ندوة الأصول الفكرية – الأصول الفكرية للنظام الإقتصادي الإسلامي – د. عبد المنعم القوصي

الأصول الفكرية للنظام الإقتصادي الإسلامي

د. عبد المنعم القوصي

 

لكل عقيدة دينية كانت أو غير دينية ولكل فلسفة من الفلسفات رؤية معينة للكون والحياة وللإنسان ودوره فيها لذلك أي نظام اقتصادي لايمكن عزله عن جذور حضارية في عقيدة معينة سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة دينية أو غير دينية أو أي فلسفة من الفلسفات. لذلك لو أخذنا الفكر الكنسي. قبل ظهور البروتستانتينية كان الفكر الكنسي يعادي العلم وكلكم يعلم أن ظهور البروتستانتينية كانت ردة فعل لموقف الكنيسة من العلم حتى أن النهضة الصناعية نفسها ظهرت في غرب أوربا في إنجلترا موطن البرتستانتينية. لذلك كل النظريات العلمية في كل العلوم نشأت علمانية والحادية لأن البيئة كانت بيئة تناهض الدين واستمر ذلك إلى اليوم. حتى العلوم الطبيعية مثل علم الفيزياء. يستطيع علماء الفيزياء تفسير كثير من الظواهر الطبيعية ولكنهم عندما يأتوا إلى نقطة لا يسعفهم عقلهم في تفسيرها لا يردونها إلى صنع الخالق الذي أتقن كل شئ صنعه، وإنما تقف بهم علمانيتهم هناك.. فكل العلوم طبيعية كانت أو انسانية نشأت في هذا الجو الإلحادي. وكذلك الإقتصاد نفسه إذا تأملنا في نظرياته نجد أن كثيراً من هذه النظريات تعارض الدين. حقيقة قد تبادر سؤال هنا وهو ما هي أهمية دراسة الأديان في هذه المجال ؟ نقول في الإجابة على هذا السؤال ان الأديان تمثل الدافع للنشاط الإقتصادي سواء كان الدافع إيجابي أو سلبي . فإذا كان الفكر الكنسي الكاثوليكي يمثل نظرة سالبة للكون والحياة ودور الإنسان فيه حسب فهمهم لخطيئة آدم وأن وجود الإنسان في هذا الكون كان عقوبة الهية إلى آخر هذه المفاهيم. لو تأملنا النظرية الماركسية نجدها عقيدة إيجابية بالرغم من أنها عقيدة مادية فهي ترى في الإنتاج هدف الحياة في هذا الكون وفي المادة أصل الوجود. فالإنتاج والإستهلاك هما محور الحياة الإنسانية ومنطلقها الأساسي. يعني أن حياة الإنسان تدور حول الإنتاج والإستهلاك. ولكل نظرة من هذه لها أثرها على الحياة الإقتصادية تنشيطاً أو تعويقاً أورعاية أو إنتهاك للقيم.

طبعاً إذا نظرنا إلى الإسلام. فالإسلام عقيدة ايجابية وسوف أحدثكم بعد قليل عن الأصول الفكرية للإقتصاد الإسلامي والتي تنبع عن عقيدة الإسلام الإيجابية. الإنسان حسب نظـرة الإسـلام للكون واللحياة لـه دور وجـد مـن أجله. فـالله سبحانـه وتعـالى بعد أن خـلق آدم وقبل أن يهبط بـه إلى الأرض كما نقـرأ في القـرآن الكـريم أجـرى محـادثة تمـت بين المـلائكة عـن الإنسـان يقـول الله تعــالى {وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون() وعلـم آدم الأسمـاء كلها} فالإنســان خلقــه الله خليقــة. كلمــة خليقــة قــد تحمــل عــدة معـاني أي يخلــق بعضـه بعضـاً ـ أو لأداء مهمــة معينــة يستخلفهـــم الله سبحانــه وتعــالى عليهـــا. وآيــة أخـرى تقـــول {ومــا خلقت الجـن والإنـس إلا ليعـدون} وهذا هـو هدف الحياة بالنسبة للإنسـان فـي هذا الكون. وآيـة أخرى أيضاً تقول {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} أي طلب منكم عمارتها وهذا طلب مطلق كما يقول الإمام القرطبي وكل طلب مطلق في القرآن يكون بدرجة الوجوب. فالله سبحانه وتعالى أنشأنا من الأرض وأوجب علينا عمارة الأرض. هذه الآيات كلها يجب أن تؤخذ مع بعضها البعض. أن الله تعالى إستخلفنا وحدد لنا هدف وجودنا في هذا الكون وهو العبادة وهو تعالى أوجب علينا عمارة الأرض. ومن هنا يدخل إعمار الأرض كجزء من العبادة المناطة بالإنسان على وجه هذا الأرض. ولا يمكن أن تفهم العبادة بعيداً عن هذا المعنى أبداً  لأن الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات يذكر ذلك. فوظيفة الإنسان في هذا الكون هي العبادة ولكن ما مفهوم العبادة في الإسلام. مفهوم العبادة هو مفهوم ينظم حياة الفرد اليوم كله حتى النوم يعتبر عبادة في الإسلام لأن الإنسان به يأخذ قسطاً من الراحة متهيئاً لعبادة اليوم الآخر.فسعى الإنسان وانتاجه واستهلاكه وكل حركته عبادة.

نأتي للأصل الثاني: يقول الله تعالى {هو الذي جعل الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقة وإليه النشور} فحتى تتم عملية الإستخلاف وتتم العملية المناطة بالإنسان أصلاً على وجه هذه الأرض، ذلك الله تعالى الأرض وهيأها. وهذه الآية تحمل معاني كبيرة جداً. تحمل تقريباً حلقات الإقتصادية كلها. المشي في المناكب دلاله على السعي والعمل والنشاط والجد فهنا أمر من الله تعالى بعد أن تهيأ الإنسان بالحواس والقدرة والعقل أن يسعى في هذا الكون وأن ينشط ويعمل ويكد وهذا جزء من العبادة المناطة بـه وكلمة (ذلولاً) يعني (التسـخير). فالمــزارع يبــذر الحـب والله يتــولى الإنبـات. قــال تعــالى {أفرأيتم ما تحرثون () ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} فالله تعالى هيأ هذه الأرض وسخرها وجعل التربة تحوي أملاح معينة وقدر معين من الرطوبة. يعين هذه الفسيلة حتى تصير شجرة تحمل نفس النوع. هذا هو تسخير الأرض. لكل إنسان يكد ثمرة، فهو له الحق في أن يجني ثمرة عمله. ولكن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية نسب الرزق إلى نفسه، حتى لا يظن ظان أن السبب في ما يجمعه في يده من رزق هو نتيجة لجهده وعمله فقط بل ليعلم أن الرزق هو قدر الرازق. وهذا ما حدث لقارون، فقد قال الله سبحانه وتعالى {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم () وأتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة} فقد أعطى الله تعالى قارون كنوز لاتستطيع العصبة من الرجال الأقوياء أن تحمل مفاتيحها. فقال له قومه أحسن كما أحسن الله إليك. فماذا كان رده ؟ قال: (إنما أوتيته على علم عندي) لذلك خسف الله به وبداره الأرض.

والله سبحانه وتعالى نسب الرزق إلى نفسه حتى يعلم أن مصدر هذه الثروة هو الله سبحانه وتعالى وليس علم البشر وقدرة الإنسان. وجاء في ذيل الآية‏ {وإلية النشور} لربط الدنيا بالآخرة، ليعلم الناس أن النشاط الإقتصادي جزء من العبادة. ومن أساسيات العقيدة الإسلامية السؤال الآخروي فالله سبحانه وتعالى سيسأل الإنسان يوم القيامة عن نشاطه في هذا الكون {هـو الـذي جعـل لـكـم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقة وإلية النشور}أي لا تنسوا أن هناك سؤالاً أخروي.

فالمنتج يجب أن يعلم أن هنالك نمطاً معيناً يفترض أن يتبعه في نشاطه الإقتصادي الإنتاجي، وأنه سيسأل عنه يوم القيامة فعليه أن ينتج الحلال، لأنه الله سبحانه وتعالى فرق بين الطيبات والخبائث، وأحل إنتاج الطيبات وحرم الخبائث.

فالخمر من الخبائث والقمح من الطيبات. فالمنتج المسلم مطالب أن يتبع ما أمر به في الدين.

ووسيلة الإنتاج أيضاً يجب أن تكون حلالاً. فنظام تمويل الإنتاج نفسه يجب ألا يكون بالربا. كما يجب أن يعطي العمال أجورهم كاملة من غير بخس وقبل أن يجف عرقهم إيماء إلى السرعة أيضاً العمل حقوقهم فالله سبحانه وتعالى يقول{ولاتبخسوا الناس أشياءهم} ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) إلى آخر هذه الأوامر. فوسيلة الإنتاج يجب أن تكون حلالاً. وقد ينتاب الفعل اللاحق للإنتاج الحرام، لأن المؤسسة قد تنتج القمح بطريقة صحيحة ولكن تستغل حاجة الناس في السوق وتحتكر. وهذا يدخل الفعل اللاحق للإنتاج في إطار الحرام.

فالمنتج يجب أن يتبع أوامر الدين في الإنتاج. والمستهلك أيضاً، يجب أن يكون نمط إستهلاكه نمطاً إسلامياً. فالله سبحانه تعالى يقول { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً } ويقول {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً}. فقد نهى القرآن الإنسان عن التبذير لأن ذلك مدعاه لأن تعطي الحقوق لأصحابها.

وأخلص من هذا إلى أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ذلك الكون وأمر الناس بالسعي والإنتاج أحل لهم ثمرة هذا الجهاد وذكرهم بأن هذا السعي والنشاط سوف يسأل منه الإنسان يوم القيامة. وهذا يؤكد مفهوم العبادة في الإسلام. فالعبادة ليست فقط الصوم والصلاة والزكاة وبقية الشعائر بل العبادة كل متكامل تكتمل معانيها بأوامر الدين كلها.

الأصل الثالث: وهو أن الإستخلاف والتسخير يقتضيان الإنتفاع، فلا يمكن أن يكلف الإنسان وتودع فيه الحواس وتسخر له الأرض وتذلل وبعد ذلك يحرم علية الإنتفاع بخيراتها. وهذا فهم منحرف عن سنن الإسلام قال تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} بل أن كثير من الناس يظنون هذا الظن المنحرف وهو أن منع هذه الدنيا منعاً مذمومةً والله سبحانه وتعالى يقول {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} وهذه الآية تمثل نهج الإسلام الوسط، وهو نهج وسط بين الذين يخالون في مادية الحياة كالشيوعية والذين ينفون المتعة والإستقرار عن هذه الدنيا كما يقول الفكر الكنسي والمتطرفون من الصوفية.

والله سبحانه وتعالى يثبت في هذه الآية أن هذه الدنيا فيها متاع واستقرار ولكن إلى حين.

 وهناك الأصل الأخير من الأصول الفكرية للنظام الإقتصادي في الإسلام وهو النظرة للنشاط الإقتصادي. فالنشاط الإقتصادي في نظر الإسلام هو وسيلة ضرورية إقتضتها طبيعة الإنسان وفطرته، فالإنسان مخلوق من طين وغرائز فيجب أن يتم له إيفاء هذه الغرائز. فهو لابد أن يأكل ويشرب، ولكن لا يمكن أن يأكل ويشرب إلا إذا عمل وانتج. فالنشاط والإقتصادي وسيلة ضرورية إقتضتها طبيعة الإنسان وفطرته. وبهذا الفهم عليه أن يعلم إن النشاط الإقتصادي وسيلة وليس غاية. والله سبحانه وتعالى يقول {وأبتغ في ما آتاك الله الدار الأخرة، ولاتنس نصيبك من الدنيا}.

والرسول صلى الله عليه وسلم ذم عباد المال بقوله: (تعس عبد الدرهم) تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس وانتكس وإذا شيك فلا إنتقش وهذه دعوة من الرسول صلى الله عليه وسلم على الذين لا يرون في نشاطهم الإقتصادي وهم بذلك يعبدون المال.

ويجب أن يتذكر الإنسان في كل موقف وعمل يريد أن يقدم عليه ماذا يريد الله سبحانه وتعالى منه. فإن كان عمل خير يقدم عليه، وإن كان عملاً يغضب الله يبتعد عنه حتى ولو كان في ذلك أرباح كثيرة. ولذلك كما ترون فإن الرفاهية الإقتصادية بمفهومها المادي ـ وإن كانت حقيقة هي هدف من أهداف الإسلام ـ إلا أن الإسلام يربطها بقيمة وأخلاقياته. يأتي بعد ذلك الحديث عن الأهداف الإقتصادية في الإسلام فنقول ان الأهداف الإقتصادية لكل نظام اقتصادي مهما كان نوعها ثلاثة أهداف والنظام الإسلامي لا يخرج عنها. ولكن طريقة تناول هذه الأهداف تختلف.

فالهدف الأول : هو النمـو الإقتـصادي

والهدف الثاني : هو تحقيق مستوى معين من المعيشة لكل فرد.

والهدف الثالث: هو تحقيق التفاوت في توزيـع الدخـل والثـروة.

هذه ثلاثة أهداف أساسية لكل النظم الإقتصادية في العالم. وطريقة تناول الإسلام لهذه الأهداف تختلف. فالنمو الإقتصادي هو هدف أصيل في الإسلام، لأن النمو هو زيادة الإنتاج. وزيادة الإنتاج قضية مهمة ليس فقط لتحقيق الهدف الثاني (وهو تحقيق مستوى معين للمعيشة)، وإنما لتحقيق مستوى راق من المعيشة وهو ما نسميه في الإسلام بحد الكفاية. لأن ضرورة الحياة فقط ليست هي هدف الإسلام من زيادة النمو الإقتصادي والإنتاج. وإنما هدف الإسلام هو كما يوضحة الإمام الغزالي بقوله أنه لو فهم الناس ان الإسلام يدعو فقط إلى الأكل والشرب لكان ذلك في غاية القبح، لأننا بذلك نكون قد أسقطنا كثيراً من العبادات التي نيطت بالأغنياء مثال الزكاة والحج. فالزكاة لا تجب على الشخص إلا إذا بلغ حد الكفاية (أي عنده ضرورات وحاجيات الحياة) ثم ملك نصاب  ثم حال عليه الحول حتى يخرج الزكاة. وحد الكفاية كما قلت لا يشمل فقط ضرورات الحياة، لأن عدم وجود ضرورات يؤدي إلى الهلاك. فإذا كان المسكن ضرورة فوجود حصير داخل المسكن يخفف على الإنسان البرد الشديد يعتبر من الحاجيات التي عدمها قد يصيب الإنسان بالمشقة والحرج والدابة قد تكون ضرورة لشخص وقد تكون حاجة لشخص آخر فمستوى المعيشة (حد الكفاية) هو هدف من أهداف الدين، بل لقد عرف الإسلام هذا المستوى الذي لم تعرفه البشرية في ماضيها لا في حاضرها ـ ما عرفت ما جاء به الإسلام، لأن الإسلام نادى بما يسمى بحد الكفاية ـ كما ذكرت وهو كما يقول الإمام النووي يشمل سائر ما لابد منه على ما يليق بالحال. من غير إسراف ولا تقتير. فكل ما يحتاجه الإنسان في حياته يدخل في حد الكفاية. وهو لا يتحدد بقدر معين من المال ولا بزمان ولا بمكان. وقد جاء قبيسة بن المخارق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله عن القدر الذي يعطاه الفقير من الصدقة وقال صلى الله عليه وسلم (حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش). والإمام أبو عبيد بن سلام في تفسير (قوام) قال هذه كلمة معجزة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تحدث عن القوام، وهو الإعتدال في العيش كما جاء في القرآن {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوام} فالفقير يُعطى من مال الصدقة حتى يصيب مستوى معتدلاً في العيش، فكلمة قوام هذه كلمة معجزة لأنها تفسر في كل زمان ومكان بالإعتدال بمستوى العصر. وكذلك الذي يعول أربعة أسر يُعطى من مال الصدقة أكثر مما يعطى شخص يعول أسرة واحدة. والشخص الذي يعيش في بلد مثل نيويورك مثلاً ـ هو فقير ـ يُعطى مقداراً يفوق المقدار الذي يعطاه شخص ـ مثلاً ـ في بادية بالجزيرة العربية.

لذلك هذا المستوى من المعيشة (حد الكفاية) هو هدف رفيع نادى به الإسلام ـ قبل أربعة عشر قرن من الزمان.

أعود إلى نقطة النمو الإقتصادي فأقول أن أي مشروع تنموي لا تتفاعل معه الجماهير مصيره الفشل. وهذا هو الذي حدث في العالم الإسلامي. فقد تبنى  العالم الإسلامي خطط تنموية رأسمالية واشتراكية وغيرها ولم ينمُ العالم الإسلامي بل ظل متخلف بينما تبنى الغرب نفس هذه الخطط التنموية ونما مادياً فما هو السبب في ذلك ؟ إن هذه البرامج لم تستطيع أن تفجر طاقات الجماهير المسلمة لعملية التنمية لماذا ؟ لأن هناك تناقض بين هذا المنهج المادي وبيئة المجتمعات المسلمة.

فأنا كإنسان مسلم، عندما أعرف إنني لا أستطيع أن أنتج إلا بالربا لم أقدم عليه أبداً إذا كنت ملتزم بأوامر الدين وحتى الذين لا يلتزمون بأوامر الدين إذا أقدموا عليه تجدوهم يعشيون باحساس الخطيئة لذلك، فإن البرنامج التنموي إذا لم تتفاعل معه الجماهير لا يمكن أن يكتب له النجاح.

المنهج الإسلامي للتنمية الإقتصادية في الإسلام. هو الذي تبنته الدولة في السودان الآن اننا نقرأ في القرآن قول الله سبحانه تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقوله تعالى: {وما كان الله مغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقوله تعال: {ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف}

فالإضمحلال والتقدم والتطور في حياة الشعوب هو انعكاس لنفسية الفرد في ذلك المجتمع، لأن التقدم الذي يحدث في أي مجتمع ماهو إلا نتاج للإنسان نفسه، فإن سقوط الإنسان يعني سقوط المجتمع ورقي الإنسان يعني رقي المجتمع.

لذلك بدأ منهج التنمية الإقتصادية في الإسلام بالإنسان. لم يبدأ برأس المال كما تفعل المناهج الوضعية التي تبدأ برأس المال. فالمجتمع الذي لا يملك رأس المال. لا حظ له في التنمية الإقتصادية حسب مفاهيم المناهج الوضعية.

إن الذي يحدث في السودان هو عملية تأصيل للمنهج الإقتصادي لأن الدولة بدأت بالإنسان في عملية التنمية والأمة التي تملك الإنسان لا يمكن أن تبني نفسها.

والله سبحانه وتعالى يقول: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم} ولكن كيف يتم التغير النفسي ؟ التغير النفسي لا يمكن أن يتم إلا بالعقيدة وما الذي نريده من التغير النفسي ؟ نريد من التغير النفسي أن يولد الإرادة. ولا يمكن للإرادة أن تتأتى إلا بعقيدة قوية. ولأضرب مثلًَ من القرآن. فالله سبحانه وتعالى تحدث عن السحرة، قوم موس: فالسحرة نازلوا فرعون حتى اللحظة الأخيرة، ولكن عندما آمنوا ما الذي حدث ؟ في لحظة واحدة تولدت فيهم إرادة وقفت أمام جبروت فرعون.

وهذا المنهج لا يخص الإقتصاد فحسب بل هو منهج للرقي أي جانب من جوانب الحياة. فاذا لم توجد الإرادة لا يمكن أن يتقدم المجتمع.

ففي المنهج الإقتصادي نحن نحتاج إلى العقيدة حتى نستطيع أن نوجد التغير النفسي المطلوب وإذا حدث هذا التغير تولدت الإرادة التي يمكن أن تغالب بها مشكلات التنمية. والعقيدة هي جوهر بناء الإنسان وهي ليست فقط أن تقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله بل أن يمتثل الإنسـان بكـل ما تعنيه هذه الكلمة. فالإيمان بضـع وسبـعون شـعبة أعـلاها  لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من شعب الإيمان وكل أمر من أوامر الدين أو نهي من نواهيه هو جزء من الإيمان والعقيدة.

ولذلك قال العلماء (أن الإيمان يزيد وينقص، فبقدر كمال الإيمان يكون كمال العقيدة)، فإذا إستطعنا أن ننمي شعب الإيمان بأكملها في المجتمع استطعنا أن نوجد البيئة الصالحة لوجود العقيدة التي يمكن أن تفجر هذه الإرادة في الجماهير.

تعقب “1”

الأستاذ/ عبد الله بدري

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أفضل خلق الله. إن الورقة التي قدمت تضع أساساً أصولياً لمنهج اسلامي ولنظرية اقتصادية اسلامية. ومن حسن حظ بلادنا ـ وهي جزء عزيز على المسلمين قاطبة ـ أنها اليوم تمثل إمتدادا لدولة إسلامية وفي ذات الوقت تريد أن تنقل كل المعايير والأصول والفكر إلى منهج علمي يمكننا من خلاله ـ عندما نتحدث عن اقتصاد اسلامي ـ أن نتحدث في إطار دولة وصورة محددة المعالم وكيان واضح لا نتحدث عن صورة هلامية غير قابلة للتطبيق.

ومن حسن حظ السودان أيضاً أنه في مرحلة من مراحله بدأ بتطبيق صورة من صور المصارف الإسلامية، وكلنا نذكر أننا كنا نتكلم ذات يوم عن هل هناك أسس معينة لمصرف اسلامي في النظرية الإسلامية، واختلف الكثيرون حول الأصول. وعندما اتفقوا حول الأصول تساءلوا: هل يمكن التطبيق أم لا.

وعندما ولدت الفكرة وتجسدت واقعياً بعد ذلك صار أنموذجاً يحتذى  ويناقش ويطبق ويقرر. وشأن أي تجربة عند التطبيق قد تكون هناك سلبيات في أداء الناس ولكن في النهاية يمكن أن تجود من خلال الدراسة والتمحيص وقبول النقد.

تعددت التجارب في مناطق مختلفة، وهذا ماحدث بالنسبة لتجربة المصارف الإسلامية ويمكن أن نقيس عليها لأن بقية التجارب السياسية والإجتماعية الخ إذا شكلت شكلاً محدداً وتجمعت في إطار دولة ما يمكن بعد ذلك أن تقول هذه يمكن أن تكون دولة إسلامية، وبالتالي ندخل في دائرة المقارنة ودائرة الحكم عليها من خلال الأداء.

والنقطة الثانية: الإرادة المبنية على العقيدة من جهة ثم الإدارة حتى نحول النقاش إلى واقع. هل التجربة السودانية الآن قدمت صورة موضوعية وعملية ؟ هل تجربة ثورة الإنقاذ في السودان نقلتنا إلى واقع عملي يمكن من خلاله أن نرى ما أشير إليه من أصول ؟ الواقع أن السودان له اليوم برنامج ثلاثي وهناك الإستراتيجية القومية الشاملة. يمكن أن يكون النظر في هذين الأمرين مجالاً للحكم على تجربة السودان. كما يمكن أن يكون في الأداء العملي (خلال السنتين الماضيتين) أساساً للحكم على هذه التجربة.

نظر السودان من خلال البرنامج الإقتصادي الثلاثي إلى تحريك جهود الإقتصاد السوداني، هذا أساس. أي من خلال قيم معينة. ثم نظر إلى أن يكون هذا التحريك نحو الأفضل مرتبطاً بتوازن اجتماعي حتى لا تخلق طبقة متقدمة جداً في مواجهة طبقة أخرى تكون متخلفة جداً.

ثم نظر البرنامج ذاته إلى أن يكون التقدم الإقتصادي المنشود في إطار التوجه الذي يقوم على العقيدة والأخلاق.

وحركة الإقتصاد لا تقوم على مقوماتها الذاتية فقط إنما تتأثر بما يدور حولها من حركة شاملة في المجتمع. والبرنامج الثلاثي يدعو إلى حشد كل الطاقات بما فيها العنصر البشري.

وأعتقد أن قضية تحريك الإقتصاد السوداني كانت تعني خلق رأس رمح في الحركة، يتناسب مع المجتمع. وما قام به المجتمع السوداني في هذا الجانب قد يختلف عن مجتمع آخر. ففي السودان هنالك قطاع رائد هو القطاع الزراعي. لذلك نسمع عن الثورة الخضراء والساحة الخضراء في السودان. وهذا ليست تسميات معزولة ولكنها مقصودة أن تخلق شيئاً ما في السودان أي الثورة الزراعية التي تعطي السودان الإكتفاء الذاتي وحرية القرار السياسي. وهنالك جانب هام هو هذه الأجهزة الجديدة، الزكاة، الصندوق الإجتماعي، دعم الطلاب. هذه الصناديق مقصودة لدعم شرائح قد تكون في حالة أدنى من الشرائح الأخرى.

الجانب الثالث: هو هذه الأجهزة التي خلقت في جانب الإدارة كمسائل الدفاع الشعبي لخلق قوة حية ومحركة ومنتجة وذات قيم حتى نربط بين العقيدة والقيم والفهم الإقتصادي والإرادة والإدارة.

“تعليق”

السيد/ إبراهيم شكري رئيس الجلسة

 أريد أن ألفت النظر إلى أن الحديث بالغ القيمة (حديث الدكتور عبد المنعم) وهو ليس كلاماً بسيطاً، فهو الأساس الفقهي لعلم اقتصادي يخالف الفقه الإقتصادي المعروف في أي مكان آخر في العالم.

فالفقه الإقتصادي الغربي لأنه مشتق من المفاهيم الغربية العلمانية التي تنكر الله أو تهمش دوره في الكون والمجتمع والحياة، فإن العلوم التي اشتقت منه نراها منعكسة في الإقتصاد وتجعل عناصر الإنتاج التي ثحدث الإعمار أو التنمية هي الأرض ورأس المال، والعمل والتنظيم فكل العناصر عناصر مادية دنيوية محسوسة. ومن هذا المفهوم اشتقت كافة النظريات التي نسمع عنها.

والفكرة المحورية التي نبدأ منها نحن أن الله هو محور الكون وأن الله هو الحاكم والمسيطر على كل شيء، فعال لما يريد. وهذه الفكرة تشتق منها نظريات في المجال الإقتصادي السياسي الخ … وفي المجال الإقتصادي أشير إلى الآية المحورية التي ترد على التصور الآخر عن عوامل الإنتاج والتي تقول: {إني جاعل في الأرض خليفة}. هذه الآية شملت ثلاثة عناصر تمثل العملية الإنتاجية: الأرض، الإنسان، والله تعالى فاذن الله تعالى دخل جزءاً من المعادلة.

هذا المفهوم يختلف تماماً عن عوامل الإنتاج التي اشتقت من التصور العلماني لكي يحل محلها تصور آخر نظري عن الطبيعة العملية الإنتاجية وأن الله سبحانه وتعالى أساس محوري لأي عملية إنتاجية. هذا المفهوم المحوري سوف تشتق منه الكثير من النظريات وسيتأثر مفهوم معدل النمو ووسائل تحقيق معدل النمو، وسوف توجد وسائل وأدوات تختلف عن الوسائل التي اخترعها الغرب.

إن المحاضرة بلورت وركزت دور الله سبحانه وتعالى في العملية الإنتاجية والتنموية كما هو في باقي عمليات المجتمع. وأن ما بدأ في أرض السودان الحبيب من تجارب عملية سيثري كل محاولات التنظير ومن خلال التفاعل بين الممارسات العملية فمن هذه المفاهيم الكلية سوف ينشأ فكر اقتصادي عبقري في مجال الإقتصاد والتنمية الإقتصادية يغاير ما عرفه غيرنا.

“تعليق”

العميد ـ صلاح الدين محمد أحمد كرار

 في البداية، وعندما جاءت ثورة الإنقاذ الوطني جاءت برؤية واضحة لكل القضايا التي كانت من أسباب قيامها وأرادت أن تضع لها الحلول الناجعة.

وكانت هذه الرؤية مبدأ يستند على العقيدة الإسلامية مع فتح الباب لكل أفكار أو نظريات وآراء لا تتعارض مع المباديء العامة للعقيدة الإسلامية للإستعانة بها في حل تلك المشاكل. لذلك وفي إطار مبدأ الشورى الذي طرحته الثورة منذ أول يوم في طرح القضايا الكبرى على أهل الرأي والفكر ليفصلوا فيها كان ثاني مؤتمر يعقد بعد قيام الثورة هو المؤتمر الإقتصادي. والمؤتمر الأول كان مؤتمر السلام، الذي ناقش قضايا السلام. وكان المؤتمر الإقتصادي جامعاً شارك فيه أكثر من 1200 عضو من كافة قطاعات الشعب السوداني، واستمر قرابة الشهر. وكان عدد لجانه حوالي ثلاثة وثلاثين لجنة وناقشت هذه اللجان القضايا الإقتصادية بكل جوانبها.

 ولكي نأخذ فكرة عن التخطيط الإقتصادي في السودان وكيف أن المؤتمر الإقتصادي استفاد من هذه الذخيرة أو أكمل التجارب التي اكتسبها السودان أود أن أمر سريعاً على المحاولات التي جرت في التخطيط الإقتصادي في السودان. تاريخ التخطيط الإقتصادي بدأ منذ 1946 ببرامج (أيام الإستعمار) البرنامج الأول (1946 ـ 51) والبرنامج الثاني (1951 ـ 1956). وكان مقدراً  أن يتلو ذلك برنامج ثالث ولكن ـ لأسباب لم يتم وضع خطة وطنية إلا في عام 1960 إلى الخطة العشرية (1961 ـ 62). وكان مقدراً لها أن تستمر حتى  (70 ـ 71) وعندما قامت ثورة أكتوبر (كعادتنا نحن السودانيين) نوقف كل شيء ورثناه عن العهود السابقة أوقفت الخطة العشرية ولكن لم يتم في عهد الأحزاب الثاني وضع خطة وإنما كانت الميزانية السنوية توضع على هدى الخطة العشرية. إذن عملياً استمرت الخطة العشرية لعشر سنوات. وفي بداية حكومة مايو كانت هنالك خطة خمسية بدأت (1970 ـ 71) وكان مقدراً لها أن تستمر حتى (1974 ـ 75) ولكن لمتغيرات طرأت تم إضافة عامين لها وتليها خطة ستية (1977 ـ 78) وكان مقدراً لها أن تستمر حتى (1994 ـ 95). لكنها توقفت في 1982 ـ 83) وتم استبدالها ببرامج ثلاثية.

وبعد قيام انتفاضة رجب تم وضع برنامج سمي البرنامج الرباعي للإصلاح والتنمية وكان مقدراً له أربع سنوات. وواجهت هذا البرنامج صعوبات عندما حدثت السيول والفيضانات في السودان. ولم تستمر الخطة، وعند قيام ثورة الإنقاذ كانت هذه الخطة في عامها الثاني.

 لا أود أن أخوض في هذه الخطط. لكن سوف أتحدث عن سمة أو سمتين هامتين ميزتا هذا التخطيط الإقتصادي منذ بدايتة. أولاً كانت هذه الخطط لا تحكمها فلسفة واضحة ولم تخرج عن كونها محاكاة للفلسفة أما الرأسمالية (الخطة العشرية والستية والبرنامج الرباعي) أو الإشتراكية (هذا واضح في الخطة الخمسية التي وضعها خبراء من الإتحاد السوفيتي) . وكان كثير من الأكاديميين يستبشرون خيراً لأن الإتحاد السوفيتي كان رائداً في مجال التخطيط وأنشئت أول وزارة للتخطيط في ذلك الوقت.

*كانت هذه الخطط لا تحكمها فلسفة بل كانت محاكاة للطبيعة السودانية إذا أخذنا مثلا النظرية الرأسمالية التي تقوم على الملكية الفردية المطلقة التي لا حدود لها لا تتناسب مع الواقع السوداني الذي يقوم على التكافل وعلى قيم تجهلها هذه النظرية أو هذه الفلسفة. ومهما أحدثته من تطور وتقدم في تلك البلاد فهي تفشل عندنا لهذه الأسباب. السمة الثانية كانت تضارب السياسات والأهداف في بعض الأحيان، وذلك أيضاً لغياب هذه الفلسفة وكان دائماً تظهر هذه العيوب في أغلب الخطط التي ذكرتها. وكان ذلك دائماً يؤدي لتعجيلها. لذلك عندما جاء المؤتمر الإقتصادي أول ما بدأ به هو وضع تصور لفلسفة، هذه الفلسفة أهميتها:

أولاً : تنطلق منها الأهداف ـ لا تكون الأهداف عشوائية ثم المعالجات ثم السياسات وأخيراً ترتيب الأولويات والأسبقيات عندما تتعارض. هذا باختصار شديد دواعي وجود فلسفة، ولذلك يتضح أن كل الخطط السابقة لم تكن تحكمها أهداف ولاموجهات ولامعالجات ولاسياسات صحيحة لذلك كما ذكرت كانت في كثير من الأحيان تتعارض السياسات والأهداف مع بعضها البعض وتضيع الخطط ولا تأتي بنتيجة.

أود أن أتحدث هنا عن الفلسفة التي تحكم النشاط الإقتصادي أو الإصلاح الإقتصادي الآن في السودان والتي حددها المؤتمر الإقتصادي وكانت هناك لجنة قائمة بذاتها اسمها لجنة الموجهات والسياسات. الفلسفة التي تحكم النشاط الإقتصادي هي ذات الفلسفة التي تحكم المجالات الإجتماعية والسياسية وبقية أوجه الحياة من حيث الغايات والمقاصد والموجهات لتكون حركة الإنسان متسقة ومتناغمة، وهذه الفلسفة تقوم بهذا الدور الأساسي تنطلق وتنبع من عقيدتنا الإسلامية وتراثنا الحضاري والقيم القومية التي ترتكز على الإنسان ورسالته ودوره في الحياة، وهذه الفلسفة تستدعي ألا يصدر من الموجهات والسياسات ما يتناقض مع هذه المباديء العليا. أما هذه الفلسفة فهي ترتكز إلى الآتي:

 الركيزة الأولى.: هي توائم الحرية المسئولة الملتزمة التي بين المنفعة الخاصة ومصلحة الجماعة ولا تقوم على أنانية الفرد.

 الركيزة الثانية: فهي التكافل والتعاون لا الصراع الطبقي واحتكار السلطة والثروة لفئة من الفئات.

أما الركيزة الثالثة: فهي كرامة الفرد والأمة التي تقتضي توفير فرص العمل المنتج والعيش الكريم والعدالة في توزيع الدخل والثروة، لرفع مذلة الفقر على الفرد وأيضاً قيود التبعية والإعتماد على الغير عن الأمة. وذلك بالإعتماد على الذات لتحقيق الإستقلال الإقتصادي وتحرير الإرادة السياسية.

أما الركيزة الرابعة: فهي الإنفتاح على المجتمع الدولي والإستفادة من التجارب الإنسانية على أساس تبادل المنافع.

الركيزة الخامسة: الدولة في فلسفتها ليست أداة قهر وكبت للفرد وقدراته ومواهبه إنما يجب أن تكون مفجرة للطاقات وموجهة للقدرات للتخطيط والترشيد وهي الكافلة للفئات الأقل حظاً في الثروة والمانعة دون الإستغلال والإحتكار وتبديد الموارد والإكتناز والفساد والتسيب وكل الممارسات التي تناقض القيم الإيجابية التي تقوم عليها هذه الفلسفة الإقتصادية.

الركيزة الأخيرة: هي التسامح والتكافل وهي أحد مقتضيات هذه الفلسفة الأساسية التي تستوجب أولاً التعايش بين القطاعات الإقتصادية العامة والخاصة والتعاونية والمختلطة حيث أنها كلها في النهاية جهد وطني يصب في دفع عجلة الإقتصاد القومي وتنمية وتحقيق رفاهية الفرد والمجتمع. أيضاً تستوجب تمكين المجموعات السودانية في إطار الحكم الفيدرالي من صياغة حياتها الإجتماعية والإقتصادية على قيمها الخاصة والقيم المشتركة في الإطار القومي، وهذا استدعته خصوصية التنوع في الثقافات والأعراف عن المجتمع السوداني.

أولاً: إستناداً على ما تقدم من ركائز تقوم عليها الفلسفة يمكن تحديد الأهداف الكلية للإقتصاد والموجهات الكلية، دور الدولة في الإقتصاد دور قوة السوق.

ثانياَ : أيضاً استناداً على ركائز هذه الفلسفة والسياسات سواء كانت سياسات اقتصادية أو مالية أو تجارية أو ائتمانية أو غيرها من السياسات العامة. وسوف ترون تطبيق ذلك من خلال الفقرة أن سمح الوقت. وسنستعرض البرنامج الذي بين يديكم (البرنامج الثلاثي).

تطبيق ذلك كله في سياق عرض البرنامج الثلاثي للإنقاذ الإقتصادي من ثلاثة أعوام 90 ـ 1991 إلى  92 ـ 1993. هذا باختصار ما كان من أمر الفلسفة التي تحكم والأول في تاريخ السودان التخيطيط الإقتصادي أو المعالجات للمشاكل الإقتصادية في السودان. وبعد أن وضحت هذه الفلسفة أسساً وأهمية كما ذكرت كان لابد من أن تشخص المشكلة الإقتصادية في ضوء تلك الفلسفة وركائزها، ومن خلال الواقع الإقتصادي الذي وجدته ثورة الإنقاذ الوطني وبكل تأكيد واقع نتج من تعقيدات لتكرار محاولات الإصلاح وتراكم هذه المشكلات وتعقيدها. فالمؤتمر الإقتصادي شخص هذه المشكلة في الآتي:

تدهور مريع في القطاعات الإنتاجية والبنيات الأساسية والأجهزة والنظم والأداء الإداري والخلل في الهياكل الإقتصادية والمالية للدولة أعطى مثالاً حتى لايكون الكلام نظري، جاءت ثورة الإنقاذ الوطني ووجدت أن كل مزارعي السودان في اضراب تام عن الموسم الصيفي وهو من المواسم الهامة جداً حيث يزرع فيه القطن وهو محصول نقدي يعتمد عليه السودان اعتماداً كلياً بجانب محصول الفول ومحاصيل أخرى نقدية، هذا كدليل وجدت أيضاً مثال لهذا التدهور أن الخطوط البحرية السودانية وهي تمتلك حوالي عشر سفن لنقل البضائع فشلت الدولة في أن تسدد أقساطها ولجأت الشركة المصنعة إلى المحاكم وأخذت حكم  ببيع هذه السفن وتسديد ديون الشركة. كان أكثر من ثلث مشروع الجزيرة وهو أكبر مشروع في العالم تحت إدارة واحدة وفيه أكثر من 2 مليون فدان هذا المشروع كان ثلث مساحته لا تصلها المياه لحوالي أربع سنوات لم يتم تنظيف هذه القنوات وبالتالي كانت لا تصلها المياه إلى ثلث هذه المساحة. هذه أمثلة لهذا التدهور الذي ذكرته في الفقرة الأولى.

المظهر الثاني لهذه المشكلة هو العجز عن توفير الضروريات للمواطنين وتحسين مستوى المعيشة وفرص العمل المنتج. وجدت الثورة أيضاً أن هناك موسماً  مطرياً وهو في نفس هذه الأيام نزلت الأمطار وكان من المفترض أن يحضر لهذا الموسم منذ بداية شهر مايو كل احتياجات ومدخلات الإنتاج للزراعة المطرية تحضر في هذا الشهر إلى أن قامت الثورة لم يكن هناك جالون واحد للزراعة المطرية قد وزع في مناطق الإنتاج، فضروريات المواطنين والإنتاج لم تكن موفرة. مشكلة عاشها الشعب السوداني كواحد من ضروراته. السكر لم يكن موجوداً وظلت الثورة ثلاثة شهور إلى أن استطاعت أن توفر هذا السكر مما يدل على الفوضى وعدم التخطيط وعدم الرؤية لاحتياجات المواطنين.

وكانت أهم أسباب ذلك ولا أود أن أسترسل فيها فقد شخصها المؤتمر الإقتصادي.

1 ـ عدم الإستقرار السياسي والإجتماعي والأمني والهجرة غير المخططة وغير المتوازنة، هي هجرة داخلية بين ولايات السودان وهذا له أسباب كثيرة التي لو سمح الوقت يمكن أن أتحدث عن هجرة المواطنين من الريف وعلى رأس هذه الأسباب مشكلة تمويل المنتجين والعائد المجزيء للمنتج بعد أن ينتج هذه أهم مشكلة جعلت الناس يهاجرون من الريف إلى المدن وبالتالي كانت المدن تستقبل كل يوم مستهلكاً جديداً وكان الريف يفقد منتجاً كان يساهم في تحريك الإقتصاد ذكرت غياب الفلسفة الإقتصادية والإجتماعية التي تحدد الإطار الذي يتناول توجيه المشكلة بمعالجات تخدم أهداف وتوجهات المجتمع.

2 ـ الترهل والتسيب والفساد والعجز الإداري.

3 ـ الإعتماد على قاعدة إنتاجية ضيقة ظلت صادراتنا تعد في الأصابع منذ الإستقلال. وأسباب كثيرة لا أود أن أسترسل فيها.

بعد هذا التقديم والتشخيص للمشكلة الإقتصادية التي قامت على فلسفة واضحة وبالتالي نستطيع أن نضع أهدافاً محددة، نتحدث عن معالجات ناجعة وفق التشخيص العام للمشكلة. نتحدث عن سياسات تتخذ لهذه المعالجة ونستطيع أن نرتب أولوياتنا وأسبقياتنا عندما تتعارض هذه الأولويات والأسبقيات وفق هذه الفلسفة التي ذكرتها.

وهذا البرنامج الثلاثي ـ خلاف كل الخطط السابقة، هذا البرنامج الثلاثي تحدث عن ثلاثة أهداف هو في حقيقة الأمر هدف واحد لكن الهدفين الآخرين كانا يعضدان ذلك الهدف الأول وهو تحريك جمود الإقتصاد السوداني وتوجيهه نحو الإنتاج بناءً على هذا التشخيص الذي شخص الإقتصاد السوداني مشكلاته في هذا الجمود وأن الإنتاج ظل يتدني وظل الإستهلاك يرتفع وبذلك اختلت الموازنة فلابد من إرجاع هذه الموازنة إلى وضعها الطبيعي في أن يساوي على الأقل الإنتاج يساوي الإستهلاك. تحدث البرنامج أيضاً في الهدف الثاني حشد كل الطاقات المتاحة وفتح الباب لكل من يرغب داخلياً وخارجياً في المساهمة في تحقيق أهداف البرنامج وتعديل الهياكل الإقتصادية والمالية والمؤسسية اللازمة لفتح باب المشاركة للجميع. يأتي هذا أيضاً في سياق الهدف الأول. الهدف الأخير يحكم كل هذه الأهداف في إطار ينبع من هذه الفلسفة. تحقيق توازن اجتماعي، نحن نريد أن نحرك هذا الإقتصاد، فذكر الهدف الثالث أنه لابد من تحريك هذا الإقتصاد أن نراعي التوازن الإجتماعي بحيث لا تتم عملية تحريك الإقتصاد السوداني على حساب الفئات الضعيفة في المجتمع. لأنه معروف إذا أردنا أن نحرك هذا الإقتصاد بعد هذا الجمود وهذا التدهور أن هناك سلبيات وآثار سلبية سيتأثر بها أول من يتأثر هم الفئات الضعيفة في المجتمع لأن تحريك الإقتصاد فيه صرف على الإنتاج فيه زيادة للتضخم وبالتالي ارتفاع الأسعار فالمنفذ عندما يأتي لتنفيذ هذا البرنامج يجب أن يراعي هذه الفئات الضعيفة في المجتمع حتى لا تضيع هذه الفئات في زحمة التحريك الذي سينتج هذه النتائج السلبية على تلك الفئات.

البرنامج اتخذ وسيلة وكانت وسيلة طبيعية، هذه الوسيلة هي كيف نحرك هذا الإقتصاد ؟ وكيف نحقق هذه الأهداف ؟ اتجه نحو الزراعة وهذا لم يأت من فراغ إنما أتى من إمكانيات متاحة في الإقتصاد السوداني في الزراعة معروفة ونكررها هنا.

أولاً أكثر من 80 بالمائة من سكان السودان هم مزارعون بالفطرة، 70 بالمائة من سكان السودان هم مزارعون تقليديين يزرعون الزراعة التقليدية المعروفة التي تحتاج لكثير من المدخلات والآليات، المياه متوفرة مطرية وجوفية ومياه سطحية وغيرها من الإمكانات. الزراعة أيضاً لها شق آخر وقد تحدثت عن الشق النباتي والجانب الحيواني أو الثروة الحيوانية التي تفوق الـ 59 مليون رأس من الأبقار والأغنام والإبل وغيرها هذه الثروة الحيوانية أيضاً اتخذت وسيلة لهذا التحريك. بعد ذلك البرنامج لم يقف هنا كيف تتحرك الزراعة ؟ كثير من الخطط والبرامج تحدثت عن هذا الكلام وتحدثت عن اتخاذ الزراعة لكن هذه الزراعة لن تتحرك إلا إذا بحثنا لماذا عزف الناس عن الزراعة ؟ وكما ذكرت قبل قليل في حديثي كان التمويل هو أكبر مشكلة تواجه المنتج وكان العائد المجزيء واحداً من المشاكل التي تواجه المنتجين بعد الإنتاج. وفي عام 1988 عام الفيضانات عندما منّ الله على السودان بأمطار وفيرة وإنتاج عالي لم يستطع المزارعون في مناطق القضارف ومناطق الزراعة المطرية أن يحصدوا انتاجهم. لأن السعر كان متدنياً لذلك ترك المزارعون الذرة ولم يحصدوه فهذه واحدة من المشاكل التي أعطاها البرنامج عناية بتوفير التمويل، البنك الزراعي وكيف أنه تطور والذي كان في ثلاثين سنة لم تتجاوز فروعه بضعاً وثلاثين فرعاً، الآن تجاوز فروعه الخمسين فرع  في كل أنحاء السودان اضافية يعنى الآن هناك أكثر من 80 فرعاً للبنك الزراعي. تمويل البنك الزراعي وصل لأكثر من 13 مليار جنيه سوداني. وعندما قامت الثورة كان لايتجاوز رأسمال البنك الزراعي 115 مليون جنيه سوداني.

أود أن أتحدث عن المنجزات: مثال بسيط بعد سنتين من عمر البرنامج زاد إنتاج القمح بنسبة أكثر من 300 بالمائة فعند قيام ثورة الإنقاذ الوطني كان كل المنتج من القمح حوالي 180 ألف طن الآن تجاوز الإنتاج 865 ألف طن.

الذرة كان المنتج منها مليون و260 ألف طن والآن حوالي 355 ألف طن بنسبة 182 بالمائة. كذلك الدخن والفول السوداني والسمسم والقطن. السكر على سبيل المثال في شهر نوفمبر 1989 كان الإنتاج حوالي 280 ألف طن في هذا العام الآن في هذا العام الإنتاج حوالي 500 ألف طن من نفس هذه المصانع لم نضف أي مصانع اضافية جديدة إنما ركزنا على المشاكل التي كانت تعوق زيادة الإنتاج. زيادة محسوسة في محاصيل لم تكن متعارفة بهذا الحكم كالبطاطس، الفول المصري، البصل والخضر، الذرة الصفراء، اللحوم كصادر حيث كان التصدير لحوم حية وبكميات بسيطة.

 القطاع الإجتماعي، الآن وزارة المالية في ميزانيتها العامة تكفل 500 ألف أسرة تعطى الآن 600 جنيه لكل أسرة لا تعمل هذه الأسرة في الدولة ولا من أرباب المعاشات وإنما من الأسر الفقيرة. الحد الأدنى لراتب التقاعد وصل إلى  أكثر من 1700 جنيه، وعند قيام الثورة كان أقل من 100 جنيه.

 برز الدور الهام الذي تلعبه الزكاة. إيرادات الزكاة لم تتجاوز بضع عشرات من الملايين هذا العام وهو العام الثاني للبرنامج الثلاثي بلغت إيرادات الزكاة مليار وستمائة ألف مليون ونتوقع في العام الثالث أن تتجاوز الخمسة مليار جنيه سوداني.

الدولة اهتمت بالموارد البشرية وقد سمعتم الأشياء التي ذكرها الأخوان من الإهتمام بالإنسان وإعادة صياغة الإنسان وآخر دفعة تخرجت من الدفاع الشعبي كانوا هم قيادات الخدمة المدنية ووكلاء الوزارات ومديري المصالح، كل هذا في إطار إعادة صياغة الإنسان السوداني والإهتمام بالبشر لأنه كما هو معلوم الإنسان هو محور التنمية وهو هدف التنمية في النهاية.

هذا في عجالة شديدة هو ما هدف إليه البرنامج وما استطاع تحقيقه وأهم شيء ركز عليه هو تلك الفلسفة التي كانت غائبة في الماضي والتي أفادت كثيراً  في أن يستمر هذا البرنامج بأكثر مما توقعنا نحن وفي النهاية أود أن أقول أن ما هو مكتوب في هذا البرنامج قد تجاوزناه إلى مرحلة التحرير والتطبيع الكامل للإقتصاد السوداني وهو الذي نعيشه هذه الأيام.

التعليقات

أضف تعليقك

2017-03-13T11:29:17+00:00 13مارس 2016|ندوة الأصول الفكرية|