أنموذج التعدد والإستيعاب

د. كمـال عثـمان صالـح

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله..كنت أتمنى أن تكون ورقة الأستاذ أحمد عبد الحليم مفصلة أكثر في قضية التنوع ـ  ومسألة الخلط هذه، وإن كانت لأسباب فنية، فقد حصل نوع من التداخل في الأوراق. وكنت أتمنى لو أعطى الوقت الكافي الأستاذ أحمد عبد الحليم في سبيل تنوير الجلسة فيما يتعلق بقضية التنوع، حتى أستطيع بعد ذلك أن أتناول بالتفصيل قضية شكل استيعاب مشكلات التنوع هذه.

حاولت هذه الدارسة مسترشدة ومستعينة بحصيلة المعرفة العلمية المستخلصة من مجمل الأبحاث والدراسات والتقارير الحكومية أن تتناول قضية تطور الحكم اللامركزي في السودان ومنهجية تطبيقه انتهاء بتبني منظومة الحكم الإتحادي الحالي كخير نموذج لاستيعاب معطيات التعدد والتنوع.

ومن الصعوبة بمكان، بل من غير الأفيد والأمثل، تقويم تجربة الحكم اللامركزي في السودان في إطار شمولي يغلب عليه أسلوب الطرح المعمم دون الدراسة المتعمقة والتفصيلية، وبالتالي فقد أخذت هذه الدراسة باتجاه التركيز على جانب واحد من جوانب التجربة المتعددة، والمتداخلة، وهو جانب العلاقة مابين الحكومة المركزية والسلطات الولائية والمحلية. وفي هذا الإطار واعتباراً لحقيقة أخرى تتمثل في أن العلاقة، مابين الحكومة المركزية والسلطة الولائية لابد أن تتحكم فيها وتكيفها خطى متعددة ومتداخلة، تشمل الأطر الدستورية والقانونية والسياسية والتنظيمية والمالية وغيرها.

لقد أخذت هذه الدراسة، باتجاه التركيز على إطار واحد من أطر هذه العلاقة وهو الإطار السياسي. وجاء الإهتمام والتركيز على الإطار السياسي للعلاقة مابين الحكومة المركزية والسلطات الولائية والمحلية من قناعة أن هذا الإطار يشكل في حقيقة الأمر الواقع الفعلي الذي تمارس السلطات المحلية أو الولائية من خلاله وفي إطاره مهامها ومسؤلياتها. ويحدد في ذات الوقت مقدار وحركة فاعلية هذه السلطات في أدائها لهذه المهام والمسؤليات.

فيما يتعلق بتجربة الحكم اللامركزية في السودان، نجدها أفرزت ولا زالت تفرز قناعات راسخة بضرورة حتمية الأخذ بأسلوب الحكم اللامركزي، كأسلوب أمثل لتنظيم وإدارة ورعاية شؤون المجتمعات المحلية.

إن الإنحياز لصيغة الحكم اللامركزي الذي التزمت بدرجات متفاوتة الحكومات الوطنية المتعاقبة، المدنية منها والعسكرية التي تولت السلطة بعد دخول البلاد مرحلة الإستقلال السياسي، قد أملته وتملية ضرورات أوضح من أن تحتاج إلى تفسير أوتبرير مطول. فأولاً هناك الواقع الطبيعي والإجتماعي للسودان، الذي يتمثل في اتساع رقعة الأرض، وتباين ظروفها ومقوماتها الطبيعية وما يترتب على ذلك من عقبات طبيعية في مجال الإتصال فيما بينها. أضف إلى ذلك التعدد والتنوع في إطار المجتمعات المتباينة حضارياً وثقافياً وعرقياً وفكرياً ودينياً وقبلياً. كل هذا قد جعل من الأخذ بنمط الحكم اللامركزي خياراً لا بديل غيره.

إلى جانب ذلك هناك أمر على قدر كبير من الأهمية. فالمتغيرات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي عايشتها وتعايشها البلاد في الوقت الحاضر، كان ولايزال لها المدلول الأكبر والأعمق أثراً على ضرورة وحتمية الأخذ بالحكم اللامركزي، فنجد أن التوجه نحو بناء وتطوير الكيانات السياسية والإقتصادية والإجتماعية اللازمة لإنجاح أهداف التنمية القومية بكافة أبعادها وفي مختلف مجالاتها والتي أخذت تزداد رسوخاً يوماً بعد يوم، كل ذلك جعل من اتجاه توسيع قاعدة المشاركة في الحكم والإدارة أمراً حتمياً لا مناص منه. ومن أجل معرفة كيفية اختيار النموذج الفدرالي كخير نموذج لإستيعاب التعدد والتنوع كما جاء في توصيات مؤتمر الحوار الوطني لا بد لنا أن نراجع تجربة الحكم اللامركزي في السودان.

وكما ذكرت من قبل فإن السودان قطر مترامي الأطراف، وهناك صعوبة في الإتصال فيما بين المناطق المختلفة، إضافة الى تباين المجتمع من النواحي الثقافية والفكرية والتقليدية وغيرها.

ظهرت هذه المسألة بصورة واضحة منذ الحكم التركي الذي حاول أن يضع سياسة عامة تتوخى المنهج اللامركزي. وقد ركز الحكم التركي كثيراً على مسألة اتساع رقعة الأرض، ولكن هذا التوجه لم يدعم في فترة الدولة المهدية. والدولة المهدية حسبها ـ فيما يتعلق بالكيانات القبلية ـ أن اتجاهها هو تدعيم وبناء حكومة مركزية.

وكان السبب في عدم مواصلة مشوار الحكم اللامركزي أن كثيراً من القبائل كان لها تحفظ تجاه الدولة المهدية، وبالتالي كان اتجاه الدولة في تركيز الحكومة المركزية وعدم تدعيم قدرة الكيانات القبلية. لكن رجع مشوار الحكم اللامركزي مرة أخرى بعد الحكم الثنائي. ومع أنه في أول العقدين من هذا الحكم ( 1899ـ1920) كان التوجه نحو ترسيخ مبدأ الحكومة المركزية لأسباب عسكرية أولاً، محاولة لايجاد نوع من الأمن ومحاولة لاجتثاث كافة المناطق التي كان تأثير المهدية فيها ظاهراً. إلا أنه في تقرير الإداري البريطاني (ملنر) هناك توصية بأن يحكم السودان حكماً  لامركزياً، بالتركيز على الكيانات القبلية أو مايسمى بـ Indirect Policy وبالتالي انعكس هذا في كثير من القوانين التي ابتدعها المستعمر بداية من قانون 1924 لتنظيم المحاكم الأهلية ثم قانون 1937 الذي أوصى بإقامة مجالس المدن والبلديات والمناطق الريفية، ونهاية بالتوصيات التي عول عليها الدكتور مارشال، الخبير البريطاني في مجال الحكم المحلي، حينما أتى به في نهاية الأربعينيات في السودان، أو ما عرف لاحقاً بقانون 1951.

لكـن إذا حاولنا قراءة هذه التشريعات التي تم إصدارها في فترة الحكم الإستعماري (وركزنا على قانون 1951) نجد أن اتجاههم هو إنشاء وحدات للحكم المحلي تكون منتجة، وتعول على مصادرها المالية الذاتية لتغطية كافة الخدمات، ووصى القانون كذلك بإلغاء ما يسمى بنظام مفتشي المراكز، وأيضاً  ركز أن تقوم هذه الوحدات على أوعية إقتصادية إجتماعية. لكننا نجد أن السياسة الإستعمارية حاولت أن تستخدم هذه الوحدات (وحدات الحكم المحلي) في سبيل تدعيم سلطاتها السياسية، وفي سبيل غرس مفهوم الحكومة، وتعضيد الجانب الشعبي للحكم البريطاني. وتطور هذا الحكم لاحقاً بما يسمى (قانون إدارة المديريات) الذي صدر عام 1960 إبان الحكم العسكري. ومع أنه ركز على إقامة وحدات الحكم المحلي في محاولة لتعبئة واستنفار الجماهير ـ من أجل حركة النماء والتنمية، إلا أن الحكم العسكري استخدم نفس الطريقة التي استخدمها المستعمر البريطاني (وذلك فترة حكم الفريق عبود)، إلى استغلال هذه الوحدات لكسب الجماهير للنظام العسكري، وظهر هذا بصورة إبان ثورة اكتوبر 1964 حينما نادت كافة العناصر بإلغاء نظام حكم المديريات.

وكانت هنالك محاولة جادة لتدعيم الحكم اللامركزي إبان الحكم المايوي، وتم هذا في تشريعات 1971 (الحكم الشعبي المحلي) ثم الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية (1980). إلا أننا نجد أن التوجه كان في سبيل تدعيم سلطة الحكومة المركزية وبالتالي أن تكون وحدات الحكم المحلي تابعة لها. (ولعلكم تذكرون مسألة الثورة الإدارية والثورة السياسية التي ابتدعها الدكتور جعفر محمد علي بخيت ومسألة الضابط السيارة الإداري والمحافظين الذين كانوا يحاولون إيجاد نوع من الولاء للسلطة المايوية).

وأود أن أركز فيما يتعلق باتجاه أو مشروع الحكم اللامركزي في الحقبة المايوية على قانون الحكم الذاتي للمديريات الجنوبية. هذا القانون صدر بعد اتفاقية أديس أبابا لكن كانت هناك تجاوزات كثيرة من قبل الحكومة المركزية، وكان هنالك تدخل سافر من قبل الحكومة المركزية في سياسة المديريات الجنوبية. وقد شكك هذا لاحقاً في المصداقية تجاه الحكم الذاتي الإقليمي. ونجد أن تدخل الحكومة المركزية ظهر أولاً فيما يتعلق بحل المجلس التنفيذي العالي في الجنوب في أواخر السبعينيات، وفيما يتعلق بحركة إعادة تقسيم الإقاليم الجنوبية. وقد شكك هذا كثيراً في مصداقية التوجه اللامركزي في السودان. وهذا أحد العوامل الرئيسية التي ساعد لاحقاً في انتشار حركة التمرد التي بدأت بما يسمى (بأنيانيا) تو ثم حصلت البلورة فيما يتعلق بحركة التمرد الحالية.

كذلك نجد أن مسألة المؤثرات والهيمنة المركزية قد ظهرت بصورة واضحة في الحكم الإقليمي عام 1980، والتدخل الحكومي السافر في كيفية تعيين حكام الإقاليم، فكان قانون عام 1980 يعطي الحق لرئيس الجمهورية أن يتدخل في كيفية تعيين الحكام. وكان الإجراء المتبع آنذاك أن يتم اختيار حاكم الولاية، من خلال مؤتمر لمجلس الشعب الإقليمي مع جهاز الإتحاد الإشتراكي على المستوى الإقليمي. ومن خلال هذا المؤتمر الجامع مابين هاتين المؤسستين يتم اختيار ثلاثة مرشحين، ثم يختار رئيس الجمهورية أحد هولاء المرشحين.

وأعطى القانون صلاحيات لرئيس الجمهورية أن يختار أحد هؤلاء المرشحين وحتى ولو نال أدنى الأصوات بحجة الإعتبارات الأمنية وغيرها ـ وهذا تجاوز واضح.

المسألة الأخرى أن رئيس الجمهورية له الحق في أن يحل البرلمان الإقليمي. وهذا أيضاً أحد التجاوزات لقانون الحكم الإقليمي لعام 1980. أما فيما يتعلق بالممارسات السياسية نجد بعض الإشراقات خاصة اتجاه حركة المداولات التي كانت تتم في مجالس الحكم المحلي، وكانت هناك ديمقراطية حقيقية. ولكن هذه لم تعكس من خلال أجهزة الإعلام. وكان هذا بسبب الهيمنة المركزية، حيث كان أشخاص (مثل الحكام) حاولوا أن يعكسوا نفس الأسلوب الفردي في الحكم على مستوى الحكومة الإقليمية.

نتمنى من القائمين على الأمر أن يتفادوا هذه السلبيات في مشوار الحكم اللامركزي عند تطبيق الحكم الإتحادي. فالحكم الإتحادي يعني ثنائية السلطة السياسية المركزية فأنت تقيم سلطة على المستوى المركزي وسلطة على مستوى الولاية. ولو حاولنا أن نتقيد بمصطلحات الدستور الفدرالي، فالدستور الفدرالي ينشىء سلطتين على المستوى المركزي وعلى المستوى  الولائي ويجب ألا تتجاوز الحكومة الفدرالية حدودها، فتلغي الحكومة على المستوى الولائي إلاّ بإجراءت معينة أي الرجوع إلى الجهاز التشريعي الفدرالي. ويجب أن تؤخذ هذه المسألة في الحساب عند تدوين الدستور الفدرالي.

إن مسألة الحكم الفدرالي كانت إحدى التوصيات التي نادى بها مؤتمر الحوار الوطني على أساس أنها تمثل النموذج الأحسن لاستيعاب التعدد والتنوع. وجاء لاحقاً الأمر الدستوري الرابع الذي حاول أن ينشيء المؤسسات الفدرالية على أساس مؤقت وحسب ما ذكر في تقرير الإستراتيجية القومية الشاملة فهناك فترة عشر سنوات، وفي فترة الأربع سنوات الأولى يجب استكمال كافة المؤسسات الأُولى الفدرالية وبمعنى آخر أننا في عام 1996 نصبو إلى أن يتم قيام كافة المؤسسات التشريعية الفدرالية التنفيذية والمؤسسية القضائية الفدرالية على المستوى  المركزي. وكذلك يتم انشاء واستكمال كافة المؤسسات على المستوى الولائي التشريعي والتنفيذي والقضائي.

هذا فيما يتعلق ببنود كيفية اختيار هذه المؤسسات. والمسألة واضحة فيما يتعلق بالحكومة الفدرالية وأما رأس الدولة فيتم بتبني منظومة الحكم الرئاسي. وهذه المسألة تتم بالإختيار الحر المباشر من قبل الشعب. وفيما يتعلق بوزرائه هناك ما يسمى بنظرية فصل السلطات ولكن الوزراء الفدراليين يتم تعيينهم من قبل الحكومة الإتحادية، بموافقة الجهاز التشريعي الفدرالي.

أما فيما يتعلق بالمؤسسات على المستوى الولائي، أعني الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي والجهاز القضائي فهناك طريقة معينة لاختيار هذه المؤسسات والعناصر. فالوالي يتم انتخابه انتخاباً حراً مباشراً. وهناك اجراءات معينة لانتخاب أعضاء حكومته.

نحن ما نتمناه في ما يتعلق بالمرسوم الدستوري الرابع نتمنى منذ الآن إلى عام 1996م أن تكتمل حلقة انتشار كافة هذه الهياكل وإلا ستكون مشابهة للحكم الإقليمي للعام 1980م، وهذا بالتحديد في قضية التعيين وقضية الإعفاء وقضية المجلس، هذه المسألة إن لم تتم كافة الإجراءات في إستكمال كافة المؤسسات ستكون صورة مشابهة لما كان عليه 1980 ـ 1985م.

تعقيب “1”

السيد/ صلاح أحمد ابراهيم

إن عـرض الأســتاذ أحمد عبد الحليم عـرض تاريـخي وجميـل جـداً وأحب أن أضيف نقطتين:

الأولى : فيما يتعلق بالمسيحية القديمة في السودان، فمسيحية النوبه المسيحية،  فالدكتور عبد الله الطيب قدم في ندوة (درن) السنة الماضية بحثاً عميقاً وموثوقاً وطريفاً وجديداً، وهو أن الهجرة الأولى كانت إلى مروي عاصمة النوبة وليست إلى الحبشة كما يتبادر إلى الناس، وكلها مصادر إسلامية قديمة وشهادات الذين ضمتهم هذه الهجرة.

المسيحية الجديدة في السودان مسيحية غربية، في حين أن المسيحية الأولى من نوع مستنكر من قبل المسيحية الغربية وهذه لها عاصمتان الأولى (الأستان) والثانية (القاهرة) لأن محمد علي وهو ظل يرسل إلينا ولاة وإداريين نمساويين وإيطاليين وإنجليز وارمن الخ….. وهم الذين أدخلوا هذه المسيحية الغربية وكان يكون أحسن لو أرسل إلينا أقباط فهم إخواننا.

النقطة الثانية: عن الخمر. وكان نبي الرحمة هو أول حاكم في الإسلام، وعندما أنزل تحريم الخمر لم نسمعه أنه (عمل كشات) في المدينة والخمر بالنسبة للمسلم مال لاقيمة له وبالنسبة للمسيحي مال متقوم في نظر الإسلام فالذين كسروا هنا فهل دفعوا لأهل الذمة ثمن الخمر ؟

والإسلام عدل (والمريسة) طعام عندنا نحن. والمفروض أن نحترم الأعراف. فهناك من يأكل فطوره مريسة فهل نقول اذهب إلى ولايتك لتشرب ثم تعود إلى  العاصمة القومية؟ والقسيس الذي يتبع طقوسه، أيصح أن تجلده؟ دعونا نكون أمناء ونحترم أهل الذمة احتراماً حقيقياً، لأن الذمة ذمة الله ورسوله. وهذا ليس كلام …(ضحك من الحضور).

أما بالنسة لموضوع التعدد والاستيعاب للأخ كمال عثمان فإذا كان القصد من الثورة الإدارية إحترام الإنسان فلابد من احترام التنوع وأن يكون الإنسان جوهر هذا الإحترام، وبالتالي فيما يتعلق بالتنوع اللغوي إذا كان علينا أن نقيم دولة متحاببة فلابد أن نفرض على الموظفين تعلم لغة أخرى من لغات اخوانه (دينكا ـ نوير مثلا) ومن هنا تأتي المحبة، وهذا ليس صعباً فنحن نطلب من الجنوبي أن يتعلم اللغة العربية.

أما فيما يتعلق بالقضايا الأخرى أين الجنوبيون؟ لم نسمع هنا أنجلوا بيدا فيما يتعلق بالتنوع ونحن نناقش مشروع النهضة الحضارية الجديدة، فهل هذا للشمال فقط؟ وأي مشروع حضاري سيضعه الجنوب؟ فلابد أن نسمع كلام أخواننا، ولابد أن نتناقش معهم. وهذا هو مشروعنا الحضاري، هل هو مقبول لدى الجنوبيين؟ إذن نحن نقول أننا نحترم أهل الذمة ولكن في السلوك العملي اليومي ننسى هذا.

وكانت أجمل صلاة عيد صليتها كانت أشق صلاة عيد علي، فبعد أن سمعنا الخطبة بالغة العربية سمعناها بلغة الفانتي والهوسا والأكسيما. وكان هذا تحت الشمس، ولكن صبر المصلون وكانوا فرحين عند نهاية الصلاة فلابد أن يكون أهل الذمة مرتاحين.

تعقيب “2”

السيد/ د. الطيب زين العابدين

بسم الله الرحمن الرحيم، بما أن الندوة تتحدث عن مشروع الإنقاذ والنهضة الشاملة فمن الأجدر أن نبدأ بعرض مشروع الإنقاذ لحل مشكلة التنوع والتعدد في السودان، السودان يتميز بالتباين لكن أوضح التباين هو بين الشمال والجنوب الافريقي غير المسلم. هذا التباين الواضح أحدث مشكلة سياسية وأمنية منذ الإستقلال إلي يومنا هذا، وهذه المشكلة تحتاج إلى حسم من النظام السياسي وثورة الإنقاذ.

يتكون جنوب السودان من حوالي 25 في المائة من أهل السودان والغلبة فيه لأتباع الديانات الأفريقية ولكن هناك أقلية مسيحية قد تصل إلى 20 في المائة يمثلون قيادة للجنوب بحكم أنهم تعلموا من المدارس التبشيرية أيام الإنجليز، وصارت هذه القيادة ذات صوت عالٍ جداً بحكم هذه الوضعية. وهذا التعليم وكان دائماً تحس بأنه ينبغي أن يكون تمايز بين الشمال والجنوب. وهذا التمايز من مصلحتهم لأنه سوف يعطيهم وضعية خاصة في الدولة. وجوبهت حكومة الإنقاذ بأن تجد مخرجاً  لهذا.

وقد عقد أول مؤتمر بعد 3 أشهر من قيام ثورة الإنقاذ، كان حول قضايا السلام. وكان المقصود مشكلة الجنوب في الأساس. وقد توصل مؤتمر الحوار الوطني (من ناحية دستورية) إلى أن يكون هنا كنظام فدرالي. وهذا النظام كان مطلب الجنوبيين منذ الإستقلال، ولكن الحكومات الشمالية المتعاقبة كانت تظن أن هذا مدخلاً للإنفصال وكانت ترفض هذا الطلب بكل الوسائل بما فيها الخداع السياسي.

وقبل مشروع الإنقاذ النظام الفدرالي بين كل ولايات السودان وعلى الأخص مع جنوب السودان، والمبدأ الأخر هو تطبيق الشريعة الإسلامية بكاملها في شمال السودان، ولكن يمكن لجنوب السودان أن يستثنى نفسه في القوانين ذات الصيغة الوثنية بالتحديد.

وفي مجال الأحوال الشخصية فإن الإسلام يبيح لكل أصحاب معتقد أن يثبتوا قوانين الأحوال الشخصية.

ومن توصيات مؤتمر الحوار حرية الدعوة وحرية العقيدة واحترام كل الأديان الموجودة. وكانت هناك نسبة مقدرة من الجنوبيين المسيحيين في مؤتمر الحوار، بل لعلها أكثر من نسبتهم الحقيقية في السودان.

كما قُبِلَ مبدأ لا تفريق بين الناس، لأن المواطنة هي التي تجمع الناس، وبالتالي لاتفريق على أساس ديني أو عرقي.

وهناك التعبيرات الثقافية (والكلام الذي ذكره الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم) هو من ضمن مقررات مؤتمر الحوار في صورة مبدئية عامة، أي يحق للثقافات واللغات أن تعبر عن نفسها وأن يُقبل هذا التعبير ويُتاح له المجال ولا يقصر الناس على لغة معينة أو على  ثقافة معينة.

هناك اعتبارات في السودان تعطي الثقافة السودانية والعربية قدراً أعلى، فهي الثقافة الأعلى مقارنة بالثقافات الأعلى الأخرى الموجودة في السودان، ولاشك في هذا. وهي صاحبة الغلبة العددية في السودان. والمنطقة العربية الإسلامية في السودان هي المنطقة الأكثر تطوراً . وأهل السودان الشمالي أكثر وعياً وتعليماً من غيرهم. وتزيد هذه الإعتبارات ـ وترجح ـ كفة الثقافة العربية والإسلامية.

لكن هناك تبايناً آخر. فقد تبنت حكومة الإنقاذ قيام حكومة إسلامية بصورة جادة وقوية أكثر من أي نظام آخر في السودان، رغم أن الأحزاب الكبيرة في السودان كانت تتبني الإسلام بصورة عامة، لكن ثورة الإنقاذ تبنته بصورة قوية جداً وواضحة جداً، والحديث عن الإسلام ـ كما تشهدون من هذا المؤتمر ـ هو السمة الغالبة والطاغية، وهذا طبعاً يسبب قدراً من الإشكال لغير المسلمين عندنا، وحتى إذ تم حل المشكلة القانونية أو الثقافية، فإن غير المسلم يظن أنه سيصير مواطناً من الدرجة الثانية في مجتمع إسلامي ودولة إسلامية، وأنه لا يمكن أن يكون في قمة هذه الدولة بأي صورة ـ رغم أن الناحية القانونية لا تحجر عليه هذا الأمر وهذه واحدة من الإشكالات.

يثير بعض الناس مشكلة الخمر التي ذكرها الأخ صلاح بصورة حادة جداً (رغم أن كلام الأستاذ صلاح غير صحيح)، فالقانون يبيح لغير المسلم أن يشرب الخمر حتي في الشمال ولكن الإشكال محلي. وهو كيف نوفر له هذه الخمرة في الشمال دون أن تنتقل إلى آخرين. والقانون لا يمنعه إذا استطاع عملها بنفسه وشربها بنفسه وألا يتاجر بها. ولكن كسلوك إجتماعي اعتاد غير المسلمين وكثير من المسلمين على تعاطي الخمر بصورة اجتماعية وواضحة وهذا صار الآن غير متاح.

ماهو الحل لهذه الاشكالات ؟ … الاشكال القانوني والدستوري والثقافي ؟

أعتقد أن هناك بعض الأسس التي لو اتبعناها لكان فيها قدراً كبيراً من التيسير. ونحن كمسلمين نستطيع أن نقول أن الدولة الإسلامية كانت متنوعة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى نهاية الخلافة العثمانية ولم تكن دولة إسلامية خالصة للمسلمين ولكن ينبغي أن نتنبه لشيء وهو أن الشعور بالحقوق الفردية اختلف كثيراً الآن. فالأفراد اليوم لديهم إحساس أكثر بحقوقهم ومشاركتهم. وكان أمام مؤتمر الحوار لحل هذا الأشكال واحد من ثلاثة خيارات: أما (أن تقبل الدولة العلمانية) لتندرج كل التنوعات الثقافية والدينية) أو (يقبل الإنفصال كحل بين الشمال والجنوب)، أو (يقبل قيام دولة إسلامية تقبل التنوع وتسمح بالتعدد) وهذا هو الخيار الذي انتهى إليه المؤتمر. ولكن هذا الخيار يحتاج إلى عدة اعتبارات لكي يبرهن، لأن الدولة السودانية دولة هشة. فالمسيحيون لدينا ليسوا كالمسيحيين في مصر، عاشوا عشرة قرون في ظل ثقافة إسلامية، فلا تستطيع أن تفرق المصري المسيحي والمسلم (باستثناء وجود الوشم). والمسيحيون في منطقة سوريا ولبنان عايشوا الثقافة الإسلامية لفترة طويلة جداً وصارت الثقافة الإسلامية والعربية تمثل ثقافتهم. والوضع في السودان مختلف، وبالتالي هذا يستدعي حساسية أكثر ومراعاة أكثر للأقليات غير المسلمة.

أما السؤال الذي سأله الإستاذ صلاح عن عدم وجود عدد مناسب من الجنوبيين في هذا المؤتمر، فإن الخطاب سيكون مختلفاً لو أن نصف هذا المؤتمر كان من الجنوبيين غير المسلمين. وكنا سنتحدث كثيراً عن اتجاه التطرف والإرهاب الذي ذكر صباح هذا اليوم.

وأحد الإعتبارات الهامة هو وجوب تقوية الحكومات الإقليمية تقوية حقيقية وزيادة سلطاتها حتى يشعر الإخوة في المناطق غير المسلمة أن لديهم حق إدارة لمناطقهم بصورة واسعة. ثم توسعة مجال الحرية للتعبير السياسي والثقافي في أي مكان وألا تكون لدينا حساسية شديدة في هذا المجال وإذا لم نعط اعتباراً لهذه الأشياء يمكن أن تحدث مشاكل أخرى في السودان لاحقاً.

وكان سبب بداية المشكلة الجنوبية الشمالية عامل كبير وهو الطريقة التي تمت بها سودنة الوظائف العليا في الدولة.

كانت هناك حوالي ثمانمائة وظيفة قيادية عليا وحدثت سودنتها على أساس المؤهلات والخبرة فقط. ولم يعط اعتبار للجانب السياسي. وكان نصيب الجنوبيين عدد  صغير  جداً 5 أو 6 من جملة 800 وظيفة. وكانت هذه واحدة من الحجج الرئيسيه التي أطلقت في جنوب السودان ضد الشمال، وأنه استعماري، رغم أن الأساس لهذا الاختيار من ناحية أكاديمية كان متيناً جداً ولكن عدم مراعاة هذه الحساسية السياسية أحدث المشاكل وحرب الجنوب.

ومن الإعتبارات المهمة تميز قيادات مؤسسات الدولة بالحساسية تجاه هذه المشكلة تم التراضي في حسم المشاكل الرئيسية في البلاد.

وفي ظل هذه الإعتبارات وفي ظل الإحساس بالمشكلة أظن يحسن بنا أن نحل هذه المشكلة من داخل التجربة السودانية لا من خارجها، لأنه إجتماعياً السودان ليس فيه مشكلة اجتماعياً، السودان فيه تعايش طيب جداً جداً بين الأعراف المختلفة والديانات المختلفة، ولكن سياسياً وقانونياً وثقافياً ينبغي أن يراعى أيضاً هذا، والطبيعة السودانية عموماً تسمح بذلك ، ولو صرنا سودانيين جداً في هذه المشكلة نستطيع أن نحلها أكثر من أن نلجأ إلى خارج التجربة السودانية.

تعقيب “3”

السيد/ حسن أحمد حسن

بسم الله الرحمن الرحيم، لدى تعقيب على كلام د. كمال عثمان صالح، من المشاكل الأساسية التي تواجه التطبيق العملي للحكم المركزي في السودان هي الهاجس الأمني لدى الحكومة المركزية في الخرطوم. فكان هناك خوف دائم من تمرد الجنوبيين أو من النزعات الإنفصالية عامة سواء في غرب السودان أو جنوب السودان، وهذه من العوامل الرئيسية في أداء الحكم اللامركزي في السودان. والحاكم السوداني، مدني  أو عسكري تهيب لفترة طويلة جداً نتيجة للحرب الأهليه أو ضعف وسائل الحوار والإتصال في السودان ـ من اعطاء الأقاليم المختلفة الحرية الكافية لحكم نفسها بنفسها، وتنمية ثقافتها. وكانت هذه مجرد شعارات براقة نسمعها في المؤتمرات، وعندما تحين فرصة التطبيق العملي تصطدم بهذه الصخرة، ويجب أن نناقشها بصورة أكثر تفصيلاً وصراحة لأننا لن نخطو خطوة إلى الأمام، مالم نتغلب على المحاذير الأساسية التي تواجه الحكومة المركزية.

الأمر الثاني أن التنمية في السودان ـ من ناحية إدارية ـ تحتاج إلى عدة سنين للتغلب على  مشاكل أربع أو خمس سنوات مضت وأعتقد أنه في هذه القاعة هناك مجموعة من رجال السياسة والحكم الذي جابوا السودان عرضاً وطولاً ويعرفون حال ومال الحكومات الإقليمية، فهناك خطوات كبيرة يجب إتباعها قبل أن نكلف الشعارات. وهناك مشكلة أساسية هي مشكلة التعايش بين المسلمين والمسيحيين في السودان، ليس لدينا مشكلة إجتماعية أساسية، لكن الحرب الأهلية في الجنوب أدت إلى تصلب في مواقف الطرفين، فمنذ الإستقلال وحتى الآن ليس لدينا كيان واحد ـ مثلاً ـ يمثل المسيحيين في السودان، لكن ظروف الحرب الأهليه والوحشية التي تدور فيها أدت إلى تصلب مواقف الطائفتين ومشاكلنا في التعامل مع القطر السوداني عامة بأعراقه وأديانه ومشاكل وحدته يجب أن تناقش دون محاذير فأنا ألاحظ أن معظم المتحدثين يتحدثون وهناك شيء لايصرحون به. وعلينا أن نكون أكثر صراحة في التعامل مع مشاكلنا الأساسية وشكراً.

تعقيب “4”

الشيخ/ محمد اسماعيل

فهمت أن الأستاذ صلاح شرف البلاد قادماً من بلاد الغرب وأرجو أن يجد في الإسلام فكراً حديثاً منقذاً للإنسانية مناسباً للقرن العشرين والقرن الواحد والعشرين.

إنني كرجل دين مسلم أحترم رأيكم من باب قوله تعالى {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أرجو أن يحترم رأي الجميع من باب مبدأ الإحترام في الإسلام. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أدبني الله بأدبه). وأقول لأخي صلاح هناك أدب المجتمع، فالإسلام يحافظ على أدب المجتمع. وأدب المجتمع يقتضي أن بعض المظاهر للفساد ممنوع في المجتمع. قد يكون هناك شيء داخل البيت غير محظور شرعاً ولكن التجاهر به محظور شرعاً. وهذا في المسألة الفقهية يسمى (التجاهر بالفسق) يجوز أن يكون أحدهم فاسقاً ولكن لا يجوز أن يتجاهر بالفعل، يجوز أن يكون أحدهم مفطراً ولكن لا يجوز أن يتجاهر بالإفطار علناً، لأن هناك أدب المجتمع، هذه نقطة. النقطة الثانية إذن التجاهر بالفسق محرم من ناحيتين، الناحية الأولى احترام المجتمع الإسلامي، والذمي يجب أن يحترم المجتمع الإسلامي. هذا من باب أولى، طبعاً دعك من أخذ الجزية عن يد وهم صاغرون، وفلسفة التصغير هذا شأن آخر ندعه لبحث التعايش فقهي في مبدأ الفقه الحديث. لكن السبب الثاني هو عدم إفساد المجتمع، فكل شيء يؤدي إلى فساد المجتمع فهو محظور وهذا مختلف عن دخول البيت الذي لا يجوز، وعن التجسس الذي لا يجوز، لأن التجسس في العمل الفردي لا يجوز شرعاً، ولكن التجسس هذا عندما يأخذ صبغة اجتماعية وعامة يكون واجبًا وضرورياً .

تعقيب “5”

الأستاذ/ أحمد عبد الرحمن محمد

في الحقيقة مداخلتي كنت وما زلت أطمع أن كل الأوراق تراعي ما أمكن في أن تكون في إطار المشروع الحضاري الذي قدّمه الأستاذ أمين حسن عمر. وموضوع اللامركزية مجال تخصصي كنت أطمع في أعمال جادة قد لا يجد الأخ كمال الوقت المناسب ولكن كنت أعتقد أن اللامركزية هي عبارة عن مدخل التنمية. ولا يمكن أن تحدث تنمية طالما في داخلنا صراع، وهذا الصراع صراعٌ ثقافي. ولا يمكن أن نعطي عطاء إلا إذا استرحنا، ولا يمكن أن نستريح إلا أن نجد وسائل لهذه الإستراحة. اللامركزية هي وسيلة من هذه الوسائل لإعطاء التعبير الكامل. هذا التركيز ينبغي أن تعبر لنفسه ويفسح له، لأن الوحدة التي تتمخض عنها هي وحدة قوية جداً ولكن هناك محاذير حولها لأن فيها مخاطر. اللامركزية ضرورية لتمكين هذه الوحدة وتمتينها، في نفس الوقت هي خطأ حقيقي للتفكك، لذلك تجد أن هناك خيوط وفيها البساط للتعبير الذاتي عن الكيانات حسب ما هي موجودة لتعطي السخاء والإبداع، لا أود أن استرسل في هذا الموضوع وسأحاول أن ألتزم بالزمن ولكن يحلو لي الحديث في كل النقاط وأعتقد أن هذه المراحل المختلفة كنت أود أن تعطي دراسة موضوعية أكثر. وفي إطار المشروع الحضاري كنت أعتقد أن أهداف اللامركزية ينبغي أن تكون محددة، فلسفة حكم النظام الإسلامي ينبغي أن يفسح المجال للمجتمع ليقوم بخدماته ولا يمكن أن يتم هذا بطريقة أوسع إلا على المستوى المحلي، لأنه يفجر الطاقات.

هناك نقطة خاصة، إتفاقية أديس أبابا ينبغي أن نقف عندها، لا يمكن أن ينجح نظام لا مركزي إلا في إطار حكومة مركزية ذات إرادة وهذه كانت غائبة في اتفاقية أديس أبابا، ويمكن كما ذكر الأستاذ الطماوي في كتابه السلطات الثلاث يمكن الحكم الإقليمي الذي تمخض عن اتفاقية أديس أبابا 1972م هو الذي كان له حق الفيتو على التشريع المركزي، وهنا أيضا لا أود أن أطيل لأن هذه دراسة طويلة، لكن أود أن أتناول نقطة مهمة ذكرتها في السابق وهي أن اللامركزية ينبغي أن تكون لها فلسفة حكم وهذه تأتي إما بحث من التراث أم اجتهاد من تجاربنا. في تراثنا في مجال اللامركزية هناك ولاية وجهاز إداري ليقوم بما يشرع أي لينفذ السياسة التي توضع، وقد ذكرت أننا ما زلنا نعيش في العقلية الغربية، خاصة في مجال الإدارة والسياسة وأذكر هذا في إطار التعيين وحل المجالس. والوالي في تاريخ المسلمين يعيّن ولا يأتي بالإنتخاب، والحاكم هو الذي ينتقي هؤلاء الولاة في تاريخنا الإسلامي، وهذا نمط ينبغي أن نبحث عنه لتأصيله، وحتى في الحضارات الغربية نجد نفس النمط تقريباً، وفي تجربتنا الحديثة من الدكتور جعفر بخيت وهو الذي أثرى وأعطى الكثير في هذا المجال ولم يعط القدر الكافي من الإحترام، وأعتقد أن تجربتنا والتي سميت ـ ضابط المجلس ـ والذي ينبغي أن يكون لصيقاً مع الجماهير، وقد نجحت ثورة الإنقاذ في دعم هذه التجربة ودفعت بقيادات قدوة من الولاة والمحافظين، وأنا متأكد أن التقييم الحقيقي والموضوعي أنهم أحدثوا ثورة حقيقية لفكرة المسلمين عن الحاكم ومن يمثله وهذا ينبغي أن يدرس. وأهم شيء في الحكم هو الفاعلية والتنفيذ. وأعتقد أن من ضمن الوسائل وجود قدوة من الرجال يحظون بتأييد وثقة الجماهير وليس بغريب أن يوصي الوالي بحل المجلس وأن يوصي رئيس الدولة بحل البرلمان، إذ اتضح أن هذا البرلمان يخرج عن سياسة البلد. وهكذا يمارس في بلاد غربية وهي متحضرة جداً ولم يقل أحد لماذا حل البرلمان أو حل المجلس.

المناقشات

السيدة/ أماني الطويل

في تصوري أنه إلى جانب مراعاة الأعراق والأديان المختلفة في السودان هناك قضية رئيسية لم يتعرض إليها أحد أو لم أسمع فيها عرضاً وهي مسألة اقتسام الثروة بين الشمال والجنوب في السودان. فما هو معروف عن جنوب السودان في حظه من الثروة وخاصة البترولية؟ أتصور أنني لم أجد طرحاً لوسائل اقتسام هذه الثروة، وما طرحه السيد الأستاذ الطيب أن حركات التمرد جاءت عقب نصيب متدني للجنوبيين في عام 1955م في قسمة الثروة أولاً ثم مع نكوص نميري عن اتفاقية أديس أبابا، وفيما أتصور أنه بسبب ظهور البترول في الجنوب فتبقى القضية الأساسية اقتسام الثروة فماذا أنتم فاعلون بثروات الجنوب؟ يستأثر بها الجنوبيون تماماً في ظل حكم فدرالي أم توزع مركزياً على كامل القطر السوداني أم يدفع الجنوبيون جزءاً منها ؟

كل هذه المسائل أتصور أنها في حاجة إلى إجابة. النقطة الأخرى فيما ألاحظه أن هناك نظرة حقيقية إجتماعية متدنية للجنوب، بمعنى أنني في النادر أسمع أن جنوبي تزوج شمالية والعكس بالعكس، أي أن مفهوم الوطن الواحد الكامل في السودان أتصور أنه ينقصه الكثير.

في الأخير في تعليق الدكتور غازي فيما يتعلق بعدم مشاركة الجنوبيين في الندوة، عنوان الندوة هو مشروع الإنقاذ والنهضة الشاملة، وأتصور أن مفهوم الحكومة للنهضة الشاملة هي لمجمل الوطن السوداني وليس للشمال فقط ومن هنا كنت أرى أن مساهمة الجنوبيين مساهمة كانت تبدو فعالة لمجمل الحاضرين.

السيد/ محجوب عروة

أريد أن أؤكد على نقطة جوهرية قد ذكرها الأستاذ أحمد عبد الحليم في بداية حديثه، وهو موضوع التسامح ودخول الإسلام متسامحاً في السودان، ومن المفيد جداً أن نقول أن الذي أثرى الإسلام هو وجود العنصر العربي ويضم قبائل كثيرة جداً و العنصرالجغرافي لعب دوراً كبيراً في هذه العملية وهذا ترك أثراً كبيراً في التنوع، لكن التسامح له أصول إسلامية، يبدو أن هذه حكمة ربانية نسبة لقرب السودان من مكة. وأقول إن هذا التسامح الذي دخل به الإسلام في السودان له مغزى سياسي وهذا المغزى السياسي لابد من الحفاظ عليه وأي مشروع حضاري لابد أن يرتكز على هذا التسامح ويمكن لأن كل الحكومات في السودان التي جاءت بعد الإستعمار حاولت أن تتجاوز هذا التسامح فتحطمت وسقطت. لذا أعتقد أن أي مشروع حضاري أو وحدة شاملة لابد أن ترتكز على هذا التسامح وبالتالي هذا السودان الواسع لابد أن يرتكز على قاعدة واسعة من الحرية الأساسية في إطار الثوابت الشرعية والثوابت الوطنية هذه قاعدة أساسية وأي محاولة تتجاوز هذه القاعدة لابد أن تتحطم.

الأستاذ/ ادريس سالم

 في الحقيقة لديّ تعليق بسيط حول الورقة الأولى وأشير هنا إلى عنوان الندوة وهو حول الأصول الفكرية للنهضة الشاملة وفهمي لهذا الأمر هو أن هناك ممارسة سياسية جاءت بتجارب مختلفة ومتجددة ولم يواكبها فكر متميز. كما أشار إلى ذلك الأستاذ أحمد عبد الرحمن هذا الصباح. والدور الآن هو محاولة لوضع أطر لهذا الفكر ومصادره الأساسية التي يمكن أن يستمد منها من ذلك الفكر. فإذا  كان الفهم صحيحاً أعتقد أننا نحتاج للعلم لهذه المسألة والعلم هو التأني في إبداء الآراء بمنطق سليم ومحاولة البُعد بعض الشيء عن الممارسة السياسية المباشرة وليس البعد كليةً ولكن بقدر يسمح بالتأمل فيها وإبداء الآراء. إذا كانت أيضا هذه المسألة صحيحة فأعتقد أن الورقة الأولى كان ينبغي أن يكون فيها شيء من التعمق بدقائق الأمور التي أشار إليها الدكتور الطيب زين العابدين، لأن مشروع النهضة الشاملة الذي نعايشه الآن مبدأه الأساسي هو تحويل وتحوير المجتمع أو إعادة بناء المجتمع على محاور جديدة لتغيير مساره. هذه النهضة الشاملة بهذا المعنى وهذا التحول الكبير أعتقد أنه يختلف بعض الشيء من النظرات السابقة سواء كانت حزبية أو غيرها.

وإذا أخذنا مثالاً واحداً فقط فإن تحويل المجتمع وتحويره كليةً يدخل في داخله ـ كما أشار كثير من الأخوان ـ غير المسلمين وغير العرب…إلخ. لكن حتى داخل المجتمعات الإسلامية كما أشير هذا الصباح هناك مشاريع مختلفة، المتصوفة والمشروع الحضاري اليوم قائم على أساس التجديد الإسلامي الذي هو في أصوله يختلف بعض الشيء عن التصوف والمتصوفة ودورهم في المجتمع السوداني. كما أشار الأستاذ أحمد عبد الحليم.

مشروع النهضة يقوم الآن على فكرة الجهاد بمعانيه المختلفة، وأيضا المتصوفة الجهاد هو جهاد النفس وما تتبع ذلك من عدم إقامة مؤسسات مختلفة، لهذا ينبغي أن ندرك الدقائق في الأمور حتى نصل إلى معرفة علمية وثيقة.

الأستاذة/ منال محمود عبد اللطيف

 لدي نقطتان أود أن أعلق عليهما: النقطة الأولى: وقد ذكرها الدكتور الطيب وقال إنه لا توجد اشكالية إجتماعية في المجتمع السوداني ولكن في الحقيقة الشيء المعايش في مجتمعنا وقد احترم حديثه وأؤمن عليه أن في أوساط المؤمنين حقاً والمثقفين ولكن في أوساط الذين أقل ثقافة وأقل فقه نجد هناك التمايز القبلي، وأعتقد أن هذه إشكالية وعلى ثورة الإنقاذ الإعتراف بها وتحاول البحث في علاجها بكل موضوعية وجدية وبالحوار.

النقطة الثانية: ومع الاحترام لكل الآراء التي قيلت وخاصة نقطة عدم دعوة الجنوبين لهذه الندوة أرى أنه بدلاً من خلق الحساسية في عدم دعوتهم أن ندعوهم ونقارعهم الحجة بالحجة ونحن في إطار مشروع نهضة شاملة.

الأستاذ/ منير شفيق

 في الحقيقة أحب أن أعبر عن اعجابي الشديد لأخوتنا في السودان بالنسبة إلى المستوى والكيفية اللذين عولج بهما هذا الموضوع، وأنا شخصياً أجد نفسي تلميذاً يستفيد أو يفيد إفادة عميقة أو قوية من الأطروحات ومن الطريقة، ومن المنهجية التي يعالج بها هذا الموضوع، وأظن أن ذلك ينبغي له أن يصبح مدرسة نتعلم منها نحن الشرقيين في بلاد الشام حتى أفغانستان، لأننا حتى هذه اللحظة لم نعالج في أطروحاتنا السياسية ولا في فقهنا المشاكل الخطيرة الناجمة عند مشاكل الحكم اللامركزي عن مشاكل الأقليات والجماعات سواء كانت عرقية أو مذهبية أو طائفية وحتى جهوية، وأظن أن هذه المشكلة ستحظى في السنوات القادمة على أهمية خاصة ومتزايدة لأن النظام الدولي الجديد سوف يركز تركيزاً خاصاً على إثارتها، وأذكر هنا أن هناك مخططاً صهيونياً قديماً يريد أن يحول المنطقة المسماة بمنطقة الشرق الأوسط وهذه تسمية جغرافية متعمدة حتى ينزع عن هذه المنطقة هويتها الإسلامية والعربية، أن يصلوا إلى ما يسمى بمنطقة (الفسيفساء) الكيانات والدويلات والطوائف والقوميات الصغيرة حتى يتم الإجهاض على إسلام هذه المنطقة وعلى حريتها واستقلالها، وأظن أن ما يفعله أخوتنا هنا في السودان هو عمل ريادي عظيم في عصرنا الراهن في معالجة هذه القضايا وأرجو من الله أن يوفقوا وأن ينجحوا في ذلك ولكن المهم أن هذه المدرسة تعمم في مناطقنا، لأنني أظن أن كثيراً من دولنا تنام على مخازن للبارود من هذه الناحية وربما يتفجر في أي وقت.

أريد أن أضيف هنا نقطة واحدة وهي أن هذه القضايا يجب أن يركز فيها على بناء الثقة أكثر من أن يركز على القوانين وأن يركز على تطبيق القانون أكثر مما يركز على النصوص. لأنها عملية شاقة وتاريخية ولا تحدث بضربة ولا بجلسة تفاهم وإنما تحتاج إلى زمن ولساعات. المهم هنا أنني أريد أن أضيف نقطة واحدة أخيرة وهي أن معالجة هذه القضية يجب أن ترتبط بالظروف الراهنة للأمة، وعندما نريد أن نستفتي الفقه في هذه القضايا يجب أن نأتي للفقه بالمشكلة كما هي على حقيقتها ونضع أمام الفقه الخيارات التي أمامنا إذا عالجناها بهذه الطريقة أو بتلك تماماً كما أورد بعض الأخوة عندما قال كان أمامنا ثلاثة خيارات إما الإنفصال وأما العلمنة وأما إسلام يقبل بمستوى من التعدد ويقبل بمستوى من الفيدرالية ربما إذا قيس بمقاييس الفقه الذي كان مطبقاً في الدولة العباسية أو الدولة الأموية لما كان مطابقاً له لذلك، نحن الآن يجب أن ننطلق من اعتبارات موازين القوة الفعلية، من اعتبارات ما تخططه الدول الكبرى لأمتنا ومن ثم يصبح نضج مشروعنا مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمفهومنا الدقيق لهذه القضايا ومن انزال الفقه عليها وأظن أن الفقه عندئذٍ يسعى بالإجابة على هذه القضايا إجابة دقيقة وصحيحة.

السيد/ عبد الله ـ موريتانيا

عندما قرأت العنوان الوحدة الوطنية والسلام في السودان تبادر إلى ذهني أن المحاضرين سيتحدثان عن مقومات الإستقرار وجذور الأزمة في المجتمع السوداني الحديث. وبعبارة أخرى سيتحدثان عن البنية القومية وعن التعددية الدينية في هذا المجتمع بشكل أنسب ثم بعد ذلك يبرزان مشروع الإنقاذ في الإنصهار الإجتماعي.

ما هو مشروع الدولة في عملية صهر هذا المجتمع؟ ولكن يبدو أننا اتبعنا منهجاً آخر. أُريد أن أنبه أن مسألة التعدد هذه التي تعتبر مرضاً مزمناً ومن هنا تعتبر في المجتمعات السليمة في الأصل عامل نمو وإثراء وتبادل الخبرات لا عامل تمزق وإحباط ولكن أريد لها في عالمنا الإسلامي أن تكون عامل تمزق وإحباط وذلك بفعل مشروع استعماري ظهر في الثلاثينات متجسد في جامعة فرنسية أنشىء فيها مركزا للدراسات وهذه الجامعة كانت أساساً تهتم بدراسة المجتمعات متعددة القوميات لإبراز أن كل قومية تشكل كياناً مستقلاً وعليها أن تطالب بكتابة لغتها وعليها أن تطالب بالإنفصال، وهذه المسألة هي التي عانت منها جهات مختلفة من أجل أن يظل العالم الإسلامي كلما خرج من صدمة يستقبل صدمة أخرى. وهنا تظهر المشكلة القومية ومشكلة تعدد في مجتمعات كثيرة فمشكلة السودان مثل مشكلة موريتانيا ومشكلة الأكراد في العراق وهناك جهات مختلفة تعاني مثل هذه المشاكل مما يوحي بأنه قصد لنا أن نبقى مشغولين بهذه الأمور.

وهنا أعود إلى مسألة التعدد في بلدنا الحبيب السودان وأقول إن السودان قد خطا خطوات حينما رفع شعار نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع.

المسألة الثانية هي دولة التعدد والعلاقات الإقليمية وفي اعتقادي أن علاقاته حسنة مع معظم البلدان المجاورة وفي الأخير أرجو في حالة صياغة الورقة أن يبرز فيها مقومات الإستقرار وجذور الأزمة تعميماً  للفائدة…. لأمور حتى نصل إلى معرفة علمية وثيقة.

التعليقات

أضف تعليقك