ندوة الأصول الفكرية – منظور التعايش والتسامح بين الديانات والأعراف الأستاذ/ أحمد عبد الحليم

منظور التعايش والتسامح بين الديانات والأعراف

الأستاذ/ أحمد عبد الحليم

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، إن المحور الذي نبتدر الحديث فيه هو محور قضايا الوحدة الوطنية والسلام في السودان. والحديث الذي طُلب إليَ أن أساهم به هو منظور التعايش والتسامح بين الديانات والأعراف. وكان عنوانه في أول أمره هو التعايش والتسامح بين الديانات نظرة تاريخية أو تتبع ذلك في التاريخ، ثم الواقع واحتمالات المستقبل.

هنالك بعض الحقائق التي رأيت أن أقدم بها بين يدي هذا الحديث، فإن هذا الوطن والذي عرف في التاريخ بسودان وادي النيل، وطن عريق، وهو مهد من مهاد الحضارات الإنسانية الأولى، وهو بهذه الإستمرارية في التاريخ يعتبر مفاعلاً حضارياً عظيماً يحلو للبعض وخاصة من سكان الغرب أن يصفه بأنه قنطرة أو أنه معبر، فيسمه هكذا بالسلبية على حين أنه ظل دائماً متلقياً ومعطياً ومحولاً ومغيراً، بل أن هذا الشعب الأصلي الذي عاش في هذه المنطقة من وادي النيل قد طبع كل ما جاءه من الأفكار والأعراف والعقائد، ربما ليس في مقام الأصول وإنما في مجال التعبير عن تلك الأصول ـ وإن سيرة هذا الوطن وحال أهله واحتمالات مستقبله الواعد الرائد بإذن الله لعظيمة، وهي من السير النادرة في العلاقات الحوارية بين المكان، إنساناً وكتلة حيوية، وبين الأفكار والمباديء والثقافات التي وردت إليه وأسهم في تشكيلها، فأثر فيها فكراً وتصوراً ، وممارسة من خلال الفعل الإجتماعي الذي تم في هذا الوطن ـ لذا نستطيع أن نقول، إن هذا الوطن ظل متصل العطاء لذاته وللناس من حوله، وتدل الكشوفات التاريخية أن هذا العطاء قد بدأ، ولا أود أن أتدرج عبر هذا التاريخ الطويل في العصر الحجري ويرى فيه بعض علماء الأجناس، وفي الأحباس العليا للنيل وحوضها، أصل البشرية، أو أصلاً من أصول منابت البشرية، أو موقعاً متقدماً من مواقع ذلك الأصل، وحضاراته التالية التي جاءت رديفة للحضارات المصرية القديمة والتي بدأ يدور حديث علمي هذه الأيام في منشأ هذه الحضارة القديمة، هل بدأت في النوبة العليا الواقعة في شمال السودان، أم في النوبة السفلى الواقعة في جنوب مصر، وأياً كان الخلاف حول هذا الأمر فثمة حقيقة تدل على الأثر المتبادل بين الحضارة التي عمرت بها هذه الأنحاء، واتجهت شمالاً نحو الدلتا وجنوباً إلى المحابس العليا للنيل، كما أن حضارته التي تميزت والمعروفة بحضارة مروي قد وهبت هذه القارة صناعة الحديد مما دفع البعض إلى تسميتها بيرمنجهام أفريقيا، وأثر هذه الصناعة إنتقل جنوباً إلى منطقة جنوب كردفان، وغرباً إلى شاطىء السنغال، الشاطىء الغربي من أفريقيا، أي بمحاذاة ما عرفه العرب والمسلمون برباط داكار، أو رباط الصحراء.  ويتحدث قوم كثر من أصل قوقازي يمتد من أرض البجة في شرق السودان، وأرض الصومال، وبعض مناحي الهضبة الحبشية إلى السنغال. ولعل آخر اللقاءات العظيمة التي تمت في هذا المفاعل الحضاري في هذا الوادي المبارك، هو التفاعل العربي الإسلامي مع الأجناس والديانات والأعراف الأصلية في السودان، وتلك التي وفدت إليه قبل وفود العروبة والإسلام. لقد كانت الصلة بين العرب والسودان قديمة، جاءت سرباً ضعيفة الأثر، جاء الآتون بحثاً عن المرعى وبعض ضروب التجارة، ثم جاء الإسلام وازدهرت هذه الحركة منذ العقد الثالث الهجري، فوهب الإسلام هذه الحركة العربية، هذه الهجرات البشرية السند السياسي، والروحي. وهناك قصص طويلة حول هذا، ما تم في الشمال في محاذاة أسوان ومصر، وما تم في أرض المعدن بمنطقة شرق السودان، وليس من همي أن أقف عند تفاصيل، ولكن سكان النوبة وكانت على ذلك الزمان في العقد الثالث الهجري، مملكة مسيحية، هما في واقع الأمر مملكتان.  مملكة المسيحية النوبية، وهي تتكون من مملكتين، مملكة علوة التي انبسطت إلى السودان، ووقعت مناوشات فأمر عمرو بن العاص بتأديب هولاء القوم، وكان ذلك في عام 21 هجرية ثم في عهد عبد الله بن أبي السرح في سنة 31 هجرية، ولكن هؤلاء القوم كانوا أشداء وأبلوا بلاءً حسناً في الدفاع عن وطنهم، وأسماهم العرب الذين واجهوهم برماة الحدق، من حزم التسديد وقوة الشكيمة، ولكن الذي حدث أن  ثمة اتفاقاً قد تم، كان التقسيم بين دار الاسلام ودار الحرب، ولكن السودان خرج من هذا التصنيف وصار دار معاهدة لأول مرة معاهدة بين المسلمين وبين المسيحيين النوبيين تضمن للمسلمين مسجدهم وأداء شعائرهم، ثم أن يأتوا عابرين غير مقيمين، وفي مقابل ذلك يدفع لهم المسلمون شيئاً من البر والقمح وبعض حوائج الدنيا الأخرى.واستمر هذا الحال، ولكنه يسر هذا اللقاء ونزع فتيل القتال من هذه العلاقة ويسر المزيد من الإنسياب، خاصة لما اتجه بعض الأعراب إلى وادي المعدن في شرق السودان، فبجانب الرعي والتجارة قامت أنشطة اقتصادية جديدة تمثلت فيما اكتشفوا من ذهب وزمرد، ومن أعمال الإبل في نقل هذه التجارة بين موانيء البحر الأحمر وجنوب مصر ومنطقة المعادن هذه، فتمتنت صلة الإنسياب البشري بعلائق اقتصادية خلقت مصالح واشجة بين هؤلاء القادمين وبين أولئك المقيمين. وتمتنت العلائق بينهم وتصاهرت وأفادوا مما كان قائماً من عرف توريث ابن الأخت أي التوريث عن طريق الأنثى، فورثوا فيما ورثوا بعض الممالك والإمارات. وهكذا استمر الحال. والذي يشاهد للدلالة الأولى في هذا أن هذا التفاعل أخذ وقتاً طويلاً من القرن الأول الهجري في عقده الثالث إلى أن قامت السلطنة السنارية في سنة 910 هجرية الموافقة 1504 ـ 1505م. هذا الإنسياب المتدرج وبناء المصالح والمصاهرة وهكذا، جعل هذا الإنتشار البطيء الذي يغلب عليه الطابع السلمي في مجموعات من البشر، هوجر إليها ثم هاجر بعد ذلك النوبة المستعربون، المسلمون ونشروا هم بعد ذلك عقيدة الإسلام في وسط السودان وغربه وأجزاء من شرقة الأقصى، إلى أن اصطدموا بالحواجز الطبيعية، حتى بعضهم الذين لم يبلغوا ذلك المدى تنازلوا عن إبلهم وساموا لأن حالة الجو تتناسب معها. هذه الأمشاج من البشر التي كانت مقيمة وخاصة العناصر الزنجية والنيلية والتي تتحدث اللغات الحامية في وسط السودان الحالي، والتي لم تصطدم بها العروبة والإسلام في مصادمة عنيفة كان الأثر الأكبر فيها بالقدوة والهدى والتدين ليؤسس مملكة العبدلاب. غير أن جماعة زنجية أو سوداء جاءت من منطقة أعالي النيل وصادمت مملكة العبدلاب فلم يدم حكم هؤلاء الأعراب كثيراً. وكان هؤلاء الآخرين مسلمين كذلك، وأصلهم مكان حديث طويل. بعضهم قال أنهم من بقايا الأمويين الذين هربوا من بطش العباسيين. وبعضهم قال أن هذا يدل دلالة على أن أثر الإسلام قد انتشر بين بعض السكان الأصليين. لكن أياً كانت الحقيقة في بدء الأمر فختامته أن جماعة من السكان السود قد دخلوا الإسلام ونازعوا العرب القادمين، ولكنهم في عاقبة الأمر دخلوا في ائتلاف معهم. واستمر هذا التفاعل عبر الزمن، وما انقطع إلا حين تحالف الأتراك مع المبشرين ويوم أن جاء المستعمرون الأوربيون. لذلك فعندما يتحدث الناس عن قضية الجنوب وقضية التنوع في السودان، الأشكال مختلفة. فأنا أعتقد أن الجذر الأساسي لهذا الخلاف هو أن الإستعمار قد تدخل فقطع مسيرة هذا التفاعل المتدرج عبر الزمن.

أضيف إلى ذلك حتى بعد الإستقلال بعض عناصر القصور الذاتي، ذلك أننا لم نتيقظ ولم ننتبه بالقدر الكافي إلى أن نعترف بهذا الواقع المتنوع.

وقع شيء من الإعتراف فيما يعرف بإعلان التاسع من يونيو عام 1969 وترتب على ذلك لبعض الوقت حل لقضية الجنوب في اتفاقية أديس أبابا، ولكن الأمر آل إلى ما آل إليه وما زال يستعر في عام 1983 .

جعلت ثورة الإنقاذ همها الأول والأولوية المطلقة المقدمة في السودان للسلام وأن تقيم هذا السلام على أسس موضوعية أولها الإعتراف بهذا التنوع. ثانيها السماح لهذا التنوع بأن يعبر عن ذاته إلى أقصى مدى ممكن، لا أن نحجر على أحد أو على ضرب من ضروب هذا التنوع بشرطين:

الشرط الأول: ألا يسمح لضرب من ضروب هذا التنوع أن يتعدى حوزته إلى حوزة ضرب آخر بقصد تهميشه وإقصائه. الشرط الثاني: ألا يرتب على مجرد الإنتماء لضرب من ضروب هذا التنوع ـ دينياً كان أو ثقافياً أو عرقياً  ـ مزايا سياسية. لهذا، سواء كان في التفاوض الأخير أو الذي سبقه  أو عند الحديث مع الذين يكيدون للسودان، ما وجدوا من طريق لأن يدوروا حول هذا الأمر، لأنه ولأول مرة نوقشت وبالشمول كل القضايا الجوهرية التي تقف وراء هذا الخلاف.

وإذا كان الناس يصفون النظام القائم في السودان أنه Fundamentalist وأنه متطرف وأنه كذا وكذا وكذا وانتهي إلى هذه النتيجة فما حال غير المتطرفين من أهل السودان أو من غيرهم، وإن كان هذا هو الإتهام الذي يدور حولنا وحول مساعينا، أن هذا الذي أتت به ثورة الإنقاذ ـ في بادىء الأمر في مؤتمر الحوار الوطني ـ ثم جسدته مع أمورٍ أخرى في الأخذ بمبدأ الحكم الإتحادي الذي يتيح للأقاليم ـ التي صارت ولايات ـ أن تحكم نفسها وحتى أن تستثني ذاتها من أي تشريع يكون ذا طبيعة دينية، فإننا لم نشهد مثل هذه المرونة التي تقوم على أمرين: عدم التفريط في الأصول ولكن تنزيل هذه الأصول على واقع الزمان والمكان، سكاناً وأعرافاً وتقاليداً، ثم تجسد هذا الأمر كله في الإستراتيجية القومية الشاملة التي نعتبرها ـ ولن أخوض في تفاصيل ـ وكما قال الأخ الفريق عمر عندما قدمها للمجلس الوطني الإنتقالي ـ إجتهاد مؤمنين يتمسكون بأصول العقيدة ويتمسكون بأصل العدل لهم وللآخرين الذين يعايشونهم في هذا الوطن ويحاولون تنزيل ذلك كله على واقع السودان في روح هذا العصر الذي نعيش.

ملاحظة أخيرة أنه في هذا النظام الإتحادي ميز الناس بين أمرين، ممسكات التوحيد ومقتضيات التنوع، ممسكات التوحيد (العلم ومكانه والفكر) فالعلم يصنع الأشياء، والفكر يصنع العلاقات بين ناتج الأشياء والإجتماع البشري. ولكن ممسكات الوحدة هي ما يتعلق بالفكر والثقافة والوجدان وتكوين القوى البشرية. لهذا نجد بجانب الأمور المعتادة ـ السياسة الخارجية والدفاع والنقل والتجارة العابرة ـ نجد الحديث عن التخطيط التربوي والتخطيط الثقافي والإعلامي جعل شأناً مركزياً، ولكن من حق الولايات المختلفة أن تخطط لتطوير ثقافتها. ولم يأت في هذا الشأن أن يقال للولايات هذا شأنكم وإنما جعل من واجب الدولة أن تفسح المجال للتعبير عن مجمل روافد الثقافة الوطنية، علنا نستطيع في عاقبة الأمر أن نخلق ثقافة سودانية واحدة وموحدة تعمر بالعدل والسماحة والتسامح.

التعليقات

أضف تعليقك

2017-03-13T11:16:28+00:00 13مارس 2016|ندوة الأصول الفكرية|