأن هذا الإستقطاب وهذه العلاقات الآنية الحادثة في العلاقات المصرية الإسرائيلية، في علاقات الصف العربي المنقسم من جراء حرب الخليج، هى إن أردنا للعروبة والإسلام والإفريقية أن تكون مركزا من مراكز تشكيل النظام العالمي الجديد، تكون كحقيقتها من الأمور العارضة. هذه واحدة.

الأمر الثاني حقيقة مما نلاحظ ومما نقرأ ونشاهد، وأنا كثير الأسفار بين السودان ومصر، أن موقف السودان اتسم بضبط النفس، ورعاية هذه العلاقات، ولكن في السياسة كما في الطبيعة لا يكون الإنجاب أولا إلا بالتلاقح، ولا يقوى ويستمر إلا باستمرار الخصائص وتعزيزها، فالأمر يقتضي حرصا مشتركا من الجانبين على رعاية هذا الذي أمر الله به ألا يقطع، فهذه القضية ليست قضية مصالح، وقضية تاريخ، وقضية كذا وقضية كذا ولكن ان استرجعنا خزان هدانا وحكمتنا نجد أن هذا يدخل في باب ما أمر الله به ألا يقطع أو أمر به أن يوصل. فأنا في ظني أن الذي يسعى إلى قطع هذا الواشج في هذه العلاقة القائمة على العقيدة وعلى الدين وعلى العنصر والوجود الجغرافي المشترك على هذه القارة لا يكون فقط قد خرج على قضية رعاية المصلحة ورعاية الجوار وإنما يكون أتى إثماً لا ينفعه في الدنيا ولا يفيده في الآخرة، ويجعل له مآلا عجيبا حدد سلفا. مع هذه التوترات أنا ربما أختلف مع الأخ التجاني في أن هنالك استراتيجية ثابتة في أن يراد بالسودان ما أشار إليه، لأني أعتقد أن الذي حدث على زمان الثورة المصرية وودع إلى الأبد دعاوى السيادة على السودان، هو تحول تاريخي كبير، ولأن عقلية الخديوية وملاك الأرض والإستقطاب القديم ما عاد واقع مصر من حيث التركيبة الإجتماعية ولا من حيث البنى الإجتماعية. الرأي العام الذي يتبعه الفعل تشكله عناصر متعددة، وأنا أعتقد أن هنالك بعض القوى، في مصر ليس هنالك تيار واحد. هنالك تيارات متعددة، وهناك قوى تريد لنا أن نكون مستلبين بعيدين عن ذاتنا، ولا تريد لنا أن نجرؤ أن نكون ذاتنا. هذه القوى قد تحالفت ـ في تقديري ـ مع بعض قوى المعارضة السودانية لتكون عنصرا أساسيا في تشكيل رأي عام أفضى إلى هذا التوتر، وربما خلق أوهاما عن الحادث في السودان، وعن مآلات السودان إذا ما حدث له كذا وحدث له كذا  وحدث له كذا. فالسؤال الذي أود إضافته إلى ما قاله الأخ مهدي: هل نريد لقوى لا تشكل أصالة الشعب المصري، ولا تشكل تاريخه، ولا ثقافته، ولا معارك نضاله، وبعض القوى التي لا تستحي في أن تستعدي على وطنها أعداء هذا الوطن في التاريخ وفي الحاضر وفي المستقبل بحكم نزعاتها وتوجهاتها أن تتحكم في مصير البلدين منفردين وفي مصير البلدين مشتركين؟ أنا أعتقد أن الواجب يدعو كل العناصر الأصيلة التي تصنع الرأي وتصنع السياسة وتصنع القرار العسكري، وكذلك في السودان، أن لا تنساق مهما كان تعزيز آلة الإعلام العالمية لهذه التيارات الناشزة عن أصول الأمة، أن تلوى عنق الحقائق، وتلوى عنق التاريخ، وتلوى عنق هذه العلاقة لتذهب بها في مسالك التبعية. أعتقد هذا هو الواجب. هذا الحديث الذي سبق صور عمق هذه العلاقة، ولئن كانت موارد قوى السودان تمتد مما أشير إليه فإن هذه العلاقة لم تتمثل في التاريخ، ولا تقتضي المصلحة  أن تتمثل في أي مكان أكثر مما تمثلت، وينبغي أن تتمثل وينبغي أن تظل متمثلة في مثل ما هى في العلاقة السودانية المصرية. ولكن هذا  لا يأتي بأن يضبط السودان نفسه وحده، فلنكن صرحاء، ولا يأتي  بأن يقول أهل السودان إن العلاقة بيننا وبين مصر فوق كذا وفوق كذا وينبغي لها أن تكون فوق الشكوك والريب. أنا أقرأ في الصحافة المصرية وأسمع بعض الحديث. ومثل هذا الحديث ينبغي أن تتحرك الحدود كذا وكذا وكذا، أنا أعتقد هذا لا يمثل أعماق الشعب المصري، ولا يمثل مصلحة مصر، ولكنه يقال، وهذه هى الأصوات العالية، وهذه هى الأصوات التي تكتب في الصحف وتتحدث في لقاءات مثل هذا اللقاء، ويقرر قولها في أجهزة الإعلام الداخلية والخارجية. أنا أعتقد إن جلسنا نقول مثل هذا الحديث وإن جلس إخوة لنا يحرصون مثل حرصنا ليقولوا مثل هذا الحديث دون عمل إيجابي للتأثير على مسالك السلطة في الدولتين، فإن الأمر سينفرط وينزلق إلى ما يخشى أن ينزلق إليه الأخ مهدي. ولما أُخبرنا وكان يجب أن ندرك هذا دون أن نخبر أن الحديث ليس مداولة على هذا الجانب في هذا اللقاء وإنما قصد من بدء هذا الجانب بالحديث أن يحاول بالموضوعية كلها وبالحرص كله أن يحلل هذا الأمر وأن يشير إلى مواطن الصحة ومواطن الخلل ومواطن الزلل ومواطيء الخطأ فيه كما يتراءى لنا حتى نتجه في الحوار العام وفي النقاش بما يجعل هذه العلاقة عمليا بمثل ما نتغنى به عاطفيا. وواقعا بمثل ما نريد لها فكرا ومصلحة وواجبا تاريخيا وواجبا  مصيريا. أكتفي بهذا وأشكركم.

د. بركات الحواتي:

بسم الله الرحمن الرحيم، شكرا الأخ الرئيس، أولاً أهدي الشكر لمركز الدراسات، لأنه يتيح دائماً مثل هذه اللقاءات الراقية للحوار الراقي. أبدأ بملاحظة أو إضافة لما ذكر الإخوة من نقاط موضوعية. تتمثل هذه الملاحظة في بعض ما قد يكون نسى من بعض الإخوة. وأبدأ فأقول أن الملاحظة تترفع عن الصغائر، مثلما ذكر الأخ مهدي، إلى الكليات والشيء الموضوعي. فهى عبارة عن دراسة في ظاهرة العلاقات الدولية بين شعبين، مثل الشعب المصري والشعب السوداني. وهى على عكس ما تفضل به الأخ دكتور التيجاني عن الحديث عن الدولتين. وظني أن دراسة تحدث بها هنري كيسنجر عما أسماه بذاكرة الشعبين. وخبرة أي شعبين متجاورين في أن يتجاوزا الأزمات التي بينهما، وذلك من خلال عدد من الملاحظات، أن هذه العلاقة تحكمها ثوابت ومتغيرات. من الثوابت: الموقع (الجيوبوليتيك)  وهذا لا فكاك منه مثلما ذكر أحد المتحدثين، فهو قد يكون ذا جانب إيجابي، وقد يكون ذا جانب سلبي، وهذا أرجو أن أضيف له هناك بحران في المنطقة البحر الأبيض: بحيرة مطلة على أوربا، والبحر الأحمر، وهى مطلة على منطقة الخليج ومنطقة القرن الأفريقي، وهذا جيوبوليتيك خطير جدا تتضح خطورته في مثل هذه الأحوال، عند دخول أمريكا للصومال. وكذلك النيل، وقد ختم سلاطين باشا في كتابه (السيف والنار) أنه لن تظل العلاقة مطمئنة بين مصر والسودان طالما كان هنالك نيل، وحسابات، وهى حرب ـ إن أردنا أو لم نرد ـ قادمة بكل ما يترتب عليها. الجانب المتغير، وهذا هو المهم جداً، تحدث عنه الأخ أحمد عبد الحليم، أنا أعتقد أننا نحن دائما ما نتجاوزه لأن هناك سياسة مجاملات فعلا، ولا مخرج للناس غير الوضوح في دراسة ظاهرة العلاقات بين دولتين متجاورتين، وهو المتغير السلطوي، وهو يبدأ في مصر منذ سنة 1952 على عهد الرئيس عبد الناصر، ثم السادات، ثم الرئيس حسني مبارك، ويبدأ عندنا منذ 1954 إعلان الحكم الذاتي إلى سنة 92 الحالية، مروراً بكل الأنظمة السياسية التي مرت على هذا الوطن. الدارس والمراقب لهذه المرحلة يجد دائماً وأبداً أن هناك نوع من ما قد تسميه مشكلة، أو قد تسمية مسألة، أو قد تسميه قضية، أوقد تسميه أزمة. فحلايب لا أدري أعبر عنها بأي من المسميات السابقة، إلا أن الدراسة الموضوعية تثبت أنها مثلما ذكر الأستاذ أحمد عبد الحليم، أصبحت مثل التوتر الموسمي المدروس، أن تظهر في الوقت الذي يراد لها أن تخرج حينما يحتاج لها، وهى ظاهرة مربوطة أكثر بالفكر السياسي الذي يحاول أن يفلسف للعلاقة بين مصر والسودان. وهذه تبدأ منذ نظرية المجال الحيوي، وأحسب أنها هى الفكرة التي دخل بها محمد علي باشا للسودان كنوع من التوسع الإستراتيجي في المنطقة، وبعد ذلك جاءت مرحلة التعاطف الرومانسي ـ جيل الأستاذ أحمد عبد الحليم ـ وكتابات الأستاذ خضر حمد، والأستاذ عبد الماجد أبوحسبو، وهذه أدخلت جيلنا في كثير من المغالطات في طبيعة هذه العلاقة، هل هى علاقة عاطفية، أم علاقة موضوعية جادة. ومن بعد جاءت فكرة الكفاح المشترك، وجاءت الأفكار التي ناقشت العلاقة الدينية، سواء في مصر أو في السودان. وكثير من الناس نسوا أن الإمام الأفغاني وكذلك محمد عبده أرسلا بعض الرسل للثورة المهدية، وهذه موثقة ولكنهم ما استطاعوا أن يدركوها، فهم كانوا يحاربون عدواً مشتركاً وهو وجود النفوذ الأجنبي في السودان وفي مصر، ممثلاً في بريطانيا، وكذلك ممثلاً في الحكم التركي. كثير من القضايا أحسب  أنها لم تذكر في هذه المسألة، وهى: ما هى الظروف التي أدت إلى مسألة حلايب؟ أستميحك عذراً أيها الرئيس ـ قبل أن تتدخل ـ في هذه الإضافة: الظروف التي أدت إلى مشكلة حلايب آنذاك سنة 58 لو تذكرنا جيدا أو رجعنا لوثائق الدكتور محمد ابراهيم ابوسليم، سوف نجد هذه المؤشرات: أنه كان هناك صراع أمريكي على المنطقة، وكان عبد الناصر يقود المرحلة باسم حركة التحرر في المنطقة إقليمياً باسم القومية العربية، فكان هناك تقارب أمريكي أو صراع على المنطقة من أمريكا، وفي نفس الوقت كان هناك تقارب أمريكي مع حزب الأمة في ذلك الوقت. وكانت هناك مواجهة إعلامية بين الإتحاديين والإتحاديين في داخلهم. والأستاذ أحمد عبد الحليم موجود ـ أرجو أن يصححني في هذه المسألة ـ وهذه المعركة كان يقودها عبد الماجد أبوحسبو. وبعد ذلك جاءت أفكار حول لماذا حصلت مسألة حلايب خلال تلك الفترة؟ هل فعلا كما قال بطرس بطرس غالي الأستاذ آنذاك والأمين العام للأمم المتحدة حاليا، هل مثلما قال فعلا أنه قصدت مصر أن تؤجل انتخابات 1958 لسبب ما أو هناك سبب آخر مثلما كشفت محاكمات عبد الحفيظ شنان، (وارجعوا للوثائق) وهذه ذكرها خضر حمد في مذكراته، هل كان لذلك علاقة بهذه المسألة أم لا؟ المهم ما أشير إليه أن مسألة حلايب في ذلك الوقت كانت مربوطة بصراع محلي، وكانت مربوطة بصراع إقليمي، وكانت مربوطة بصراع دولي، وهو نفس سيناريو يحدث الآن بصورة أو بأخرى. وهذه مسألة وقائع مثلما ذكر الأخ الدكتور التجاني. الحقيقة إلى أي مدى نتخلص من العواطف إلى المواجهة التي تحقق للشعبين فعلا ما يريدان. وأحب أن أشير في هذه المسألة إلى دراسة ممتازها هى التقرير الإستراتيجي العربي، وهو يصدر من مؤسسة الأهرام عدد عام 1986 وهو يتكلم عن مسألة حلايب. ماذا إذا تجاوزنا مسألة الإقتتال فيها والمواجهات التي هى نوع من الإستفزاز، مثلما ذُكر، إلى مسألة التنمية في داخلها؟ وهل استطعنا أن ننمي ما هو أكثر من ذلك؟ عَنَّت لي هذه الملاحظات فقط، وشكرا جزيلا.

محمد طه محمد أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم، نتحدث قدر الزميل الحواتي، مع أنه لم يتحدث في الموضوع. أول حاجة من ملاحظاتي أن الأخ بدر الدين سليمان قال ان المسألة بدأت بعد حرب الخليج. هى المسألة ما بدأت بعد حرب الخليج، ولكن بدأت بعد كامب ديفيد. لأن حرب الخليج ذاتها كانت نتاج للمواقف الرسمية المصرية الحكومية. لو تدخلت مصر بنفوذها وبثقلها العسكري والبشري ما كانت العراق تدمرت، لكن السياسة المصرية الرسمية كان عندها مصلحة في تفتيت العراق إلى دويلات ثلاث، ونحن السودانيين نتحدث دائماً بالعواطف والمصريين يتحدثون بالصراحة، (الليلة حقو نكون مصريين شوية!!) يعني لولا السياسة المصرية المرتبطة بكامب ديفيد، العراق ما كان دمر هذا التدمير. نفس التدمير يراد للسودان. بعد كامب ديفيد الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون قال إن 60% من المعونات الخارجية التي تقدمها أمريكا للعالم تقدمها لمصر ولاسرائيل. ولذلك فالسادات والسياسة المصرية المرتبطة بالسادات وخلفاء السادات أصبحوا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً جداً بتل أبيب وواشنطن. ولأجل لذلك لم يبق مجال لحديث العواطف. نحن معركتنا مع تل أبيب ومع واشنطن، وهى معركة صريحة. المسألة هى ليس حلايب لأنها 18 ألف كيلومتر بالمقارنة لبلد به مليون ميل مربع، لا تساوي شيئاً، وممكن نتنازل عن حلايب وكل شواطيء البحر الأحمر، لكن هذه ليست القضية. القضية أن مصر الرسمية تستهدف المشروع الإسلامي في السودان ووحدة السودان. هذه هى المسألة المطروحة. وهناك سؤال مهم جدا هو لو السياسة المصرية ليست مرتبطةً بكامب ديفيد، فلماذا رموز حرب اكتوبر كلهم غُيِّروا من الجيش المصري؟ لماذا عُزل سعد الدين الشاذلي؟ لماذا عزل عبد الغني الجمسي؟ لماذا عزل أخيراً أبوغزالة؟ لماذا أصبح قائد المصريين في حرب الخليج ـ طنطاوي ـ  أصبح وزيرا للدفاع المصري، وهو الذي نقل قواته الآن في حلايب؟ هذا سؤال مطروح للسياسة الرسمية المصرية. القوة العسكرية المصرية ـ وهى قوة كبيرة جداً، وأقوى قوة في افريقيا ـ يراد لها أن تستخدم في مهام غير مهام مجابهة اسرائيل، لأن هناك جيش مصري قوته راكدة يريدون تفريغها في حروبات صغيرة في المنطقة. المظلة العالمية سوف يقوم بها بطرس غالي، والمظلة الداخلية يقوم بها حكام مصر الحاليون وهذه مسألة واضحة. ولذا  فيجب ألا يتحدث الناس بحديث العواطف. هم يستهدفون المشروع الإسلامي في السودان، ويستهدفون وحدة الأراضي السودانية. هناك مسألة مهمة جداً وهى أن السودانيين ما تعودوا أن يستخدموا كروت ضغط على السياسة المصرية، وعندنا كروت ضغط كثيرة جداً على السياسة المصرية. دائماً نحن نعطيهم الكلمة الطيبة والعواطف، وإذا خاطبنا القيادة المصرية فلماذا نخاطب معها القيادة السودانية، مثلما كان نهج الأستاذ مهدي ابراهيم: (القيادة في البلدين). القيادة في السودان متنازلة ومتراخية، وحتى خطاب البشير في محافظة ام درمان كان به كثير جداً من التنازل. عندنا كروت كثيرة من الممكن أن نضغط بها على مصر. أولا مصر جبهتها الداخلية ضعيفة جداً وهى فشلت في أن تحمي حتى السياحة المصرية، التي كانت تدر عليها دخلاً أكثر من دخل قنال السويس، فشلت في حمايتها. وعندنا أوراق كثيرة ممكن أن نضغط بها على مصر، والشعب المصري المسلم لا يمكن أن يرضى غزو السودان وتدمير المشروع الإسلامي في السودان. ونحن من قبل هذا حينما جاء الشيخ عمر عبد الرحمن يطلب اللجوء السياسي في السودان بل يطلب زيارة، قام المصريون فيها وقعدوا، والآن الولايات المتحدة تمنحه حق اللجوء السياسي. فهذا زعيم الأصوليين المصريين يحتمي في واشنطن، ولم يجد الحماية في السودان. ولكنه من الممكن أن يجدها عندنا الآن. والمصريون في تاريخهم ما كانوا يقبلون معارضة سودانية عندهم، وما كانوا يقبلون النميري، ولا الهندي، ولا الميرغني، ولا مبارك المهدي، ولكن الآن كلهم في القاهرة، ويجدون شقق في القاهرة، وفنادق في القاهرة، وتسهيلات في القاهرة، وإعلام في القاهرة. حتى حزب الأمة عمل جريدة في القاهرة اسمها الوحدة، وهو الذي طول عمره ضد الوحدة!!  فنحن عندنا كروت ضغط كثيرة جداً ممكن أن نستخدمها ضد المصريين.

ثانياً: الإعلام السوداني ليس مثل الإعلام المصري، فالإعلام المصري على مستوى رئيس الجمهورية يعبيء الشعب المصري بأن هذه أراضي مصرية والسودانيون انتهكوكها، ويغسل دماغ المصري، بينما الإعلام السوداني صامت حتى الآن، لماذا؟ لأن هناك أصوات عاطفية كثيرة جداً هنا في السودان، منهم الحواتي ممكن أن يكون صوت عاطفي، وممكن أحمد عبد الحليم يكون صوت عاطفي، وبدر الدين سليمان أيضاً ممكن يكون صوت عاطفي، ومهدي ابراهيم ممكن يكون صوت عاطفي وهكذا. ولكن المصريين لابد أن نجابههم بالحقيقة المرة. وهى أننا نحن لا نسمح بأن يُدَمَّر المشروع الإسلامي في السودان. وثانياً لا نسمح لمصر بأن تقوم بتنفيذ مخططات ومؤامرات واشنطن وتل أبيب ضد السودان. فهذا المخطط واضح، وهم يستهدفون حصار السودان، وحصار السودان من خلال البحر الأحمر ومن خلال القرن الإفريقي، وكوهين جاء إلى هنا، وله تصريحات قبل أيام قالها في الشرق الأوسط، أن الإعلام السوداني حتى الآن يتحدث ضد أمريكا، حتى الإعلام السوداني لا يريدونه أن يتكلم، حتى أناشيد الدفاع الشعبي لا يريدونها يعني حتى لو قالت: (القمح سوداني ماهو أمريكاني) فالأمريكان عندهم ملاحظات في المسألة دي. المصريون عندهم ملاحظات، يعني عاوزيننا نحن نبقى شعب مستعبد، أصل نحن حانموت كم مرة يعني؟؟ فهم يجب أن يعرفوا هذه المسألة، وهى أن المتطرفين في السودان لسه ما حكموا، وبالصورة دي هم حايفتحوا لهم الفرصة أنهم يحكموا. والسلام عليكم ورحمة الله.

بابكر عمر العاقب:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

شكراً لإتاحة الفرصة. أرجو أن أذكر حقيقة ويفترض في جلسة يقدمها مركز الدراسات الإستراتيجية أن تبنى نهايات نتائجها على حقائق واضحة. وواضح جدا أن كثيراً من الكلام الذي ذُكر فيه عاطفة كثيرة، وفيه طيبة، طيبة السودانيين التي من الممكن أن تُفسر في قواميس بعض إخواننا بأنها غفلة، أحسب الآن أننا في مرحلة يجب أن نتحدث فيها بحقائق واضحة جداً مهما كانت مرة. وهذه تمكننا من أن نرى رؤية صحيحة، ونخطط بصورة صحيحة، وهذا أنفع لنا ولإخواننا المصريين. واحدة من الحقائق الأساسية التي أعتقدها أن مصر حكومةً وشعباً ـ وهذا سابق للمشروع الإسلامي في السودان ـ  السودان عندها هو أرض خصبة واسعة، وماء وفير، ولو استطاعت مصر أن تخلى السودان من أهله لفعلت، تلاحظ هذا عند الحاكم، وعند الإنسان المصري العادي، وتتفاوت، يعني تجده حتى عند اليساري، وعند الوطني، وربما تجده حتى عند الإسلامي في مصر، لكن تتفاوت درجة وضوح هذه المسألة، وجدية تنفيذها من مصري لآخر. مصر لو استطاعت أن تجد السودان بأرضه وبمائه دون بشر لكان هذا طيباً جدا، لو استطاعت أن تفعل بأهل السودان ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر ــ وهى الآن شديدة العُجب بأمريكا والإقتداء بها ــ لو استطاعت لفعلت أيضا. ولأن ذلك ليس سهلاً فمصر دائماً، وفي كل سنوات حكمها ومراحلها ترجو أن يكون الحكم في السودان ضعيفا جدا، حَكَمَ الصادق المهدي، أم حَكم الميرغني، أم حكم نميري، أم حكمت الإنقاذ. إذا وجدت حكماً ضعيفاً تستطيع من خلاله أن تؤثر وتستطيع من خلاله أن تستفيد من مياه النيل ومن أرض مصر دون مشاكل فهو حسن وطيب، وإن لم تستطع ذلك فيمكن أن تجابه وأن تتخذ بعض الذرائع كحلايب. ولو أعطيت حلايب الآن بالكامل لمصر لبحثت عن سبب آخر وجيه لاستفزاز السودان. وأنا أحسب الآن معارضة مصر للمشروع الإسلامي في السودان، والمشروع الإسلامي في السودان هو عامل استفزاز كبير وواضح يعجل في ظهور النوايا المصرية الحقيقية، شكرا جزيلا.

عصام.

بسم الله الرحمن الرحيم،  والله أنا عاوز امشي خط انهزامي شوية، الحقيقة أنا في الندوة دي في حاجتين شاعر بأنهم ناقصين، أولاً الناس بيتكلموا عن الإستراتيجية المصرية نحو السودان، وأنو السودان بفكر شنو في مصر، لكن ما كلمونا عن استراتيجية السودان نحو مصر، يعني السودان عايز شنو من مصر وعايز يقابل شنو أو عايز يكون نوع الحكومة في مصر شنو، عايز يواجه المشاكل مش مشاكل حلايب لكن مشاكل الاستراتيجية مع مصر تَوَجُّهُه شنو؟ هل توجهه هو مصالح، أم توجهه يكون مبني على مباديء وفلسفة معينة، وطبعاً دي قد تكون ضد المصالح فالمواجهة ماحقو عاوزين نشوف الاستراتيجية بتاعة السودان نحو مصر دي واحدة بفقدها فقدتها في الندوة. ثانياً عشان تكون دراسة متكاملة حقو كنت اتوقع أسمع رد على الاتهامات المصرية نحو السودان. يمكن أنا أحمل العتب على الاخوة المصريين اللي كان حقو يقولوها، يعني ما هى الاتهامات المصرية للسودان، والرد علينا شنو هل نحن أو السودان خفياً أو ظاهراً يؤيد التوجه الإسلامي في مصر؟ هل إذا انتصر التوجه الإسلامي زي ما واضح أنو قد يكون في توجه منطلق من استراتيجية سودانية إسلامية هل بيقف مع التوجه الاسلامي في مصر ضد الحكومة المصرية؟ هل قد يكون ـ مؤكد أنو ما في دعم ـ لكن هل في دعم والا مافي الناس تنفيهو؟ هل في تأييد يعني حتى ولو support  خفي ليهو؟ هل الموقف من الاسلام في مصركما موقف السودان من الاسلام في الجزائر وتونس؟ الاتهامات دي جاية من التلاتة دول أنحن حقو عشان نكون استراتيجية متكاملة نرد على هذه الاتهامات. هل انحن فعلا ودا قد يكون يدخلنا في مطب بتاع مواقف ومباديء معينة فأنا بفتكر أنو عشان الندوة تكون متكاملة نحصر الاتهامات المصرية ونرد عليها ونكون نحن واضحين فيها عشان الاستراتيجية  تكون كاملة والدراسة تكون متكاملة.

عبد الله أحمد عثمان

بسم الله الرحم الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله فيما يتعلق بالنظرة الحضارية التي يتحدث عنها الأستاذ مهدي ابراهيم أعتقد أنه لا خلاف، الأرضية الحضارية مشتركة بين الشعبين وإذا أبعدنا الدول والأنظمة الحاكمة العلاقة بيننا وعلاقة التاريخ والجغرافيا وكلها علاقة وحدة واحدة وهى كانت أمة واحدة وأحب أصحح في هذه النقطة الحديث الذي قاله الأخ بدر الدين سليمان فيما يتعلق بفتح محمد علي. حقيقة الأزمة الحضارية التي وقعت بين السلطة في مصر والشعب في مصر والمستمرة حتى اليوم كانت عندما دخل نابليون الأزهر بخيله، وما زالت حتى اليوم وانتقلت إلينا في السودان. منذ ذلك التاريخ أزمة العلاقة السودانية المصرية الراهنة خاصة بعد ثورة الإنقاذ وتوجهها الإسلامي الحضاري الواضح هى جزء من أزمة النظام في مصر منذ أن دخل نابليون في مصر وحتى اليوم. ما تصالحت السلطة في مصر مع الشعب ومع الوجدان المسلم إطلاقا. فيما يتعلق بالدورة الحضارية الراهنة أنا أعتقد أن الآن الدورة الحضارية في العالم تقوم بين النظام العالمي الجديد الذي يقوم على لا دين، ومصر واحدة من دول هذا النظام، والسودان الآن، الإسلام هو الخيار الحضاري الآخر في العالم بعد سقوط النظرية الشيوعية، والسودان يمثل الآن رمزاً فاعلا جداً وقوياً وناهضاً في هذه الدورة الحضارية الراهنة. إذن هنالك خلاف في الإطار الحضاري بين النظامين الحاكمين وليس بين الشعبين. فيما يتعلق بالدورة الحضارية الراهنة أنا أعتقد أن مصر الآن مصر الحكومة ولا أقصد مصر الشعب، لاتعبر عن الوجدان المصري والشارع المصري المسلم، الذي مازال في علاقة عدم اتفاق بينهما، مصر الآن لا تسعى لتحقيق مصالحها حتى في القرن الإفريقي أو في السودان، وأنا أستند في هذا إلى أحاديث ساسة مصريين، ولا أقول تحليلا شخصيا. في ندوة تتحدث حول المهددات الأمنية الإستراتيجية تحدث المشير عبد الحليم أبوغزالة والمشير محمد عبد الغني الجمسي أن الجبهة الوحيدة التي تأتمنها مصر هى الجبهة الجنوبية، جبهة السودان، وقال ـ وأذكر حديث أبوغزالة بالنص: (مهما تغير نظام الحكم فيها). إذن السلطة في مصر الآن لا تلعب دورا لصالح الشعب المصري. السلطة في مصر تلعب دورا لصالح حضارة أخرى ولصالح دورة حضارية أخرى. أيضا أؤكد الحديث الذي قاله الدكتور فيما يتعلق بحديث بطرس غالي في قضية حلايب، تعليق د. بطرس غالي في كتابه “أضواء على الدبلوماسية العربية” يقول أن حلايب هذه أرض مقفرة وليس لمصر أي مصالح حقيقية فيها، ولكنها كانت تدخلا من مصر حتى تتم الإنتخابات السودانية بعد الوحدة المصرية السورية، حتى تستطيع الأحزاب الموالية لمصر في ذلك الوقت أن تستفيد من هذه الوحدة كرتا رابحا لها للفوز بالإنتخابات في السودان. والآن يتكرر نفس الأمر. إذن حلايب قضية سياسية وليست قضية مصالح ولا بترول، والآن مصر تنقل لها الماء من السويس وحتى شلاتين، لأن حلايب ليس بها ماء أصلا. إذن القضية واضحة أنها قضية سياسية. وقضية تدخل في الشعب السوداني واستفزاز حتى يجر السودان إلى معركة لم يحدد زمانها وإن كان مكانها معلوما. حول سؤال الأستاذ مهدي هل نجد من مصلحة مصر أن يستخدم السودان كل حصته من مياه النيل؟ أقول: لا، ليس على لساني، ولكن على لسان الوزير، وزير الرى المصري في العام الماضي الذي قال: إن المياه التي كانت تأتينا من السودان 7 مليار متر مكعب الإضافية هى حق مكتسب لمصر ولا يمكن التنازل عنه. إذن لن تقبل مصر أن يستثمر السودان ترعتى الرهد وكنانة. والنظرة الخديوية أن السودان يظل مزرعة خلفية أو حديقة خلفية لمصر هذه قضية واضحة في الوجدان السياسي المصري، وآخرها حديث وزير الداخلية موسى قبل ثلاثة أيام أن مصر كان يحكمها ملك مصر والسودان! وهذه فرية في أذهان المثقفين في مصر والسودان. نحن نعتقد أن مصر استعمرتنا والمستعمِر أقوى من المستعمَر، وهذا غير صحيح. والمثقف المصري والسياسي المصري يعتقد أن مصر استعمرت السودان وهذا غير صحيح. مصر استقلت في عام 1954 بجلاء الإنجليز فلم تستعمرنا في يوم من الأيام حتى يكون لهم يد وشعور بالعلوية علينا وشعور بالدونية من جانبنا. ما كان لمصر في يوم من الأيام أن تستعمر السودان حتى تشعر بهذا الشعور. مصر الخديوية تنظر إلينا كمزرعة خلفية يجب أن تؤول إليهم في الوقت والزمان والمكان المناسب الذي تحدده السياسة المصرية، لكن قيام المشروع الإسلامي في السودان الآن الذي يناقض الخط الحضاري الذي.. لا أريد أن أخوض في تفاصيل لماذا مصر الآن هى ضد الإرادة الشعبية وضد الوجدان المسلم في مصر، هذه أسبابها كثيرة لا نريد أن نعددها الآن ليس هذا مجال الحديث في العلاقة. حديث الإرهاب. السائل الأخير يتحدث عن ما هو الرد.. من الذي قتل النقراشي باشا؟ من الذي قتل حسن البنا؟ من الذي قتل رفعت المحجوب؟ من الذي قتل السادات؟ هل هؤلاء كلهم سودانيون؟ إذن هى محاولات لخروج السلطة من أزمتها الداخلية بتعليق الأمر في شماعة خارجية. القضية واضحة ولاشك في ذلك. أيضا هل تستطيع مصر الآن ـ مصر الدولة ـ أن تواجه أي محاولة لفصل جنوب السودان؟ وأذكر حديث الدكتور أسامة الباز في ندوة في القاهرة في فبراير 89 قال: مصر لن تسمح بفصل الجنوب لأن هذا يعتبر من مهددات الأمن القومي المصري. هل تستطيع الآن مصر أن تقف في وجه الأمريكان إذا ما فكروا في فصل الجنوب؟ هل تستطيع أن تقول لا؟ هل تستطيع أن تمنع البوارج من المرور في قناة السويس؟ أقولها صريحة لن تستطيع ذلك. وهو ضدها لأن أسامة الباز برر ذلك قال: لا نريد أن نزيد دول مياه النيل دولة عاشرة فنعقد أزمة مياه النيل. أخلص من حديثي وأقول أن الخلاف الآن خلاف حضاري وكل ما نراه هو إفراز لهذا الخلاف الجوهري سواء بين السلطة في مصر وشعبها أو بين السلطة في مصر والسلطة في السودان التي توافقت الآن مع شعبها فصار المثلث واضحا جدا. أشكركم جزيلا والسلام عليكم.

متحدث آخر:

بسم الله الرحم الرحيم

أولا كلام الأخ مهدي عن الإستفزاز والتحرشات وبعض الإخوان ذكروه وهذا يذكرني سنة 58 لما كنا طلبة وكنا عاوزين نطلع مظاهرة وكان عبد الناصر متزعم وكان زملاؤنا وأصدقاؤنا في الإتحادات معنا من الشيوعيين وكده.. وكنا عاوزين نطلع المظاهرة ونقول لا استعمار ياجمال فكان في الإتحاد قالوا لا ده ما كلام نقول لا استفزاز وصوتنا على استفزاز وفازت استفزاز فعلا في النهاية فازت أنو الشعارات تكون لا استفزاز ياجمال فدي يعني هسه بدرت. أظنني لحد كبير جدا أتفق مع الأخ الدكتور التجاني عبد القادر فيما أورده من حديث وأفتكر أن بعض الإخوة حملوا على الأخ الدكتور التجاني عبد القادر على أساس أنه خرج على بعض المعايير أو بعض المؤشرات اللي تكلموا عنها الناس والإخوة لكن هو من أول مرة بداهة قال هذه كلها مسلمات ويفتكر أن هذا هو الشي الأمثل والشيء المثالي اللي يجب أن يكون، ولكن لما جاء للتحليل بتاعو جاءه من زاوية أخرى هى زاوية الواقع المعاش وما حدث من تطورات في القضية. وفي رأيي أن القضية أولا وأخيرا سياسية فكل الأشياء التي قيلت حولها ومبرراتها.. قضية سياسية بدليل أنه حتى الأوقات التي تثار فيها ذات معنى سياسي ومضمون سياسي ومفهوم سياسي وتحركات سياسية معلومة. وذُكرت هنا والآن من باب أولى أن تثار في هذا الظرف ظرف الإنقاذ وظرف التوجه والمشروع الجديد الموجود. قد يتراءى للسلطة المصرية أن النظام السياسي القائم في السودان ليس تابعاً كما قال الأخ الدكتور التجاني، وهو نظام مستقل في قراره، ومستقل في كل توجهاته، ولديه مشروع مكتمل، ولديه أفكار معلومة ومقروءة لكل الناس، واستراتيجية ذات أبعاد وليست داخلية فحسب. وببساطة نقول هو نظام ذو رسالة.  فقد ترى في النظام السياسي الموجود الآن بعض الخلافات ولاسيما وأن النظام الآن على تقارب مع ليبيا ونظام اللجان الموجودة فيه النكهة الليبية، على الرغم وجود اختلاف شديد، إضافة إلى التكامل مع ليبيا، والعلاقات الطيبة التي نشأت مع إيران، فهذه تضاف للظاهرة السياسية الموجودة، سيما وعندنا منظمات وأنشطة وأفرع كثيرة جدا يمكن أن يكون صنوها في إيران، فالحرس الثوري يناظره عندنا  الدفاع الشعبي هنا، ومنظمة الشهيد هنا ومنظمة الشهيد عندهم هناك، وإعلان الجهاد..  وهكذا. فهذه تجعل نفس التخوفات والتحسبات عند الإخوة في مصر، فيبدأون يتكلمون عن موضوع إيران، ويكون الموضوع نابعاً من الزاوية السياسية. الوقوف مع العراق له مدلول سياسي رغم أنه كان على الإخوة المصريين أن يفهموا أنه لم يكن هنالك جامع فكري بين النظام السوداني والنظام العراقي، وحسب ما كان النظام في وقتها بل هناك تناقض، ولم يكن هناك تشابه إلا في المباديء العامة: العربية والقومية العربية أو الإسلام كشيء غير سياسي وغير فكري فكان هناك الفكر البعثي. وأعتقد أن المسألة في أساسها مسألة سياسية لسبب ثاني وهو أن المشروع السياسي السوداني وهو مشروع إسلامي يمكن قد تكون مسألة الغيرة الموجودة في مصر الحاكمة، فالسلطة المصرية ترى في السودان دولة عندها مشروع متكامل. وحتى حدود حلايب بل وحتى الحدود الأخرى لا تضع لها اعتبارا سواء كانت مع مصر أو مع ليبيا أو مع السعودية أو.. أو…الخ. يعني مشروع متكامل ويؤمن بعالمية الرسالة الإسلامية، ويعتبر الحدود حدوداً وهمية. وكما ذكر د. التجاني في كلامه فإن مصر يمكن أن تجني كل المصالح التي أثارها الأستاذ مهدي في كلامه وتجنيها ببساطة من السودان. وهناك تراخي شديد نتمنى ألا يزيد أكثر من ذلك ونتمنى أن يتوقف هذا التراخي عند هذا الحد، ولو أن يصمت الناس سواء كانوا في المستوى الرسمي أو غيره إذا لم يكن هناك غير هذه اللغة. ويجب أن تكون هناك لغة مواجهة ولغة حقائق. لماذا تضحي مصر بمصالحها؟ الولايات المتحدة الأمريكية تعطي السلاح من جانب وتجني مصالحها من جانب آخر. والولايات المتحدة تجعل بعض البلدان تتورط مع بعضها فتجعل مصر تتورط مع إيران للتفاوض هى مع إيران من جانب آخر وترعى مصالحها. فمن باب أولى أن ترعى مصر مصالحها. ولكن كما قلت فالمسألة مسألة سياسية، والدافع دافع سياسي أولاً وأخيرا، خاصة للمشروع الإسلامي الذي له كثير من المردودات التي من الواضح  أن الإخوة في مصر لا يتقبلونها كثيراً. شكرا جزيلا.

جمال عنقرة:

شكرا جزيلا، ليس لأن السنوات الأخيرة، والتي تقارب أن تبلغ العشرين، قد قضيتها بين مصر والسودان، ولكن لأن المقام يقتضي بأن يتجرد الإنسان من الإنتماءات الأصغر. ولأن المنبر الذي نتحدث فيه كذلك يقتضي. وأحسب أن شعار المركز الذي هو أمامنا وقد لفت نظري فيه أن خريطة السودان فيه لم تبد فيها حلايب. من الأشياء التي تلاحظ في بعض الحديث بالنسبة للتاريخ القديم أو القديم جدا، فالرحلة التي كانت شمالا وجنوبا والتي أشار إليها أستاذنا بدر الدين سليمان، رحلة بعانخي الذي كان مكملا لرحلة أبيه الملك كاسكا ملك نبتة والتي اتجهت شمالا حتى عمت كل مصر وردت الجيوش الآشورية واستنجد بها غيرهم من السوريين والفينيقيين والفلسطينيين، هذه الرحلة التي اتجهت شمالا كان خيرها على العلاقة كثيرا، بعكس الرحلة التي اتجهت جنوبا، رحلة محمد علي باشا أو المصريين مع محمد علي باشا أو رحلتهم مع هيكس أو مع كتشنر. ويبدو أن الفرق ليس في اتجاه الرحلة بقدر ما أن الرحلة شمالا كانت رحلة أصيلة، وكان المشتركون فيها أصلاء، بقدر أن الرحلة جنوبا كانوا فيها وكلاء، ويبدو أن هذه كانت جزءاً من أسباب المشكلة. وأحسب أن الرحلة جنوبا أتت بمردود عكسي وأتت أيضا برواسب نفسية أثرت على العلاقة فيما بعد بين البلدين. واستمرت هذه المرحلة حتى مرحلة الإستقلال. وأذكر أن ما دار في الإستقلال، والحديث حول الإستقلال أو الوحدة، والأحزاب الكبيرة في السودان انقسمت حول مصر، الوحدة أو الإستقلال، هذه المسالة كان لها أيضا مردودها السيء على العلاقة السودانية المصرية فأصبحت مصر تنظر إلى السودان نظرة محاور، حتى أن الذين يقفون مع مصر أصبحوا هم الأشقاء وحدهم دون غيرهم، وأن غيرهم أصبحوا على عداء مع مصر، وهذه المسألة قد جرت أشياء كثيرة ماثلة في أذهان الناس. وقد يكون السبب الذي أدى إلى شيء من الإزدهار في فترة اختفاء الحزبية في بداية عهد مايو، وأدى إلى بداية مشروع الوحدة الثلاثية ثم التكامل، هو ضعف المحاور مع أنه حتى الفترة المايوية كان الناس عندما يحاولون أن يذهبوا بأي شيء إلى الشمال يتجهون عبر المحاور، فكان هناك وزراء معروفون وهناك مندوبون معروفون يتجهون إلى مصر، هم الذين لهم ميول اتحادية أو وحدوية سابقة. وحتى في مرحلة ضعف المحاور حفظت لهم مصر بعض الإمتيازات، فهناك قوائم للقبول في الجامعات المصرية وفي جامعة القاهرة لأناس محددين، لا يخضعون للضوابط التي يخضع لها عامة أهل السودان. وعندما سقطت مايو وجاءت الأحزاب مرة ثانية وجاءت المحاور، فمن سوء الطالع أن المحاور كانت ضعيفة في المرحلة الأخيرة، وأن المحور الذي كانت تعتمد عليه مصر في تعاملها مع الثورة أعتقد أن هذا كان خطأ كبيرا في إطار التعامل مع السودان وهو المحور الإتحادي، ضعف جدا وبالتالي انعكس ذلك على عداء شديد مع المحور الآخر حتى يوزن كفة الطرف الآخر، ومشروعات كثيرة دخلت فيها مصر لم تكن في صالح المسألة في عمومها، سواء كانت مشروعات في إطار الحوار بين الجنوب والشمال ومسائل كثيرة تابعها الناس من خلال مرحلة الحزبية الثالثة، وبالتالي فالجانب الآخر وهو جانب حزب الأمة والصادق ليقابل هذه الحملة الشرسة للموازنة الداخلية قاد السودان بأجمعه إلى صراع أكبر مع مصر، وهذا وضح جدا عندما سقط نظامه فجر الإنقاذ أن شمتت عليه الأجهزة الإعلامية المصرية والحكومة المصرية شماتة شديدة. ورحبت ترحيبا حارا بنظام الإنقاذ. وأحسب أن في هذه أيضا بعض الأشياء التي انعكست سلبا على العلاقة السودانية المصرية لاحقاً، فهى رحبت بها في الأول نكاية في حزب الأمة الذي سقط وقد يكون لاعتبارات أخرى، فقد حسبتها يمكن أن تكون معها بلا حدود، ولكن ظهرت هنا مشكلة بالنسبة لمصر عندما اتضح لها أن الاسلاميين في السودان يقفون مع هذا النظام. ومن الأشياء الغريبة أن مصر كانت في فترة الحزبية الأخيرة تحتفظ بعلاقة طيبة مع الإسلاميين في السودان. ويبدو أن سبب ذلك هو لمحاولة لوزن الحليف الدائم وضعفه في المرحلة الأخيرة ولكن يبدو أنها عندما وجدت الإسلاميين وحدهم يدعمون الحكم في بداية الإنقاذ تداعت إلى ذاكرتها صورة الإسلاميين في مصر. وهذه رسبت في نفسها أشياء لم تكن حسنة وانشغلت في البداية بفك الصراع بين الإسلاميين وبين الإنقاذ. وعندما عجزت عن ذلك جعلت صراعها مع النظام كله إسلاميين وغير إسلاميين. وأنا أعتقد أن في هذه المسألة فات على مصر بعض الأشياء: أولها أن الإسلاميين في السودان ليسوا صورة طبق الأصل من الجهاد والتكفير القائمة في مصر. وأن الإسلاميين المتطرفين الذين يبشر بهم الأخ محمد طه لم يأت وقتهم بعد. فهذه يبدو أنها قد فاتت عليهم. وقد ذكر الأخ المتحدث أخيراً أن النظام في السودان بإسلامييه وقف مع العراق وكانوا بعيدين عنه. ولا أعتقد أنه من منطلق فكري مصر أبعد من العراق أو من ليبيا. ولكن يبدو أن المواقف في اللحظة التي انشغلت فيها مصر بفك العلاقة بين الإنقاذ والإسلاميين كان غيرها يدعم السودان بإنقاذه وإسلامييه عندما احتاج إلى الدعم. ويبدو أن هذه هى التي غيرت في مسألة المواقف والعلاقات. والمسألة الأخيرة ـ ويبدو أن الزمن يحاصرني ـ هى أن هناك أشياء كثيرة أدت إلى هذا التأزم، ولكن أنا أعتقد أيضا أن من الأشياء التي فاتت على النظام هنا في السودان أنها حاولت أن تخاطب مصر عبر محاور أخرى غير الرئاسة في مصر. ويبدو أنهم قد فات عليهم أن الله سبحانه وتعالى عندما أراد أن يخاطب مصر خاطب الملك ولم يخاطب غيره. ويبدو أن هذا هو الطريق الأقرب إلى خطاب الشمال. وشكرا جزيلا.

موسى سيد احمد:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أولا أنا أكاد أتفق في التحليل مع الأخ التجاني عبد القادر في كثير مما ذهب إليه، ولذلك فلا أحتاج إلى تكرار وهناك سؤال ظل يحيرني زمناً طويلا هو لماذا العلاقات السودانية المصرية متميزة؟ نحن دائما نتحدث في السودان عن أن العلاقات السودانية المصرية متميزة وأزلية و و .. الخ كنت دائما أفكر لماذا مثلا العلاقات السودانية المصرية تتميز عن العلاقات السودانية بإثيوبيا أو ارتريا أو غيرها من دول القرن الإفريقي؟ وفي تقديري أن كثيراً من العوامل المشتركة بيننا وبين هذه الدول وهذه الشعوب كان يمكن أن تجعل علاقاتنا بإثيوبيا أو ارتريا وغيرها علاقات متميزة عن العلاقات السودانية المصرية ولكن ما جعل العلاقات السودانية المصرية متميزة ـ وهى فعلا كانت متميزة ـ هو أن التفاعل بين السودان ومصر ظل متميزاً والرباط التاريخي بين السودان ومصر ظل رباطا قويا، وفي هذا التفاعل وهذا الرباط عبر التاريخ من بعد الثورة المهدية كانت مصر دائماً  في موقع المسيطر والمهيمن وكان السودان دائما في موقع المتلقي، لماذا قامت في السودان أحزاب تدعو إلى الإتحاد مع مصر مثل حزب الأشقاء وتدعو دائما للرباط مع مصر ولم تكن في مصر أحزاب مماثلة للأحزاب التي كانت قائمة في السودان؟ في تقديري أن هذا التفاعل التاريخي كان السودان فيه في موقع المتلقي. الثقافة العربية الإسلامية التي شكلت واقع السودان خلال القرن الحالي جاءتنا من مصر. وكثير جدا من الأحداث السياسية في السودان كان الدور المصري فيها بارزاً جدا. وبالمقابل من بعد الثورة المهدية لم تكن السياسة السودانية متطلعة إلى دور في مصر أصلا، وإنما كانت متلقية. ولذلك فهذه النظرة في تقديري شكلت العقلية المصرية. وأنا لا أعتقد أن الفاصل كبير جداً بين ألوان الطيف السياسي والفكري في مصر في نظرتهم للسودان، سواء القوميين منهم، أو الأمميين منهم، أو الإسلاميين منهم، كلهم نظرتهم إلى السودان شكلتها هذه العقلية، وهى أن السودان ظل دائماً يتلقى من مصر، وظل دائما يعتمد على مصر، وظل دائما يتأثر بما يدور في مصر أكثر مما يؤثر فيه، وهو أصلا ما كان يتطلع أبداً إلى أن يؤثر. فهذه المسألة انتهت من بعد سقوط المهدية، فالسودان ما تطلع من بعدها شمالا. وهذه المسألة في تقديري انعكست على السياسة المصرية عبر التاريخ. ومن بعد الإستقلال كان المنظور السياسي المصري للسودان واضحاً جدا. فمصركانت متطلعة بعد الإستقلال إلى علاقة متميزة مع السودان، علاقة تبعية. ولذلك لما اقتنعت السلطة في مصر، و سعت مع السودان لتقرير المصير في السودان، كانت تعمل على أن يكون تقرير المصير هذا يقنن في نفس الوقت لتبعية السودان لمصر. وإذا أردنا أن نكون مجاملين جدا فيمكننا أن نقول يقنن لعلاقة، ـ إن لم تكن كلها تبعية ـ ففيها الكثير من التبعية لمصر. ولذلك كان المصريون واضحين جدا في دعمهم للأحزاب السياسية السودانية التي كانت تدعو للإتحاد مع مصر، وتدعو لعلاقة وثيقة مع مصر. ولما تخلت هذه الأحزاب عن أهدافها أو عن خطها أو عن برنامجها في الإتحاد مع مصر كان رد الفعل عنيفاً جداً، حتى رد فعل الشارع المصري تجاه هذه الأحزاب. وأذكر أنه في ذلك الوقت من بعد إعلان الإستقلال في أول زيارة للزعيم اسماعيل الأزهري إلى مصر كانت هذه المسألة واضحةً جداً في الإستقبال الذي وجده اسماعيل الأزهري في مصر، حتى أنه في مذكرات أحد الطلاب السودانيين الذين كانوا في مصر في ذلك الوقت قال إن الطلاب السودانيين الذين كانوا في القاهرة في ذلك الوقت والذين ذهبوا لاستقبال اسماعيل الأزهري وتحمسوا له وجدوا معاناة شديدة من بعد ذلك في مواصلة دراستهم في مصر. فمصر ما كانت تتسامح أبداً في أي محاولة من السودان ليكون عنده ذاتيته أو استقلاله. وبدأت المسيرة من بعد الإستقلال واستمرت. ولذلك فعلاقات السودان بمصر كانت دائماً علاقة بها الكثير من التوتر. مهما سعت الأنظمة السياسية في مصر لتتماشى مع السياسة المصرية وتحقق لها بعض تطلعاتها في السودان ـ وطبعا المسألة تختلف من نظام إلى نظام ـ لكن مهما كانت هذه المسألة فدائما كانت تظهر توترات. فعندما أبرمت مصر اتفاقية كامب ديفيد مع النظام الصهيوني وكانت هذه نقطة تحول كبيرة في مصر ، فمصر لم تعادي أي نظام من الأنظمة العربية في موقفها من مصر مثلما عادت السودان لما حاول أن يقف خطاً وسطاً، فلم يساير مصر في مسألة كامب ديفيد، ويذكر الناس التوتر الذي حدث في ذلك الوقت بين السادات والنظام في السودان في ذلك الحين، رغم الراوبط الكبيرة جدا التي كانت تربط النظام بالنظام المصري، فمصر ظلت دائما على هذا المنوال. وأعتقد أنه الآن حدث شيء جديد. وهذا الشيء الجديد حتى في هذه الندوة يبدو لي ظاهرا جدا. فالآن في السودان هنالك جيل جديد غير متأثر إطلاقا بالتفاعل التاريخي بين مصر والسودان، والذي كان فيه السودان دائما متلقيا. نشأ في السودان جيل جديد أصبح له بعض الأثر في القرار السياسي في السودان، هذا الجيل لا ينظر إلى مصر نظرة الجيل القديم إلى مصر، نظرة الأستاذية ونظرة العلوية، لأنه حقيقة ومن ناحية موضوعية حتى عطاء مصر نفسه في هذا الزمان توقف تقريبا، مصر كان عندها كثير من العطاء حتى على المحيط العربي وفي المحيط الإسلامي. هذا العطاء الآن توقف تماماً، فمصر الآن تلعب دورا معاكساً تماما للدور الذي كانت تلعبه مصر في الماضي. فالجيل الجديد في السودان والذي أصبح عنده بعض الأثر على القرار السياسي في السودان ليس جيلا ينظر إلى مصر نظرة الأستاذية وإنما ينظر إلى مصر نظرة الندية. ومن ناحية أخرى فالسودان نفسه حدثت فيه كثير من المتغيرات الداخلية، وأصبح الشعب السوداني والمثقف السوداني على درجة كبيرة جدا من الوعي، أنا أدعي أنها أكبر بكثير جدا من الوعي الآن لدى المثقفين السودانيين عشية استقلال السودان. بحكم الظروف الموضوعية التي ساهمت في تكوين الجيل السوداني الجديد، وأنا أعتقد أن التوتر الناشيء الآن في العلاقات السودانية المصرية ناشيء من هذه الزاوية وهو توتر لم يبدأ مع النظام الحالي. فلو كان قد بدأ مع النظام الحالي لكان من الممكن أن نقول _أن هذا التوتر ناشيء فقط من أن هذا النظام يتبنى مشروعاً حضارياً إسلامياً، ولكن هذا التوتر كان واضحا جدا مباشرة بعد سقوط مايو، مع كل الحكومات الحزبية التي جاءت من بعد مايو، حتى مع الحكومة الإنتقالية نفسها. نحن الآن نمر بمرحلة تاريخية وبمنعطف تاريخي أصبح فيه لأول مرة المثقف السوداني لا ينظر لمصر نظرة الأستاذية، وأصبح فيه المثقف السوداني لأول مرة يعتقد أنه يمكن للسودان أن يكون له أثر على مصر مثلما كان لمصر أثر على السودان في الماضي. وأصبح الآن المثقف السوداني ينظر إلى مصالح السودان من ناحية موضوعية  مثلما المثقف المصري أو المتعلم المصري ينظر إلى مصالح مصر. وأنا لا أستغرب أن تظهر في السودان من بعد هذا كثير من الكتابات التي تتحدث عن مصالح السودان في مصر مثلما في الماضي كل الحديث عن مصالح مصر في السودان، وعن أثر السودان في مصر، وعن دور السودان في مصر. وكان يمكن للعلاقات السودانية المصرية إذا كانت تؤسس على قضايا المصالح المصرية فقط كان ممكن أن يكون التوتر موجوداً ولكنه كان ممكناً أن يتأخر كثيراً جداً في البروز بهذه الصورة، وخصوصاً أن الإستراتيجية تتحدث عن احتواء المشاكل من خلال خلق مناطق تكامل، احتواء مشاكل الحدود كلها، ودعنا نتحدث بصورة عامة عن دول الجوار. والتوجه للنظام الحالي في السودان واضح في علاقاته مع دول الجوار، لأنه يعطي أهمية كبيرة لعلاقات دول الجوار ويسعى لتأسيس هذه الروح التكاملية مع كل دول الجوار، ومن باب أولى أن تكون هذه العلاقات مع مصر. ولكن هناك عاملا آخر ساهم في إبراز هذا التوتر، وهو أن مصر الآن ما أصبحت فقط تعبر عن المصالح المصرية فقط في المنطقة، ولكن السياسة المصرية الآن هى تعبير عن المصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة. وهذا هو الذي زاد من التوتر في العلاقات. ولكى يزول هذا التوتر لابد من بحث هذه القضايا بكثير من التجرد. وأنا سعيد لأننا بدأنا نتخطى مرحلة العاطفية والتبعية العاطفية لمصر. وكلما تخطينا هذه المرحلة كلما تأسست علاقات سوية وصحيحة بين السودان ومصر. وشكرا

الفريق (م) السر محمد أحمد:

أيها الإخوة تحليل العلاقة بين مصر والسودان يحتاج إلى أسابيع، وأمام هذا التسلل الذي وقع في القاعة والإرهاق الذي أراه في الوجوه أوقف الندوة عند هذا الحد وأشكركم شكراً كثيرا.

التعليقات

أضف تعليقك