الحلقة المفرغة للهوية والقبلة والخصائص الأساسية

والمعالم الحضارية الصناعية المادية

د. ابراهيم ميرغني

سيكون حديثي عن :

أولاً: الحلقة المفرغة، للهوية والقِبلة.

ثانياً: عن معالم الحضارة الصناعية المادية.

ثالثاً: الخصائص الأساسية لتلك الحضارة.

بالنسبة للتجارب السودانية الجديدة سأتعرض لتجربة اللجان الشعبية أولاً، ثم جمعيات تنمية المجتمع، ثم سياسة تخليص المجتمع من سلطان الدولة بقدر الإمكان، وأخيراً عن الإستراتيجية القومية الشاملة.

فيما يتعلق بالأصول الفكرية الجديدة للتجارب في استنفار طاقات المجتمع، يبدو إن كثيراً من الغربيين درسوا مشاكل العالم الثالث حتى بعض المفكرين بالعالم الثالث درسوا في هذا الموضوع أيضاً، ووصلوا لحقيقة أن أسباب الفقر والتخلف تفسرها نظرية الحلقة المفرغة. لو لاحظنا أمثلة نجد أننا من العالم الثالث كثيراً ما نفشل في التنفيذ حينما نخطط، وإذا نفذنا نفشل في التقويم، وإذا قومنا نفشل في التحفيز، أو المساءلة. مثال آخر موضوع الزراعة: إذا زرعنا نفشل في الحصاد، وإذا حصدنا نفشل في التخزين، وإذا خزنا نفشل في الترحيل، وإذا رحلنا نفشل في التسويق، وإذا سوقنا نفشل في توزيع العائد من الثروة. وهذه حلقات مفرغة نجدها مطبقة على أعناقنا في كل مجالاتنا الزراعية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية.

يفكر الناس كيف يكون الخلاص وكيف تحدث تنمية في بلادنا ونحن نعيش في هذه الأجواء كالديون، المشاكل التجارية، الفقر، التخلف يبدو لى أن استراتيجية الفكاك من التخلف والفقر يمكن الوصول إليها بالطريق الآتي:

أن ننظر إلى أضعف الحلقات المحيطة بأعناقنا ونضرب عليها بأقوى ما لدينا من إمكانات. الحلقات المطبقة علينا يمكننا تلخيصها في نظرية واقع الحداثة (Modernization)  الوضع الإستعماري الذي فرض علينا إدارياً واقتصادياً وعالمياً وتعليمياً وكل شىء، وأقوى الطاقات لدينا هي قوة العزيمة والإرادة ووضوح الرؤية. يبدو أن هذا يمكن أن يكون مخرج استراتيجية ضرب التخلف والفقر في بلاد العالم الثالث.

لذا تمت في السودان بناء خطة الخلاص والإنقاذ الوطني بناءً على هذه الدراسة. والمصائب التي تلم بنا، ما هي وكيف وماهي استراتيجية الخلاص من هذا الوضع. الأمر في بدايته وبكل صعوبته يجلب الخوف ويُهرب منه، وبتوفيق من الله نجد أن حل هذه المشاكل المستعصية، ماهو إلا الوجه الآخر من العملة المعدنية. فكيف يمكننا التوصل إلى بداية الأمر:

أولاً كان لا بد من تحديد الهوية والقبلة في السودان. أُجريت دراسات كثيرة في تحديد المسار التاريخي والمستقبلي للحضارة الصناعية الغربية من ناحية، والحضارات الدينية الشرقية من ناحية أخرى. الأمر يقسم إلى أمرين الحضارة الغربية والتي عمرها ثلاثمائة عام وتهيمن الآن على العالم والحضارات الأخرى التي سبقتها، كالإسلامية والفارسية والصينية والهندية.

حديثنا أيها الإخوة للإستفادة من كل هذا الثراث الإنساني في إيجاد مسار صحيح انطلاقاً من كل قيمنا الدينية وتوجهاتنا الحضارية.

النقطة الثالثة ماهي معالم الحضارة المادية الصناعية؟ في هذه الدراسة إلى أي خلاصة وصلنا ؟ والحضارة المادية الصناعية الإستعمارية يمكن تلخيصها بإيجاز فيما يلي:

حضارة شمولية يتطلب وجودها نمطاً معيناً من أنماط الأسرة والتعليم، وطبيعة العمل، وعلاقة الإنتاج، وأسعار المواد الخام، والطاقة، وأوعية التوزيع والتسويق وممارسة السلطة. وهي نظام متكامل للحياة أو فلسفة متكاملة من كل الجوانب. وبكل ما تبدو به هذه الحضارة من قوة، إلا أننا نلاحظ هشاشتها بحيث أنه إذا تعدل  أحد أركانها يحدث خلل مريع. مثال أسعار البترول حينما حصل تعديل البترول في السبعينات اختل النظام في هذه الأخطبوطية كلها واختل النظام الغربي اختلالاً كبيراً.

والحضارة الغربية هي حضارة استعمارية عمودها الفقري استغلال الموارد الطبيعية والبشرية للشعوب المستضعفة بشراهة وتبذير وقهر فكري وعسكري. تقوم الحضارة على هذه النظريات مثل نيوتن وداروين وفرويد وآدم اسميث وماركس.          

ماهي الخصائص الأساسية لتلك الحضارة ؟

هناك فيلسوف أمريكي متخصص في دراسة علم المستقبليات عنده دراسة ظريفة في هذا الموضوع ويلخص خصائص هذه الحضارة في:

 أولاً النمطية (Standardization)، ثانياً التخصص، ثالثاً التركيز (Concentration)، رابعاً الضخامة (Maximization)، خامساً المركزية (Centeralization)، سادساً الحس الزماني الآلي.

النمطية: حيث تقوم عليها الحضارة الغربية. حيث تظهر هذه النمطية في منتوجاتهم الميكانيكية تقوم على نمط واحد كذلك في الأنظمة الإدارية. التخصص يظهر في المهن كالطب.

التركيـــز (Concentration): في المدن حيث هاجر الناس من الريف إلى المدينة. الضخامة (Maximization): السجون، والمدارس الكبيرة، والشركات، والمباني والعمارات شىء أساسي في الحضارة الغربية.

المركزية (Centeralization): المركزية والسلطة البيروقراطية، الأوامر الفوقية.

الحس الزماني الآلي: الآن يمكن أن يفسر الحس الزماني نظرية التاريخ والرتابة. نحن في الريف نحدد الزمن بطلوع الشمس وغروبها. أما في الحضارة الغربية فيحدد الزمن بالساعة والدقيقة، وأي تأخير من أي شخص يؤدي إلى إيقاف المصنع بأكمله عكس العمل في المزرعة.

من نتائج هذه الخصائص بروز روح الإنفصامية، وتفتت المجتمع، والتضييق الشديد، يحتاج إلى صفوة تقوم بالتنسيق مثال (رأس المال، عملوا تركيز في الشركات، والمساهمون أصبحوا متفتتين ازدادت أعدادهم، والسلطة الحقيقية ليست لدى أصحاب رأس المال، بل لدى المدير العام حتى إن لم يكن يملك سهماً واحداً). حصلت الإنفصامية وتفكيك للمجتمع ودخلت جهات أخرى واستلمت السلطة من الصفوة. النهج العام في الحضارة هو تفتيت كل شىء وتبسيطه إلى مكوناته الأساسية بعكس الحضارات الشرقية كالحضارة الكنطوشية والديانات السماوية، والتي تفكر عن الله والكون والطبيعة والإنسان من ناحية أن الإنسان والكون يتكون من جزيئات. الخصائص الأساسية أيضاً غلبت العقلية الميكانيكية كما جاء في نظرية نيوتن حيث يقول أن الكون والإنسان والقلب عبارة عن مضخة، وكل ذلك أن الإنسان مخلوق ميكانيكي والإنفصامية بين الإنتاج والإستهلاك ودور السوق. وكما ذكر الأستاذ بشير أن الإستعمار سعى سعياً حثيثاً لتوطين نفسه كي يحقق الإكتفاء الذاتي في القرى خاصة في الهند وتركيا وبقية الدول الإستعمارية. وكانت أكبر كارثة هي الإكتفاء الذاتي. القرية والمدينة المستكفية فَرَّقَ بين قضيتين، قضية الإنتاج والإستهلاك. وأوجد السوق، وربط السوق بالعواصم الإستعمارية، وهذا شَكَّلَ أخطبوطاً خطيراً وهي من أكبر العوائق التي تعوق مسارنا وتقدمنا.

سيطرة الدولة على المجتمع وسيطرة الغرب على المنظمات العالمية. الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية. امتصاص ثروات العالم الثالث وإستغلال أسواقه الإستهلاكية هذه هي الخصائص الأساسية للحضارة الغربية. ويبدو أنه لا منجاة لشعوبنا من تسلط تلك الحضارة إلا بالخلاص من الحلقة المفرغة، والخلاص من النظام الإستعماري الراهن الذي يفرض سيادته علينا بهذه الخصائص الأساسية والمعالم التي تتميز بها الحضارة الغربية. هذا هو النصف الأول من حديثي.

النصف الثاني هو التجارب السودانية. في السودان بعد أن درسنا الحضارة الغربية المسيطرة علينا في أفكارنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، وفي أنظمتنا البروقراطية، وفي نظام السوق و بنوكنا ـ هيمنة فكرية وعملية ـ نريد أن نوضح ما هو سبيلنا إلى النمو. نحن لا نرفض أي شىء في الحضارة الغربية،  درسناها دراسة تحليلية والمآخذ والنقائص، ولا نفصل حضارتنا وتراثنا الإسلامي، نُحْيي كثيراً من الأفكارالعظيمة والمؤسسات العظيمة التي كانت موجودة فيه. أعطيكم أمثلة من التجارب السودانية التي بحمد الله توصلنا اليها بعد هذه الدراسة الشاملة القصيرة المستقبلية، تجربة اللجان الشعبية.

أيها الإخوة والأخوات تذكرون مجاعة سنة 1985 وانفراط الأمن واستفحال الديون، أدى كل هذا إلى زوال هيبة الدولة ومصداقيتها. والمجتمع كاد أن يفقد ثقته بنفسه وتملكنا إلى حد كبير روح الخنوع، أصبحنا ننتظر الإغاثة، لهذا بحمد الله تعالى في أيام الأحزاب ظهرت فكرة اللجان الشعبية وكانت مهمتها الرقابة على المخابز وتوزيع الدقيق هذا بالرغم من أنها كانت مهمة طيبة في وقتها وكان شيء متواضع للغاية.

 منذ ذلك الحين بدأنا في السودان التفكير في اللجان الشعبية في أن نجعلها هي ضربة المعلم لتتأثر من خلالها الحلقة المفرغة، ولقيادة المجتمع نحو الكفاية والتكافل، والعدالة والأمان، والمشاركة الفاعلة نحو وضع السياسات العامة، واتخاذ القرارات الحياتية، وبذلك أصبحت هي التجربة الرائدة الأولى في استنفار طاقات الشعب في المجالات الإصلاحية والوقائية والمعيشية العديدة:

النقطة السادسة من نقاطي التسعة:

هي جمعيات تنمية المجتمع، هي النقطة التي أتصور أنها ممكن للجان الشعبية أن تسهم فيها مساهمة فاعلة، وأنني بحمد الله تيسر لي أن أعد كتاباً حول هذا الموضوع نحو تأصيل جمعيات تنمية المجتمع، تحدث عنه الأستاذ الفاضل، والكتاب موجود في المكتبات وفي جامعة الخرطوم وبالتالي إذا رجعتم إليه تجدون فيه تصورات كثيرة عن تجارب رائدة. وتيسر لي دراسة كاملة لمختلف دول العالم وحتى الدول الصناعية، وتوجد فيها مجموعات كبيرة لديها الرغبة في الإصلاح والصالح العام وعمل الخير، وجمعيات رائدة استفدت منها كثيراً في اقتراح بعض الأشياء في هذا الكتاب، وبالتالي سوف أريكم ملخصاً بسيطاً جداً حول ما هي الأفكار الجديدة بالنسبة لجمعيات تنمية المجتمع ثلاثة مجالات:

  1. المجال الإصلاحي.
  2. المجال الوقائي.
  3. المجال الخدمي أو التنموي.

في المجال الإصلاحي نريد أن نُكَوِّنَ من خلاله جمعيات اللجان الشعبية، جمعيات الرعاية الإجتماعية والبسطاء والأرامل والأيتام والمتسولين. باختصار ما هو الجديد في هذا العالم الغربي علمنا أن هذه الفئات يعزلها (دار أيتام، دار عجزة، ملجأ والخ) نحن فكرتنا هنا من قيم الإسلام نريد عزلهم في البيوت، فرعاية الأحداث والسجناء نريد أن نعمل نظام البيوت المفتوحة، في اعتباري أن نظام السجون هو أفشل نظام في العالم، وأنا رجل قانون، أنجح نظام وصل اليه الغربيون هو نظام البيوت المفتوحة (الأحداث والسجناء) يعيشوا وسط الناس تحت رقابتهم، لا يوجد أفضل من جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن أن يساعدوا هؤلاء الناس. مكافحة المخدرات والبغاء والخمور ومعالجة المدمنين، الدور الشعبي يمكن أن يقوم بدور كبير لا القانون ولا الشرطة ولا المحاكم ولا الأطباء. أفضل علاج يمكن أن نكافح به هذه الأشياء هو الجهد الشعبي وإدارة الإغاثة والكوارث وقرى السلام، ينظر الناس للكوارث أن يذهب يشحذ الناس المقتدرين ثم يأتي ويوزع استهلاكياً، نحن نريد تغيير هذه الفكرة، نريد أولاً تجنيد أنفسنا نكون جاهزين لإدارة الكوارث، نبلغ عنها يكون لدينا فرق وأتيام جاهزة تتحرك عند وقوع الكارثة، آخر شيء نفكر فيه هو طلب العون من الآخرين وبحمد الله بهذه الروح، السودان تحول من دولة محط أنظار للذين يمنحون الإغاثة إلى دولة تعين الآخرين بعون الله وتوفيقه.

المجال الثاني هو المجال الوقائي:

رعاية الشباب والأطفال والمرأة والمواطنين. وأيضاً لدينا توجهات جديدة في رعاية الشباب، الحمد لله كلكم تعرفون الآن مجال الشباب السوداني الذي يدخل فيه مجال الأطفال، الإهتمام بالرضاعة الطبيعية، سوف نلاحظ دور المرأة الإيحابي الكبير من خلال عمل جمعيات تنميه المجتمع، واللجان الشعبية ورعاية المواطنين وحل مشاكلهم في الأحياء (الأجاويد). وأنني ركزت كثيراً في هذا الجانب حوالي 90% من القضايا في السودان تحل بواسطة أناس غير قضاة ولا محامين بل بواسطة قضاء شعبي (بالصلح) ونسميها الأجاويد في السودان.

هذا النظام أنا أعجبت به أيما إعجاب للأسف ليس في السودان، بعد أن خرجت من السودان للدراسات العليا ننظر لهؤلاء الناس نظرة بأنهم ناس أميين، عندما ذهبت أمريكا إتضح لي أن الأمريكان وجدوا أن أعظم نظام يحل به المشاكل القضائية هو نظام الأجاويد، ووجدتهم يدرسون هذا النظام في جامعة هارفرد الأمريكية، هذا الكورس يدرسه أربعة أساتذة، الشيء العجيب أن المحاضرة الأولى كانت عن قبيلة الحمر في غرب السودان كانوا هؤلاء الناس كبار العائلة وزعماء القبيلة تحت ظل شجرة يحلون أعقد المشاكل دون تعقيد، الرئيس كارتر في ذاك الزمن خصص 17 مليون دولار لتجربة هذا النظام في 25 مكان في الولايات المتحدة الأمريكية، أنا استحيت من نفسي قلت أنا جيت أتعلم القانون فإذا بهم أجدهم يتعلمون القانون من أهلنا في دار حمر ودار شلك وغير ذلك من القبائل في منطقة الشرق الأوسط.

الأندية القبلية والإقليمية والسلوك العام وجمعية المسجد والقرآن، أذكر كان عندنا توجه، جمعية عظيمة كانت تبني دار بنصف مليون، ومقر رئيس، والتوجه أننا نسعى أن يكون في السودان مليون حافظ لكتاب الله في ظرف عشر سنوات وبتكلفة رمزية بدون مباني، والحمد لله قطعوا شوطاً كبيراً في هذا الإتجاه. الفلسفة الجديدة للرياضة أن تتحول من مشاهدة الرياضة إلى ممارستها.

الشرطة الشعبية، الدفاع الشعبي، الجمعيات الطوعية، كل هذه الأشياء كانت موجودة لكن أفكارها كانت على النمط الغربي وحولناها إلى النمط الشرقي الإسلامي الشعبي ووجدنا أن تكلفتها أصبحت قليلة وفاعليتها أصبحت عظيمة، جعلت الناس يتعارفون مع بعضهم البعض، واجهنا قضية الإنسلاخ الإجتماعي، ازدحام المدن وحلت لنا مشاكل كثيرة جداً.

المجال الثالث جمعيات المجال الخدمي والتنموي

أقترح 19 مشروع لكل حي أو قرية. أن تكون هنالك مزرعة تعاونية يزرع فيها كل الناس نمشي نعمل بعض الورش، إذا النور طق لا نعرف إصلاحه، نستحي من أنفسنا، تكون عندنا أكبر الشهادات، وإذا العربية شرقت لا نستطيع إصلاحها نتعلم هذه المهن وهذه الحرف ويكون بالحي مشغل، أنا مقترح 19 حاجة الوقت لا يسمح بأن نمر عليها.

هذه النقطة السادسة عن جمعيات تنمية المجتمع، أعتقد أن هذا جانب هام جداً نرجو الله أن يوفقنا فيه وأعتقد أنها تجارب جديدة سودانية أصيلة أضفنا اليها قليلاً وضعنا لها شيئاً تنظيمياً وقارناها بما يشابها من تجارب في الخارج.

النقطة السابعة هي تخليص المجتمع من سلطان الدولة بقدر الإمكان. هذه كلمة كبيرة جداً وفلسفة كاملة.

سوف أقرأ لكم جزءاً مما ورد في الإستراتيجية، يفسر هذه النقطة أن محور الإرتكاز للإستراتيجية الإجتماعية هو أن يكون المجتمع مدنياً حقاً مبادراً ومستقلاً عن السلطة في توفير معظم حاجاته معتمداً على موارده وقدراته الذاتية أصيلاً في توجهاته ومجدداً في خططه ومسلكه وأدائه. ولبلوغ هذا الهدف الأسمى لا بد من تنمية روح المبادرة وإحكام التخطيط وتجويد التنفيذ من خلال تقوية المؤسسات السياسية المحلية وإجراء تغييرات في الهياكل الإدارية والقانونية، حتى يتسنى تحريك البنيات الإرتكازية التحتية للمجتمع وتحريره من أشكال القيود والإستقلال. ويستلزم ذلك تقوية مؤسسات المجتمع في كل أوجه نشاطها الفكري والروحي والإقتصادي والإجتماعي.

جملة واحدة يا إخواني وأخواتي، لكنها فلسفة حياة. هذه الجملة فقط يمكن أن تأخذ عشر سنوات وتدعونا إلى إعادة النظر في كل أنظمتنا الشعبية والرسمية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية ونوجد منها شيئاً جديداً وفعالاً نعتز به ونعرف منه شيئاً أصيلاً في السودان وتجربة رائدة وجديدة بالنسبة للسودان.

النقطة الثامنة من التجارب الجديدة إستنفار طاقات المجتمع، مشروع الإستراتيجية القومية الشاملة. تعلمون أيها الإخوة والأخوات، هذه الإستراتيجية شارك فيها 6580 متخصص من مختلف التخصصات. 6580 مواطن سوداني إضافة إلى أنهم استفادوا من مؤتمرات عديدة شارك فيها الآف من الناس، تذكرون مؤتمر السلام، الموتمر الإقتصادي، المؤتمر الإجتماعي، المؤتمر التعليمي، مؤتمر الدبلوماسية، مؤتمر الثقافة والإعلام، مؤتمر الخدمات، ومؤتمر المرأة، مؤتمر الشباب والرياضة، مؤتمر النازحين، مؤتمر العدل والإصلاح القانوني ومؤتمر النظام السياسي، كل هذه المؤتمرات عُصارتها تجلت في الإستراتيجية القومية الشاملة. هذه الإستراتيجية من أعظم التجارب الجديدة في استنفار طاقات المجتمع السوداني. وكلنا نتمنى لو حدثت بعد الإستقلال مباشرة ونحمد الله أن هدانا أننا لحقنا الركب الآن وجهزناه. كثير من دول العالم حتى المتقدم صناعياً ليس لديها إستراتيجيات بهذا الشمول وهذا الوضوح. هذه الإستراتيجية هدفها تحديد الإتجاه والأهداف القومية والآليات والأشكال التنظيمية والتمويل والتدريب والمتابعة والتحفيز والتقويم وخلق إجماع قومي في التخطيط، مشاركة جماعية تعاونية في التنفيذ والإستقلال الأمثل لمواردنا المادية والبشرية وإستخدام أرشد للتقانة والعلوم لنهضة السودان. الآن أي واحد ما منتظر الوزير لكي يقول له أمشي كدا ولا كدا، الوزير يتغير ويُمَشِّي الناس بمزاجه ! لا. كل الناس لهم توجه واضح يعرفون من الذي قصر ومن الأحسن في التنفيذ.

النقطة الأخيرة نماذج من تجارب التجرد واستنهاض الهمم. إنشاء بنك المزارع وبنك الثروة الحيوانية، مثال لذلك التحول من منظمات الإغاثة إلى العون السوداني، دور قوات الدفاع الشعبي في السودان، البرلمان التطوعي لأول مرة في التاريخ الحديث نجد برلمان تطوعي. الناس أتت من أجل  الصالح  العام وليس من أجل مصالح ذاتية، الواحد يصرف كل ما لديه من مال لكي  يصير نائباً ويستردها بمختلف الوسائل. أخيراً النقابات المهنية في السودان كانت نقابات مطلبية، مظاهرات وإضرابات من أجل الرواتب بحمد الله الآن أصبح توجهها بنائياً من أجل البرنامج والبناء والمشاركة في التخطيط والتنفيذ في المساءلة وتنفيذ الصالح العام في الأجهزة التشريعية من أجل الأسر المنتجة والصناعات الصغيرة. الإستراتيجية كل صفحتين والثانية عن الأسر المنتجة والصناعات الصغيرة، هذا توجه عظيم، توجه كبير ضخم.

خلاصة حديثي أن التجارب الرائدة الجديدة في السودان في استنفار طاقات المجتمع في السودان لا يمكن إحصاؤها لأنها متعلقة بإعادة صياغة الإنسان السوداني، ولأنها حررتها بإختصار من سلبيات الخصائص الأساسية للحضارة الغربية المتهاوية النمطية والتخصص والتركيز والضخامة والمركزية والحس الآلي، حسنا الآن أيها الإخوة والأخوات حس زماني أصبح قرآنياً، وتوجهنا الحضاري أصبح ربانياً، وعزيمتنا للتجديد والإبتكار غدت بغير حدود، ونسأل الله التوفيق وجزاكم الله خيراً.

تعقيب “1”

إبراهيم عبد الحفيظ

(منسق الدفاع الشعبي)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله السلام عليكم، لا بأس من بعض التعليق. بداية من الأشياء التي كنا نتحدث فيها في السابق حول بعض صفات الشعوب. إن الشعب السوداني بصورة عامة شعب يتميز بأنه شعب غير عملي فيه بعض أوجه الكسل والخمول. هذه كانت صفة يتفق عليها كثير من الناس. ولعله من أوضح إنجازات الثورة في كل مجالاتها، أنها استطاعت أن تستنهض همم كل الشعب في كثير من المجالات وأن تحدث فيه التغيير. ولعل هذه من أوضح الأشياء التي يتحدث عنها الناس الآن، أنه حقيقة صار هناك تغيير واضح جداً في طريقة العمل وطريقة الإنجاز واستنفار الطاقات وتوجهها نحو البناء وتوجه كثير من فئات المجتمع المختلفة للبناء والنهضة بصورة عامة. ولعله يعني من الواضح أن هذا الإستنفار والإستنهاض يعود لعدة أسباب كما ذكر الأخ د. ابراهيم كثيراً منها. أركز على بعضها. أول نقطة ذكرها وهي من الأشياء البديهية وهي أن الثورة انتهجت نهجاً واضحاً في استنفار طاقات الناس، وذلك برجوعها أو تحديدها لهوية الشعب وبرجوعها إلى الدين الذي يستنهض همم الناس في كل المجالات، لأنه تعرف تماماً الدين الإسلامي، هو دين شامل ويستنهض الهمم في كافة المجالات، السلوك، المعاملة ومجالات العمل والإقتصاد والسياسة. وفي واحد من مجالات الثورة إستطاعت أن تحدد الهوية، وبالتالي وضعت أو سارت الخطوة الأولى في طريق النجاح. ولكن هناك عدداً من الأسباب الأخرى تأتي بعد هذا السبب. ويحضرني أنه في العهد المايوي في أيام “جعفر نميري” أيضاً هناك توجه في فترة من الفترات في ذلك النظام توجه إسلامي أعلنت الشريعة الإسلامية، لكن طاقات المجتمع في ذلك الوقت لم تستنفر بالصورة التي تحدث الآن ياترى ماهو السبب؟

 أعتقد أن السبب الأساسي أنه الآن الدولة فيها من الأشياء الأساسية نظام القدوة. وهذه الأشياء كانت معدومة في الفترة السابقة حيث أن الدولة من رأس الدولة والوزراء والمحافظين والمسئولين في كافة المجالات يمثلون قدوة حقيقية للشعب، وقدوة فيها القيم والإخلاص والقيم الجدية وفيها قيم العدل وقيم المساواة. ولذلك

استطاعت أن تكسب ثقة الجماهير وتستطيع بصورة واضحة جداً، أن تستنهض همم الجماهير في طريقة الأداء في طريقة الأهداف التي وضعتها والنهج الذي ارتضته لتسير عليه.

نقطة أخرى هي، أن هذه الدولة أيضاً كان واحداً من الأشياء الواضحة في نهجها أنها أقامت مؤسسات تعمر بإستنفار من أول يوم والإستنفار في كافة المجالات. الثورة أول ما قامت أول عمل عملته، أنها حاولت أن تستنفر الطاقات الفكرية من جميع الشعب. في مؤتمر الحوار الوطني حاولت أن تدخل كل السياسيين من كافة اتجاهاتهم السابقة وتستقطبهم وتتيح الفرصة الكاملة لهم. أنهم يتحاوروا للخروج بنظام رؤى جديدة للنظام السياسي الجديد. وكانت هذه أول مؤسسة تقدم، والمقصود منها أنها تستنفر طاقات الناس ويتفاكروا في إطار مؤتمر ويخرجوا ببعض التوصيات. وأيضاً من الأشياء الهامة جداً، أن الدولة تبنت هذه الأشياء مباشرة والمؤتمرات التي تلت بعد ذلك، كانت الدولة تتبناها بصدق وتنفذها بصورة فعلية مباشرة بعد انتهاء هذه المؤتمرات.

 هذه كانت من الأسباب الأساسية في استنفار طاقات المجتمع أن الدولة تبنت مؤسسات المؤتمرات بمختلف أشكالها، مؤتمر الحوار الوطني، المؤتمرات القانونية ومؤتمرات السياسة الخارجية وخلافها. أيضاً من المؤسسات التي قامت، مؤسسة الدفاع الشعبي ومؤسسات الطلاب، الإتحاد العام للطلاب السودانيين، مؤسسات شباب الوطن، الإتحاد العام للمرأة. هذه المؤسسات هي في الحقيقة مؤسسات تعنى بإستنفار الطاقات. وكل مؤسسة تعنى بإستنفار الطاقات في مجالٍ ما، كل هذه المؤسسات كان لها الضلع الكبير جداً في أنها تقود الإستنفار في المجتمع. أيضاً من الأشياء الهامة أن هذه المؤسسات كانت سياساتها واضحة جداً، مثلاً في الدفاع الشعبي أن سياستنا في مجملها تتلخص في أن الدفاع هو مدرسة من المدارس الجديدة التي قامت لصياغة الإنسان السوداني وفق منهج الثورة، وهذه المدرسة نجحت في أنها شملت كل الأعمار، يدخل فيها الصبي من عمر 15 سنة ويدخل فيها الشيخ من عمر 70 عاماً ومدرسة إستطاعت أن تشمل كل المهن، يدخل فيها الأمي والراعي والمزارع والطبيب ويدخل فيها الأستاذ الجامعي والمهندس ومدير الجامعة ويدخل فيها الوزير. إستطاعت أنها في بعض الأحيان تكون الدورة الواحدة يدخل فيها ألف شخص يكون منهم 200 طالب و200 راعي وعدد من المزارعين وعدد من المهن المختلفة. أيضاً إستطاعت مؤسسة الدفاع الشعبي أن تستنفر طاقات الناس، أنها تشمل كل جهات السودان تدخل الشباب والشيوخ من شماله وشرقه وجنوبه أن يؤدوا نفس المهام التي يؤديها الفرد في مواقع العمليات، أو في مواقع أخرى تقوم فيها هذه المعسكرات. كما قلت تبنت الدولة برامج هذه المؤسسات ورعتها حق الرعاية وأنفقت عليها إنفاقاً كثيراً. فلذلك يسرت لها استنفار طاقات المجتمع بصورة عامة. أيضاً واضح أن الدولة تبنت شعارات على المستوى القومي تحدث عنها الدكتور بأنها كانت ضد العون الخارجي. يعني بصورة واضحة هي شعارات تتبنى الإعتماد على الذات ولذلك بل كانت ميسرة في شكلها وكلماتها وانداحت وسط الجماهير بصورة عامة نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع. هذا شعار صار في ألسنة الأطفال في المدارس في ألسنة الكبار، فمثل هذه الشعارات والجدية في تنفيذها كان لها دور كبير جداً في أنها تستنفر طاقات الناس نحو الإنتاج ونحو العمل ونحو الإنجاز.

ظهرت بعض الوسائل الجديدة في المجتمع لها دور كبير جداً في استنهاض الهمم، مثلاً نعلم أن الإعلام هو أهم الوسائل لإستنفار همم الناس، لكن في الإعلام نفسه ظهرت بعض البرامج لها دور كبير، مثلاً برنامج ساحات الفداء. يشهد كل سوداني أن هذا البرنامج يستنفر الطاقات في أنهم يبذلوا كل ما لديهم من مال وجهد ونفس ودم في سبيل ترقية المجتمع بكافة السبل الممكنة. واحد من الأمثلة التي يمكن ذكرها في مجال الإعلام وغيرها من البرامج. هنالك من البرامج العامة وإن كان لها دور كبير في أن تستنهض همم الناس، مثلاً الزواج الجماعي بالرغم من أنه هو في شكله قد لا يفهم الناس الدور الذي يؤديه الزواج الجماعي في إستنفار طاقات الناس في ظل المواقع التي تمت فيها الزيجات الجماعية وتمت فيها مهرجانات كانت هي المواقع التي زاد فيها الإنتاج واتجهت فيها الجماهير للعمل، مثلاً أكثر المناطق التي قام فيها زواج جماعي الجزيرة، يعني أول محافظة كانت 6 الآف شاب وشابة، وهذه حقيقة كانت أكثر المناطق إنتاجاً من خلال الإنتاج الزراعي. اكتفي بهذا القدر في حديثي عن الدفاع الشعبي. 

تعقيب “2”

د. المعتصم عبد الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم، التعقب الذي أردنا أن نشارك به في هذه الورقة في نقاط وهو إستنفار طاقات المجتمع كتجربة من تجارب ثورة الإنقاذ الوطني، في تقديري  هذا الإستنفار مبني على ثوابت ومرتكزات سارت بها الثورة منذ بدايتها وذكر د. ابراهيم وأضاف عليها الأستاذ ابراهيم عبد الحفيظ، أحب أن آخذ من هذه المرتكزات بعضها لألقي عليها الضوء، لأنها في تقديري هى المرتكزات التي ينبغي إذا أردنا أن نفسر الإستنفار الذي تم في طاقات المجتمع السوداني، أن نرجع إليها مباشرة وإذا أردنا أن نزيد في هذا الإستنفار، أن نتوسع فيها. والمرتكز الأول هو أن الثورة قد أفلحت إلى حد كبير في أن تجعل من نفسها ثورة للسودان كله. ولم نسمع في أدبياتها أن أعداء الثورة هم كذا، وأن الثورة المضادة هم كذا وكذا، أونصنف المجتمع إلى أعداء وأصدقاء وإلى أشخاص يسمح لهم ممارسة العمل في كل الثورة أو أشخاص آخرين يحرموا من هذا العمل. ولعلنا في متابعتنا للأحداث حتى صباح اليوم رئيس مجلس قيادة الثورة يعلن العفو عن الذي حمل السلاح وتفتح الثورة صدرها لمن يريد أن يعود إلى الوطن مع أنه ولغرابة الأشياء دائماً تأتي الثورات لتصنف نفسها من جانب ولكن هذه الثورة تريد أن تجعل نفسها للجميع، الدعايات للجميع من داخل البلاد أو خارجها تريد أن تصنفها تصنيفاً ضيقاً وتضعها في ركن لا تجعلها تستطيع أن تعبر عن مجموع الشعب السوداني، هذا المرتكز هو مرتكز أفلحت الثورة في أن تجعله أرضية لتستنفر منه طاقات المجتمع السوداني، ولا تزال تحتاج في تقديري أن تثبت بجدارة أن المرتكز هو الأرضية الصلبة التي تنطلق منها وهو تستطيع أن تربطه بكل سهولة بشعار لا إله إلا الله محمد رسول الله بشعار التوحيد وشعار الإسلام الذي  هو للناس كلهم مسلمهم وكافرهم عربيهم زنجيهم إلى آخره.

 فالثورة لم تجد صعوبة في أن تنسج وتنقض في أشياء هذه القاعدة الصلبة التي أدت إلى كثير من الطاقات التي استنفرت في أن تجذب وتخرج من القواقع التي كانت فيها بل وهي في هذا الإطار تجاوزت الشخصية. ومن الأشياء التي لفتت نظري من المسيرة التي خرجت صباح اليوم، إستنفار الطاقات الذي هو قمة الإستنفار، هذه المسيرة التي بدأت وقبل أن تبدأ إلى الآن لم أسمع هتافاً باسم رئيس البلاد، أو أن نحميه بالروح والدم وكانت كل الهتافات لا إله إلا الله محمد رسول الله والله أكبر وهذا هتاف لأي أحد، يمكن بعض الإخوة الجنوبيين يلبسون الصليب ويهتفون بهذه الهتافات لا إله إلا الله والله أكبر، يمكن لأي أحد أن يستنفر لهذه الهتافات من هذا المنطلق تزامناً مع هذا أو تلازماً معه. أيضاً مسألة اعلان مبدأ كرامة الإنسان {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء 70) وقد سمعت كثيراً في الندوات في الشهور الماضية ومن كثير من الذين يبشرون بفكر الثورة أنهم يقولون يدخل تحت هذا التكريم ـ ويريدون أن ينقذوا بعض المتشردين باطلاق ـ غولدا مائير وحتى بوش وحتى غورباتشوف ولينين لا الذين يؤمنون بنظرية دارون ويرجعون أصل غولدا مائير وبوش إلى القرود ويخرجونه من دائرة الإنسان. وهذا المبدأ أيضاً مثال لكي تستنفر الطاقات لكي تؤكد عليها أصلاً وأن تبذل جهداً أكثر في أن تتزن بوحدة كرامة الإنسان وأن يشعر الإنسان بأنه كريم لأن الذي يستنفر وهو كريم وشاعر بكرامته يأتي بعمل مضاعف أضعافاً كثيرة من الذي يستنفر وهو ذليل وهو غير مربوط بمصدر يدفع فيه الشعوب بالعزة والكرامة، وبأنه خليفة لله سبحانه وتعالى في الأرض وهو يستحق أن يكرم حتى ولو حكم عليه بالإعدام مش يجري بالشارع. اذا ذبحتم فاحسنوا الذبح، هذا هو المبدأ الذي رفضته ثورة الإنقاذ، وإنها تكرم الإنسان بغض النظر عن عقيدته، وبغض النظر عن قبيلته أو جنسه أيضاً أدى إلى استنفار هذه الطاقات، وأن يبذل الناس الكثير من أعمالها حتى عندهم عداء شخص أو حقد أو نغمة متى أخذت منهم بعض المكاسب وغيرها، ولكن المعاملة الكريمة التي عوملوها بوصفهم بشر من خلق الله سبحانه وتعالى الذي كرمهم أدت إلى استنفار طاقاتهم، أو طاقات الذين سمعوا بهذا النوع من السلوك.

 نقطة ثالثة، هي الإستنفار، يتم لتنفيذ سياسات. وتحدث الدكتور إبراهيم عن ذلك كثيراً، وأيضاً إبراهيم عبد الحفيظ ولكن أريد أن أضرب مثالاً، وأن أفسر فيه مسألة الإنسان. ويعرف هذه السياسة في تفصيلاتها الدقيقة وسياسة متخصصة ويعرف ارتباطها، أيضاً يساعد على أن تستنفر طاقته بصورة أكبر ليس عنده فقط جهة معينة أو عمل معين سيؤديه حتى وان عرف كل تفاصيله ولا يعرف كل ارتباطاته. بتقديري مؤتمرات الحوار التي تم في تخصصاتها ولوحدها مثلاً مؤتمر الحوار الإقتصادي أو السلام أو الدبلوماسية وغيرها من هذه المؤتمرات، جاءت بكل الخبرات ووضعت سياسة مفصلة دقيقة في ذلك الجانب.

 جاءت الإستراتيجية القومية الشاملة وجعل الآن كل سوداني يعمل في مجال التعليم يعرف ارتباطه بالمال ويعرف ارتباطه بالزراعة والصناعة والذي يعمل بالدفاع الشعبي، يعرف ارتباطه بالأشياء الأخرى، فالإنسان يؤدي العمل وهو على علم بارتباطاته الأخرى والمصادر التي يمكن أن تستفيد منها، هذه أمثلة فريدة بالنسبة لى في مؤتمر الإستراتيجية.

جلسنا في لجنة الثروة الحيوانية وهي في السودان كان ينظر إليها كوزارة من وزارات الترضيات، وأحياناً تعمل وزارة الثروة الحيوانية أو تلحق بوزارة الزراعة وفيها مشاكل، ولكن في اجتماع الثروة الحيوانية كان هناك ممثلون لقطاع الصناعة والمهن الطبية، وممثلون لقطاع التعليم العام والعالي ولجنة السياسات المالية، ولجنة الزراعة والري ولجنة النقل ولجنة البيئة والإحصاء والقانون والعدل، ولجنة الطاقة ولجنة العلاقات الخارجية، كل هذه القطاعات جاءت لتناقش تقرير لجنة الثروة الحيوانية، وكل ما يمت اليها بسبب مثل لجنة الصناعة. يريد أن يعرف كم سيكون من الجلود موجود ليكون لديه كم من المصانع. ممثل المهن الطبية من الذبيح لأن هناك صناعات نستفيد من أحشاء البهائم. ممثلوا التعليم يريدون أن يعرفوا الإحتياجات كم من الفنيين في مستوى التعليم العام أو المتخصصين. مستوى التعليم العالي ينبغى أن يخطط لتنفيذ خطة الثروة الحيوانية في مدى العشر سنوات، ممثل النقل يريد أن تحمل الماشية والإبل والبواخر. ممثل البيئة، يريد أن يعرف عدد رؤوس الأغنام والأبقار وغيرها ومدى تأثيرها ويضع الخطط التي ينبغي أن يعملها حتى لايؤثر هذا، وكذلك عن ممثل الزراعة والري وما يدعوه لحضور ذلك الإجتماع وممثل الطاقة يعرف احتياجات هذه مشاريع في الثروة الحيوانية من الطاقة وممثل العلاقات الخارجية يريد أن يعرف كم  يمكنه أن يعد ترتيباً في السياسة الخارجية، تصدقاً أو تفضلاً غير تصدقاً في استخدامه لوسائل السياسة الخارجية ومن بينها الدعم الذي قد يكون من داخل قطاع الثروة الحيوانية. في الحقيقة كان شيئاً مدهشاً وفي تقديري أن الذي ينفذ الآن هذه السنة بدأ بتنفيذ قطاع الإستراتيجية والذي يمثل في قطاع الثروة الحيوانية  سيكون أولاً، كأنه وجد عنده، مثل شخص يريد أن يعمل شيء ووجد أن كل هؤلا القوم يستندونه، وأن الذي يعمله ليس جزيرة بمعزل ولكنه يعمل في هذا الإطار المتكامل الشامل والآخرين كل في مجاله أيضاً وجد مثل هذه الجلسات وجد هذه السياسات التي تستنفر الطاقات وتنفيذها سياسات كاملة وشاملة يدعم بعضها البعض في استنفار أيضاً بصورة أقوى وبصورة أكثر فعالية.

هنالك نقطة أخرى أريد أن أقولها أيضاً أن استنفار هذه الطاقات، والله في تقديري استنفار طاقات المجتمع للسودان اذا أردنا أن نعيد تعريف المجتمع، لكن لم  تعد استنفار الطاقات البشرية لبني البشر فقط وأريد هنا أن أتحدث عن بعد البركة أو بعد الكرامات أو بعد الحمد الرباني. هنالك استنفار آخر يعني الذي يحصل الآن في السودان وهذا الإستنفار حتى {لو أنفقت ما في الارض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم} وحتى النظريات. وأيضاً لو استخدمت كل النظريات والطريقة كيف تعمل للناس، ونعمل لهم دعاية ـ وبرامج ما كان يمكن أن يحصل هذا لو لم يكن هناك أنواع أخرى من الإستنفار، المواطن السوداني الذي يتهجد في رمضان وعندما يقول السلام عليكم يرى رئيس الدولة على يمينه، وعندما يقول السلام عليكم على الجانب الآخر يرى مسئول آخر من مجلس قيادة الثورة والوزراء على شماله، وأحياناً يؤمه في الصلاة أحد المسئولين. لابد أن تكون طاقته قد زادت زيادات كثيرة هذا بالإضافة اذا كنا مؤمنين بالأحاديث التي تتحدث عن الملائكة التي تحف الذين يقرأون القرآن الكريم، لابد أن هنالك طاقات من الملائكة ملايين الآن موجودة في السودان تحف حلقات الذكر، لابد أن يكون لذلك أثر، ولقد حدثنا الإخوة الذين حاربوا في الجنوب فبعضهم يقول قد رأى الملائكة رأي العين، وانه رأى أفعالاً لا يمكن أن تفعل إلا بواسطة ملائكة أو مخلوقات أخرى ربانية، هذا جانب أريد أن أشير اليه إشارة وهي تكفي من هذه الجوانب النموذج القيادي الذي يجعل القائد دائماً في المقدمة ويستنفر الطاقات. الجنود يحررون موقع من المواقع في نفس اليوم الذي يحرر فيه الموقع يجد الرئيس معهم في ذلك الموقع وهو وزير الدفاع أو قائد العمليات، وكان لا يحصل ذلك أبداً، نقضت حكومات كاملة ولم يزر رئيس الدولة ورئيس الوزراء مناطق ولم يسمع بها أحد من الجنود، فكيف بالجندي الذي يحرر المدينة القائد معه في نفس المنطقة التي لم تنظف من الألغام بعد وعندما كان يخطط اليها كان عضو مجلس قيادة الثورة يخطط معه يدخل هذه المدينة ويشرف معه ويقود العمليات أو عندما يجلس في مائدة الإفطار الجماعي أيضاً القادة سواء أكانوا في الجهاز التنفيذي أم السيادي معه على مائدة الإفطار، ويجلس على برش في ميدان ويأكل معهم من المائدة البسيطة (العصيدة وملاح الويكة) أنا أريد أن اختم بأن الواقع الآن في السودان ليس له مجموعة تحكم وأرادت أن تستنفر الناس وتنفذ برامجها، ولكن المشكلة الآن أن الشعب السوداني صار يستنفر طاقات المسئولين يعني الآن مشكلة الفريق البشير والموجودين في دواوين الحكومة أن يكونوا بالنسبة الآن صار كما قال د. ابراهيم ان الشعب يكون مبادر على السلطة ومستقلاً عنها الى آخره. في تقديري الشخصي الآن ان هذه الطاقات ان تم استنفارها، والآن أصبحت المشكلة كيف تستنفر طاقات القيادة، زيادة الى انها تظل في القيادة أو سيتخطاها الركب ولتظهر قيادات أخرى تقود هذه الطاقات التي تفجرت ويحق لي أن تقول من يستنفر معنى هذا، أن الحكومة صارت هي التي تستنفر الشعب أو الشعب الذي يستنفر الحكومة، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

تعقيب “3”

الشيخ/ محمد اسماعيل ـ لبنان

 بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه، وله الشكر على ما أنعم ـ الحمد للّه مبين الظالمين، مدرك الهاربين. صريخ المستصرخين، موضع آمال المحتاجين ـ أقول هذا وأنا صادق في ـ حمدي تعالى على ما أسمع ـ تجربة الإخوة، تجربة يتخيل المتخيل أنها قد لاتكون صادقة، قد يرى الناظر أنها تجربة يكاد ألا يصدقها، ونشكر اللّه عليها ـ هناك بعض الملاحظات :

الملاحظة الأولى: حول ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، عندما رجع من الغزوات وكان المسلمون فرحين بالنصر أمر بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، لأن الغرور في بعض الأحيان يأتي بفناء الإنسان ـ

ملاحظة فقط حول مسألة السجون التي تفضلتم بها، وفكرة السجون التي ذكرتموها ـ أنها فكرة الإسلام، نحن نعرف أن مسألة الرقيق أو بالتعبير الفقهي مسألة الإماء والعبيد مسألة سجن، وليست مسألة استملاك كما فهمه المجتمع الغربي، وعالج الإسلام الناس الذين دخلوا المجتمع الإسلامي وهم لا يحملون فكر الإسلام، عالج اصلاح فكرهم بتزويدهم في داخل المجتمع الإسلامي في هيئة عبيد ـ طبعاً لا أريد أن أشرح المسألة بتفاصيلها، وإنما أولا    جعلهم في البيوت، لم يجعلهم بشكل عشوائي وانما جعلهم مقابل بعض العطاء، حيث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يفديهم عبداً أو امة ـ

ثانياً: كان وجودهم خير للتعليم كما نعرف، تعليم الكتابة أو غير ذلك، يستفاد من طاقاتهم ـ

ثالثاً: هم بشكل طبيعي يذوبون في المجتمع الإسلامي ضمن الأسرة الإسلامية، والنهج الفكري الإسلامي الذي يعطي لهم من قبل الأسرة، وأخيراً نجد أن هناك استحباب لتحريرهم في مختلف المواسم، مثلاً في ليالي شهر رمضان أو في أيام الحج، وأيضاً واجب تحريرهم نتيجة مثلاً الإفطار العمدي أو ما شابه ذلك على   بعض المسائل الفقهية. فهذه هي تجربة السجون، فالحقيقة إن مسألة العبيد والإماء في الإسلام ليست كما يفهمه الغرب وانما هي تجربة للسجن على طريقة تفضلتم بها فقد انطلق بها الإسلام أولاً.

تعقيب “4”

السيد/ إبراهيم عبد الحفيظ

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أواصل بعض التعقيب على الدفاع الشعبي كمؤسسة من مؤسسات التغيير التي تهتم بعملية الإستنفار ـ وكما قدمت فإن الدفاع الشعبي نعتبره الآن مدرسة من مدارس التغيير، وهذه المدرسة لا تشبه المدارس الأخرى، في أنها اهتمت كما قلت بكل الأعمار من الصبية والشباب والشيوخ، واهتمت بكل المهن، المتعلمين وغير المتعلمين، اهتمت بكل جهات السودان، اهتمت على السواء بالرجال والنساء، فكما تخرج عدد من الرجال من هذه المعسكرات، أيضاً تخرج عدد من النساء في معسكرات الدفاع الشعبي المختلفة.

الدفاع الشعبي يقوم على عدد من المحاور ـ المحور الأول هو محور التدريب والتأهيل، وهذا المحور من حيث الكم، الفكرة أن يقوم الدفاع الشعبي بتدريب كل الشعب السوداني، في خلال فترة الإستراتيجية، ذلك بالتضامن مع المؤسسات النظامية الأخرى، سواء كانت الخدمة الوطنية أو الشرطة والجيش وخلافه ـ لكن الفكرة بصورة عامة هو أنه بعد النجاح الكبير الذي حققته قوات الدفاع الشعبي في كل المجالات وبالذات في مجال استنفار الهمم والطاقات، تم تقدير بأن تتدرب اعداد كبيرة جداً من السودانيين خلال فترة الإستراتيجية ـ ويمكن أن نقول بأننا سندرب كل الشعب السوداني بإذن اللّه ـ

ومن حيث النوع، فقد اختلف التدريب الذي يمارس في معسكرات الدفاع الشعبي عن التدريب الذي كان يمارس في السابق في كل المعسكرات الخاصة بالقوات النظامية على اختلاف أنواعها، وذلك من حيث انها اهتمت بنوعية الإنسان الذي تخرجه هذه المعسكرات، فبداية اليوم في معسكرات الدفاع الشعبي هو آذان الفجر باعتبار أن الآذان هو فرض وأحد المهام اليومية للمعسكر، فعندما يستمع المجند للآذان مثلها مثل صفارة طابور الصباح، فيتوقع أن يعاقب المجند إذا لم يقم من نومه ليذهب ليصلي، وصلاة الصبح هي واحدة من البرامج مثلها مثل طابور الصباح فأي شخص داخل المعسكر يجب أن يصلي الصبح جماعة ثم تنعقد بعد ذلك حلقات التلاوة والتجويد ومن ثم ينتقل المجند إلى طابور الصباح الذي يأتي في المرحلة الرابعة من حيث الترتيب، المجند الآن في معسكرات الدفاع الشعبي يتلقى نفس التدريبات التي كان يتلقاها المجند في معسكرات القوات المسلحة من حيث التدريب البدني، والإعداد الجسدي ومن حيث التدريب على السلاح، وبالإضافة إلى ذلك هو أنه يتلقى أنواعاً من التأهيل الروحي والنفسي والتعبئة التي تؤهله لأن يكون مواطناً صالحاً حيث ما حل ـ إذا كان موظفاً يعود وهو إنسان جديد، وإذا كان طالباً يدخل الجامعة بروح جديدة، وإذا كان مقاتلاً ذاهباً لمواقع العمليات يذهب وهو شخص مؤهل ليتعامل في هذه المواقع بروح تدفعه إلى القتال وإلى الموت ـ

المحور الثاني: هو محور التأصيل، والآن واحدة من المهام الأساسية في الدفاع الشعبي هو مدرسة تؤصل لعسكرية إسلامية جديدة، افتقدناها لفترة طويلة جداً في الدول الإسلامية، وهذه المدرسة تقوم بتأصيل العلوم الإسلامية العسكرية فيها، ثم ننتقل منها إلى بقية القوات النظامية الأخرى الموجودة الآن في الدولة وتقنن بعد ذلك المسألة وتصبح شيئاً طبيعياً ـ

في معسكرات الدفاع الشعبي أعفى المتطوعين من حلق لحاءهم، وصارت هذه سنة في القوات المسلحة وفي الشرطة ـ بعد ذلك كانت مسألة الصلاة الجماعية، وعادة في الجيش لم يكن يهتم بالصلاة ـ فكان لدينا برنامج لصلاة الصبح جماعة، وحلقات التلاوة لا تسير مع صفارة الصباح ـ ومن ثم صارت سنة ثابتة في كل المعسكرات النظامية الأخرى في القوات المسلحة والشرطة ـ فالآن كل معسكرات التدريب في السودان تبدأ يومها الصباحي بالصلاة ثم حلقات التلاوة والتجويد ومن ثم بقية المناشط الأخرى ـ كذلك دخلت برامج المحاضرات الثقافية والتربوية، ودخل البرنامج التربوي ككل في البرامج وصار هو الآن البرنامج الرسمي لكل معسكرات القوات المسلحة والشرطة ـ فالدفاع الشعبي صار هو النواة أو البوتقة التي يتم فيها التأصيل والعودة للأصول والجذور الإسلامية ثم تقنن المسألة وتنداح في بقية المعسكرات، ويمكن أن نقول أنه صار مدرسة عسكرية اسلامية ـ

أيضاً في مواقع القتال أثبت الدفاع الشعبي روحاً جديدة وهي روح الإقدام وحب الموت وطلب الشهادة في سبيل اللّه ـ هذه المسألة لم تكن موجودة في المقاتلين في مواقع العمليات المختلفة ـ دخلت بدخول الدفاع الشعبي لتلك المواقع ـ وأول دفعة ذهبت إلى الجنوب كانت موجودة مع القوات المسلحة في الخنادق والدفاعات والعمليات المختلفة، وبالتالي انتقلت هذه الروح من المجاهدين إلى القوات المسلحة، فصاروا يفهمون أنهم مجاهدون، وبدل الموت صارت كلمة الشهادة وبمعانيها ـ فالتطلع الذي يأتي به المجاهد من الخرطوم عندما يذهب إلى مواقع العمليات ينقل هذه الروح إلى الجندي أو الضابط الموجود في ساحات العمليات فلذلك تغيرت الروح تماماً وسرت سريعاً  في كل القوات وكان لها أثر السحر في نفوسهم ـ وقد ذكر أحد الضباط بأنهم كانوا يدرسونهم في الكلية الحربية بأنه ينبغى على الضباط أن يحقق الإنتصار بأقل قدر من الخسائر، فلذلك عندما يدخلون في عمليات حربية يحسبون حسابات شديدة جداً في أن يقللوا الخسائر الممكن حدوثها وبالتالي تحقيق النصر ـ الآن المسألة انقلبت تماماً، لأن المجاهد يدخل المعركة وهمه الأول هو أن ينال الشهادة، فلذلك هذه المسألة غيرت تفكيرهم، وتغيرت معها النتائج ـ وفي الماضي يخرج الطوف من جوبا حتى ياي، فيستشهد فيه أكثر من 70 جندي بسبب الألغام وغيرها ـ الآن يخرج الطوف وحتى يصل إلى نهايته ويفتح المدينة يستشهد حوالي 9 أشخاص فيتحقق الإنتصار بأقل قدر من الخسائر، لكن الدخول مختلف تماماً، لأنهم يدخلون وهم طالبين الموت، فيطلبوا الموت، تكتب لهم الحياة ـ وقد حدثت كرامات كثيرة في مواقع العمليات في الجنوب، وكانت هي واحدة من الأشياء التي جعلت الإخوة في القوات المسلحة يحرصون حرصاً شديداً في أنهم كلما خرجوا إلى معركة أن يستصحبوا معهم بعض المجاهدين ـ وقد حكى لنا أحد قادة بأن الضابط الذي لا نعطيه مجاهدين يظل يتأخر حتى يأخذ مجموعة من المجاهدين ليذهب معهم إلى مواقع العمليات، يعتقدون أن فيهم بركة، يتيمنوا بهم خيراً كثيراً ـ فالدفاع الشعبي الآن صار مدرسة تؤصل لعسكرية اسلامية جديدة في مواقع المعارك والعلميات وفي مواقع التدريب والتأصيل ـ

أيضاً اهتم الدفاع الشعبي بالمرأة كما اهتم بالرجل على السواء ـ ففي بعض مواقع القتال في الجنوب يتعين الجهاد على المرأة ـ لأن في قرى في جنوب كردفان يخرج الرجال أحياناً للزراعة أو في مطاردة الخوارج، وتظل النساء في القرية، ففي كثير من الأحيان كان الخوارج يأتون ويهجمون على   هذه القرى ويسبون النساء، فكان بالضرورة أن يتدرب النساء على القتال ـ فتم تدريب للنساء في تلك المواقع. وقد أثبتن بطولات كبيرة جداً في صد كثير من الهجمات في تلك المواقع، ومن ثم أيضاً انداح التدريب للمرأة حتى في المدن المختلفة، في الخرطوم، والشمالية، والولاية الشرقية، وذهب بعض الأخوان في أعمال طب وتجهيز ـ

وفي إحدى جولاتنا في مناطق جنوب كردفان وجدنا في احد المعسكرات امرأة مع كتيبة كاملة، فكانت تعمل لهم الطعام، وتزغرد لهم عند دخول المعركة، وإذا اشتد القتال تقاتل معهم، ثم جئنا بعد ستة أشهر في نفس الموقع فوجدنا إن عدد النساء قد ازداد وأصبح 30 امرأة، بفعل هذه المرأة، ودورهم كبير في تلك المواقع لأنهم الآن ينشئون قرى سلام في كل منطقة تتقدم فيها القوات المسلحة، وفي تلك المناطق، فالمرأة لها أيضاً دور كبير جداً  في تحفيز همم الرجال في الحرب، وهناك عدد من النساء شاعرات يلعبن دوراً كبيراً في حماس الرجال للخروج في الحرب ـ

هذه صور من استنهاض الهمم والطاقات والدور الكبير الذي تلعبه النساء في شحذ همم الرجال ـ

الدفاع الشعبي لعب دوراً كبيراً جداً في نشر أبجديات الدين وهمة التدين في نفوس الناس وبالذات في المناطق المتقدمة، في مناطق العرب الرحل ـ ففي كل منطقة تخرج كتيبة تجلس مع المواطنين لفترة ستة أشهر وفي هذه الفترة تقابل الكتيبة وفي نفس الوقت تخرج يومياً مجموعات من هذه الكتيبة إلى  المساجد والأسواق والمدارس ويتحدثون في كافة أمور الدين ويعلموا الناس أبجديات الدين ويتحدثون عن الجهاد ـ فالقتال أصلاً في نفوس القبائل في تلك المناطق طبيعة ـ فكانت المشكلة هو أن تتغير هذه الطبيعة من قتال تعودوا عليه بينهم وبين القبائل الجنوبية إلى قتال ذو معنى، قتال رسالي ـ لذلك استطاعت الكتائب في جنوب كردفان أن تغير مفاهيم الناس في معاني القتال وتشخذ هممهم للجهاد والإستشهاد في سبيل اللّه ـ فالذين استشهدوا في تلشي وبحر العرب مثل أبو دجانة وغيرهم أرسوا دعائم أساسية في نفوس الناس وتركوا أثرا كبيراً جداً ـ في نفوس المقاتلين في تلك المناطق، اكتفي بهذا الحديث والسلام عليكم.

تعقيب “5”

الأستاذ/ كمال الهلباوي

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين ونصلي ونسلم على رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وعلى الله وصحبه ومن إهتدى بهديه وجاهد جهاده إلى يوم الدين. جزى الله الإخوة الكرام في مركز الدراسات الإستراتيجية خيراً بإعداد هذه الندوة والترتيب لها ترتيباً جيداً ودقيقاً والحرص على راحة المشاركين من الخارج والداخل، وجزى الله الأخ الدكتور الطيب زين العابدين في وريقات قليلة جداً كشف معاني كثيرة ودقيقة تشمل علاقات دولية تشمل العالم بأسره في حاضره ومستقبله وجزى الله خيراً حكومة الإنقاذ في مشروعها العظيم وندعو الله ألا تنقذ فقط في السودان إنما الأمة كلها بحاجة إلى من يجرها وهذا أمل طويل وكبير وقد وردت اليه إشارة داخل الورقة عدم الضن بالخبرات ولعل السودان يكون القاعدة الصلبة للأمة وخاصة أن هناك بوادر إن كانت في أفريقيا أو آسيا عند الأفغان واخواننا في الجزائر وغيرهم في البلدان الأخرى بإذن الله.

الورقة انقسمت إلى ست نقاط أو محاور أساسية إن كان هوية السودان أو الحديث عن إنتماءات السودان أو أهداف العلاقات الدولية، أو المتغيرات الدولية أو السياسات الإقليمية (أ) والدولية (ب) وأخيراً أصول الأهداف والسياسات وشرح الدكتور الطيب هذا وهو موجود في الورقة بشكل كبير وأساسي. والروح التي وراء العمل الذي نراه نقطة ينبغي أن نقف عندها، ليست النصوص المنقولة أو الحديث، إنما الروح التي تتحدث عن تحديات ضخام وكيفية مواجهة هذه التحديات. رأينا ذلك في الأوراق السابقة وفي ورقة مهيرة وعزة نفس الكلام في قضايا الإستنفار والمجتمع فالروح التي وراء هذا العمل نقطة جديرة بالتقدير والإحترام كذلك الرؤية الواعية الواضحة أو ما يمكن أن نسميه بالبصيرة التي وراء هذا العمل شيء جيد هذه الرؤية إعتمدت على ثلاث مؤتمرات. لفت نظري أن ثورة الإنقاذ قامت في يونيو 89 عقدت ثلاث مؤتمرات أكتوبر مؤتمر، نوفمبر مؤتمر، ديسمبر في 89 وهذا دليل على الرغبة والإستعداد والتجاوب من الطرفين القيادة والشعب على ضرورة الإنقاذ والتنمية الشاملة وهذا ما أجاب على سؤال كنت إستخدمه دائماً مع الشباب وبيني وبين نفسي كذلك ـ اسأل الشباب في المحاضرات واللقاءات والندوات، هل تظنون أن العقل الغربي أفضل من العقل المسلم. هل خلق الله العقل المسلم بعجز وقصور، هل خلق العقل الغربي والإفريقي والأسيوطي عقلاً قاصراً عن النهوض والتقدم، حتى نرى العقل الأمريكي والسوفيتي يتبع والعقول التي ترتبط بأديان وأعراف ثابته وراسخة وقيم وأصول لا تتبع؟ أظن أن الأوراق التي إستعمنا إليها أجابت عن جزء كبير جداً من التساؤل الذي كنت أشعر به.

النقطة الأخرى: الميل الفكري إلى التجديد والتطوير في ورقة الدكتور الطيب. فالذي يتحدث عن أهداف العلاقات الدولية، يتحدث عن حسن العلاقة مع إحدى الكتلتين أو الكتلة العظمى الموجودة أو مراعاة اخواننا في القمة. الورقة لم تبدأ بهذا الأسلوب التقليدي الدنيء في مسيرة الأمة على سنوات طويلة. إنما بدأت بطريقة فيها تجديد، حماية مقومات أمن الأمة من الداخل، نحن غير محتاجين للأمريكان لحماية أرضنا وإحتلالنا ليأخذوا ثرواتنا وأموالنا وعقولنا وخبراتنا. إنما حماية الأمن القومي وهي مسئولية المسلمين أو المواطنين مسلمين وغير مسلمين في بلد واحد. كذلك قضية المساعدات، كانت تبدأ أهداف العلاقات الدولية بالحصول على مساعدات وهي أما قروض تكبل الأمة، وأما مساعدات تشكل ضغوط على البلاد التي تحصل عليها كما شرح د. إبراهيم بالأمس. إذن لا المساعدات ولا الإنحياز إلى كتلة من الكتل.

ثالثاً: تميزت بقضية الرغبة والإستعداد في مساعدة الآخرين في التجارب الناجحة، هذه نقطة جديرة بالتقدير والإحترام. أود أن أضيف نقطة أخرى وهي أن الناس عندما تذكر كلمة العلاقات الدولية أو الخارجية تتجه أنظارهم إلى وزارة الخارجية، وهذه نظرة جزئية كأن وزارة الخارجية مستقلة عن الأمة أو بقية الوزارات ـ إنما الذي نراه في الورقة وهو مطروح والأصول التي اعتمد عليها في استقراء واستخراج توصيته والنقاط محاور الحديث اعتبرت أن وزارة الخارجية هي جزء داخل كيان ينبغي النهوض به وتنميته، وأن العلاقات الدولية ليست متعلقة بوزير الخارجية ان نجح أو فشل، إنما متعلقة بوطن وأمة كاملة تدور في هذا الإطار. تحدث الدكتور الطيب في قضية المتغيرات الدولية وأجاد في هذا. وكنت أتمنى أن ينظر إلى قضية بروز القوى الأخرى في أوربا واليابان نظرة أخرى أكثر بحثاً وتمحيصاً ولعلها تحتاج إلى ندوة من هذه الندوات العظيمة التي رأيناها، الآن هذه فكرة وردت مع انهيار السوفيت، ولا أجد لها مبررات كثيرة في قبولها وربما د. الطيب يسعى إلى بحثها مرة أخرى من جديد سواء بالنسبة لأوربا.

هناك نقطة جديدة أثارها وهي أن ثروة البترول ستظل جزء على المستقبل العربي. صحيح في الحالة التي نحن مرهونين بها هي جزء من العبء علينا سواء كانت داخل الأرض أو خارجها فإذا كانت داخل الأرض لا نعرف كيف نخرجها، وإذا كانت خارج الأرض لا نعرف كيف نكسب أموالها، تذهب إلى الخزائن الدولية والخارجية بل أنها تأتي بجنود لإحتلالها وفق فتاوي من علماء السلطان أو غيره. تسوغ هذه الهيمنة والإحتلال ـ نقطة جديرة بالتقدير، كيف يمكن أن نخرج ونستخرج ثرواتنا ونستفيد بها دون أن تكون عبئاً على المستقبل. كل شيء من الطاقات الموجودة في الطبيعة أو الإنسان يمكن أن تكون عبء وحافز له للنهوض ـ المطر يمكن أن يكون عبء وحافز. وحتى الموارد الطبيعية، الأرض المساحة الشاسعة، البشر السكان، كل هذا يمكن أن يكون عبء في يوم من الأيام ويمكن أن يكون حافز قوي للنهوض والتقدم المنشود ـ لا أريد أن يفهم أحد من ورقة الدكتور الطيب ـ عندما تحدث عن السياسات الإقليمية في المحيط الدولي، في مواصلة الحوار بين الشمال والجنوب، ورغبته في أن نغض من الديوان ـ أنه يثق في دول الشمال ثقة كبيرة على أنها تفعل هذا ـ إنما لعله يشير إلى أن هذا جزء من حقنا أن هذه البلاد سرقت ثرواتنا من قبل، فلعلنا نستطيع أن نقيم لهم محاكمات ونسترد ما سرقوه منا من متحف اللوفر والمتحف البريطاني، حتى من واشنطن نسترد أية سرقة سرقوها منا.

أخلص إلى النقاط التي دار فيها البحث تدور حول العشر أصول الآتية:

  1. دعم الفكرة الإنسانية وإثراءها بالحضارات المتعددة، وعدم تخاذل الحضارة الإسلامية أو العربية أو الإفريقية عن أخذ دورها في الحضارات العالمية.
  2. الإسهام الجاد في بناء الحضارات في ضوء روابط وقيم قابلة للتحديث والتجديد والموازنة بين المصالح والمبادىء.
  3. ضرورة فهم الواقع المعاصر. وأي مشروع للتنمية والإنقاذ لايقوم على فهم الواقع المعاصر لاجدوى منه. ونحن نلاحظ أن البلد لم تقف عند البكاء على الأطلال بل إنطلقت من رؤية فيها فهم كبير للواقع المعاصر.
  4. إدراك القدرات الذاتية وحسن توظيفها.
  5. الإستفادة من القدرات الخارجية غير الذاتية، إقليمية كانت أم دولية.
  6. التوجه الإيجابي لمواجهة أية توجهات سلبية ـ مثل إستنفار طاقات المجتمع. الحرية دواعي الأمن حقوق الإنسان، عدم الرضا بالهيمنة.
  7. عدم الإستسلام للسلوك الدولي الغربي وقيمه. وهذه النقطة مهمة.
  8. الإسهام الكامل في النظام العالمي الجديد.
  9. برمجة الأصول الفكرية وتهيئة الأدوات للإنطلاق والتغيير.
  10. إستشراف المستقبل وبدائله العديدة المستعملة وصور تشكله. واقترحت ثلاثة أمور.

في نهاية الحديث:

  1. السعي لإستضافة المؤسسات الإسلامية أو بعضها الذي يعمل في بلدان تجمدت فيها هذه المؤسسات. ولعل أفغانستان تكون القاعدة لإنطلاق بعض هذه المؤسسات. وباكستان لإنطلاق البعض الآخر.
  2. الإهتمام بمؤسسات الحوار والنقاش ولعل هناك ورقة تعد بهذا الشأن.

ومن المخجل أن يكون العلمانيون لهم منتدى للحوار منذ عدة سنوات في الأردن (منتدى الفكر العربي) ودول كاملة لا يكون فيها هذا المنتدى.

  1. طباعة الإستراتيجية التي قرأتها وسمعتها لتكون إستراتيجية عامة تعدل، غير خاصة للسودان، ويمكن أن يطبع منها وتوزع للمؤسسات العربية والإفريقية، وربما تترجم للغات لايتكلم بها المسلمون بالعربية مثل اندونيسيا وماليزيا، مع السعي لتدريس هذا المنهج، منهج التفكير الإستراتيجي في مدارس السودان بدء بالمدرسة الثانوية وربما الإبتدائية.

تعقيب “6”

السيد/ مهدي إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم، جزى الله أخي الدكتور الطيب خيراً لهذا العرض الشيق المتوازن الذي أوفى القضية حقها رغم تناوله لقضايا دقيقة ومعقدة وجزا الله الأخ هلباوي لإضافته القيمة.

النظر إلى الأصول الفكرية للعلاقات الدولية يستتبع ـ من بعد تحديد هذه الأصول ـ النظر في تنزيلها إلى الواقع، لهدايته ولمحاكمته في حركة التنفيذ المستمرة في الحياة. ولكن ماهي هذه الأصول الفكرية للعلاقات الدولية ؟

حاول الطيب في الفصل الأخير أن يعقد جملة من القضايا الهامة لهذه القضية يرد إليها الأهداف والسياسات والحركة. المتأمل يجد أن هذا من أضعف الجوانب في فقهنا الإسلامي. فالموجود فيه قليل ومتناثر ومتقادم. حيث أنه قد لايسعف الإنسان على هداية الواقع المعاصر المعقد في شأن السياسات الدولية.

عندما يرجع الإنسان للأصول الفكرية ليستنبطها ويهدي بها سياساته الدولية، بالضرورة يرجع إلى الأصول الفكرية الإسلامية العالمية التي تخاطب الناس أجمعين. هذه الرسالة الإسلامية تقوم ـ في حقيقتها على ثلاث معاني في تصوري (فيما يتعلق بالعلاقات الدولية) الجزء الأول منها العلاقات المتصلة بالمسلمين، فالمسلمون يشكلون ما يزيد على 50 دولة. هذا الإطار لا أحسب أن خلاف  كبيراً ينشأ فيه (العلاقة مع بلدان العالم الإسلامي اليوم).

الدائرة الثانية: هي التعامل مع أهل الدين عامة، المسيحية أواليهود ـ بإعتبارها أدياناً سماوية.

وفي فقهها الإسلامي وفي تاريخ علاقات المسلمين مع النصارى واليهود ودولة المدنية وعهدها يجد الإنسان مادة كثيفة في هذا الجانب.

ولكن المشكلة تنشأ مع من هم وراء المسلمين ووراء أهل الديانات السماوية، ربما يتشكك بعض المسلمين أصلاً في نهج العلاقة مع دول تقوم على إنكار الوجود للخالق وإنكار الرسالات والأنبياء والهدايا السماوية أصلاً، بل تعمل على وأدها وتستهدف المسلمين في كيد كبير، فينشأ عند بعض المسلمين النظر والشك في أصل وقيمة هذه العلاقات. ولذلك تسعفنا الأصول القاطعة في التعامل بين المسلمين والنصار {لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} إلى آخر هذه المعاني.

ولكن عندما ندخل في الدائرة الإنسانية العامة نجد بعض المحاذير عند بعض المسلمين. ولكن أحسب (لضيق الوقت) أن هذا المجال الإنساني هو مجال أيضاً هيأ الإسلام فيه لفقه العلاقات الدولية ـ في هذا الإطارـ بسهولة. والمعاني التي ذكرها الأخ الطيب تؤسس قواعد سليمة في تعاملنا مع من هم غير مسلمين وغير مسيحيين.

فالآية تقول: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى … حتى  لتعارفوا } هذا التعارف مع الناس وليس مع المسلمين ولا المسيحيين ولكن مع الناس كافة. فالتعارف هو القاعدة الأولى لتأسيس الصلة مع الشعوب. وفكرة الإسلام في العالمية نفسها هي قاعدة أساسية في التعامل مع الآخرين. وصاحب الرسالة التي تخاطب الناس عامة وتريد أن تنقذهم وأن تنهضهم وأن تحقق لهم حالة التقدم في الدنيا والآخرة على السواء، محتاج إلى أن ينشىء العلاقات ويطور الصلات مع الشعوب الأخرى. ولعل القرآن قد هيأ المسلمين ـ في مرحلة التكوين الأولى ـ لهذا المعنى {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون } هذه الآية كان غريباً أن تنزل إلى المسلمين في مرحلة هم محاصرون فيها حقاً ومحاطون بالأعداء، وتوشك أن تتخطفهم القبائل من حولهم، فإذا بالقرآن يرتفع بحسهم ووجدانهم وأهدافهم في العلاقات والتصور نحو القضايا الدولية المعقدة والصراع الدولي الكثيف الذي كان قائماً بين أكبر أمبراطوريتين في العالم، فارتفع وجدان الإنسان المسلم من مرحلة التكوين الأولى ليهتم بالشؤون الدولية.

وتشكل كثير من المعاني التي ذكرها الأخ الطيب أصلاً فكرياً قوياً جداً لتأسيس العلاقة مع الشعوب الأخرى غير المسلمة والتعاون معها. (طلب العلم في الصين). أو سائر بلاد الدنيا، البحث عن العلوم والمعارف وطلب التجارة إلخ….. كلها متاحة في فقهنا.

ولكن هناك مباديء أساسية يقوم عليها الدين، مبدأ التعارف الذي ذكرته الآية ومبدأ التعاون وتعاونوا على البر والتقوى هذا مبدأ واسع. هذا كله أصول قوية وثابته في نهجنا الإسلامي وفي سيرة الرسول عليه السلام، وفي سيرة الذين جاءوا من بعده، وهي قواعد تقوم على هذه الأصول، يمكن أن تهدينا في فقه العلاقات الدولية التي نريدها. بل أن التعاون مع الآخرين يقوم ـ حتى ـ على سائر القيم الإنسانية الأخرى. فالذي ينظر لحلف الفضول والذي لم يتم في مرحلة الدولة المسلمة ومرحلة سيادتها وتأسيسها وإنما تم في عصر الجاهلية. والرسول أعجب بهذا الحلف وأيده وتمنى لو أنه كان موجوداً معهم في ذلك الوقت ليكون شريكاً ومؤسساً في ذلك الحلف، لأنه قام على خدمة معاني وقيم إنسانية عامة تربطنا بالبشر في هذا الإطار الإنساني.

هذا الإطار الإنساني ربما تنشأ فيه الإجتهادات والتباينات المختلفة بيننا ولكنه يلتمس لنفسه سنداً في أصول فقهنا الإسلامي ومسيرتنا التاريخية الإسلامية على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو في نهج القرآن.

السياسة الخارجية والعلاقات الدولية هي أحدى مشكلات اليوم لأنها تقوم موازنة بين المصالح. هل السياسة تقوم على مصالح الدولة أم أنها تقوم على المباديء ؟

إن المصالح إن إصطدمت مع المباديء عندئذ تهيمن المباديء على المصالح فتهديها وتضبطها وتحكمها ولكن لعل هذه معادلة يتميز بها الإسلام أنه يقيم علاقاته الدولية وسياساته الخارجية على المصالح والمباديء وإذا وقع الإصطدام يهدي المبدأ وتحكم المباديء هذه المصالح، هذه مهمة بالنسبة للأصول الفكرية التي نؤسس بها ونحكم بها العلاقات الخارجية. ولكني أرى إشكالية الآن تقوم أنه إذا كانت أصول الرسالة الإسلامية بطبيعتها العالمية، تقتضي إتصالاً بالعالم وتحاوراً معه وإنفتاح مجالات الثقافة وحوار الثقافات فتنشأ هنا المشكلة بأن التطور الذي آلت إليه الحياة المعاصرة اليوم أنتهى بنا إلى واقع يجعل نمطاً واحداً من الثقافة هو الذي يريد أن يبسط نفسه ويهيمن على الواقع الدولي وبالتالي الطبيعة الرسالية العالمية للإسلام في مخاطبة الجميع وفي مد رسالته للآخرين تنشأ فيها مشكلة من هذه الناحية في أنها توقعنا في صدام مباشر مع القوة التي تريد أن تهيمن هي على الرسالة العالمية.

الإعلام الغربي مشحون بالرسالة الغربية، الليبرالية، الإقتصاد الحر. حقوق الإنسان…إلخ من هذه الشئون وبطبيعة الإعلام الغربي وطبيعة الحضارة والفلسفة الغربية، التي تقود العالم اليوم هي أيضاً ذات رسالة وأظنكم قرأتم البحث الذي أعده الأمريكي في الأصول اليابانية حيث أبان أنه في العالم اليوم قد إنهارت كل المباديء والفلسفات والأديان وما بقي منتصباً أمام البشرية غير الخيار الغربي الديمقراطي الليبرالي الإقتصادي الحر خياراً نهائياً بالنسبة للبشرية، فهذا يجعل الحضارة الغربية الآن لا تقبل حوار الثقافات ولا تقبل الخيارات الفكرية والحضارية الأخرى التي تنازعها فطبيعة رسالتنا العالمية تجد نفسها الآن في مصادمة حقيقية مع المطروح من الخيار الغربي وهذه واحدة من الإشكاليات التي يعتقد أنها ينبغي أن نبحث عن حل بالنسبة إليها في سياق المحاولات التي حاول الأخ الطيب أن يحدد بها أهداف بالنسبة للعلاقات الخارجية القائمة اليوم. أريد أن أنهي هذا الحديث لأني أعلم أن الوقت محدود بأن أقفز من النقاط التي أمامي إلى نقطة أخيرة هي على الرغم من أن العلاقات الدولية تحكمها أصول فكرية نردها بطبيعتها لقيمنا الإسلامية إلا أن قدرتنا على ممارسة هذه العلاقات الخارجية من حيث الإتساع ومن حيث التقليص هو ليس قائم فقط على هذا المتاح لنا إسلامياً، ولكنه قائم على إعتبارات موضوعية متصلة بالقوة وبالضعف الذي يقوم عليه المجتمع المسلم وحالة الدولة المسلمة. فمع قوة المجتمع المسلم وقوته الإقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية والمادية والروحية يستطيع أن يحافظ ويدافع عن رسالته العالمية وأن يمدها وأن يبسطها في الآفاق ليس بالقوة لأن هي بطبيعتها رسالة تخاطب الإنسان، ولكن لأنها إذ تخرج من البيئة الإسلامية وتصل العالم الآخر ينشأ رد الفعل من العالم الآخر تجاهها فمع حالة القوة للمجتمع المسلم يمكن أن يحمي هذه الرسالة بحيث أن ينفتح أمامها الطريق وتنفسح أمامها المنابر والمجالات لتصل الآخرين ليختاروا قبولها أو رفضها ولكن مع حالة الضعف وهي تقيض من هذا بالضرورة قدرتنا على حماية الرسالة وإبراز خصائصها الإعلامية وتمكينها من أن تنتشر وتصل الآخرين تتضاءل هذه القوة لذلك هذا موضوع هام أيضاً أو ننظر للأصول الفكرية بالنسبة للعلاقات الدولية بالنسبة للمجتمع المسلم. . . على الحالة التي يكون عليها ذلك المجتمع المسلم قوة وضعف لأنها هي التي تمكن أن يعبر عن مجمل طبيعة الرسالة ويتحرك في إطارها أو التي تقلص دوره ولو مرحلياً حتى يستكمل عناصر القوة اللازمة بالنسبة له.

تعقيب “7”

الأستاذ/ أحمد كمال الدين

الحمد لله والصلاة والسلام على  رسول الله، إستمعت معكم إلى ورقة الأستاتذ ربيع حسن أحمد وعلى الرغم من إستماعي إليها لأول مرة والإختصار الذي إستدعاه ضيق الوقت إلا أنني أعجبت بالورقة أي ما اعجاب، فقد طرحت المشكلة الأساسية فيما يتعلق بالغرب وهي أن هذه المشكلة إنتعشت في أذهان الكثيرين وخلقت نوعاً من الأزمة وبدأ الناس يشعرون بأن هنالك أزمة في العلاقة بين السودان والغرب وفي حقيقة الأمر هذه مشكلة خاصة بمعرفة الغرب فعندما بدأ هذه البداية كان الشعور بأن هذه الورقة قد بدأت البداية الصحيحة، وسيظل هذا السؤال عالقاً في أذهان الناس في جنوب الكرة الأرضية مسلمين كانوا أو غير مسلمين، البلاد المستضعفة إجمالاً يحاولون أن يعرفوا ما الغرب ؟ وسأتعرض لهذا في تعليقي. وأوافقه كذلك في أنه ليس هناك من جديد في العلاقة مع الغرب والكلام عن الأصول الفكرية والكلام عن الفلسفات والخطوط العريضة. ليس هناك من جديد ولم تأت ثورة الإنقاذ بجديد في هذه العلاقة ولكن كلما فعلت الثورة أن أصبحت واضحة تنادي الشيء باسمه هذا هو الجديد ولعمري هذا هو الرجوع إلى الأصل في الأشياء على المستوى الأصولي الآخر أي القيمي، وأمر ثالث هو أن الجديد هو التصور في العلاقة مع الغرب ولم يأت هذا التصور ولم ينبع إلا من الوضوح وإظهار الحقيقة حيال هذا الغرب من قبل هذه الثورة. وهو رد بطبيعة الحال للنظرة التقليدية التي كانت هي نظرة لا تفكير فيها يقترب الإنسان من الدولة التي كانت قريبة منه ولا تزال حتي الآن تسير في ذلك الدرب نرتدي الملابس التي تشبه الغرب ونتحدث اللغة والذين يدرسون الدراسات العليا حوالي 80 بالمائة منهم في البلاد التي كانت تستعمرنا وهكذا وبعفوية يسير الناس في هذا الخط وهذا بالنسبة للغربيين هو صلب الأمر وليس هامشاً لأن الغرب لا يهتم كثيراً بالأمور الفكرية، والفلسفية ويتحدث عن الذي يرى ويلمس وكذا وكذا مثلما أوضح لنا البروفسير إبراهيم أحمد عمر أنهم يركزون على الإنسان وأعمال العقل. النقطة الرابعة ذكر الأستاذ ربيع أن التصور هو الجديد ولي ملاحظتين في هذا الأمر:

الملاحظة الأولى: هي أن العلاقة ليست هدفاً لكي ينجز هذا الهدف، ليست هدفاً في ذاته إذا إستمر ذلك الغرب الجامد الرسالي في منظوره وهو يدعو إلى نظام عالمي جديد ويدعو إلى هيمنة وإيصال الرسالة وحتى الرئيس بوش إستخدم كلمة Massege في أغسطس عام 1991 أوضح رسالة تعبر عن نظام العالمي الجديد في تاريخنا المعاصر في خطابه عن الإستراتيجية الأمريكية فاستخدم كلمات كثيرة استخدمتوها وإستخدمها الأساتذة بهذا المنبر خلال الأيام الماضية، فهذا الغرب الرسالي الجامد المحارب هذا إذا صارت معه علاقات وهو بهذا الشكل معناها قد تغيرنا نحن. فالوصول إلى علاقة مع الغرب وهو على هذا الحال ليس هذا هدفاً في حد ذاته وهو ما وصل إليه الأستاذ ربيع من أن ثورة الإنقاذ لم تصل إلى إنجاز في هذا المجال ولعل في هذا حلاً لهذه المعضلة.

والملاحظة الثانية: في هذه الجزئية الرابعة هي أن ما ذكره أن العلاقات كانت متوفرة في الماضي مع الغرب فهذا إنما هو رسم ديمومة مستمرة للأمر الذي تستند عليه العلاقات الغربية، لها فلسفة معينة ونظرة معينة، ولأنها لم تتغير ولذلك العلاقة مع بلادنا ستظل في جذورها مستمرة وثابتة تتحرك صعوداً ونزولاً وحسب القدرة على إرغام بلادنا بالإتباع وأتفق أيضاً على مسألة التبعية هذه.

النقطة الخامسة: هي رغبات غربية، في معالجة، جيدة – من الأستاذ ربيع -أنها هي رغبات ليست مصلحة مجردة وليست مبادىء مجردة وهي كلمة تعالج المشكلة في التحرك ما بين الاثنين المبادىء والمصلحة.

هنا يكون الفهم أقرب، ونحن نحاول أن نفهم عقلاً لا نفهم فقط واقعاً ، نفهم أسلوب الغرب في التعامل مع الأشياء، فلابد لنا أن ننظم تفكيرنا مع تفكير الغرب لكي نفهم موضوع تفكير الغرب.

والنقطة السادسة: بعد نهاية الحرب الباردة، يقول الأستاذ ربيع أن هنالك قطبية أخرى ستستمر، وفي تقديري أختلف معه قليلاً ، أنها قطبية جديدة، لم تتبلور بعد ـ الجنوب ليس كله قطباً واحداً، ولكن معروف أن في الجنوب جذوة متقدة اسمها الإسلام، هذه الجذوة ربما تشكل القطب الذي سوف ينظر اليه الغرب، ولكن هل في الشمال قطب لكي يناظر هذا القطب الراسخ الجذور، الطويل العمر، هذا القطب ذو التاريخ، إذا حضرت في التربة الثقافية لأمريكا إلى أكثر من مائتي عام لعلك تضرب صخراً، ولا أريد أن أذهب أكثر ولكن أجد صعوبة في هذه المناظرة، لأن الحرب المادية الرجعية النظرية، وجود سلاح نووي هنا، أو لا أحد يستخدم السلاح ـ إنتهت الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وانتقلت الحرب إلى حرب نظرية أخرى بين الشمال والجنوب، وأخذت بعض المراحل تتحول إلى فيزيائية ثم تعود إلى حرب نظرية، هذه الحرب تكون ثقافية ـ إذا كانت حرباً  ثقافية فالدولة العظمى تقع في الجنوب بدون شك.

النقطة الأخيرة: كان الأستاذ ربيع يسأل عن الحل ويقول أن الغرب يوماً من الأيام سوف يعرف الحقيقة وعندها يكون واقعياً ، وأختم قولي بالدعوة إلى أن نسعى جميعاً إلى تعريف الغرب، في تقديري أن الغرب هو ظاهرة، الغرب ليس موجوداً في الغرب أحيانا يكون موجوداً في الشرق الأوسط قريباً من فلسطين وأحياناً يكون موجوداً في مؤسسة مثل منظمة الوحدة الأفريقية في زمان ومكان ما وأشخاص معينين هو هلام متكامل كبير ضخم الجسم، يكون موجوداً في أزمنة وأماكن معينة، فهو أسلوب من أساليب التأثير على العلاقات الدولية ـ هذا هو الغرب، وعندما يسافر الإنسان إلى الغرب يكون قد سافر قبلها بعشرات السنين إلى الغرب وهو في بلاده، فالغرب ظاهرة، والغرب موجود معكم في كثير من الأماكن بإعتبار أنها مسألة مادية ابتلاء أرض خلقه الله سبحانه وتعالى لحكمة يراها، حتى يحصل هذا التفاعل، وحتى تتقد جزوات الإبتلاء، وحتى يظهر النضار الذي أحسبه في تربة الإسلام إن شاء الله ـ وعلى الرغم من هذه الضبابية التي تداهم كل من يريد أن يصوغ صياغة واضحة للغرب، إلا أننا بشيء من التبسيط وتحريك الوجدان، لأن هذا هو الإنجاز الذي يمكن أن المسه في الواقع وفي كلمة الأستاذ ربيع، أننا إذا حررنا الوجدان تمكنا من النظر إلى الغرب في حقيقته وهذا هو التصور، فبالتصور يمكننا أن نحل المعضلة، إذا تصورنا تصوراً حقيقياً لا يهمنا من بعد كيف تكون العلاقة.

تعقيب “8”

الأستاذ/ إبراهيم شكري

 كانت الورقة التي قدمت من الدكتور الطيب زين العابدين هي ورقة طيبة لا شك في ذلك، حيث شملت كل الأصول الأهداف للسياسات التي يمكن أن يتبعها السودان لكي يصل إلى أفضل النتائج، وفي الحقيقة أكون مقصراً في حق نفسي وحق كل سوداني ومصري إذا لم أتحدث بكلمات عن خصوصية العلاقة بين مصر والسودان، والتي لم تأت ـ وإن كانت ربما أتت في كل سطر من سطور الورقة ـ ولكن بضمير مستتر ـ فعندما نتحدث عن أصول، أهداف وسياسات، جاء في خامس سطر خصوصية العلاقات حسب انتماء الأمة دينياً وثقافياً وعرقياً وجغرافياً، إذن هذا الإنتماء وهذه الخصوصية إذا ركبناها لوجدنا أنه كانت باستمرار العلاقة بين مصر والسودان على أنها بلد واحد على نيل واحد، عشنا طوال حياتنا بهذه الصورة، وإذا كان هنالك تقسيم تم فقد كان هذا التقسيم على يد الإستعمار ولم يكن على يد أخرى فهو خط، هذا الخط بين مصر والسودان، وهو نفسه الذي خط خطاً آخراً عند كوستي وفصل الجنوب عن الشمال في السودان ـ أذكر تماماً في سنة 53 عندما حضرت لأول مرة للسودان، سرنا إلى الجنوب، وعند كوستي، قالوا عند هذا الحد قف، ليس مسموحاً لكم أن تذهبوا إلى أكثر من ذلك ـ إذن فهذه التقسيمات لم تكن تقسيمات لا طبيعية ولا مبنية على شيء إنما عشنا دائماً، ولكن كما جاء في الورقة إن المستعمر بذكاء كبير أراد أن يكون هنالك نوع من التقسيمات، وأسسها، ولكن نحن في الوقت الحاضر نتحدث عن هذه العلاقات التي تريد أن يكون معها السودان علاقة طيبة مع أندونيسيا وماليزيا.. الخ ـ لا أتصور ونحن نتحدث ونشارك في مثل هذا المؤتمر أن نغفل هذه العلاقة بأي صورة من الصور، وحتى ولو كان الأمر فيه حساسيات، لأن الأمر إن لم نحاوره ونتصارح فيه فليكن هناك مجموعة تحضر ورقة خاصة بالنسبة للعلاقات المصرية السودانية وما طرأ عليها، وفي كل الأزمنة الماضية، الحديث منها، إن هذه العلاقات علاقات لم يكن فيها أبداً إلا نوع من الطموح دائماً في أن نكون مع ، وكلمة وادي النيل، ومصر والسودان، كانت دائماً هي الكلمة التي عشنا عليها وتربينا عليها، وإن كانت الأجيال الحديثة لم تحس بها كاحساسنا فإذا أردنا أن نتحدث مع أحد، فالإخوة السودانيين أقرب لنا من أي شعب آخر ـ وإذا أردنا أن يكون هناك من يستشار طبياً أو يجدوا راحة في الصيف ولن يجدوا أقرب من مصر ليكون فيها ـ وإذا كان هناك تصور بتجارة بين الحدود فلابد أن تكون مصر هي التي تتصور أن تكون بينها ـ اما تكون عدة أوراق تتحدث عن كل شيء ماعدا هذه النقطة أعتقد أن هذا لابد أن يعالج، إذا كنا نريد أن نصل إلى فوائد من اجتماعاتنا وحضورنا. وعندما أتحدث عن ذلك أقول ان الفائدة ليست للسودان، إنما هي للسودان ولشعب السودان، ومصر وشعب مصر ـ وعندما نتحدث عن أثر السودان في المجال الدولي فانه في نهاية الأمر يستند إلى مسائل لا انفصال فيها، وهو قدوة هذا البلد على التأثير اقتصادياً، وسياسياً وعسكرياً، كل هذه النواحي تحسب في الحسبان ـ فاذا كان هذا الوضع موجوداً فهو وضع فيه خلل لابد أن نصححه ـ ومن هنا فانني أقترح بداية على مركز الدراسات، أن تكون هناك ورقة خاصة بالنسبة للعلاقات المصرية السودانية، نتحدث فيها بصراحة، لأن هذه العلاقات، لا شك أن المستعمر أراد أن يؤسس فيها نوعاً من العقبات والمسائل النفسية..الخ ـ بحث انه في كثير من الأحيان عندما كنا نمارس دورنا كأشخاص في العمل العام مقدرين أهمية هذه العلاقات، كنا نرى في بعض الأحيان انه ليس هناك سبب إلا مسألة كلمة هنا،  وكلمة هناك ـ موضوع نفسي أكثر من موضوع آخر، وفي نفس الوقت يمكن أن تكون أخطاء، وأيضاً لا بد من الأخذ في الإعتبار ان كل من حولنا والذين يحاولون أن يضعفونا كأمة عربية اسلامية فهم يركزون في بعض الأحيان على النقاط القاتلة، ومن هذه النقاط القاتلة ألا تكون مصر والسودان معاً، وألا تكون هي مثلا مع ليبيا كتلة، هي نقطة أساسية تتصل جغرافياً وتاريخياً وبشرياً معاً كل شيء معاً، يمكن أن تكون نقطة ركيزة.

تحدثت أيضاً الورقة ان في نهاية الأمر سيكون الأصل في وحدة عربية حيث انها تكون دفعة قوية لكل المجالات التي تتصورها، في عالم كله ينتهي إلى انه يكون كتلاً عالمية ـ نعم ان التصور هذا يجب أن يكون له استراتيجية وهذا التصور يجب أن نعمل له حتى لو ان هناك سياسات تجيء ضد هذه الأجيال أو لا تساعد، لأن الشعب المصري والسوداني سيبقيان ما دام الحياة مستمرة وما دام النيل مستمر في جريانه، وأنني أجلس هنا في الفندق الذي نحن فيه فأرى النيل أمامي تماماً كالنيل الذي أمامي في القاهرة لا فرق بينه، بل ان الحياة كلها بالنسبة لمصر أنظر اليها من هذا الماء الذي يجيئنا ـ إذن الأمر ليس أمراً يمكن أن يحسب كأي علاقات أخرى، إنما لا بد له مردود كبير جداً وان هؤلاء الذين يريدون أن يضعفونا يضربوننا في مقتل دائماً بالنسبة للحلقات التي لها أهميتها وأثرها ـ لا أريد أن أطيل ولكن كان واجبي أن أقول هذه الكلمات لأنني عشت لها وستستمر دعوتي لها مهما كانت القرارت العلوية من هنا أو هناك لا تتفق في بعض الأحيان مع بعضها ونحاول أن يكون هنالك تصحيح لها ولكن ما ذنب شعبنا في الشمال والجنوب، وشكراً لكم .

تعقيب “9”

د. ابراهيم أحمد عمر

اولاً: أحب إلا نتحدث عن أن الغرب غير موجود، هو حقيقة مادية موجودة، ولكن أحب أن نتعامل معهم من منطلق{و تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} وبالتالي يقع على عاتق الدبلوماسية السودانية والعربية والإسلامية، أن نتعرف عليهم لتجد المداخل للتعامل مع الغرب، ولذلك أطلب من الأخ الطيب أوآخرين، أن يبحثوا ويدققوا أكثر في من يشكل وجهة نظر الغرب بالنسبة للعالم الإسلامي والعالم العربي، وكيف يشكلها؟ والطيب له دراسة سابقة في الغرب ويعرف الدوائر التي تشكل وجهة نظر الغرب في علاقاته الخارجية مع العالم الإسلامي، والعربي، هذه الدراسة تكون مفيدة لمعرفة المداخل لكيفية التعامل مع الغرب، هذا الجزء من الدراسة آمل أن يحظى بعناية وتكمل به الورقة في المستقبل أن لم يكن الآن.

النقطة الثانية: هي الحديث عن واقع العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي فهي ليست شيئاً جديداً ـ وبالنسبة لي بعد أن توليت بعض المسئولية في ثورة الإنقاذ، شعرت بأن هنالك أشياء إما أن تكون جديدة في علاقة الغرب بنا أو نحن بحكم أننا جدد في هذا الموقع، إكتشفناه أخيراً . كان المعروف لدينا سابق  أن الغرب يمكن أن يضغط إقتصادياً أو سياساً أو عسكرياً ، ولكن هناك مجالات لم يكن ليدخلها في مجال الخلاف والضغط، مثال ذلك العلاقات الثقافية ولكن اتضح أن هذا هراء، فالذي يجري الآن هو أن العلاقات الثقافية العلمية تستغل كما تستغل البندقية أو القرض الإقتصادي، ولذلك أتساءل هل النظم السابقة كانت أيضاً تحارب بهذا السلاح وبالتالي نحن لم نعمل شيء سوى أننا اكتشفنا هذا الأمر عندما جلسنا في مقاعد المسئولية. أم ترى أن هذا الأمر قد فات ما كان يحدث في الماضي ووصل إلى حد الحصار الثقافي والضغط الثقافي والعلمي والتقني.

النقطة الثالثة: هي مدافعة هذا النظام الجديد، ولعلي بالأمس حاولت أن أقول أن هذه المدافعة لا يمكن أن تكون إلا ببديل يحاور وينافس من ناحية موضوعية هذا الذي يطرح أو يقوم في الغرب، وبهذه المناسبة وضح بالأمس عندما قالت أحد  السيدات كيف نستمد علمنا وتقنيتنا من أصولنا ونحن نعيش وبيننا مسيحيين وحولنا آخرون، ففي رؤيتي أن هذا البديل الذي يطرح من قبلنا لا يقدم كبديل إسلامي ويقبل لأنه إسلامي، أو يقدم في مجال العلم والتقنية لأنه يحمل عنصر أخلاقي إسلامي أو عرف إسلامي أخلاقي، وإنما يقدم كبديل موضوعي، أحسن وأعمق وأوسع من البديل المطروح، فالتنافس في مجال العلم والمعرفة والعلوم والتقنية لا تكون بالمجاملات، ولا حتى بالتسامح، هنا مجال موضوعي يتكلم عن أشياء موضوعية والتنافس حولها من هذا المنطلق، وقناعتي أن البديل الذي يمكن أن يناهض ويدافع البديل الغربي إن كان في مجال السياسة أو الإقتصاد أو الإجتماع أو في مجال العلوم والتقنية هو هذا البديل الذي تحدثنا عنه بالأمس، ونقول الآن نحن في المدافعة عن علاقتنا الخارجية محتاجين لنتسلح به، ولذلك ما لم يكن لنا هذا البديل فستكون علاقتنا الخارجية دائم  من نقطة ضعف، إن لم يكن لها البديل العلمي التقني.

النقطة الرابعة: الآية الكريمة التي استشهدت بها في هذه الأوراق {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنث  وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. هذه الآية تجعلني أتساءل عن قضايا أعتقد أنها مهمة جداً، هل هذا اعتراف بالكيانات الأخرى ـ بمعن  أنه على المسلم أن يعترف بكيانات آخر ، والكيانات الأخرى تشمل الدول، وإن كان خطاب للناس فهو يشمل المسلمين، فهل هذا توجيه في موضوع الوحدة والتنوع، ليس الوحدة بمعنى الوحدة الهيكلية والإدارية وغيرها، وليس هو التكامل الذي نسع  له الآن، وإنما دول وشعوب وقبائل تقوم ليس عل  أساس ما هو مشترك وإنما على أساس ما هو مختلف، المشترك بداهة يكون مطبقاً  فيهم جميعاً ، فكأنما التوجيه في هذه الآية أن الوحدة المقصودة أن كل هذه القبائل والشعوب تطبق الإسلام ولكن الذي يجعلها شعوب وقبائل ودول ليس الإسلام وإنما هو الإختلاف فيما بينها نهذا تساؤل أرجو من الأخ الطيب والأخوة العاملين في هذا المجال أن يفتونا فيه فيما بعد.

النقطةالاخيرة: هي عن كلمة التنزيل التي استعملت في هذا اللقاء ـ في قراءتي للقرآن لم أجد التنزيل يستعمل كقدرة للبشر قط، ليس من قدرة البشر أن ينزل، والتنزيل لا يتكلم عن الصورة المطلقة التي قيدت، وإنما يتكلم عن الصورة المقيدة، فأعتقد أن استعمالنا لكلمة التنزيل إستعمالاً لا يتفق مع استعمال القرآن.

تعقيب “10”

د. بشير نافع

الحمد لله رب العالمين. لدي عدة ملاحظات تتناول مجمل الأوراق بما في ذلك الفصل الخاص بالعلاقات الخارجية في الجزء الأول من مشروع التنمية الإستراتيجية الشاملة. أبدأ بالنقطة الهامة التي طرحها الأستاذ مهدي ابراهيم حول أن هناك تحديا فقهيا ربما للعقل الإسلامي المعاصر، وأعتقد أن هذه مسألة مهمة جداً بالنسبة لنا نحن الذين نراقب السودان من الخارج ونحاول أن نتعلم من تجربته. أن هناك تحديا فقهيا وأضيف بأنه ربما هناك تحدي للضمير التاريخي للمسلمين.

المسألة الأولى: الملاحظ عالمياً  أن الصين تقريباً هي الدولة الكبرى الوحيدة التي مازالت صامدة في مواجهة مشروع الهيمنة والصعود الغربي الأطلسي. وهناك مسائل عديدة تتعلق بالتكوين الثقافي للصين وخصوصية الصين بغض النظر عن كونها صين شيوعية أو الصين جديدة.

العلاقات السودانية الصينية علاقات جيدة جداً. العلاقات الإيرانية الصينية على  ما أظن أيضاً علاقات جيدة. واضح أن القرار السياسي الخارجي في الصين قرار مستقل إلى درجة كبيرة سواء في علاقات التسلح مع سوريا ومع دول عربية أخرى، نقل التقنية خاصة النووية، هذه كلها مسائل أظنها معروفة للمراقب للشأن السياسي.

الفقه الموجود لدينا، أو التصور السائد لدينا على مر القرون الماضية أن أهل الكتاب هم أقرب لنا للمسلمين ـ هذه الدولة ليست دولة أهل الكتاب وأعتقد ربما هذه حلت في السودان نحن المسلمين خارج السودان نحتاج الآن إلى مراجعة هذا الأمر، وربما يكون ضروريا أن يبرز اجتهاد وبحث جديد في هذا الموضوع، لأني أظن أن الصين المرشحة لأن تكون حليفا مهما لحالة النهوض الإسلامي في السودان وإيران وفي المنطقة ككل.

المسألة الأخرى أنه في الضمير التاريخي للمسلمين خاصة بعد الحروب الصليبية، هناك معركة شرسة وعداء وكراهية وحقد ظاهر ومستبطن للكاثوليك ـ وكما ذكر أستاذنا قبل قليل فالغرب ليس كتلة صماء وكما ذكر الأستاذ ربيع أن هناك دول تجر جراً من قبل قيادة المعسكر الغربي وأظن أن قيادة المعسكر الغربي منذ حوالي قرن من الزمان هي بيد المجموعة الأنجلوسكسون للبروتستانت، أي بيد التحالف البريطاني الأمريكي.

الملاحظ أيضاً أن الدول التي توجد فيها مجموعة كاثوليكية كبيرة مثل المانيا أو أنها كلها كاثوليكية مثل إيطاليا، علاقتها مع العرب والمسلمين في المرحلة الأخيرة، في العشرين سنة الأخيرة مختلفة قليلاً عن علاقة مجموعة القيادة الأنجلوساكسونية للبروتستانت ـ هذا يحتاج إلى مراجعة، لأنه إذا كان بالإمكان أن يكون هناك تحالف بين المسلمين والكاثوليك ـ والكاثوليك على كل حال يتعرضون لهجوم بروتستانتي هائل في أمريكا الجنوبية وهناك محاولة لتهميش دورهم في أوروبا ـ فهناك نزاع تاريخي الماني بريطاني معروف في أوروبا ـ إذا كان بالإمكان أن يطرح هذا للبحث على قادة الرأي والعلماء المسلمين فالموضوع ليس علاقة بين دول ودول وإنما الموضوع واسع، يمس العلاقات بين العلماء والفلاسفة ومراكز الدراسات ـ هذا موضوع يحتاج ربما لمراجعة الضمير التاريخي حوله.

المسألة الأخرى هو ما ورد حول أن المتغيرات الإقليمية والدولية تشير إلى تعدد مراكز القوة في المدى المتوسط. وذكرت أوروبا الموحدة واليابان ـ إلخ فأنا لست حاسم  في هذا الأمر لكن لدي شكوك جوهرية حول هذه المسألة ـ على المدى  البعيد كل الأمبراطوريات والإمبرياليات تنهار ـ الولايات المتحدة ستنهار في النهاية، على هذا أمر على المدى البعيد ليست هناك مشكلة على المدى القريب والمتوسط لدي شكوك حول أن تكون هناك قوة كبرى ستبرز في القريب أو المتوسط لمنافسة الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم، لماذا؟

أولاً أعتقد أن أوروبا هي التي طرحت للتراث الإنساني هذا الشيطان البشع الدولة القومية، وأشك في قدرة أوروبا على إنجاز موضوع الوحدة وهذا أصبح واضحاً في الأسابيع الأخيرة بعد التصويت في بلجيكا وأصوات الإحتجاج القوية في بريطانيا وفرنسا إلخ. من الصعب على أوروبا أن تكبح جماح هذا الشيطان البشع الذي جاءت به للتراث الإنساني السياسي أي الدولة القومية. هناك علاقات بريطانية أمريكية متميزة على مر التاريخ الحديث. لا أرى أن هناك تحدي في داخل اليابان، أو أرووبا للنمط الثقافي الأمريكي، العكس أرى  ـ أرى سيطرة ثقافية أمريكية على أوروبا في العواصم الأوروبية العريقة مثل باريس، الآن المقاهي رمز باريس تهدم وتقام مكانها الهامبورقر إلخ ـ فالذي يذهب إلى اليابان. وإلى  فرانكفورت، تجد أن هناك أحياء لا تختلف عن المدن الأمريكية. العالم الإسلامي هو الوحيد الذي يقول الآن لا للثقافة الليبرالية الغربية، بقية العالم لا يقول لا ـ الشعوب تخرج في مظاهرات حتى تطيح بحكوماتها كما لاحظنا هذا في أوروبا الشرقية في الإتحاد السوفيتي وأمريكا اللاتنية من أجل النموذج الليبرالي، نحن الوحيدين الباقين الذين نقول لا، إنما الآخرين شعوبهم تركض وراء النموذج. ربما يكون هناك تحديي اقتصادي من قبل المانيا واليابان للولايات المتحدة الأمريكية، لكن وحدة أوروبية، هذا أمر مستبعد، اليابان أوالمانيا تكون لديها القوة الخشنة الموازنة للقوة الأمريكية أو تكون لديها جاذبية النموذج الموجود للنموذج الأمريكي على مدى قريب ومتوسط الذي يتحد  النموذج الأمريكي هذا لا أظن، وليست هناك أدلة قوية عليه ـ هذا خبر سيء . أن العالم على المدى  المتوسط سيكون القوة الكبيرة فيه الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الأسوء من ذلك أن نقرأ الواقع خطأ، وأن نعتقد أن هناك قوة ستتحد الولايات المتحدة الأمريكية ثم لا تبرز هذه القوة، نعمل حساباتنا على هذا الأساس ثم تنهار كل حساباتنا أمام الواقع خلال عشرين سنة.

ذكر البروفسير إبراهيم أن تجاهل الغرب هذا أمر خطأ. العلاقات السياسية السيئة مع الغرب لن تحرمنا من الجنة، تكون علاقاتنا سيئة مع بريطانيا وأمريكا ولكن يمكن أن ندخل الجنة أيضاً. ولكن أوروبا قارة تفتقد التنوع على مر التاريخ ـ تفتقد التنوع في مصادر الثروة، والطاقة والغذاء حتى في الطقس فافتقادها للتنوع يجعل كل قوة ذات مشروع تبرز فيها من عصر الأسكندر المقدوني حتى الآن تتجه إلى الجنوب، الإستثناء الوحيد حصل مئتين سنة من نهاية القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر عندما اكتشف العالم الجديد الولايات المتحدة صارت في توجه أوروبي هائل باتجاه العالم الجديد، ففي نهاية القرن الثامن عشر أنته هذا المشروع وعادت الأمور إلى سياقها الطبيعي، فكل قوة صاحبت مشروع للتوسع تتجه دائم  إلى الجنوب إلى حيث التنوع، هذا الحديث سائد من الأسكندر المقدوني حتى الآن ـ نحن موجودين في الجوار الأوروبي، لا نستطيع أن ننقل مصر والسودان وفلسطين من هذه الخارطة ونذهب بها إلى كيب تاون أو إلى الطرف الآخر من العالم. نحن موجودون في الجوار الأوروبي الأطلسي والذي هو مرتبط بالولايات المتحدة الأمريكية، وعلينا أن نطور مقاربة صحيحة للعلاقة مع الغرب الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا أيضاً يعني أن عبء النفط ليس هو العبء الوحيد، موقعنا الجيبولتيكي هو عبء، فلو انته النفط من بلادنا لن تنتهي المشكلة، نحن في طريق خطوط الطيران، والسفن والتوسع الإقتصادي الأوروبي ومشروع الهيمنة الأوروبي والأطلسي، وفي طريق موجات الراديو، والتلفزيون، ولكل شىء تقريب  في علاقة الغرب مع الجنوب والشرق حتى لو ذهب النفط فنحن موجودون في الجوار الأوروبي والأطلسي ولابد أن تكون لدينا مقارنة صحيحة للعلاقة مع الغرب جانب واحد منها ربما هو القطيعة ولكن هذا فقط سيكون الوجه الأول للعملة، والوجه الآخر ربما أكثر تعقيد ويحتاج إلى جهد كبير جداً من العقل الفلسفي والسياسي العربي والإسلامي.

المسألة الأخيرة هي موضوع فلسطين ـ في الجزء الأول لمشروع التنمية الشاملة ذكر موضوع فلسطين مرة واحدة في جملة واحدة ـ والذي ذكر اليوم في الندوة هو كلام هامشي ولا يوفي الموضوع حقه. قبل أن تتضح معالم المشروع الصهيوني في فلسطين قدم السودان شهداء على أرض فلسطين، وأدعوكم لمراجعة مذكرات خضر حمد، فيها قائمة طويلة حول شهداء السودان في معركة الثمانية وأربعين، قبل أن يأخذ اليهود القدس ـ الآن هناك جانبان لهذه المسألة. إن إسرائيل ليست دولة وكيان وإنما هي مشروع يمتد مجاله الحيوي من موسكو إلى كيب تاون، ومن المغرب إلى باكستان ـ المشروع الناصري في مصر ضرب من خلال موضوع فلسطين وأي محاولة للنهوض والإستقلال في الحوض العربي الإسلامي بدون أن تواجه المشروع الصهيوني ستضرب ـ السودان سيمنع من هذا ضمن المجال الحيوي البحر الأحمر وفي القرن الإفريقي معناها لا يعرف المنطقة ـ فموضوع فلسطين حتى على المستوى المنفعي البحت موضوع تنبيه بشكل مركزي موضوع  صحيح  في العالم الإسلامي لماذا؟ لأنه إذا كانت لدينا مشكلة في إعادة بناء الإجماع في مجتمعاتنا فأحد عناصر إعادة بناء الإجماع هو فلسطين، ليس هناك إجماع في العالم الإسلامي بين الشعوب، ليس هناك إجماع أكثر من إجماع فلسطين، فلماذا لا نستغل هذا العنصر في المساهمة في إعادة ترتيب الإجماع في مجتمعاتنا ـ فعلى  المستوى السياسي كيف نطبق هذا فالموضوع ليس سهلاً لكن نحن نتحدث عن أسس فكرية للعلاقات الدولية، فتجاهل هذا الأمر معناها أننا في مشكلة في رؤيتنا الفكرية للسياسة الدولية.

تعقيب “11”

السيد/ محمود جحا

اعوذ بالله العزيز الحكيم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

لا أود أن أفسد عليكم حديث الأخ الدكتور بشير نافع ولكني سأختصر حديثي في نقطتتين فقط.

النقطة الأولى : فيما يتعلق بالأصول الفكرية لمشروع الإنقاذ والنهضة الشاملة، هنالك إشارات قرآنية واضحة جداً للعلاقات الدولية، وأعتقد كمسلم لا ينبغي تجاوز هذه الحدود فيما يختص بالعلاقات الدولية وأي تجاوز لهذه الحدود القرآنية يعتبر إفساد للمشروع الإسلامي ـ فالقرآن حينما يقول  لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا، اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى.

هذا نص واضح جداً يحدد معالم ومباديء وأسس وطريق وخريطة العلاقات الدولية، فالقرآن لا يقتصر على هذا البيان وإنما يذهب إلى أعمق من ذلك، يقول الله تعالى {  إن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم، فنسوا حظاً مما ذكروا به فاغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيام}.  هذا وعد قرآني جازم، أن هنالك عداوة وبغضاء بين الذين قالوا إنا نصارى إلى يوم القيامة. وآية أخرى {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيام} إنهيار الإتحاد السوفيتي والكتلة الإشتراكية لم يكن إعتباط، وأنا في هذا أود أن أشير إلى الأخ الأستاذ بشير نافع، أن الصين ستنهار قبل مانسميه بالغرب، لأن الصين لم تجد في العالم من فلسفة تهتدي بها وتبني بها الدولة إلا الفلسفة الألمانية الماركسية اللينينية، وأستغرب جداً لمليارات البشر يستلفون نظرية أتت من مكان آخر ثم يدعون أنهم يريدون أن يتقدموا ويقودوا البشرية ويشكلوا كتلة. هذا وهم كبير جداً مثل الوهم الذي كنا نخدع به أنفسنا حينما قام الإتحاد السوفيتي والكتلة الإشتراكية حتى إذا ما اصبح الصبح وجدت الكثير من الأنظمة نفسها في العراء وهي الآن تدفع الفاتورة والثمن للتبعية لما كان يسمى بالإتحاد السوفيتي.

الله تعالى  يقول {ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي إنزل إلينا وإنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}  هذا نص صريح وواضح جداً ، إلا الذين ظلموا منهم، الخريطة واضحة من هم الذين يظلمون الآن من أهل الكتاب، نحدد الذين يظلمون ونتعامل مع الذين يظلمون بالنصوص الشرعية أيضاً التي تنظم العلاقات الدولية وتنظم الحرب والسلام. أعتقد أننا محتاجون لمراجعة المصطلحات نفسها، فالكلام عن الغرب من أين أتى هذا المصطلح أو الشرق الأوسط، أو حلف الأطلنطي. أو دول العالم الثالث. نحن في الواقع نستعير كل شىء. ونتحدث عن الإسلام والأصول الفكرية التي نريد أن ينطلق منها مشروعنا النهضوي والحضاري ـ وهذا المشروع ليس متروك للإضافات الجديدة، فالمعالم لهذا المشروع تحددت من قبل 1400 سنة، ورسمت طبيعة العلاقات الدولية وكل شىء، وقبل الرسالة المحمدية كانت هنالك علاقات دولية ورسالات وشعوب ورسل ورسالة الإسلام لا تبدأ فقط من اليوم أو من قيام الحركات الإسلامية الحديثة. الإسلام هو رسالة الله سبحانه وتعالى إلى العالمين منذ أن قال اهبطوا منها جميع ، بعضكم لبعض عدو.  منذ ذلك اليوم، العداوات والخصومات والحروب شيء طبيعي وأصيل في الحياة البشرية ـ فأعتقد أن هناك أصول فكرية واضحة المعالم ترسم العلاقات الدولية للمسلمين، ولا نحتاج لأكثر من الإنكباب عليها.

أما النقطة الثانية: فهي إذا أردنا تطبيق هذه الأصول الفكرية على أرض الواقع فلا مجال أبداً للحديث عن دولة قطرية أو دولة وطنية أو عنصرية أو قومية أو إشتراكية أو تقدمية أوغيرها ـ هنالك طريق واحد وهو دولة إسلامية بالمعنى  الواضح والشامل للكلمة، ودولة إسلامية تعيد النظر في كل شيء، تعيد النظر في الجنسية، فليس هناك معنى لسوداني، ماذا تعني كلمة سوداني؟ سواء كان في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ليست لديها أي معنى ـ الجنسية والإقامة وحركة رأس المال والتراخيص، وإنتقال رؤوس الأموال، وكلما يتعلق بهذه الأشياء يجب أن يعاد فيها النظر.

أعتقد أن السودان لديه فرصة لتأصيل هذه المعاني، ولكن هذا لا يتم إلا بالمكاشفة والمصارحة مع القرآن، مع الكتاب والسنة إبتداء ومع الله سبحانه وتعالى ـ الآن أفغانستان تتعرض لهذا الإختبار، نحن نريد أن نرى كيف يدير المسلمون الحركيون الدولة ـ رأينا كيف أدارت إيران الدولة في العقد الماضي ـ الآن نريد أن نرى كيف يدير المسلمون الحركيون الدولة في أفغانستان، ونحن الآن نعايش كيف يحاول المسلمون في السودان إدارة الدولة ـ التحدي واضح جداً  وهو الإلتزام بالنصوص القرآنية وتجاوز كل الأشياء الدنيوية أو العلمانية الدنيوية، والإنكباب على النص القرآني الواضح وتطبيقه على أرض الواقع بدون أي لف أو دوران، وبالتحديد:

  1. سيادة الشريعة والقانون في المجتمع.
  2. الإقتصاد الحر والنقد الحر.
  3. الإعلام غير السلطوي (غير الحكومي).
  4. المجتمع المتكافل.
  5. الجهاد ماضي إلى يوم القيامة، والجهاد يترتب عليه التقانة ـ فلا يمكن أن تقوم دولة تتبع العدو فني وهي تريد أن تحقق الإستقلال أو الدولة الإسلامية ـ

 هذه هي في تقديري شروط النهضة الشاملة، وشكراً جزيلاً.

تعقيب “12”

الأستاذ/ مالك حسين حامد

بسم الله الرحمن الرحيم، الورقة الأولى للأخ الدكتور الطيب كانت رصينة جداً وتعليق الأخ مهدي كان أرصن، وأثارت بعض الأشياء المهمة جداً ، وسأحاول في جهد يسير جداً حل المعضلة التي ظهرت في السطح الآن.

نحن كمسلمين في ثورة إسلامية، ليس هنالك ما يمنعنا في أن نتعامل بالنصوص، وأن نتمسك بها، فالعالم الآن ليست له أصول فكرية في سياسته الخارجية، وإنما المهيمن عليها هو المنفعة المحضة، والسياسة الخارجية فيها جزء عملي وجزء شكلي، والذي يطفح على السطح اليوم هو الجزء الشكلي، فليست هناك سياسة خارجية لأي دولة تنبثق من واقع حقيقي، وليست هناك دولة تتعامل بالموضوعية، أو الأمانة أو بأصول فكرية. فالأصول الفكرية في السياسة الخارجية لنا يجب أن تكون في بناء الدولة الحديثة الداخلية حتى عندما نخرج من دارنا للتعامل خارجي  تكون هناك قوة تخش بأسها ـ هذا هو الأساس الصحيح، والنظام الإقتصادي السليم والذي يعتمد على الإنتاج المحلي والذي رفعته الثورة كشعار واضح جداً، لايمكن أن تخرج إلى الساحة وانت لا تملك قرارك أو طعامك وشرابك أو ملبسك، وليست لك تكنوجيا ـ أنت قطعاً ستكون في وضع لا تحسد عليه، ومن ثم فالتعامل في السياسة الخارجية هو تعامل شكلي نمطي، كل وزارات الخارجية وسفاراتها تعمل عملاً لتأدية مهمة شكلية محضة، إنما السياسة الخارجية الحقيقية تدار من وراءالكواليس، فلابد لنا عندما نتحدث عن استرتيجية لسياسة خارجية محدودة لابد أن نتحدث عن ما يسمى (بلانتلجن) فنحن لابد لنا من أن نسوس العالم في ندية واضحة، فلابد أن نوثر على السياسة الخارجية الأمريكية من داخل أمريكا، وخاصة وأن الأخ البروفسير إبراهيم أحمد عمر تحدث عن القرآنية،{تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} ليس هناك رباط واضح، أو أصول فكرية أو فلسفة خاصة إنما هنالك ما يسمى(بالإنتلجن) المرتبط بالمصالح الخاصة الذاتية المحضة التي تحاول أن تنظم العالم كله في عمل جاد لتسييرهم لمصلحة دولة معينة ـ وعندما شعر الامريكان أنهم لم يستطيعوا أن يؤدوا دور معين في تغيير الأوجه السياسية المختلفة في العالم، إبتدعوا نظام القوة ليدخلوا بجيش لبغير ـ هذا دليل واضح على ان المسائل ذات  السياسة الخارجية فاشلة. إذن المصارعة لايمكن أن تكون بالوضوح أو بتطبيق النصوص كما ذكر الأخ ـ فنحن قد نستعمل النصوص في التعامل الخارجي، وإنما نلتزم بها في بناء مجتمعنا السياسي، والإقتصادي لكي نحارب ونصارع الأشياء الموجودة في الخارج.

أعتقد أننا في السودان نسير بخطى اقتصادية سليمةفي نهضة زراعية واضحة جداً، ونحن في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث الإمكانيات الزراعية، ويمكننا أن نكون دولة مؤثرةة في السياسةة الخارجية العالمية.

تعقيب “13”

السيد/ صلاح أحمد أبراهيم

إذا لم أخطىء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إشترك في حلف الفضول إصطحبه عمه أبو طالب ووصف كيف كان في بيت عبد الله بن جدعان ـ فصاحب الرسالة العظيمة قال الاسلام ـ يجب ما قبله، ولكن كما هو جاهلي وسيء ولكن يكمل، فلم يقل لإنه يبدأ كل شيء، وذلك لاتبخسوا الناس أشياهم ـ {ولايجرمنكم شنآن قوم على إلا تعدلوا}ـ فعطاء الشعب السوداني فيما يتعلق بمعاهد المعوقين، بجمعية الامل، بملجأ القرشي بالتعليم الأهلي، بتعليم البنات ـ مدرسة المؤتمر نفسها ـ مشاريع السنين الاولى لنميري، هذا كله عطاء الشعب السوداني ـ لذلك كون وصفه بأنه شعب غير عملي فيه خمول ـ شعبنا شعب ( يا ابو مروة) شعب النفير ونقول هذا لا.لكن قال هذا الرجل، رجل أكن له احتراماً ـ وفيما يتعلق بالدفاع الشعبي فهذا شي جديد، وأعرف نوع هذه التعبئة، لأنيفي غرفة مغلقة في باريس أشعل في الحريق، ولذلك هذا يغفر هذا ـ كل ما يريده الشعب السوداني هو الحفز والإلهام، وشعبنا بعد ذلك يفعل ما لا يفعل ـ إذن لابد أن ننصف من سبقنا ـ أعتقد أن على المسلمين أن يمعنوا التفكير والنظر قبل أن يقولوا الكلام ـ نحن حتى الآن في مجاعة شديدة للتكنولوجيا، ولكم رسول الله أسوة حسنة لأنه المعلم ـ فعندما قال له سهيل بن عمر (إذا كنت أعترف بأنك رسول الله لماذا التفاوض)،  قال له (أشطبها)، فهل تنازل عن كونه رسول الله فنرجوكم تؤدة.

بالنسبة للغرب لاتتصور إنك تستطيع أن تقف ضد الدنيا كلها وتنتصر، لا سقطت القدس وهي مسرى محمد ـ لاننا لم نمعن التفكير ـ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن راغبا في الخروج من المدنية في أحد ، وبلا قوى ، وحرضوه وقالوا له يجب أن نبقى ـ فلما خرجوا خذلو ـ السودان لايستطيع  أن يحرر فلسطين ، فأنا لا أصلح الاخريين، ولست مسؤلاً عن صلاحهم، إذا أقمت نظام هنا يأخذ نفسه فليساعدنا الناس ثم بعد ذلك تلتقى هذه النماذج ـ لايذهب ليحرض أ ي جهه هذه نقطة مهمة ـ لقد حملنا فلسطين في قلوبنا ونحن صغار، ولكن خطوة خطوة ـ وبالفعل .

الدوله القومية هذا الشيطان البشع الغرب الأخ الذي تحدث عن الغرب بإعتبارة ظاهرة هيلاميه ـ لاعليك أن تعرف تعريفاً صحيحاً فعلاقتك بالغرب من بيزنطة والحروب الصليبية ـ أخذ منك الاندلس ، وجاء أليك بالنظام الراسمالي ـ وتريد أن تقول عنه هلامياً وغيره ـ لا ، عليك أن تدرسه وتعرفه حتي أخر نقطه فيه لكي تتعامل معه ـ لاتتعامل مع الغرب بالجهل ـ والقول بأن الغرب يقدم المصلحة على المبدأ مخطىء، أحياناً، ولكن عندما يقرر أن يكثر العنف يتناسى المصلحة ـ إرتبط الغرب بإسرائيل ، ولذلك فإن مصلحتة كلها مع العرب لايمكن أن  يبدلها بها ، لأن لديه إرتباطات قوية بها. ولذلك علينا في الصدد أن نعرف عدونا ـ وعلينا أن لا ننجر بالحماس، وأن نعلم بالماضي ـ بالامس فقط إشتعلنا حماساً في الموقف ضد الغرب كله ، وسننتصر وسننتصر، وبعدها ماذا ـ أخذ يجرد سلاحنا ونحن نزعن ونزعن ـ لا، لا حماس ولا انجراف إلى معركة فبل موعدها ـ  لابد أن يطمئن الجميع بأننا لانتعدى على أحد أو ننتقد أحد، فكل ما نريده هو حسن المعاملة، لأنه حتى هذه الندوة ستصور باعتبارها تجمع حربي ـ طرحة لبستها بنت صغيرة ـ  قالوا إن هذا الاسلام جاء ليكسر علمانيتنا.الإنكباب على النص القرآني الواضح وتطبيقه على أرض الواقع.

التعليقات

أضف تعليقك