النظام السياسي الإجتماعي البديل والتنمية الشاملة

د. إبراهيم أحمد عمر

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. الأخ الكريم الدكتور اسحاق فرحان والإخوة الضيوف، الأخ الكريم الفريق السر محمد أحمد والإخوة أسرة مركز الدراسات الإستراتيجية، أيها الحفل الكريم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، في صباح اليوم استمعنا إلى بحثين من أخوين عزيزين عن النظام السياسي والإجتماعي البديل. وأرجو أن أتمكن في هذه الأمسية من تناول بعض الموضوعات التي ترتبط بما قد قيل وأبدأ بمحاولة لتذكيركم بالقضايا المطروحة، في هذه الندوة. فالقضايا هي نظام سياسي إجتماعي بديل ومنظور للتعايش والتسامح بين الديانات والأعراف، ونموذج للتعدد، وحديث عن الدفاع الشعبي، وحديث عن العدالة الإجتماعية والتكافل (رؤية جديدة)، وكل هذه الموضوعات يبدو أنها ترتبط ببعضها البعض وتقدم في ندوة واحدة.

فابدأ حديثي كيف نستطيع أن نربط بين هذه القضايا في ندوة واحدة. ندوة تتحدث عن بديل، كيف نستطيع أن نتناول كل هذه القضايا وكأنها تشكل أطرافاً في جسم واحد ؟ وأظن أن هذا السؤال يوضح أن التوجه أو البديل لابد أن يكون نسقاً واحداً يتناول القضايا الإجتماعية والإقتصادية السياسية والأمنية، وقضايا أبعد من ذلك، أي أن مركز الدراسات الإستراتيجية بتنظيمه لهذه الندوة يدعي أن هذه القضايا يمكن أن تنطلق من مصدر واحد، أو تكون هناك بينها من الروابط والعلائق ما يجعلها تقدم في ندوة واحدة. ولذلك فالموضوع الذي طلب مني التحدث فيه وهو عن البديل والتنمية الشاملة، يطرح فيما يطرح الحديث عن هذه المفاهيم، أنه بديل، وأنه عن التنمية، وأنه عن الشمول. لذلك فسابدأ الحديث عن ما نريد أن نستبدله. نحن نريد بديلاً  للتنمية الشاملة.

فواضح مما قد أثير من حديث صباح هذا اليوم أن البديل المفروض هو ذلك النمط من الحضارة الغربية، أو أن هناك نظاماً في العالم اليوم يشكل إما حضارة، وإما فلسفة، وإما منظومة علوم أو تقنية هي التي تريد أن تستبدلها بآخر. فإن كان الأمر كذلك وأظنه كذلك فلابد من الوقوف أولاً عند هذا البديل المرفوض لنرى كيف فرض هو نفسه على الناس ؟

الذين يتحدثون عن التنمية عموماً يبدأون الحديث عن التقنية، فالبديل المرفوض كأنما هو هذا البديل الذي سخر التقنية في خدمة التنمية. ولكن هل يمكن أن تكون تقنية بلا علم ؟ لا أظن أن ذلك ممكناً. ففي فهمنا العام أن الرجل الذي يحذق التقنية، صاحب المهارة، حدادة أو برادة أو تجارة لا يعتبر من العلماء، وإنما يعتبر منفذاً لأفكار العلماء أو لعلم العلماء. فإذن التنمية التي قامت على التقنية كانت من ورائها تقنية العلم. ويطرح سؤال آخر هل يكون العلم بلا فلسفة ؟ فالذين يطرحون العلم يعلمون أن له مباديء وأسس أوسع من نظرياته ومدلولاته العلمية، يثري العلم في إطاره. إذن بعد التقنية والعلم تأتي رؤى أكثر عمقاً وأوسع مدى هى ما نسميه بالفلسفة التي يكون في إطارها ذلك العلم. وإن كنا نتناول التقنية والعلم والفلسفة التي تقف وراء ذلك فكل ذلك يشكل البناء الحضاري لأمة أو لشعب أو لبشرية في فترة من الفترات.

إذن نحن تحدثنا صباح اليوم عن بديل لنظام يكاد يكون عالمياً، يقوم على  تقنية معروفة، وعلى علوم معروفة، وبناء على فلسفات معروفة، فكيف نستطيع أن نفعل هذا ؟ كيف نستطيع أن نأتي ببديل لكل هذا ؟ عندما نطرح السؤال بهذه الصورة يتضح لنا أنه لا بد من القول إن كنا نريد أن نلغي كل هذه الأشياء التقنية والعلم والرؤية التي من ورائها والحضارة التي انبثقت من كل ذلك. أم ترى أننا نريد أن نلغي جزءاً من هذا فقط ونبقي على جزء آخرٍ ولكن عندما نطرح هذا السؤال يتضح أن هناك سؤالاً آخر يفرض نفسه هل نستطيع أن نفرق بين هذه الأشياء ؟ هل نستطيع أن نفرق بين التقنية المعاصرة والعلوم المعاصرة والرؤى الفلسفية التي قامت عليها أم ترى أنها كلها نسيج واحد لا يستطيع الإنسان أن يأخذ جزءاً ويترك الباقي هذا أيضاً سؤال لابد أن نتعرض إليه.

والأمر الآخر أن الإطاحة بهذا البديل لا يمكن أن يتم بالرفض لهذا البديل مجرداً هكذا. وأذكر هنا أن واحداً من الذين أقاموا هذا البديل قال إنه لا يمكن أن تتخلص من هذا البديل بشكله فقط. إن كنا نريد بديلاً حقاً فلابد من أن نقدم شيئاً يضاهي بل يتفوق على ما هو مطروح. نستطيع أن نقول أن القضية التي نريد أن نتبناها الأصول. ومن هذه الأصول نستطيع أن نستخرج أو نستنبط ما هو مطلوب.

في صباح اليوم تعرض الأخ الأستاذ أمين حسن عمر إلى بعض القضايا أسمها الأصول وربما كان الحديث عن ما هو أصل ؟ حديث لم يحسم بعد. تحدث عن الشورى كأصل، أو الحرية كأصل. وتحدث أيضاً عن القرآن كأصل، أو السنة كأصل. أو تحدث عن أشياء أخرى كالمعطيات الحسية أو العقلية كأصول.

نحن نعلم أن البديل المرفوض قد اعتمد بعض الأصول واستنبط منها ما هو مطلوب فيما بعد.

إن البديل الذي نطرحه يبدأ من هذا الأساس باختلاف مع البديل القائم في أصول المعرفة، وفي مصادر المعرفة. نحن نقبل المدركات الحسية ونقبل الأعمال القلبية. والأعمال القلبية عندي هي ما يسميها الآخرون بالعقل. ونعتمد على  مصدر آخر للمعرفة هو الكتاب. إذن بداية الإختلاف تكون في مصادر المعرفة وإن كانوا هم قد اعتمدوا فقط بالدراسات الكونية على هذه المعطيات الحسية فنحن في الدراسات الكونية نستنطق هذا الكتاب ليس فقط في إطار أنه موجه أو مؤشر ولكن أيضاً في إطار أنه يعطي معلومة. هذه واحدة توضح أننا سنبدأ أنموذجاً جديداً.

الثانية: هم في استنطاقهم بالوجود استغلوا منهجاً محدداً تجريبياً منطقياً. ولم يكتفوا بهذا التوضيح لهذا المنهج بهذه العمومية وإنما وضعوا له تفاصيل. نحن أيضاً نعتمد منهجاً يبتديء من الإدراك الحسي، ولكن لا نسميه كما يسمونه تجريباً فقط ولا ندخل فيما دخلوا فيه من تفصيلات بهذا المنهج ولا حتى فيما أثبته أو تواضع عليه أسلافنا من أنه المنهج الإستقرائي بهذا ولا ذاك، وإنما نقول أن المنهج الذي نعتد به الآن هو المنهج الذي يبني الغائب على الشاهد، يبني الإيمان على العلم. إذن نحن لنا منهج خاص كما لنا في مجمله مصدر للمعلومات خاص يختلف عنه. وللمقارنة والتوضيح أن بالنسبة للبديل الذي نريد أن نتجاوزه هناك اعتماداً على المدرك حساً، ولكن هناك اعتراف بالذي لا يدرك حساً، ولعل الإخوة الحضور يعلمون أن كلمة Theoritical Theory  الإنجليزية مقصود منها أن شيئاً لا يدرك حساً ولكنه موجود Theory هي القضية التي تصف ذلك الشيء غير المدرك حساً. نحن بالمقارنة نتكلم عن الغائب ولكن نعتبر أن كل غائب يمكن أن يكون شاهداً كما أن كل شاهد يمكن أن يكون قائداً وهذا يذكرنا بالنقطة الثالثة المتكاملة مع نقطتين وهي أن عالمنا أو وجوداً يختلف عن عالمهم أو وجودهم، ولذلك في العالم الإسلامي أو الوجود الإسلامي ليس هناك شاهداً للأبد ولا غائباً للأبد، وبالتالي فإن هذه النظرات في المصدر وفي الطريقة وفي الفهم يجعل كثيراً من الأشياء فيما بعد تختلف، ولكن هذه الأشياء يجب أن تؤخذ مأخذاً جاداً، لأننا إذا أردنا أن نبني  البديل الأصيل لابد لنا من بناء نسخ فيه من المفاهيم ما يختلف وان بدا ظاهرياً أنه يتفق مع المفاهيم السائدة، ولذلك هذا النسخ يجب أن يدرس ويستخرج ويستنبط بدقة شديدة جداً لتقارب هذه المفاهيم والخلل الذي سيحدث إذا لم ننتبه لهذه الفروق. تحدثنا في الصباح عن الشورى أو الديمقراطية هذا المفهوم الآن يعتبر مفهوماً سياسياً. ولكن يجب إن أردنا فعلاً  أن نعطي بديلاً أصيلاً  أن نوضح المعنى للشورى كما جاءت في مصادر المعرفة التي نتبناها. ويجب أن يكون هذا التوضيح وفق المنهج والطريقة التي اعتبرنا أنها منهج البديل المطلوب. تحدثنا عن المساواة ولكن الحديث عن المساواة واضح أنه لا ينطلق من أصل البديل المطلوب وإنما من البديل المطلوب. وإلا فأنا في شك كبير من قضية المساواة هذه في الأصل الإسلامي، فكما ذكر أحد المتحدثين أن مفهوم المساواة اختلط بمفهوم العدل. إذن نحن نحتاج أن نستخرج ونستنبط المفاهيم الإسلامية، من أصولها الإسلامية، وأن نحترس بقدر الإمكان من أن نخلطها بالمفاهيم التي عاشت بين ظهرانينا من البديل الذي نريد أن نتجاوزه. إن كان الأمر كذلك فنحن عندما نتحدث عن التنمية والتنمية الشاملة لابد أن نضع أصبعنا أولاً على المعنى للتنمية كما يكون في بديلنا. وربما لاتجد هذه الكلمة بهذه الصيغة في البديل الذي نتحدث عنه، ولذلك علينا أن نسعى لوضع أصبعنا على الكلمة أواللفظ أو التعبير الذي يستخدم في مصادرنا وليس فقط بغرض استعماله وانما أيضاً لأنه سيبين أوجه الإختلاف بين مفهوم التنمية في هذا البديل الجديد، وفي ذلك البديل الذي نريد أن نتجاوزه. أقول من هذا المنطلق أن التنمية من منطلق هذا البديل الجديد تعني شيئين:

أولاً: تعني تزكية الشيء، إصلاح الشيء. ومن منطلق البديل الجديد التنمية ليست قاصرة على الأشياء وليست قاصرة على  الإنسان وإنما هي تشمل الإنسان والأشياء أي أن التنمية تشمل جميع المخلوقات والتنمية التي تشمل جميع المخلوقات تهتم أولاً بهذا الشيء المخلوق على صورته الموجودة لتعرف أن كانت هذه الصورة صورة مثلى لها. ولما كانت الأشياء في معظمها ليست على  الصورة المطلوبة كان علينا أن نبحث عن الخطوة الأولى في التنمية وهي إصلاح الشيء.

كيف يكون الإصلاح ؟ إصلاح الشيء يكون بمعرفة خصائصه الخلقية، الخصائص الخلقية للأشياء كانت حسب المنطلق الذي نبحث عنه سببها الأولى هو فساد الإنسان، الإنسان هو الذي أفسد هذه المخلوقات الأخرى وخرج بها عن طبيعتها الخلقية الجميلة، ولذلك فنحن نبحث في الأشياء في طبائعها لنعرف الخصائص لهذه الأشياء. إذن من هذا المنطلق البحث الأول في مجال التنمية هو البحث في خصائص الأشياء وصفاتها. تقولون أليست هذه هي فلسفة العلم؟ نقول نعم، ولكنا أوضحنا أن هناك اختلافاً بين هذا النموذج والآخر، في أن هذا النموذج يعتبر هذه الأشياء مخلوقات، بدأت جميلة، وأن ما يجدها الآن من صفات وخصائص وان اكتشفت هذه الخصائص والصفات في المعامل والمختبرات، ليست بالضرورة هي الخصائص الأصيلة الخلقية، وإنما يكون قد علاها شيء من التغيير. إذن لابد من الأخذ بالوسائل التي تعين على معرفة خصائص الأشياء ـ وهنا لابد من تداخل واستفادة من المعطيات العالمية في النموذج المرفوض ـ لابد من الإستعانة بكثير من التقنية والنظريات في النموذج المرفوض ـ نحتاج أن نعلم خصائص الأشياء قبل أن ننمي هذه الأشياء ـ هذه واحدة .

الثانية: أن لهذه الأشياء منهجاً وطريقة في نموها أو تطورها، أو في ازديادها جمالاً، وأن هذا المنهج عندنا كما كانت الخصائص أصلاً خلقاً ربانياً جميلاً هي أيضاً في المكـان الأول منهجـاً ربانياً. أن لكل شيء طريقـة في تنميته، وزيادتـه، واكثاره. فعلينا أيضاً أن نكتشف هذه الوسائل التي تؤدي إلى أن نطور. والتطوير هنا يعني الزيادة والنماء والكثرة على المنهج الذي أبدعت به هذه المخلوقات. إذن نحن أيضاً سندخل مع النموذج المرفوض في حوار دقيق، عن المناهج التي يتبعها، ولا شك أن المناهج التي استغلها المنهج المرفوض قد آتت ثماراً كثيرة ولكن ليس بالضرورة أنها هي النهج الصحيح، لأن التقارب بينها وبين المنهج المشتق من الأنموذج الآخر قد يكون قريب، وقد تكون هناك مجالات للإشتراك. إذن نحن لتكون لدينا تنمية شاملة لابد من علوم إسلامية ومنهج علمي إسلامي، والحديث الذي سقناه عن الأشياء وخصائصها وطريقة تنميتها ينسحب أيضاً على المجتمعات، وعلى الجماعات الإنسانية، وعلى النظم الإنسانية التي يبتدعها الإنسان، هي أيضاً لها خصائص ووسائل للترقية والتقدم، وأقول كتوضيح لفكرة أن الأنموذج المرفوض ربما كانت له من النظريات العلمية ما يتحقق به الكثير من التقدم ولكنه لا يفي بالغرض المطلوب. إننا نعلم عن المراحل المختلفة التي مرت بها العلوم في الأنموذج الآخر المرفوض لقرون تسود نظريات علمية بعينها ثم يتضح فيما بعد أنها لا بد أن تستبدل لأن نظريات أخرى قد جاءت وأبانت خطأ فيما سبق وقدمت بديلاً أخذ في الإعتبار كل ما حدث ولكنه أعطى أحسن منه. جاءت النسبية وأوضحت أن الرؤية لطبيعة الأشياء قد تختلـف وهكذا وهذا يذكر بقول الله سبحانه وتعالى {ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين} لأن الإنسان يقدر ويعمل افتراضات، يبني عليها نظرية، ويعمل منها قوانين تجريبية، ولكن كل هذا ما لم يتسق ويتفق نهائياً مع تقدير الله، سيجد الإنسان أنه محتاج لمراجعة هذا، لأن مكره لم يكن كافياً، وتقديره لم يكن كافياً ـ تقدير الله هو النهائي ـ إذن نحن نحتاج لأن نجعل من هذا المكر مدخلاً  لفهم أعمق بطبائع الأشياء، والمجتمعات الإنسانية، وبقواعد تطور هذه المجتمعات الإنسانية، وبالقوانين التي تحكم الوجود أو الكون المادي ـ فنحن إذن لكي نقدم بديلنا الذي نريد أن نتجاوز به البديل القائم لا نستطيع إلا أن نغوص عميقاً في المفاهيم وفي نسق القيم، والمعلومات التي ترد في مصادر المادة عندنا لنخرج منها بنظرية كاملة عن التنمية الشاملة. هذا المنهج لا بد أن يتبع في جميع الحالات، أريد أن أقول أننا أحياناً نغفل عن هذا، وأحياناً نكون قد فعلناه ولكن غير واضح بالنسبة إلينا، نأخذ مثلاً مما قيل هذا الصباح، فقد ذكر الأخ أمين حسن عمر أنه لا يمكن أن تتحقق حركة تجديد عقلي قبل أن تتحقق حركة تجديد وجداني ـ هذا الحديث لا أحد يناقضه، لكن من ينظر اليه بعين فاحصة سيعجب، هل فعلاً أقبله أو لا أقبله، ما هو العقلي وما هو الوجداني، وهل صحيح سبق بين العقلي والوجداني هذا القدر ـ وما هو الوجداني عموماً ؟

أعتقد أنه ما لم نحقق معاني مفاهيم أساسية في هذا النسق مثل كلمة عقلي أو قلبي أو علمي أو غيبي، لا يمكن أن نفهم هذه المعطيات، وستظل مبهمة على  قدر كبير ـ إذن النموذج الجديد يؤكد على أهمية أن نغرس أصابعنا عميقاً فيما لدينا من مصادر لنستطيع أن نتحصل على ما نصبو إليه.

التنمية الشاملة في إطار التحول الذي يحدث تعني، بالنسبة لي، أن نقيم علوماً وفلسفة وتقنية مشتقة ومنبثقة من مصادر المعرفة التي نؤمن بها، والتي تختلف كثيراً عن ما هو مطروح. ولكن هذا عمل صعب. ويمكن أن نقبل وأن نعايش بعض الأطروحات على أساس أنها مقبولة مؤقتاً حتى نصل إلى ما هو أعمق منها. وليس في هذا بأس، لأنه حتى النموذج الآخر إنما بدأ واستمر هكذا، لن تكون لديه في أي فترة من الفترات نظريات متكاملة كما يظن البعض لا علمياً ولا اجتماعياً، ولكنها كانت تؤخذ على علاتها ثم تُجَوَّد. إذن في إطار التحول الذي يحدث في السودان نحن نريد أن نعنى عناية كبيرة بهذه المصادر، وأن نستخرج منها العلوم الإسلامية، وأن نبني عليها التقنية الإسلامية، وأن تعني التنمية الشاملة بالنسبة لنا أن جميع المخلوقات بما فيها الإنسان له خصائص خلقية جميلة نصلحها إن فسدت ونزكيها إن كانت موجـودة، وكل ذلك وفق المنهج الذي نشتقه من هذه المصادر. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعقيب “1”

السيد/ الليث شبيلات

(نائب المجلس البرلماني الأردني)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. فعلاً حلق بنا الأستاذ إبراهيم في سماء فلسفة التنمية، وما كنت فعلاً أتوقع أن نصل إلى هذا العمق، ولكن بلا شك إنه لمن المسر جداً أن نبدأ بهذا العمق، لأن معظم الثورات العالمية والحركات الإسلامية والوطنية والقومية فشلت معظمها بعد أن انتصرت إما عسكرياً، أو في تثبيت الحكم، فشلت في قضية التنمية فكانت هزيمتها في قضية التنمية. وما النظام الدولي القائم الذي وصل كما قال البعض هذا الصباح وخاصة الأستاذ بشير نافع الذي وصف المشكلة كما أتفق معه عليها، عندما وصلت إلى جذور الإنسان وليس فقط السيطرة على الأنظمة، وإنما وصلت إلى الفرد وإلى مفاهيمه الإستهلاكية والمعاشية، أصبح الخروج بالأمة والناس من هذا الشرك هو عين المقصود، لأن الأعداء يقولون اليوم يا سحابة أمطري أنى شئت، فسوف يأتيني خراجك. كوني إسلامية ظاهرية، كوني قومية أو وطنية أو مخابراتية، كوني كما تشائين، فسيأتيني خراجك، إلى مصانعي خراجك، إلى صندوق النقد الدولي خراجك المالي، إلى الأمم المتحدة خراجك السياسي. لذلك يجب أن نضع الأصبع على الجرح في قضية التنمية، وهي مكان فشلنا إلى اليوم. والورقة الشفوية العميقة التي لا يستطيع الإنسان أن يعلق عليها كثيراً ما لم يقرأها مرة ومرة، ولكن بلا شك يستشعر أنها عميقة، وأن الأستاذ إبراهيم يرى المشكلة في أصولها، ويرى أن المشكلة في فلسفة التنمية، فيجب أن نعرف لماذا خلقنا، ما هي رسالتنا؟ هل منظورنا للحياة كمنظور الآخرين للحياة ؟ وفي هذا يطرح البعض ومنهم المفكر الأستاذ عبد الوهاب مسير، يطرح أمراً جديراً  لنبحثه جميعاً، هل هذه التنمية المطروحة هل هي التنمية التي نريدها ؟ هل يمكن أن نحقق تنميـة على الحل المطروح ؟ هل الموارد في العالم تسمح بذلك ؟ هل هي غايتنا! لا شك أننا يجب أن نعود إلى فلسفة وجودنا ولفهم رسالتنا التي تقوم عليها حياتنا لكي نفهم فعلاً ماذا علينا أن نفعل في هذه الحياة، وهل التنمية مقدمة أم أن نشر الرسالة والعدالة، ونشر أمور أخرى قبل هذه التنمية الإقتصادية التي نتحدث عنها أو التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وتنمية الفرد هي التي تلحق، نتحدث في مثل هذه الندوة التي تتحدث عن الأصول، أيضاً نتحدث في أمور أقل درجة من هذا المستوى من الكلام، لكن المنطلق يبقى دائماً هذا المنطلق الصحيح فلسفة التنمية، ما هي التنمية الإقتصادية التي نريد ؟ كلنا نقول أن الإسلام هو البديل، النظام الإقتصادي هو البديل، وعندما نأتي إلى المكمل العملي لا نطرح شيئاً، ونحن نرى حقيقة هنا اليوم في ثورة الإنقاذ بداية طرح للمشكلة الإقتصادية وهنا أعتقد أن توحيد الأمة بل وتوحيد جميع العالم الثالث لا يكون بخلافه حول إسلامية وقومية والدخول في صراعات على الشعارات، وإنما بطرح النموذج الإقتصادي الإجتماعي البديل للتنمية. فاذا استطعنا أن نطرحه ونبلوره فإنه مدخل للدعوة، وإن العالم سيعتنق هذا النظام الإقتصادي الإجتماعي ويدخل في ديننا كما دخل في الماركسية يوم أغرته الماركسية بالنظام الإقتصادي الإجتماعي والأحلام الإقتصادية الإجتماعية التي طرحتها، ونحن المؤهلون لطرح النظام الإقتصادي الإجتماعي البديل. فإذا طرح النظام الإقتصادي الإجتماعي البديل المستنبط من أصولنا دون أن نسميه بمسميات فلا يستطيع قومي أو ماركسي من بلادنا ولا أي شخص ينتمي لبلادنا والعالم الثالث إلا أن يطأطىء الرأس وأن يشاركنا في بلورة هذا المفهوم دون الدخول في صراعات على الشعارات، لأننا نكون عملياً بدأنا بطرح البديل حيث قيل اليوم صباحاً إن الماركسيين عندما فشلت تجربتهم قفزوا حالاً إلى النقيض، إلى الليبرالية الرأسمالية ويكفي أن نعرف أن مقدار الخطورة ـ العالم الذي نعيش فيه اليوم بعد الماركسية، إن الليبرالية وكل هذه الأطروحات هي التي حسمت الموضوع حقيقة بعد الحرب العالمية الثانية مع وجود قطبين، فمعظم المؤسسات الدولية القائمة قائمة لخدمة الليبرالية، لم يشترك في بعضها الإتحاد السوفيتي ولكن لم يؤثر ذلك على الموضوع، بقيت مؤسسات دولية، (الجات)، الإتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية هذه أداة السيطرة على الإقتصاد ـ صندوق النقد الدولي الذي يقول فيه البعض أنه كتب على  العـالم الثالث الإفلاس منذ أن وقعت اتفـاقية (برتن وود) والـ  I.N.F وهــذه الإتفـاقيات كلهـا مسخـرة لخدمـة الليبرالية ـ فكيف الآن بعد سقوط الإتحاد السوفيتي الذي كان حجراً أمام استشراء هذا فكيف بنا اليوم ونحن نواجه لوحدنا هذا الغول الذي يأكل العالم ولا يجرؤ إنسان أن يقف في وجهه، ونحن مرشحون عقيدتنا المرشحة لكي تطور هذا البديل. يأبى الله سبحانه وتعالى أن يجعل تنميتنا مرتبطة برأس المال وباليهودية والصهيونية العالمية. لابد أن هنالك حلاً. نحن ما زلنا نفكر في معظم ثوراتنا وإنجازاتنا العسكرية وغير ذلك عندما ننتهي نفكر كيف ننمي، ونريد رأس مال يهودي، ونذهب إلى الإستدانة. لابد أن هنالك حلولاً أخرى، ونرى أن السودان بدأ يرى المعالم البديلة، وما يقال التمويل بالعجز، وهو أن ينمي القطر ـ وخاصة إن كان كبيراً مثل السودان ويحتاج الى الوحدة من أجل تطبيق هذه النظرية في التنمية الإقتصادية ـ أن تنمي ثروتك وأن تصدر النقد الورقي لثروة بلادك المنتظرة، تصدرها وتوصلها إلى المنتجين فيقوم المنتجون بصنع تلك الثروة، وإذا بالثروة تبرز وإذا بعملتك ونقدك له قيمته، نعدك بثروة، وعند ذلك نعد الدولة بالثروة وتحقق تلك الثروة بالتنمية، ولا شك أن هذه بداية الطريق للإستقلال، والسودان والحمد لله بلد كبير بقيادته وشموخه وعدد سكانه وبموارده المائية وموارده الأخرى، فالتجربة في السودان بلا شك ستكون رائدة ولذلك نرى الـسودان اليوم من الدول القليلة جداً في العـالم التي تقف وترفض شـروط صنـدوق النقد الدولي. طرح النظام الإقتصادي الإجتماعي البديل أمر مهم فيجب أن نركز على طرح النظام الإقتصادي منبثقاً من هذه الفلسفة، هنالك أمور مهمة للتنمية متلازمة، طرحت في الصباح أركز عليها مرة أخرى اليوم هي إعادة خلق المجتمع المدني، فقد بقيت دولتنا وأمتنا لأن المجتمع المدني الإسلامي، يطرح العلمانيون والآخرون المجتمع المدني هروباً من الدين، ولكنهم يهربون إلينا. المجتمع المدني مجتمعنا، نحن الذين بدأنا المجتمع المدني، ولم تحافظ الدولة على وجودها ولم تحافظ قيمنا على وجودها إلا بالمجتمع المدني. لقد رأى تاريخنا طغاة يستطيعون أن يحطموا مائة حضارة ولكن حضارتنا لم تتحطم لأن المجتمع المدني كان يريد مصالح الأمة بالوقف والزكاة، وبالإتفاق على العلم والطب وعلى كل شيء. فالمجتمع المدني كان قائماً بذاته وكان العلماء يديرون ذلك ـ فيجب إعادة المجتمع المدني وجميع المؤسسات ومؤسسة الوقف من أهم المؤسسات وكذلك مؤسسة الزكاة ـ وجميع المؤسسات التي تجعل المجتمع يدير نفسه ويقلص الحكومة الى أقل درجة هو عنوان النصر وهو مسيرة النجاح التي تؤمن البقاء والإستمرار لنموذجنا. ويجب أن نحذر جداً مما يطرح اليوم. نحذر الشعارات التي تطرح. التنمية الممكنة، يريدون لدول العالم الثالث أن تزداد فقراً وأن يعطوهم تكنلوجية جديدة. يقولون التقنية البديلة المناسبة لكم علماً بأنه لا يمكن للإنسان أن يتطور ويتكاثر بهذه الدرجة إلا بتطوير التقنية والإنتقال من مرحلة تقنية إلى مرحلة أعلى يستطيع أن يتوسع فيها، فإذا نزلت مستوى تقنيته فتلك هي الطريق إلى القتل الجماعي وهذا ما يحدث في أفريقيا، والعراق، وجنوب أفريقيا، ومايريده النظام الدولي الذي يصرح علناً أن الأرض لا تستطيع أن تحتمل أكثر من بليونين انسان أي يجب أن نقتل بليون إنسان ومن هم هؤلاء الذين سيقتلون ؟ أهم الأمريكيون أم نحن، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المناقشات

  1. السيد/

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين. أما بعد. لي تعقيب بسيط حول هذه المحاضرة التي أعتبرها محاضرة قيمة وتنطبق بحق وصدق على عنوان الندوة، حيث ان عنوان الندوة يدور حول الأصول الفكرية، وكم كنت أتمنى أن تكون هذه المحاضرة سابقة على المحاضرة السابقة حتى تكتمل الصورة في تسلسل منطقي يقبله الجميع ـ وإن كانت المحاضرة أيضاً شفهية، إلا أننا استطعنا أن نلتمس طريقاً أحسب أنه هام جداً في تحديده كتابة هذا التلمس الذي طرحه الأستاذ ابراهيم أحمد عمر يقول لنا أن ثمة منهجاً مرفوضاً وهو المنهج الغربي، لأن هذا المنهج يستند في علومه الطبيعية الإنسانية الى مصدرين للمعرفة، المصدر الأول الحس، والمصدر الثاني العقل، وبالتالي فان جميع العلوم الطبيعية، والإنسانية تدور في هذا الفلك بمعزل عن الدين والعقيدة. أما المنهج المطروح وهو المنهج الإسلامي فإن مصادر المعرفة ثلاث مصادر ـ الأول أو كما قدمه الأستاذ ابراهيم قال الحس والعقل والكتاب أي القرآن الكريم أو الوحي، وكنت آمل أن تصاغ هذه النقطة في شكل أن الحس والعقل كمصدر للمعرفة يجب أن يعملا في إطار الشرع والكتاب، وليس بشكل أفقي أو موازي. وهذا ما يعطي المشروع الإسلامي أو المنهج البديل التميز بمعنى إذا قلنا ان المنهج المفروض جميع علومه الإنسانية والطبيعية بمعزل عن الدين فالعلوم السياسية والإقتصادية والإعلام والإجتماع والتشريع والتعليم كإبداع عقلي يجب أن تعمل في إطار الشرع هذا هو الذي يعطي منطقية أن المشروع الإسلامي يجب أن يستمد من الدين أصلاً، ويرد الحجة على العلمانيين، هذه واحدة.

الثانية فيما يتعلق بالمناهج الموضوعية والتي طرحها الأستاذ إبراهيم، فهذه المناهج التي طرحها مرفوضة من قبل الغرب لأن الغرب طرح لنا بعض الأطروحات التي ظننا جميعاً أنها تتسم بالموضوعية مثل فكرة الديمقراطية السياسية أو صيغة البنوك الربوية أو صيغة التعليم العلماني. الخ فالغرب يحاول بقدر الإمكان أن يقول إن هذه الأمور موضوعية وبالتالي يمكن أن تسود جميع المجتمعات، قطعاً إنها صيغ مرفوضة فإذا كانت تقبل في الغرب فلن تقبل في مجتمعاتنا. أشكر الأستاذ إبراهيم أحمد عمر مقدم الورقة نظراً لأنه بالفعل وضع أيدينا على الأصول الفكرية التي في ضوئها يبنى المشروع الإسلامي ـ شكراً .

 

  1. الأستاذة/ عايدة العزب

الحديث الجميل المجرد عن النظام البديل، والجدل الفلسفي، ليس هناك خلاف عليه، إنما المشكلة عند التطبيق، نحن نتحدث عن البديل من التعاليم الإسلامية فقط، وهذا وحده لا يكفي، فهناك في تراث مجتمعاتنا وبالذات ونحن على أرض أفريقيا في التراث الإفريقي هناك تراث يتعارض مع التعاليم الإسلامية، فماذا نحن فاعلون تجاهها ؟ مثلاً مشكلة الجنوب هي مشكلة تنمية، ومشكلتها في عدم تقديرنا لواقعنا فعدم فهم الواقع الإفريقي هذا سيوقعنا في مشكلة عندما نود أن نطبق المنظور الإسلامي فقط.

ثانياً منذ أوائل هذا القرن، ومؤتمرات الجامعة الإفريقية كانت تعقد في لندن وباريس في عام 19، 21، 23، 27، ثم في الأربعينات، كما كان يتحدث الكبار عن الأصالة والبحث عن الذات، والخصوصية، ونحن في أواخر هذا القرن، ماذا فعلنا نحوها ؟ نيريرى مثلاً يصف الديمقراطية الإفريقية بأن الكبار كانوا يجلسون تحت الشجرة يتحدثون حتى يتفقوا هل يمكن تطبيقها الآن ؟ هذا النموذج من الديمقراطية صعب تحقيقه، فيجب البحث عن ما هي الديمقراطية الإفريقية أو ديمقراطية العالم الثالث، وأنا لا أريد أن أقول ديمقراطية العالم الإسلامي وحده لأن هذا سيوقعنا في تناقض مع بقية العالم الذي نعيش معه وهو العالم المتخلف أو الثالث .

نحن لا نحتاج لمزيد من طرح النظريات وإنما نحتاج إلى النزول إلى الواقع وفهمه حتى يمكن أن نصلح من أحوالنا، ولا ندور في حلقة مفرغة وينتهي القرن العشرون كما بدأ، وشكراً .

  1. الأستاذ/ صلاح أحمد إبراهيم

تحدثنا اليوم عن ضرورة اشتراك الجماهير وألا تكون هناك صفوية لأن قضية التنمية هي قضية الجماهير، مع احترامي للأستاذ الفاضل، وأنا لست من الصفوة، ولكن قريب جداً منهم، لم أستطع أن أتابع ما قيل، لصعوبته وتجريده، إذن فما بالك بالجماهير، وقضية التنمية قضية تهم الجماهير. والرسول الكريم سمح بانتهاك طهارة المسجد، عندما رأى اعرابي مسكين (مزنوق) قال لهم دعوه ـ اذن نبدأ من هذه الحقيقة البسيطة، ولكم في رسول الله قدوة حسنة. نحن لدينا بدو رحل جاءوا وقالوا إنهم لا يريدون أن يرجعوا نحن قرب النيل، نريد حتى الكفاف. ولذلك هذه القضية التي تهم الشعب، ويهم رد الإسلام عليها. عندما قال معاوية بن أبي سفيان ( المال مال الله) قال له أبو ذر، لا، المال مال المسلمين. نرجع من التجريد الى الحقيقة. المال مال المسلمين، لأنك إذا قلت لي: مال الله، سكت بعد ذلك أنت تصرفه باسم الله بطريقتك، وإذا اعترضت فأنا اعترض على الله. إذن لا بد من تحديد مصطلحاتنا. ألا نبدأ إلا من حاجة البشر وأن نقدم لهم ونقول لهم النظام المرفوض نحن أفضل منه لأننا نجيب عن الحاجات، ونبدأ. ليس هناك أحد يعبد وهو جوعان فلابد للمرء أن يسعى. لا تقول الله يطعم  أعقلها وتوكل. غاية المجتمع هي التحرر المستمر عن طريق التعبد المستمر لله الواحد الأحد. غاية المجتمع أن يوفر حاجات الإنسان، وليس أن يدخله الجنة، ولكن في نطاق السير والسلوك الحميد، نقول له لا تفعل هذا، والحكومة لا تدخل البشر الجنة، والحكومة الإسلامية غير مسئولة عن إدخال مجتمعها الجنة، ولكن أن تخلق مجتمعاً فاضلاً حيث يمكن للفضيلة أن تنمو حيث يمكن أن يحاسب الحاكم، ولكن إذا قال لي الحاكم، أنا الذي أمثل الدين، بعد ذلك يفعل بي ما يشاء  فيما يتعلق بالعلوم الدينية، الحكمة ضالة المؤمن، خذوها في أي وعاء جاءت، وكذلك العلمانية جاءت ضد الكنيسة لأنه باسم الدين أوقفوا العلم التجريبي وكل شيء. الله قال لا هذه ليست علوم دينية. أفتح العقل، والتجربة، والله سبحانه وتعالى فتح هذا الباب، كل شيء أمامك في القرآن والسنة، يا أولي الألباب، وتفكروا وتدبروا واعملوا، ولذلك لابد أن نكون واضحين. والسلام عليكم.

  1. السيد/ بشير نافع

لست دارساً للفلسفة ولكن أقرأ الفلسفة من خلال قراءتي للتاريخ. وأود تلخيص ما فهمته من المحاضرة. أولاً أن الإطار الفلسفي، ومنهج المعرفة، للنموذج الإسلامي، يختلف عن نظرية المعرفة الغربية في أننا ونحن نعتبر أن الكتابة مهيمنة وأن الوحى مهيمناً.

المسألة الثانية التي لاحظتها في حديث د.إبراهيم هى موضوع إستبدال النظرية، وحقيقة إذا كان يعتقد أن النظرية بعد وقت من الأوقات عدم صلاحيتها، وأعتبر أن هذا أمرًا إيجابياً – وعلى كل حال فبخصوص هاتين النقطتين أود أن أعبر عن تساؤلاتي، الأول أنني أظن أنه حصل من التاريخ الإسلامي بعد معركة الغزالي، ابن رشد أن سيطرت المدرسة التي تقول أن الإنسان غير قادر على المعرفة وإدراك الحقيقة وأن مصدر الحقيقة الوحيد هو الوحي، وهذا الأمر لا علاقة له بمفاهيم عنصرية عربية تركية إفريقية…الخ وإنما حدث أن الشعوب التركية في أصلها شعوب رعوية، إن الإسلام وصل اليها أساساً عن طريق التصوف. الهجرات التركية شكلت في البداية الدولة السلجوقية، ثم الدولة العثمانية التي صنعت عقلنا نحن أبناء هذا الجيل، وفي الدولتين لم يدرس في المدارس الإسلامية إلا الغزالي وأن مصدر المعرفة الوحيد هو الوحي، وأن الإنسان غير قادر على المعرفة وأظن أن هناك مشكلة كبيرة جدًا في العقل الإسلامي المعاصر فيما يتعلق بهذه النقطة. فإذا كان لابد أن يكون هناك نموذج إسلامي ناهض في هذا العصر فعلينا أن نضع توكيد ليس على الوحي مهيمنا، وليست هناك مشكلة في مجتمعاتنا حول هذه المسألة، ولابد أن نتخلص من وهم أن النخب العلمانية غيرت كل مفاهيم الجماهير، فالمشكلة التي لدينا هى أنه هل الإنسان قادر على المعرفة أم غير قادر، هذا مايراد التوكيد عليها في داخل أي مجتمع إسلامي، فالحاصل الآن في الفلسفة الغربية، أبعد الوحي، والمدارس العقلية تميل إلى اعتبار أن أداة الدين بطرح النظرية وعرضها وهى أداة المعرفة وهى مدرسة همشت، والمدرسة التجريبية يعبر عنها بالإستقراء، وهى المدرسة المسيطرة.                

أظن أن في الإسلام نقبل بأن الوحي له مجال خاص به، وأن الإنسان يستطيع أن يعرف بالطريقتين، بطرح النظرية وعرضها على المعطيات الحسية، وبالمنهج التجريدي، أوبالإستقراء، بالإضافة إلى النقطة المهمة التي ذكرها د. إبراهيم وهى أن الوحي مسيطر في الحالتين الأخيرتين – هذه مسألة ضرورية للتأكيد عليها، وأظن أنه لايجب أن يترك طالب المرحلة الثانوية بدون أن يكون هذا مركزاً في وعيه، ليس فقط طالب العلوم، وطالب البيولوجيا، والفيزياء وطالب الميكانيكا، والرياضيات، ولكن أيضاً طالب التاريخ، والفقه، والجغرافيا، والآداب، والنقد الأدبي، وهذا الأمر ينطبق على الجميع، إن الإنسان قادر على المعرفة، والوصول إلى الحق، وهذ الأمر يجب أن يعرفه كل الدارسين في مجالات المعارف الإنسانية المعاصرة. وهذا ينقلنا الى النقطة الثانية وهى أن هناك تطرفين خطيرين في العقل الإسلامي المعاصر، التطرف الأول هو التطرف الذي يفرق في ماضي الذات، أي الذي يفرق في الإنموذج الموروث من الماضي، ويعتبر أنه قادر على إعادة إستنباته في كل زمان ومكان ولكل مطلق. التطرف الثاني هو الذي يفرق في الإنموذج الآخر، للخروج من هذا علينا أن نربي الأجيال الإسلامية على تحدي مسلمات الماضي، وتحدي مسلمات الآخرة، ليس بمعنى النفي الغربي، وإنما بمعنى الجدل مع المسلمات، ومع الأنموذج سواء القادم من الآخر أو القادم من الماضي.

رورة اشتراك الجماهير وألا تكون هناك صفوية لأن قضية التنمية هي قضية الجماهير، مع احترامي للأستاذ الفاضل، وأنا لست من الصفو ……  تعالى فتح هذا الباب، كل  يا أولي الألباب، وتفكروا وتدبروا واعملوا، ولذلك لابد أن نكون واضحين. والسلام عليكم.

التعليقات

أضف تعليقك