الفصــل الثــانـي

المحور الأول

النظام السياسي الإجتماعي البديل، دعوة للتأصيل

د. غازي صلاح الدين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين. أعتذر إذ لم أستطع كتابة هذه الورقة، ولكنني كدستها في نقاط أمامي، أرجو أن أتمكن من كتابتها لاحقاً، لا أدري بالتحديد متى، ولكن إن شاء الله سأكتبها لأن الطلب على تجارب السودان التأصيلية أصبح يزداد في الآونة الأخيرة. وربما كان أحد أسباب عدم الكتابة هي أننا نبلور تلك النماذج شيئاً فشيئا، وتتكشف لنا أبعادها تدريجياً، فنكتشف فيها أشياء جديدة، ويتبين لنا فيها حكم متجدد. ولعل الأوان قد آن لنكتب هذه التجارب. وأقول أنه بعد الورقة الجامعة الشاملة التي قدمها الأخ أمين حسن عمر سندخل إلى  تفصيل التجارب الإنقاذية التي عايشناها منذ ثلاث سنوات حتى الآن. ولكن قبل أن ألج إلى الورقة أحب أن أعود لأستفيد من فرصتي المضاعة في الجلسة السابقة لأعقب تعقيباً بسيطاً على ورقة الأخ أمين، لأنني أعتقد أن تعقيبي في هذه النقاط بالذات هام. والحقيقة فإنني غادرت حيث كانت لدي الفرصة الأخيرة لأنني يئست من عدالة الأخ مهدي، ولكن ثبت لي أنني كنت ظالماً في حكمي. نبهت الورقة تنبيهاً شديداً وركزت على  مسألة الإسلامية والعروبة، أحب أن أنبه إلى أن ما نعايشه الآن في ثورة الإنقاذ قد كشف جوانب مثيرة للدهشة لدى الآخرين، فأصبحوا يصفونها بأوصاف متعددة محاولة لاستجلاء كننها، وهي، ماهي علاقة هذه الإسلامية والعروبة المؤكدة جداً بالمناهج الأخرى الموجودة في الساحة، والأديان الأخرى الموجودة في الساحة، لأننا قطعاً مهما أكدنا إسلاميتنا أو عروبتنا، لا نستطيع أن ننفي أن العالم يعيش فيه آخرون غير مسلمين، يعيش فيه مسيحيون، وتعيش فيه أديان أخرى، وتعيش فيه أعراق أخرى غير عربية، وألسن أخرى غير ناطقة بالعربية. ليس ذلك فحسب على مستوى العالم الخارجي، ولكن حتى على مستوى السودان الداخلي. نحن نعايش أقواماً ليسوا عرب، وليسوا مسلمين. ولكن الإعجاز الحقيقي الذي تَأَتَّى لنا وأعتقد أنه إعجاز هام جداً، أننا في ظل ثورة الإنقاذ استطعنا أن نقدم النموذج الأمثل للتعايش الداخلي مع غير المسلمين. ويمكن بثقة تامة أن نقول أننا استطعنا في خلال الثلاث سنوات الماضية أن نستوعب معظم القوى غير المسلمة وغير العربية في داخل السودان. برنامج السلام الذي طرحته وتبنته الدولة ونفذته، فاستطعنا تحقيق السلام الداخلي مع التأكيد على الإسلامية أو العروبة، لأن الإسلام قائم على مبادئ عدالة مطلقة، وهذه المباديء هي نصب الأعين عند تطبيق السياسات الحكومية، سياسات الدولة. وقد ثبت لدينا بالعمل وكنا في السابق ندعي ذلك بالنظر، أن الإسلام يستطيع أن يستوعب الأقليات والثقافات الأخرى. ولكن ثبت لنا عملياً أننا استطعنا أن نستوعب تلك الثقافات، وأن نسمح لها بالتعبير، وأن نضمها في خضم المجتمع والأمة الجامعة، تماماً كما حاول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما قدم المدينة في أول عهده.

  الملاحظة الأخرى التي يتعجب لها الكثيرون ويتضايقون منها أحياناً، هي أننا استطعنا أن نعايش أنظمةً لا يمكن أن نصفها بأنها إسلامية من حولنا، السودان الآن يتمتع بأمتن علاقة مع جارته إثيوبيا، ومع أريتريا التي يحكمها أشخاص غير مسلمين، ونسب البعض ذلك إلى براقماتية النظام، وأعتقد أن الأمر ليس محض براقماتية، ولكنه خصيصة مركزة في النظام الإسلامي الذي يستطيع أن يعايش الآخرين، وأن يتعايش معهم ويبادلهم التجارب. وهذه الملاحظة هامة لأنه كما ذكر الأخ صلاح أحمد إبراهيم، وصف علاقة المهدية (وهي نظام إسلامي سابق في السودان بإثيوبيا) كانت علاقة متأزمة جداً، وبعد أن كان الأمر بين إثيوبيا والسودان حربًا شعواء لأول مرة في التاريخ في ظل نظاماً إسلامياً. تتأتى علاقة سوية وعلاقة نامية ومضطردة جداً مع تلك النظم. هذا تعليق أردت به أن يكمل الأخ أمين، وأن يدرج في الورقة إن إستطاع، كيف أن مبدأ الإسلامية والعروبة أصبح نموذجاً عملياً يستطيع أن يقدم نموذجاً  للتعايش في العالم، لأن الإتهام الآن للإسلام بأنه دين تمزق وعصبية وتشدد ورفض للآخرين.

الملاحظة الأخرى على حديث الأخ منير شفيق، وهو ذو صلة بما سأتلوه من ورقة، هو أن إحساسنا بأهمية تقديم نموذج جديد، مرتبط إرتباطاً وثيقاً بعملية الدعوة الإسلامية، لأن تقديم نموذج سياسي جديد أو إقتصادي أو في العلاقة الخارجية في التعايش مع الآخرين، أو في قضية المرأة التي ألمح إليها الأخ صلاح أحمد إبراهيم، ونحن في السودان أنجزنا في ذلك إنجازاً لا يمكن أن يخفى على أحد. والتحرير الحقيقي الذي حدث للمرأة في السودان، حدث في ظل النظريات الإسلامية. تقديم هذه النماذج الجديدة هو الكفيل الحقيقي لنشر الإسلام، لأننا لو تتبعنا سيرة الإسلام لوجدنا أن انتشار الإسلام في مصر مثلاً كان قرين التحرير السياسي الذي حدث للمصريين الفلاحين. وكان قرين كبرى علاقة الفلاحين بالدولة المرتبطة بالدولة الرومانية آنذاك. وكان ذلك من أكبر دواعي انتشار الإسلام في مصر، نفس الظاهرة تكررت مرة أخرى في آسيا الصغرى، لأن الفلاحين في آسيا الصغرى كانوا مرتبطين بالكنيسة البيزنطية، وكانوا مجرد أجراء في الأرض، عندما جاءهم الإسلام بتحرير اقتصادي وسياسي دخلوا في دين الله أفواجا. إذن يبدو أن مسألة تقديم نموذج ليست نابعة من حاجة محلية مباشرة، ولكنها أيضاً مرتبطة بعملية دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ونشر الإسلام بالنموذج الصالح. أقول هذا وأدلف إلى الموضوع فأقول إننا استشعرنا في السودان بخيبة عميقة من جراء تجربة المناهج الأخرى سياسية كانت، أم اقتصادية، أم تربوية، أم إعلامية، أم في العلاقات الخارجية. وكان لابد لهذا الإحساس بقصور المناهج الغربية أن يستتبع تفكيراً جدياً في صياغة جديدة، هذا الإحساس بخيبة المناهج الغربية ظل يراجحه، من جانب آخر طبعاً،  إيمان مطلق بوجوب إدراج التجربة الإنسانية الجامعة في مدى النظر والتفكير، لأن التجربة الإنسانية بكل معطياتها تحتوي على إسهامات المجتمع الإسلامي الذي ندعي أننا ورثناه. إذن النظرة هنا نظرة تأصيلية ولكنها تستهدي بالجهد الإسلامي بصفة عامة، ونستفيد منه في ظل هذا المناخ برزت الدعوة للتأصيل، ولكي أوضح عبارة التأصيل أكثر لأنها عبارة مستخدمة كثيراً، أقول أنها تعني أن نعرض المنهج الذي نريده على مجموعة المباديء ونظام القيم الموجود في مجتمعنا، وأن نبحث عن مدى المواءمة بينهما. وكذلك أن نستلهم الشخصية القومية بكل مكوناتها الثقافية وما يستتبع ذلك من أساليب وسلوكيات، فنحاول أن نوجد المنهج الذي يتواءم مع تلك السلوكيات والمكونات الثقافية. ولابد في عملية التأصيل أيضا أن نرصد التجربة التاريخية في البلد، فنقدر مكان الفشل والخيبة من أين جاءت الخيبة حتى نستطيع أن نتجنب تكرار ذلك في المستقبل. كانت تلك هي المرتكزات الأساسية التي تبناها منهجناً عندما أردنا أن نبحث في أمر الصيغة الأساسية التي تحكم البلاد. عند النظر إلى التجربة الإنسانية عامة، أردنا أن نحلل مكونات النظام السياسي، ما هي الوظائف الأساسية التي يجب أن يقوم بها النظام السياسي أي نظام سياسي. حسب ما هو موجود الآن لدينا من تجارب إنسانية، لابد من الأتي:

 أولاً : أن يتأتى من خلال النظام السياسي آلية موضوعية للإختيار، والموضوعية تنافي الإعتباطية، بمعنى أنه لايمكن أن نسمح لفرد مهما كانت حكمته وإلهامه أن يكون هو الحكم النهائي في القضايا والإختيار، فلابد من إيجاد آلية موضوعية للإختيار، سمها الإنتخابات، أو البيعة أو التراضي كل هذه كانت آليات تعمل في حقب مختلفة. الآن كأنما درج الإجماع نحو أسلوب الإنتخابات كأسلوب موضوعي يتيح التناوبية في الحكم، ويتيح وسيلة موضوعية للتعرف على أصلح الناس بولاية الأمر العام وفق معطيات المجتمع التي يضعها سواء كان مجتمعاً اسلامياً أو غير إسلامي.

ثانياً : في النظام السياسي لأي بلد لابد من أن تتوفر الحرية، والحرية الآن أصبحت قضية صراع، صراع العصر، لا يمكن الفكاك من مخاطبة أمر الحرية ومدى التزام النظام بالحرية، والحقيقة الحرية في الإسلام مسألة نصية لأنها مرتبطة بأصل التكليف. وعندما يقول الإسلام {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} فهو يحدد لنا أن أمر الإعتقاد رهين بحرية الإنسان، ويأتي بعد ذلك ليخصص فيقول {لا إكراه في الدين} فأمر الحرية عندنا موجود بالنص، بخلاف ما هو في الفلسفات الأخرى. فلا يمكن أن تجد نصاً أصلياً يدعو إلى الحرية كما هو موجود في الإسلام. لكن الحرية أيضاً ليست مجرد قيمة نظرية، بل هي قيمة عملية من خلالها تتأتى رقابة المجتمع على الدولة وعلى أجهزتها، ومن خلالها تنفتح المبادرات واسعةً أمام الأشخاص الذين جماعهم هو المجتمع، فتنفتح أبواب المبادرات لكيما ينهض المجتمع ويتطور. وهذه التصنيفات تصنيفات اختيارية، فيمكن لأي شخص آخر أن يصنف تصنيفاً آخر ولكن تصنيفه هو أيضاً اختياري.

 ثالثاً : أن يحقق النظام السياسي المساواة، بمعنى أن يتيح لكل فرد في المجتمع يمتلك الأهلية أن ينصب للولاية العامة، وهذه مسألة هامة، لأنك لا يمكن أن تحقق مشاركة في المجتمع، لا يمكن أن تحقق مشاركة في السلطة وفي أجهزة الدولة إذا لم يتأتى للناس إحساس بتساوي الفرص ابتداءً، وقد لا يكون كل الناس طلاب سلطة، ولكن لابد أن يطمئنوا إلى أن فرصهم متساوية، لأن الإنسان بطبيعته نزاع إلى أن يعدل معه الآخرون وأن يكون في مستوى واحد مع الآخرين، لابد أن تتوفر للنظام السياسي هذه الخصيصة والسمة.

رابعاً : وأهم ما في النظم السياسية الحديثة  دائماً  ينصرف ذهن الناس عندما تذكر الديمقراطية إلى الإنتخابات، وليست الإنتخابات هي العماد الرئيسي في الديمقراطية ولكن أهم صفة في النظام السياسي هي قابلية المحاسبة والتقويم، فلابد أن تكون هنالك وسيلة يقوم بها أهل الولاية العامة، وتقوم بها أجهزة الدولة، ترد إلى الصواب، وتعاقب بشكل من الأشكال إذا ما خرجت عن الطريق السوي. القضاء المستقل واحدة من هذه الآليات مثلاً بمعنى أنك يمكن أن ترد القضايا الخلافية إلى قضاء يحكم فيها ولو كان ذلك القضاء ضد المصلحة المخصوصة للدولة، وليس المصلحة العامة.

المجالس الشورية يمكن أن تكون شيئاً مثل ذلك. البرلمانات تقوم بعملية المحاسبة. هذه سمات أساسية إذا ما توفرت في أي نظام يمكن أن نقول أنه نظام فاعل.

كان لابد لنا من النظر ـ وأنا أتحدث عن تجربتنا الخاصة ـ من النظر إلى هذه القضية. كان لابد لنا من النظر إلى الأدواء التي تعاني منها النظم السياسية بصفة عامة. وهذه الأدواء ليست حكراً علينا في السودان. فنحن جربنا الحزبية ثلاث مرات، وجربنا أنظمة أخرى في فترات مختلفة، وعرفنا بعض هذه الأدواء. ومن مراقبتنا للأنظمة الأخرى في العالم نلاحظ أوجه شبه بين هذه الأدواء التي لمسناها في أنظمتنا الخاصة وبين ما هو موجود الآن في أعرق الديمقراطيات كما يسمونها. وأحد هذه الأدواء التي شهدناها في السودان هي غيبة الممارسة الشورية في الأحزاب نفسها. كانت أعلى الأحزاب صراخاً هي أكثر الأحزاب ابتعاداً عن الممارسات الديمقراطية، فهي لا تمارس الديمقراطية في ذاتها، بمعنى أنها لم تكن تعقد مؤتمرات وعمليات انتخابية في داخلها لتنتخب الرأس والزعيم، وإنما كان الزعيم يستلم حقه بالوراثة. وغيبة الممارسة الشورية أو الممارسة الديمقراطية داخل تلك الأحزاب المكونة للنظام السياسي آنذاك، انعكست على النظام العام. فأصبحت الديمقراطية غائبة حتى عن المؤسسات الدستورية التي تم إنتخابها بطريقة موضوعية حقيقة وبطريقة يمكن أن نصفها بأنها عادلة إلى حد كبير.

إذن تهميش المؤسسات الدستورية نابع من تهميش الممارسة الديمقراطية والممارسة الشورية في داخل الوحدات السياسية سواء كانت أحزابا أو ما إلى ذلك.

لاحظنا شيئاً في أدواء النظم السياسية، هو قابلية الإنقسام وفق خطوط التصدع في المجتمع، إذا صح التعبير، على أساس قبلي أو أساس طائفي أو جهوي. بمعنى أن فكرة الشورى وفكرة الديمقراطية القائمة أصلاً على صراع الأفكار قد انتفت منها الأفكار والبرامج بالكامل. فعندما يقوم الحزب على قاعدة قبلية أو طائفية أو جهوية تغيب الأفكار تماماً، ويصبح الصراع قائماً على نظرات ضيقة لا تمثل مصلحة الأمة بشكل عام. وهذا الآن نلاحظه في إفريقيا بصفة خاصة بعد انتشار ظاهرة الديمقراطيات الحزبية. فهذه الأحزاب تقوم على  خطوط تصدع داخل المجتمع وتكرس ظاهرة الإنقسام. هذه واحدة من أدواء النظم السياسية ولابد من الإنتباه إليها، لأنها تنافي مبدأ إسلامياً هاماً سوف أتعرض له فيما بعد.

وفي ظل هذه الفوضى كانت هنالك أدواء كثيرة منها الإرتهان للخارج، لأن العملية الإنتخابية بشكلها الذي تجرى به تتطلب تمويلاً كبيراً جداً. لذلك ظلت الأحزاب لدينا في السودان مرتهنة لهذا القطر أو ذاك بحسب التمويل، لأن العملية الإنتخابية كانت مكلفة جداً. وشبيه بذلك ما يجري الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، فالقرار هناك مرتهن لمصادر التمويل التي قد تكون مجموعات الضغط الصهيونية أو خلافها من الجهات التي تمول العملية الإنتخابية. إذن النظام السياسي الذي يتيح هذا يجب أن يجتنب لأنه يكرس الإنقسام في المجتمع ويكرس الفساد الأخلاقي ويكرس فساد الممارسة. وهو شيء يجب أن نتجنبه في النظام الإسلامي. ويستتبع ذلك تزييف الإدارة الإنتخابية من شراء الأصوات وما إلى ذلك مما يأتي تبعاً لما ذكرته من أدواء النظم السياسية.

بعد أن حللت هذه المرتكزات الأساسية لأي نظام سياسي وحاولنا استبانة مكان الفشل، كان لابد من النظر إلى بعض السمات الأساسية في نظام إسلامي. واحدة من السمات التي أعتقد أنها أساسية وتختلف وتمثل نقطة مفارقة من النظام الليبرالي المطلق، هي أن في النظام الإسلامي هنالك مرجعية حاكمة، لأن النظام الليبرالي المطلق قائم على صراع الأفكار وعلى غلبة التصويت والرأي الغالب أيا كان حتى إن خالف ذلك وصادم بعض القيم الأساسية في المجتمع. وهذا لا يسمح به في الإسلام. فلا يمكن أن يتصور في ظل نظام إسلامي أن تجيز الأغلبية أو أن يجيز الجمهور رأياً يصادم ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

إذن لابد من شكل من أشكال المرجعية الحاكمة، ويتأتى ذلك طبعاً بضمانات دستورية. ويتأتى أيضا بأن تكون في البنية السياسية هنالك آلية لتحقيق هذه المرجعية الحاكمة في النهاية. وهذا ما سنحاوله نحن في السودان كما سوف أوضح بعد قليل.

والأدواء التي ذكرتها آنفاً هي واحدة من انعدام المرجعية الحاكمة كالإرتهان أو الإنقسام أو تزييف الإدارة أو تهميش المؤسسات الدستورية هي تبع لانعدام المرجعية الأخلاقية الحاكمة.

وإحدى السمات الأخرى التي أرى أن النظام الإسلامي يفارق فيها الأنظمة الموجودة حالياً هي فكرة الصراع والتنازع الموجودة في الفلسفات الإنسانية الأخرى. ففي الماركسية فكرة الصراع واضحة جداً، صراع الطبقات وغلبة الطبقة الكادحة. في النظام الليبرالي نظرية التنافس واردة بصورة حادة جداً قد لا ترد في النظام الإسلامي. ولا يحتاج المرء إلى أن يدلل أن الدعوة في الإسلام هي التوحد (وذلك طبعاً لا يناقض التباين في الآراء). وأريد أن أوضح معنى رفضي لفكرة الصراع، لأن كلمة الصراع قد لا تكون في ذاتها كلمة مرفوضة. ولكن لابد إذا ما حددنا معنى الصراع الذي نرفضه هو الصراع التنازعي الذي يؤدي إلى الفشل، لابد من القول في النهاية أن النظام الإسلامي يمنع ذلك.

إذن لابد من إيجاد نظام سياسي يحدد التباين في الآراء. يسمح باختلاف الآراء ولكنه يحقق ذلك في سياق جامع واحد، لأن الوحدة هي الأصل في النظام الإسلامي. ويمكن أن نسلم بمبدأ التعددية. درج الناس على تعريف التعددية بالتعددية الحزبية، ولكن في ظل النظام الإسلامي يمكن أن نسمح بالتعددية الطبيعية بمعن تعددية النظر وفق المكونات لمجمـوعـة معينة سـواء كانت تكويناً قبلياً (ورأينا كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعامل مع القبائل وأثبت حقها في أن تكون لها قيادتها) أو أن تكون هناك تعددية قائمة على تكوينات المجتمع الحديثة، مثل النقابات، أو المجموعات، أو المهنيين، أو أمثال تلك التجمعات. ولابد أن نسلم في ظل إسلامي بالتعددية وتباين الآراء، لأن هذه التعددية لها آلية عمل لازمة في المجتمع، فلا يمكن أن تنفيها نفياً مطلقاً فنسمح بالإختلاف والتباين والتعددية ولكن نجمع ذلك كله في صعيد واحد.

رأينا في أثناء مداولاتنا حول النظام السياسي أن تلك الصراعية التي هي سمة أساسية من سمات الفلسفات الغربية قد تجسدت في النهاية في فكرة المعارضة والحكومة. وأعتقد أن هذا المبدأ ليس بالضرورة مبدأ إسلامياً، بمعنى أن المبدأ الذي يجب أن نثبته هو أن تكون هناك قوامة على الحكومة، أن تكون هنالك مرجعية حاكمة كما ذكرت آنفاً ولكن ليس بالضرورة أن نصنع آلية للصراع نقنن بها الصراع. ولكن لابد للمبدأ الذي نثبته أن تكون هنالك قوامة للمجتمع على الدولة. ولابد أن نوجد آلية يستطيع بها المجتمع أن يقوم الدولة، لأن في النظام الإسلامي المجتمع أهم من الدولة، يمكن للدولة أن تضل وليس بالضرورة أن يضل المجتمع مع ضلال الدولة (كما رأينا في التجربة الإسلامية بصفة خاصة عبر التاريخ الإسلامي)، فقد ضلت الحكومات وأصبحت ملكاً عضوضاً ولكن ظل المجتمع هو ذخيرة ومستودع القيم الإسلامية.

إذن مادام المجتمع أهم من الدولة وهو المستودع للقيم لابد أن تكون هنالك، كما ذكرت هذه العلاقة، علاقة القوامة من المجتمع على الدولة. وليس بالضرورة أن تتجسد تلك العلاقة في شكل ما يسمى بالمعارضة والحكومة التي نشأت في الأنظمة الغربية.

أخيراً أدلف إلى وصف مجمل للنظام الذي اتبعناه ـ أسمينا النظام نظام المؤتمرات، وجعلنا للمجتمع كله أن يحتشد في تلك المؤتمرات، وجعلنا الأهلية للإحتشاد في تلك المؤتمرات هي المواطنة فقط.

وبذلك حققنا التساوي والمساواة، وكل مواطن بلغ ثمانية عشر عاماً يستطيع أن يشارك في تلك المؤتمرات وهي قائمة على مستويات إدارية مختلفة، حسب التقسيم للبلاد من الحد الأدنى في المجمعات السكنية أو القرى أو الأحياء إلى أن تصل إلى المؤتمر الوطني الجامع.

وبضمان مشاركة الجميع وفق المواطنة يمكن أن نقول أننا قد طبقنا المساواة، وهي واحدة من السمات التي ذكرتها لكم آنفا عندما ذكرت السمات الأربع الأساسية. المفترض أن يكون النقاش في هذه المؤتمرات حراً. وقد جربنا هذا النظام السياسي قبل شهرين فقط، ورأينا كيف أن النقاش كان حراً جداً لأنه لاضوابط أصلاً على الرأي في تلك المؤتمرات. إذن يمكن أن يكون التعبير حراً في سياق واحد جامع، وأن يسمح بالتباين. وشهدنا كيف أن التجربة العملية في تلك المؤتمرات أظهرت تبايناً واسعاً أثرى الأفكار فعلاً. ولكن في النهاية كان المؤتمر يخرج برأي مجمع عليه، قد لا يكون رأي فرد واحد بل مزيجاً من الآراء التي طرحت، ولكنه يحقق الرضى لكل الحاضرين، وبذلك ثبت لنا أن مبدأ الحرية مبدأ عامل في تلك المؤتمرات التي ذكرتها. وفي نفس الوقت يجتنب الصراع التنازعي الذي شهدناه في التجارب السابقة وخاصة التجارب الحزبية والتنافس والأساليب الفاسدة، لأن المجتمع ها هنا يتصرف وفق المعطيات والمباديء الإسلامية التي تستوجب أن يكون أمر الناس جميعا. شورى هذه المؤتمرات تمثل المجتمع. والنظام ذو مساقات ثلاثة. هذه المؤتمرات تمثل إرادة المجتمع، وتمثل المرجعية الحاكمة النهائية التي ذكرتها آنفا والتي وضحت أنها واحدة من مباديء النظام الإسلامي. هذه المؤتمرات تمثل أحد المساقات تختار بوسيلة إنتخابية موضوعية، مجالس تشريعية على مستوى الولايات وعلى المستوى الوطني. هذه المجالس التشريعية تمارس نفس الوظيفة التي تمارسها البرلمانات الآن. أي أنها تمارس التشريع وتمارس الرقابة على الجهاز التنفيذي وهو الدولة.

إذن لدينا مساقات ثلاثة:

مساق نسميه (مساق المؤتمرات) وهو يمثل المجتمع ويمثل المرجـعية النهائية وله الحـكم النـهائـي وفــق المعطيــات الإسـلاميـة. و(مساق تشريعي) يفصل هذه الموجهات التي يطرحها المجتمع ويتبناها وفق المعطيات الإسلامية في تشريعات، ويمارس الرقابة وبذلك تحقق خصيصة إعتماد أو قابلية التقويم في الدولة، يمارس الرقابة على المساق الثالث وهو (المساق التنفيذي).

هذا الأنموذج يعمل الآن، بمعنى أننا بدأنا به. وبداياته مبشرة جداً توحي أنه حقق لنا كل السمات الأساسية التي ذكرتها في النظم الحديثة، وحقق لنا خصيصة أخرى وهي عملية استنهاض الطاقات وتعبئة الشعب حول القضايا القومية. وما إنجازات السودان الراهنة سواءاً في الزراعة أو في الجهاد وما إلى ذلك إلا نتاج مباشر لهذه الميزات التي تحققت من خلال النظام السياسي.

هذا النظام كما نذكر دائماً هو عرضة للتجديد، ولا ندعي أنه الحكمة النهائية ولا ندعي أنه خاتمة مسيرة البشر، ولا نظن أنه النظام لكل المجتمعات الإسلامية الآن، ربما يكون النظام الأمثل في مصر الآن أو في الأردن أو في باكستان المفتوح التعددي الحزبي. لانفرض هذه الصيغة على أحد. ولكن نعتقد أننا إذا وضعنا في الإعتبار المرحلة التي توصلنا إليها في السودان من تأسيس نظام إسلامي وتأسيس مرجعية حاكمة، أن هذا النظام نظام فاعل جداً ويحقق لنا نظاماً سياسياً موضوعياً وفاعلاً ومؤثراً.

تعقيب “1”

السيد/ إسحق الفرحان

 بسم الله الرحمن الرحيم، الورقة الشفوية التي قدمها الأخ غازي صلاح الدين أثارت نقاطاً هامة. وهي ورقة ممتازة من حيث أنها مبنية على الخبرة وعلى الواقع وعلى التفاعل وكأنه يقرأ من كتاب. فلنفترض أنها مكتوبة ونسأل الله أن تصلنا قبل أن نغادر حتى ندرسها ونستفيد ونتعلم منها. وقد أشارت إلى قضايا كثيرة وهامة ومنها فشل تطبيق المناهج السياسية الغربية في السودان كما فشلت في معظم البلاد العربية. فالإنطلاق على الأقل وتأكيد الناحية السلبية هو في حد ذاته بداية للنهضة. فالوعي بأننا فشلنا لا يوضح أن الفشل في الآلية وإنما الفشل في جوهر تطبيق الأنظمة الغربية على السودان، وعلى البلاد العربية، هو ما تعاني منه البلاد العربية الآن من عدم التقدم السياسي، لأنها تحاول كما في التربية والإقتصاد وغير ذلك أن تطبق نظاماً نتج في بلاد مختلفة وواقع مختلف وفلسفات مختلفة في البلاد العربية والإسلامية على واقعها بصورة مضادة لعقيدتنا ولهويتنا ومن هنا جاء الفشل.

ثم حاول أن يبحث عن معايير سماها بتحليل النظام السياسي في أي بلد وركز على الآلية الموضوعية للإختيار وعلى مبدأ الحرية وعلى المساواة وعلى قابلية المحاسبة والتقويم. والحقيقة أنا ألمح أنه في عناصر هذا المعيار خلط بين المباديء والآليات. فحبذا عند كتابة الورقة أن يميز لنا الأخ غازي بين ما يعتبره مباديء وثوابت وبين ما يعتبره آليات للقياس كالموضوعية والتقويم، فالتقويم من باب الآليات.

ثم أورد في قابلية المحاسبة والتقويم كلمة (accountability)  والحقيقة هي: (الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) وخطب سيدنا أبوبكر وعمر رضي الله عنهما في الخلافة. (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم).

فالعهد والبيعة بين القائد والخليفة، والمسؤول والحكام وبين الشعب، هو تطبيق أمور الدين وهو المقصد الأساسي من الدولة الإسلامية. وكذلك كل مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تعتبر جماهيرية. (من رأى منكم منكر فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان). وأقترح أن يُبقى الأخ غازي لمؤسسة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مكاناً في هذا الباب، باب التقويم المستمر. وقد خطا السودان خطوات كبيرة في مجال إرتباط القيادة بالشعب.

ثم تطرق الأخ غازي إلى نقاط هامة عن أدواء وأمراض الأنظمة السياسية المختلفة، وكيف أننا مغرمون بكلمة الديمقراطية الغربية التي تقود إلى الأحزاب المتعددة، وكأن وجه الديمقراطية والمشاركة هو التعددية الحزبية، وأورد الكثير من النقاط حول هذا الموضوع.

وأعتقد أن النظرية السياسية الإسلامية في السودان التي جربت نظام المؤتمرات الشعبية. وأوضح لنا الأخ أن هذه (الآلية) تجنبت الأدواء الغربية وحافظت في الوقت نفسه على المباديء الإسلامية الأساسية من شورى وحرية ومرجعية وغير ذلك.

ولكن كما أشار فإنه يمكن بالتطبيق وبالتقويم المستمر، وبالدراسة العلمية المنهجية أن يطور هذا النظام بحيث يمكن أن يكون صورة من صور النظام السياسي الإسلامي.

وهنا أقول: ليس بالضرورة أن يكون أي نظام إسلامي في أي قطر مشابهاً للنظام السياسي الإسلامي في السودان، لأن ذلك يخضع للتطوير ويخضع للمتغيرات الأخرى. وهذا الذي كنت أود أن يشير إليه أخي غازي، بالإضافة إلى الثوابت التي تحتاج إلى تفصيل إلى المتغيرات بدلالة الزمان والمكان. فالنظرية السياسية كأي نظرية إجتماعية بعين الإعتبار معطيات الزمان المعين والعصر المعين واعتبارات المكان ومعطياته.

كذلك أشار إلى نقطة جوهرية وهي الصراع وكيف تجنب النموذج الإسلامي إمكانية الصراع عن طريق قوامة المجتمع على الدولة. ولكن في تقديري أيضاً ربما تحتاج هذه الآلية في الورقة المكتوبة إلى مزيد من البلورة لنرى كيف تكون قوامة المجتمع على الدولة من الناحية السياسية.

أرى  أن الورقة خلت من الإشارة إلى مساق آخر، مساق ثالث. ذكر مساق المؤتمرات الشعبية والمساق التشريعي وغير ذلك ولم يذكر النظام ـ إن لم تكن قد خانتني الذاكرة ـ العدلي أو القضائي، وهي السلطة التي تقضي بين الناس بالعدل، وما صلة هذا المساق مع المساق التنفيذي (السلطة التنفيذية) ومع المساق التشريعي، وكيف يكون إستقلال القضاء، وفي نفس الوقت كيف يعين القضاة ونضمن إشكالية التعيين (من أين) وكيف نضمن الإستقلالية والعدل بحيث يجلس الخليفة ويجلس الفرد المواطن أمام القضاء كما حدث في تاريخنا.

 في الختام لا أستطيع أن أعلق أكثر من هذا، ولكن أقول أن الفقه السياسي الإسلامي أو أن من محددات العمل السياسي الإسلامي أن العمل الإسلامي طيلة عقود كثيرة لم يتعرض كثيراً إلى الفقه السياسي الإسلامي كما تعرض إلى الفقه العبادي وفقه المعاملات وغير ذلك. ولذلك فالتحدي كبير أمام العلماء والمفكرين والسياسيين الإسلاميين للإجتهادات السياسية ضمن الثوابت الإسلامية، آخذين بعين الإعتبار المتغيرات من حيث الإطلاع على التجربة الإنسانية وفي نفس الوقت الإطلاع على آلية العصر، علوم العصر وتطويعها إن جاز التعبير ما نحن بصدده من صياغة نظرية سياسية إسلامية معاصرة.

لا أريد أن أتطرق أكثر ولكن أريد أن أقول بأنه من المباديء الإسلامية اقتصر على بضع مباديء، لكن أعتقد أن المباديء الإسلامية كثوابت للتحرك السياسي لابد من التوكيد على المزيد منها مثل مبدأ التوحيد ثم مبدأ الإستخلاف الذي ينعكس على تطبيق الشريعة، والله خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض. وهناك مبدأ التسخير والأعمار، وهنا ننفذ إلى وظيفة الدولة في هذا الموضوع. بل ربما تحتاج كل وظائف الدولة تحتاج أيضاً إلى أن يضيف إليها الأخ غازي. وعلى سبيل الإيجاز أقول: (إن من وظائف الدولة الإسلامية تطبيق شريعة الله على عباد الله وإقامة العدل بين الناس وصياغة الفرد والمجتمع وتربية الأمة الإسلامية تربية إيمانية، وهنا لاننكر أهمية التربية الإسلامية، وفي السودان تتم إعادة تربية الشعب وإعادة صياغة الشعب على مباديء الإسلام) والضمان الوحيد للإستقرار والإستمرار والتطوير والتناصح هو أن يكون الشعب مربىً تربية إيمانية. والدولة، من جملة مهامها أن تشرف على هذا الموضوع، بالإضافة إلى وظيفة نشر الدعوة في ربوع العالمين، إبتداء من المجتمع المحلي: {وأنذر عشيرتك الأقربين} إلى المجتمع العالمي: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. وأخيراً إقامة فريضة الجهاد في سبيل الله  دفاعاً عن الأمة وعقيدتها والعباد والبلاد والمستضعفين في الأرض في كل أرجاء الأرض. فحبذا لو أضاف أخي غازي بنداً  أو محوراً من محاور الورقة عن وظيفة الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى شكل الدولة وصورة الحكم فيها مثلما حاول أن يعطينا فكرة عن القيادة التنفيذية فيها والإنتخابات والمؤتمرات الشعبية والشورى وكيفية تحقيقها في هذا المجال وشكراً .

تعقيب “2”

السيد/ منير شفيق

 بسم الله الرحمن الرحيم. أشكر الأخ غازي على هذا العرض القيم والملاحظات الهامة والنقاط الأساسية في موضوع البحث. وأود أن أشير إلى بعض النقاط:

النقطة الأولى : أن علينا أن نلحظ أن من سمات المرحلة الجديدة بما يسمى  النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أن موجةً من الحملة التي يواجه بها الإسلام اليوم تأخذ شكل الدفاع عن الليبرالية الغربية والتعددية الديمقراطية الغربية. ويلحظ هنا أن كثيرين من الماركسيين الذين كانوا في يوم من الأيام من أشد الناقدين للديمقراطية الغربية والمدافعين عن الديمقراطية الموجهة أو الديمقراطية البروليتارية وغيرها، أصبحوا الآن بعد أن أفلست الديمقراطية البروليتارية وغيرها قد سلموا تسليماً  ذليلاً وبلا تحفظ بكل معطيات الديمقراطية الليبرالية.

وأصبح مفهوم الغرب عن الحرية الفردية هي ملجأهم الوحيد لمواجهة الأطروحات الإسلامية. لذلك أرى أن يؤخذ هذا الموضوع بجدية كاملة لأنه من أخطر ما يواجه المرحلة الجديدة، أي يواجه الإسلاميين في هذه المرحلة، وأن تعد له أجوبة دقيقة وصحيحة من أجل مصارعته، خصوصاً أن يعتقد أنه كسب معركته مع الإشتراكية والديكتاتورية السوفيتية، ومن ثم بإمكانه أن يكسب المعركة ضد الإسلام وتجربة الإسلام بنفس هذا السلاح.

ولذلك فإن نقد التجربة الديمقراطية الغربية سيكون في المرحلة الراهنة من أول المهام التي يجب أن نخوض فيها وألا ننبهر أو أن نستسلم أمام الحملات الإعلامية حول هذه القضية. بل يجب أن نذكر الذين يشهرون هذا السلاح أن كثيراً من النقد الذي وجهته الماركسية للديمقراطية الغربية (وبالأساس ماوجهه ماركس ولينين) كان يحمل قدراً من الصحة والصواب في نقدها وإظهار مثالبها وإظهار فسادها. وما حملته الديمقراطية من تنافس حصر بين الأقوياء والكبار، وما حملته من أشكال من الفساد وأشكال من تزوير إرادة الناس بأشكال كثيرة يجب أن يظل حاضراً في النقد بل أن يعمق أكثر فأكثر. والعملية التعددية في الغرب تحمل الكثير من السلبيات التي لا يستطيعون هم أنفسهم أن ينكروها أو أن يقولوا أنها ليست موجودة.

ولكن هذا النقد يجب ألا يقودنا نحن الإسلاميين كما حدث مع الإشتراكيين أو الشيوعيين إلى تبني نوع من الديمقراطية الموجهة التي تقود إلى الديكتاتورية والإستبداد ومصادرة الحريات الأساسية للإنسان. فنقد الديمقراطية في ذلك الوقت الذي قامت فيه الحركة اليسارية كان نقداً صحيحاً، ولكن النتائج بعد ذلك أن تصادر من حيث أتت كل مقومات تلك الديمقراطية واللجوء إلى الديمقراطية الموجهة أو الديكتاتورية كبديل أثبت إفلاسه وأنه ليس الجواب على ذلك النقد فعلاً. ومن هنا علينا أن نحذر من هذه السقطة وأن نقدم بديلنا الإسلامي الذي يتلاقى مع عدد من العناصر الأساسية في تلك الديمقراطية، لا يتلاقى لأننا أخذنا منهم وإنما هو أصل في الإسلام  ولكن علينا أن نعيد له الحياة والحيوية ونثبته فعلاً ليس كرد عليهم فقط ولكن لأنه أساس من أساسيات النظام الإسلامي. فإذا كانوا يتحدثون عن الحقوق الديمقراطية مثل حق النقد أو حق التقويم وحق التصحيح باعتباره حقاً، فانه في الإسلام ليس فقط حقاً للمسلم وإنما هو فرض وواجب عليه أن يمارسه. فليست المسألة فقط أن من حقي أن أنتقد وإنما من واجبي لأن النصيحة عندنا حق وواجب على المسلم.

النقطة الأخرى التي أريد أن أتطرق اليها هي التالية: إننا ونحن ندرس تجربة السودان فيما يتعلق بالديمقراطية وهي تجربة بلا شك واعدة  إن شاء الله  يجب أن ندرك أن الطريق السوداني للوصول إلى السلطة الإسلامية ليس بالضرورة أن يكون الطريق نفسه بالنسبة إلىكل البلدان الإسلامية، وأن الطريق السوداني في معالجة الديمقراطية وكيفية تطبيقها ليس بالضرورة أن يكون هو نفسه في كل البقاع الإسلامية. ولذلك أرى أن التجربة الحضارية الإسلامية سوف تشهد أيضاً تنوعاً وتعدداً في هذا المضمار. ويجب أن يبقى الباب مفتوحاً. ونحن نؤيد ونحاول أن نغني ونثري التجربة السودانية. وعلى سبيل المثال فقط وليس الحصر أن هناك بلداناً قد يقع فيها نوع من العقد الإجتماعي والإتفاق بين الإسلاميين وغير الإسلاميين في تنظيم اللعبة أو اللعبة الإنتخابية وتصبح لها أسس ويصبح المسلمون ملزمين بتطبيقها فيما بعد إلا إذا أخل بها الآخرون. وهنالك مدى واسع وأشكال عديدة يمكن أن يأخذها التطبيق الحي المعاصر للإسلام فيما يتعلق بهذه المجالات. ولذلك حين نناقش التجربة السودانية يجب ألا نعتبرها النموذج الوحيد الذي يمكن أن نعبر منه وإنما أمامنا تنوع شديد، فكل بلد له ظروفه وكل بلد له مقوماته وإمكاناته. ولكن المهم أن نحافظ على الجوهر والمباديء الأساسية ونحاول أن نجد لها الآليات والأشكال الأكثر مناسبة لتطبيق هذا الموضوع.

تعقيب “3”

السيد/ بشير نافع

 مرة أخرى أثني على حديث الأخ الكريم د. غازي وأريد فقط تعميق نقطتين أثيرتا في الموضوع:

المسألة الأولى: حول الصراع. الحقيقة أن جوهر الصراع موجود في جوهر النموذج الغربي الماركسي والليبرالي الرأسمالي على السواء. نلاحظ هذا في النظام الرأسمالي في مسألتين: هما عماد المجتمع الرأسمالي:

السياسة في تجليها كدولة والثروة والأنظمة الإقتصادية. لأن الدولة في المجتمع الغربي ليست دولة غير مهيمنة. الدولة في المجتمع الغربي دولة مهيمنة ولا تقل هيمنة عن الدولة في المجتمع الإشتراكي الرأسمالي. الدولة تفرض ضرائب تتراوح ما بين 25 ـ 40% وتعيد توزيع هذه الضرائب وفقاً لأهواء وآيديولوجيات وسياسات السلطة الحاكمة. الدولة تتحكم في برامج الأبحاث والتعليم. تتحكم في القوانين. تتحكم في التوزيع الجغرافي لمشاريع الإستثمار وبالتالي تتحكم في حجم العمالة. فالدولة الغربية في أوربا أو في أمريكا الشمالية لا تقل هيمنة ولا تقل استشراء عنها في النظام الإشتراكي الرأسمالي. ولكن أين الفرق بين الطرفين؟

الفرق هو أن استشراء الدولة وتغولها في مجتمع نموه رأسي وبالتالي انعكاس سمات سلامية ذلك على الصراع على هذه الدولة لأن المجتمع في حالة استقرار وفي حالة سلام. هذه الدولة السلام جاء فيها نتيجة لقيامها بعملية نهب متواصل يعادل انتاجها من حرب إلى حرب ومن وقت إلى آخر منذ نهايات القرن الثامن عشر وحتى الآن لم يسمح للنظام الماركسي الإشتراكي أن يشارك في النهب في العالم الحاضر. استمرار عملية النهب واستمرار عملية قوى طرفى الأطلسي في نهب العالم هو الذي يحافظ على السلام ويمنع الصراع داخل هذه الأنظمة. طبعا قلنا في حيثيات الصراع على الدولة داخل المجتمع كلما حدث استقرار في داخلها كلما ترغب القوى في داخل المجتمع السيطرة على هذه الدولة المتحكمة. وحتى نمنع هذا لابد أن يكون ـ كما ذكر الدكتور غازي نقل من سلطات الدولة إلى المجتمع أو باختصار شديد ولاية للمجتمع على الدولة. أنا هنا حقيقة أضيف نقطتين إلى مجموع المساقات الثلاث التي طرحها الدكتور غازي.

تجربة نظام المؤتمرات الشعبية قد يكون هو بالفعل النظام الملائم للمجتمع السوداني ولكن لن يكون ولاية للمجتمع على الدولة دون أن يستطيع المجتمع بشكل جماعي أن يعبر عن موقفه من سياسات هذه الدولة. وطبعا في الحس الإسلامي والمجتمع الإسلامي بشكل عام بين القوى الإسلامية موقف سلبي من الصحافة فالصحافة جاءتنا من الغرب. جاءتنا لتحمل أفكار الغرب وقيم الغرب ويكتب مقالاتها المتغربون..الخ نحن في ضميرنا ووعينا موقف سلبي. حتى الآن وحتى الصحفيون منا لا يستطيعون أن ينتجوا صحافة بنفس الجودة بالتقنية والتنوع الموجود في الغرب وهذا نتيجة وجود أحاسيس سلبية موجودة داخلنا ومتعمقة داخلنا منذ نهاية القرن الماضي من الصحافة. لكن رغم هذا لابد أن ترفع الدولة يدها عن الصحافة لأنها أصبحت هى الوسيلة الرئيسة الحبيسة في قدرة المجتمع الجمعية للتعبير عن موقفه من الدولة.

المسألة الأخرى والتي من الممكن أن تكون أهم من الصحافة هى المسجد. وبدون الدخول في تفاصيل هذا الأمر فالإسلام عادة ما يسمي المسجد الجامع. وهناك مساجد صغيرة لا تقام فيها الجمعة ولا تلتقي فيها كل المدينة. لكن هناك مسجد هو المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة وتقام فيه الإحتفالات الكبيرة ويقف الوالي والحاكم وتقام فيه المراسيم ويصبح هناك حوار بين الدولة والمجتمع في هذا المسجد. ربما من الممكن إعادة تجربة المسجد الجامع في عصرنا هذا.. أن تُحْضَرَ الدولة إلى المسجد حتى تقابل الناس وجهاً لوجه وحتى تتحقق ولاية المجتمع الجمعية على الدولة. شكرا.

تعقيب “4”

الشيخ/ محمد إسماعيل

بسم الله الرحمن الرحيم. إن ورقة الأستاذ غازي ورقة هامة للعمل الإسلامي أو المشروع الإسلامي في السودان، وفي العالم الإسلامي لأننا نؤمن بضرورة أخذ التجارب الإسلامية من المسلمين في العالم.

من هذا المنطلق أدعو السادة الأجلاء في مركز الدراسات الإستراتيجية إلى الإهتمام الأكبر بهذه الورقة بالذات وإعطاء فرصة أكبر لدراسة مواضيعها لأنني أتصور أنه من الضرورة لقاء مفكرين علماء من أجل دراسة نقاط هذا البحث بالذات وعدم المرور عليه بعفوية وهامشية. وممكن أن تشارك في هذا الموضوع الجامعات الإسلامية برعاية الجامعة الإسلامية في السودان والمعاهد الشرعية وعلماء الدين.

مثلاً في موضوع التعايش الإسلامي المسيحي مسألة هامة. نريد أن نعرف الأساليب الإسلامية للتعايش بين المسلمين والمسيحيين. وموضوع التعايش الإسلامي المسيحي موضوع هام، والعالم الإسلامي يعاني من هذه المسألة بشكل كبير في غالب المناطق الإسلامية، ففي لبنان نعاني من مسألة التعايش، فما هي الأساليب الإسلامية للتعايش ؟ وماذا نفعل بالآيات القرآنية الكريمة التي هى موجودة حول المراضاة بين المسلمين والنصارى؟ وهناك تاريخ تعامل إقتصادي لطيف من دولة إسلامية بالنسبة للنصارى. والكثيرون يشيرون إلى وجود النصارى في دولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكيف كان يعطي  الفقير المسيحي من بيت مال المسلمين، وعندما سئل عن ذلك قال: (استخدمتموه شاباً أفتتركوه كهلاً ؟) وهذا النظام الإقتصادي الإسلامي موجود بالنسبة للنصارى وغيرهم، لكن كيف يطبق طبقاً للفقه المعاصر؟ هذه المسألة في حاجة لدراسة علمية كبيرة.

ألفت النظر ثانياً مع احترامي لفكر الأخ غازي إلى التفاوت الموجود بين مسألة العدالة ومسألة المساواة. فنحن نعرف أن المساواة ليست دائماً عدالة، فقد تكون المساواة في بعض الأحيان خلاف العدالة.

فأرجو الإلتفات إلى هذه النقطة. ومثلاً إعطاء من يستحق الطعام الكثير قليلاً من الطعام ليس من العدالة. ونحن نجد أن الإسلام يلاحظ ويهتم بالعدالة وليس بالمساواة. والمساواة ليست عدالة دائماً. ففي مسألة تقسيم الإرث مثلاً {للذكر مثل حظ الأنثيين} فالرجل مفروض عليه أن يعطي المرأة الطعام والشراب والكسوة وما شابه ذلك فمن العدالة أن يعطي الإسلام للمرأة نصف ما يعطي للذكر. فهذا من العدالة، وليس من المساواة. والمرأة في مسألة الإرث في تقديري تأخذ أكثر من الرجل. والإسلام أعطى المرأة بحساب دقيق رياضي، وقد يبدو من ظاهر الأمر أن هذه ليست مساواة، فأرجو الدقة في الموضوع.

تعقيب “5”

السيد/ حافظ الشيخ الزاكي

بسم الله الرحمن الرحيم. لا شك أن عرض الأخ غازي لتجربة السودان في مجال النظام السياسي الغرض منها أولاً تقويم هذا النظام وأن يقدر الناس إلى أي مدى يمكن أن يعد هذا النظام نموذجاً لتطبيق إسلامي أو لمباديء إسلامية في المجال السياسي.

وإذا كان للمؤتمرات وظيفتان (في النظام المقترح) الأولى هي أن تناقش عدداً من الأمور التي تهم المجتمع بحسب مستوى المؤتمر، والثانية هي أن تنتخب قيادة للمجتمع أيضاً على مستويات متفاوتة فهذا الأمر يثير مشكلات بالنسبة للصيغة المطروحة. أول هذه المشكلات ضعف هذه المؤتمرات، فهذه المؤتمرات تجمع كل أهل الحي وهم يتفاوتون ويختلفون في المستويات، فكيف نطلب من مؤتمر كهذا أن ينتخب مجموعة بعضها ليدير شؤون الحي وبعضها لينتقل لمستوى أعلى فيدير شؤون المحافظة. وهناك مجموعة أخرى تخرج من ذات المجموعة لتدير شؤون الولاية، وهناك مجموعة أخرى لتشارك في مؤتمر قومي أو مجلس قومي ينظر في كل القضايا القومية. وهذا تكليف شاق لمؤتمر بهذا المستوى، يبدأ من الحي، لايكون في ذهن أصحابه أن عليهم أن يختاروا كل هؤلاء الناس بهذه المستويات. ألا يكون أفضل لو جعلنا الكليات الإنتخابية متعددة بحيث إذا إجتمع الناس في كلية يكونون مدركين أنهم ينتخبون من يدير شؤون الحي، وأن تكون هناك كلية أخرى قد تكون مواصفات المشاركين فيها أعلى لتنتخب من يديرون شؤون الولاية، وثالثة لتنتخب من يديرون شؤون الدولة. أليس هذا أفضل ؟

الأمر الثاني أن الأخ غازي ذكر أن تجربة السودان إستبعدت النظام الحزبي للمآخذ التي ذكرت بشأنه. لأنه اقترن في السودان مثلاً  وفي كثير من البلاد الإسلامية بالجهل والطائفية والعصبية القبلية والفساد. ألا يتصور حتى في هذا الإطار الجامع أن تتبلور مجموعات فكرية تكون أشبه بالمذاهب وتجمعها أسس فكرية موحدة في إطار إسلامي وتتعدد رؤاها في كيفية إدارة الدولة ونظام الحكم وتنتهي إلى أحزاب سياسية لأن اختلافها حول إدارة الحكم في إطار إسلامي. هل هذا الأمر وارد في التجربة السودانية ثم تنتفي في تلك الصيغة مع وعي المجتمع كل الصيغ القوالب التي ذكرناها في التجربة السابقة ؟ وهل يقبل الفكر الإسلامي مثل هذا التطور، أي وجود تجمعات فكرية (في إطار الإسلام) هي أشبه بالأحزاب السياسية ؟ ألا تشير تجربة المذاهب الإسلامية إلى إمكانية ذلك ؟ فالفقهاء في مذاهبهم المعروفه لم يختلفوا فقط في شؤون العبادات ولا في البيوع وإنما اختلفوا حتى في الأبواب المتعلقة بالحكم. فإذا أخذنا هذا الإختلاف ألا يبرر وجود إختلاف إسلامي في شأن الوصول إلى الحكم وإدارة الحكم والبرامج الأصلح للحكم حتى  في إطار إسلامي، بعبارة أخرى : هل تنفي التجربة السودانية مبدأ التعددية الحزبية في إطار الإسلام أم أنها مرحلة لا تتعارض مع إمكانية ذلك التصور ؟

تعقيب “6”

العميد ـ حسن حمدين سليمان

بسم الله الرحمن الرحيم. لقد جهزت عدداً من المدخلات لكن أغلبها قيل الآن. اضطلعت بمهمة تطبيق هذا النظام في هذه المرحلة، فمن الناحية النظرية توفرت لنا ظروف مناسبة جداً في السودان للدعوة لصيغة جامعة، لأن أهل السودان يحملون ذكريات أليمة جداً عن الممارسة الحزبية والعمل الحزبي. إذن كيف نستطيع أن نطور هذه التجربة لتأخذ مداها، وبعدها حتى يصل هذا التطور حديث مولانا حافظ الشيخ الزاكي.

فالشعب السوداني مازال يشعر بالقشعريرة عند ذكر التجربة الحزبية، المشكلة الرئيـسية التي تواجهنا الآن أن الســودان لم يخرج حتـى الآن مـن مرحلـة المسـائل الكلية، حرب الجنوب ـ التجربة الحزبية. ومازال هناك في السودان حديث عن الهوية والعروبة والإسلام والافريقية وحديث عن أشياء كلية كثيرة، وإذا سمحنا بالممارسات الحزبية فإن المسائل الكلية ستدخل الصراع الحزبي، وسوف تؤدي في نهاية المطاف إلى ما أدت اليه قبل قيام الثورة.

فالسودان في مرحلة يحتاج فيها إلى تثبيت الكليات. ونحن الآن طرحنا برنامجًا للسلام (وبرنامجاً للسودانيين بمن فيهم السودانيين خارج السودان) حتى نصل إلى صيغة إجماعية وثوابت معينة تمكن من ترسيخ هذه القناعات تماماً.  وبعد أن تخرج من مسالة الـ  Absolute Politics  أن نختلف في Politics of means  وهي الإختلافات في نظام الحكم والإقتصاد والإجتماع الخ.

ونحن في هذه المرحلة نرمي إلى الوصول إلى الـ Absolute  في السودان.

فالمسلمون لهم الحق في تحكيم قيمهم. والمجموعات غير المسلمة يمكنها تحكيم قيمها أيضاً، وإلى أن تراعى مسألة الإختلافات العرقية والأثنية والتعبير عن الثقافات المختلفة في صيغة جامعة لنا جميعاً. وبعد ذلك يمكن أن تنطلق التجربة في اتجاهات مختلفة. والسودان يحتاج في هذه المرحلة إلى هذا الإجماع. وهذا الإجماع ضروري جداً لأنه سيمكننا في نهاية المطاف من خلق الفعالية السياسية لتحريك المجتمع.

والحديث الذي قاله الأخ أمين يحتاج إلى قدر من الإجماع السياسي. ولم يتم حتى الآن بناء المؤسسات الحديثة في السودان، فالمؤسسات في المجتمع في السودان هشة جداً. والمجتمع السوداني مبني على المؤسسات القبلية ومازلنا نحتاج إلى المؤسسات الحديثة التي تستطيع أن تنهض بواجبات الدولة. والشريحة النقابية في السودان ضيقة جداً إذ يبلغ عدد العاملين في الدولة 500 ألف عامل فقط. وأنا أعتقد أننا ـ وإلى أن نصل إلى درجة الإجماع  هناك قضية أساسية نسعى في النظام الحالي إلى إيجاد صيغة لتداول السلطة. والنظام السياسي (في مؤتمراته هذه) أوجد وسيلة لتداول السلطة لكي تكون محور الصراع نفسه، إلى أن يذوب أثر الدولة وهيمنتها على حركة المجتمع إن شاء الله.

تعقيب “7”

السيد/ عبد الله زكريا

الشكر للأخ غازي في ما عرضه من مباديء لتجربة إسلامية جديدة في السودان، وما عرضه من هيكل سياسي ندعي أنه لا يتعارض مع بناء مجتمع إسلامي في السودان. كما قال أخوة آخرون، إننا لاندعي أننا النظام الإسلامي الوحيد، فلكل قطر إسلامي أوضاع وتاريخ وتجارب. لكن أريد أن أعقب على نقطة واحدة في إطار التأصيل لفكر سياسي جديد. ونحن في السودان نحاول هذا التأصيل بمنتهى الشجاعة ولدينا إحساس بأن نقوم بعمل فريد وجديد في التاريخ الإسلامي كله. فالعرب عندما خرجوا من المدينة فشلوا في أن يأخذوا نموذج المجتمع الإسلامي خارج المدينة. وللأسف فإن تاريخنا السياسي الإسلامي تاريخ كريه ومليء بالجرائم ومليء بالتشوهات التي لحقت بالإسلام، وهذا هو السبب في عدم وجود فكر سياسي إسلامي. النقطة التي أود أن أساهم بها في كلام الأخ د. غازي أنه لابد أن نفهم، ونأمل من الدكتور غازي أن يتعمق في هذه الفكرة في الحقيقة لا تلاقي إطلاقاً في المنظور العلماني للدولة وللأمة والمنظور الإسلامي.

الفكر العلماني، إرادة الدولة وإرادة الأمة مخلوق خرافي يعبد بذاته. عندما يتكلم الإنسان عن إرادة الأمة وعن إرادة الدولة يتكلم عن أشياء غير موجودة، كائن خرافي يعبد بذاته، ومصلحة الدولة ومصلحة الأمة يمكن أن تدمر شعوباً بأكملها أو تستعمرها أو تسرقها وهذه إرادة كائن خرافي ويُعبد في حد ذاته. كيف تتكون الحكومة ؟ أشخاص يعيّنوا أو ينتخبوا ويكونوا برلماناً مثل البرلمان الإنجليزي وقالوا أن البرلمان الإنجليزي يمكن أن يفعل أي شيء، يتخذ أي قرار، إلاّ أن يحول الرجل إلى إمرأة أو إمرأة إلى رجل. إذن البرلمان الإنجليزي إله له كل سلطات الله سبحانه وتعالى في الأرض هذا هو جوهر الفكر العلماني.

الفكر الإسلامي يقوم على الإنسان الذي كرمه الله، الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه الإنسان المستخلف علي الأرض. إذن كما قال الدكتور غازي فكرة الإسلام فكرة مجتمع. الدولة وسيلة لكن لا يمكن أن تكون فوق المجتمع يجب أن تكون تحت المجتمع. ما هو النظام السياسي الذي يجعل الدولة تحت المجتمع وخادمة للمجتمع وليست أداة قهر وإذلال وليست أداة تكييف أمزجة الناس وتربية الناس أناشد الأخ الدكتور غازي أن يؤصل لنا هذا الفرق الأساسي، إذا عرفنا في الأساس أنه لا تلاقي مطلقاً بين نظرة الإسلام للمجتمع وللدولة وبين نظرة الفكر الغربي العلماني القائم على العقد الإجتماعية هذه نظرة وثنية مائة بالمائة تجعل الناس يعبدون مخلوقاً خرافياً  إسمه إرادة الأمة أو الدولة. والنظرة الثانية هي النظرة التي تركز أساساً علي الفرد والمجتمع والذي يتكون من مجموعة أفراد. الأوعية السياسية يجب أن تكون أوعية مغايرة لنظام يدعي أنه يمكن للقيم الإسلامية ونظام علماني وثني يعبد شيئاً إسمه الدولة أو شيئاً إسمه إرادة الأمة.

تعقيب “8”

السيد/ د. الطيب زين العابدين

بسم الله الرحمن الرحيم. أرجو ألا تغلوا في نقد النموذج الغربي من الناحية النظرية وهذا ليس بالأمر الصعب، ولكن أن تقارن بالواقع المعاش الآن خاصة ونحن نتحدث عن حقوق الإنسان. ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن النموذج الغربي بكل ما فيه من نقائص ذكرت هو حتى الآن من أنجح النماذج السياسية في رعاية حقوق الإنسان، لو قورن بالنظام الإشتراكي ولو قورن بأنظمة العالم الثالث، ولو قورن بأنظمة العالم الإسلامي نفسه. ولذلك هذه دعوة لإستكناه عناصر القوة في النموذج الغربي لأن هذه الحضارة الغربية، ما سارت دون أسباب موضوعية ومكَنت هذه الحضارة من السيطرة. آخذ نقطة واحدة فقط وأعلق عليها في الناحية السياسية وهي نقطة المحاسبية كيف تحاسب الدولة إذا عدت على حقوق الناس ؟ النظام الغربي أوجد مؤسسات لهذا. أوجد نظام الأحزاب، أوجد المجالس التشريعية المنتخبة، أوجد الصحافة الحرة، أوجد القضاء المستقل، وأوجد نظام الحكومة والمعارضة. كل هذه المؤسسات كان لها دور في حماية الفرد أمام الدولة، ولو قارنا الدولة اليوم، بالدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عهد الخلافة الراشدة نجد أن سلطات الدولة تضاعفت كثيراً جداً وطغت على حياة الناس بصورة قاهرة، ويحتاج الناس أن يجدوا مؤسسات يتكأ عليها في مجابهة هذه الدولة. أريد أن ألفت في هذا النظام إلى ما هي المؤسسات ؟ لا ينبغي أن نعتمد على الحرية الفردية ولا حتى على نظام الإنتخابات الذي لا يخلق مؤسسات تقف أمام الدولة، يمكن أن تكون هناك تعديات كثيرة مثل التي ذكرها الأستاذ صلاح أحمد ابراهيم على حقوق الإنسان دون أن يجد هذا الإنسان مؤسسة يجابه بها الدولة. فنقطة المحاسبية هذه ليست مجرد كلام أو تعبير عن وجهة نظر لابد أن يعبر عنها في شكل مؤسسات، هذه المؤسسات يستطيع أن يلجأ اليها الإنسان ضد دولة إذا تعدت إليه. تاريخ المسلمين يشهد ببعض هذه المؤسسات. مثلاً ديوان المظالم كان واحداً من التطورات التي جاءت متأخرة ويشتكي فيه حتى الوزراء ودائماً يترأسه شخص ذو مكانة عالية في الدولة وأحياناً الخليفة نفسه، فنحن نحتاج مثل هذه الإجتهادات ولا أقول فقط أن النظام السوداني ليس نظاماً إسلامياً وحيداً. الحقيقة ليس هناك نظام سياسي إسلامي وحيد أصلاً. هذا مجال تتعدد فيه الإجتهادات إذا ما حوفظ على المبادىء الأساسية.

تعقيب “9”

السيد/ ابراهيم أحمد ابراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم. في الحقيقة موضوع الندوة وما أثارته الورقة موضوع هام جداً بالنسبة لنا في السودان أو في المنطقة كلها ونحن نحاول بناء نظام أو نهضة حضارية شاملة بكافة محاورها. والمحور المطروح، المحور السياسي أحد هذه المحاور الهامة ولابد أن نناقش بعض القضايا بشيء من الجدية.

ويبدو لي أن الورقة وما أثارته من شيء فعلاً جميل ومثير للنقاش وفيها بعض الأشياء التي تستدعي مداخلات. وما قاله المعقب الرئيسي عن الخلط بين المباديء والآليات أيضاً يظهر في مسالة الخلط بين الوظائف والسمات. وفي الحقيقة الوظائف الأساسية التي يجب أن يقوم بها النظام السياسي هو تحقيق الإجماع، أما السمات التي ذكرت سواء وجود الآلية الموضوعية أو مسائل الحرية أو المساواة هذه هي السمات التي تجعل من هذا النظام فاعلاً وقادراً، هذا يجعلني أدخل في مسائل مهمة وسريعة لابد أن نتحدث بشكل أساسي ما هي وظائف الدولة ؟ وقبل أن نتحدث عن الدولة الغربية أو الدولة الماركسية ووظائفها هناك أشياء مشتركة في أي دولة سواء كانت إسلامية أو غربية، أو ماركسية، إذا كان دور الدولة إقامة العدل بين الناس وإصدار عدد من التشريعات وتنفيذها وتحقيق هذه الرقابة النوعية لتحقيق التوازن في هذا المجتمع وبين فئاته المختلفة يصبح أن الدولة لها عدد من الأدوار لا بد أن تقوم بها، هذه الوظائف تستدعي الكثير إذا وضعناها في منظورنا. إننا نريد تحقيق التوازن وفي الحقيقة الصراع موجود في أي دولة، هناك انقسام إذا أخذنا المسائل الحديثة، إنقسام المجتمع لعمال وأصحاب عمل هذا الإنقسام إنقسام حديث، هناك مصالح متضاربة رضينا أم أبينا. هناك نزاع حول كيف تكون فاتورة الأجور وكيف تكون هوامش الأرباح ؟ هذا الشيء تنظمه الدولة بتدخلها بعدد من القوانين لتقلل من هذا النزاع. لنقلل أن يكون نزاعاً عدائياً ونحله بآليات لفض المنازعات ودياً إذا استطعنا أن نقلل من هذا النزاع حتى لا يكون نزاعاً على الأمر كله يصبح هذا المطلوب منا، أما إذا بدأنا نتحدث بأشياء مهمة فإن الصراع والنزاع موجود ما دامت الحياة موجودة.

تعقيب “10”

السيد/ أحمد عبد الرحمن محمد

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أعتقد أنه لابد لي أن أشكر السيد الدكتور غازي بهذا الجهد المقدر. وكنت أود كما قال غيري أن يكون مكتوباً. لأن من أضعف الإسهامات الآن لهذا النظام أن في المجال السياسي لم يبلغ بما هو قادم عليه، وقد تم جهد كبير كما ذكر ولكنه غير معروف وغير مكتوب.

وأسمي هذا التوجه في السودان أننا نسير نحو الدولة الإسلامية نرفع الراية، لم تكتمل الدولة بعد، وأمامنا تحديات كبيرة. وليتنا كنا في أي بلد عربي فيه تجانس أكثر لأن إخواننا من البلاد العربية، يأتون ويتحدثون كثيراً، كأنما نحن وصلنا إلى الميس: (كلمة سودانية تعني دائرة الأمان يجري السباق نحوها في أحد الألعاب الشعبية التي يلعبها الصبية في السودان) وأمامنا كثير من التحديات داخلياً وخارجياً.

ثانياً: الفقه الإسلامي لم يسعفنا بعد في هذا المجال كما قيل مجال النظام السياسي أو الدولة. نحن نحتاج إلى السودان الظاهرة والسمة في العمل الحركي الإسلامي هنا. فأخواننا في مثل هذا المؤتمر وخاصة الذين جاءوا من الخارج لهم وقت وإسهاماتهم ستكون جميلة جداً، لأن ما كتب عن الدولة قدر يسير جداً ومبعثر لأننا نحتاج لإعمال فكر واجتهاد، خاصةً في مجال قضيتين وسأتحدث عنهما:

الشورى، جوهر الشورى من ديمقراطية ومساواة ومشاركة، وأضم صوتي للدكتور، وأعتقد أن ممارسات الغرب أقرب إلى الإسلام في رأيي مما هو موجود. ولن أحكم بتجربة بعث السودان لأنها لم تتم بعد ولم تتجسد بعد. نحن الآن لم نبدأ من جديد. نحن ننطلق من مفاهيم في مجتمعنا يغلب عليها في مجال الدولة والنظام السياسي والآن موجود ومنتشر بيننا وهي مفاهيم غريبة والتي تتمثل في حيادة الخدمة المدنية ودور النقابة، ودور الصحافة المطلقة. وأضرب مثلاً بالتجربة الأمريكية والتي بعد حرب التحرير رفضوا الأحزاب وتركوا الباب مفتوحاً حيث انبثقت مؤسسات كثيرة جداً وانتهوا إلى أحزاب، وقد حاولوا تكوين حزب ثالث لكنه لم ينجح. انتهوا إلى تكوين أحزاب مهمتها محدودة جداً تنتهي بتشكيل الحكومة وتؤمن إستمراريتها وتنتهي المشاركة الحقيقية في السلطة وفقاً لأصحاب المصالح.

نحن نحتاج لعمل فكري مما هو موجود من مرتكزات ومؤشرات في تراثنا لكي تقيم فيها ما يناسب منطقة من المناطق في مرحلة من المراحل. والذي أود أن أقوله أن الدولة حيّزها ضعيف جداً خاصة في مجال القطاع العام، والدولة الحديثة التي نحن ننطلق فيها حيزها كبير.

إلى أي حد نجحنا في أن نعطي الحرية ؟ لأنني لا أعتقد أن المؤسسات قد تنجح إذا لم تمنح الحرية للناس. وإلى أي قدر من الحرية ؟ لابد من الإستفادة من تجاربنا، وتجاربنا نحن في السودان بعد حكم عبود (6 سنين) ظهرت الأحزاب مرة أخرى لماذا ؟ لأن هناك استبداداً وفساداً. وأعتقد أن هذه النقطة مهمة للمهتمين بالنظام السياسي في السودان أنه ينبغي أن نضيف الفرص إلى الذين يستطيعون أن يعرفوا من أين تؤكل الكتف. وهذا لن يتحقق ما لم تكن هناك حرية الصحافة. كما ينبغي أن نصل لقضية إلى حد كيف نمارس هذا القدر من الحفاظ على الدولة. النظام القضائي، نحن في تاريخنا الإسلامي لدينا قضاء المظالم تختلف عن القضاء العام، إذن ينبغي عمل فكر في كيف نهتم بإنشاء مؤسسات تضمن لنا هذا العمل.

هناك نقطة أساسية وهي فصل السلطات. وفي هذه النقطة المجال يطول ولايتسع ولكن أعتقد أن هناك قضية ينبغي أن نجد لها حيثيات. إلى  أي حد في الإسلام يكون فصل السلطات؟ وأعتقد أن هذه قضية ينبغي أن نحاول أن نؤسسها.

تعليق على ماسبق

د. غازي صلاح الدين

شكراً جزيلاً، وأشكر الأخوة فقد أثيرت نقاط شيقة جداً ومهمة، وكنت أود لو أنني كنت أمتلك الإجابة عليها ولكن نحن الآن في مرحلة مخاض بمعنى أننا نفتش ونبحث ونحاول بلورة أجوبة على هذه الأسئلة.

وقد أعجبني جداً أنني وجدت اتفاقاً في فكرة أساسية طرقتها وهي مسالة قوامة المجتمع وكان لابد من طرح هذه المسألة كمبدأ نتفق عليه، ولكن كيف نهيء آليات لقوامة المجتمع هذه مسألة قابلة للتداول وأعتقد أن مسألة القضاء وطبعاً لم أذكر استقلال القضاء والقضاء كمساق كما نبه بعض الإخوة لأن هذا تحصيل حاصل.

مسألة إستقلال القضاء مسألة مفروغ منها والحقيقة أقول للبعض الذين يفتتنون بالغرب أن فكرة إستقلال القضاء هي مبدأ إسلامي لأن الخليفة كان يعين القاضي ولكنه لم يكن يتدخل في أحكامه وهذا هو استقلال القضاء، وهو المعمول به الآن في السودان. وظل معمولاً به وهو الآن يؤكد ذلك. يمكن أن تعين الدولة قاضياً أو رئيس القضاء، لكنها لاتتدخل في ضميره ولا في أحكامه، فهذه فكرة الإستقلال. آلية أخرى هي فكرة الصحافة وأعتقد أن ما طرحه الأخ بشير نافع مفيد جداً، كيف يمكن أن نوفق بين عمل الصحافة كواحد من آليات رقابة المجتمع على الدولة وآليات التقويم وبين الصحافة أيضاً التي شهدناها في العهد الماضي ونشهدها الآن في بعض الدول العربية. الصحافة المرتبطة بالقرار الأجنبي، المرتبطة بالتمويل الأجنبي الخادمة لمصلحة طبقة معينة داخل مجتمع، الخادمة لأفكار فئة محدودة داخل المجتمع مهما اكتست من أثواب زاهية ومهما ادعت من حيدة ومن استقلالية. ونحن الآن نشاهد الصحافة العربية ويمكن أن نحكم كيف يمكن أن نصوغ نظاماً جديداً لصحافة، يكون حقيقةً وحراً وبمعزل من سلطات الدولة، ومعبراً حقيقياً عن توجهات الدولة. أعتقد لو أننا استطعنا حل هذه الإشكالية وهي واحدة من القضايا التي نتداول فيها الآن في السودان هل نُملّك الصحافة للأفراد لأن الصيغة الصحفية وأقولها بكل شجاعة وكان بيننا الأخ موسى يعقوب وهو رئيس تحرير إحدى الصحف حتى الآن ليست مشجعة ليس في السودان صحافة، ولا تمارس الوظيفة التي يجب أن تمارسها، ولذلك النقاش الدائر بيننا ودائر وفق معطيات إسلامية كيف يمكن أن نصوغ صحافة بالمواصفات التي ذكرتها ؟

هناك رأي الآن أن تكون الصحافة مُمْتَلَكَةً للمؤتمرات بدلاً من تكون ممتلكة للأفراد وبالتالي يكون المؤتمر الذي وضعته وأرجو أن يكون كذلك معبراً عن إرادة المجتمع هو المالك لهذه الصحافة، هو الممول والموجه لها، وأن تصبح الصحافة أبواقاً بحقيقة للمؤتمرات وبالتالي تكون واحدة من آليات التقويم التي ذكرت. وقد أعجبني أن هناك اتفاقاً في أن ما بالغ الأخ عبد الله زكريا في وصفه بالمخلوق الخرافي وهو يمثل نقطة المفارقة بين الديمقراطية الليبرالية وبين الحرية المتاحة في النظام الإسلامي ولكنها مقيدة بمرجعية نهائية. وأقول أيضاً للمفتنونين بالغرب أن قد أجازت المحكمة العليا في أمريكا قبل أيام مبدأ أن تتدخل أمريكا في بلدٍ آخر لاختطاف شخص لمحاكمته في أمريكا. ولا يمكن أن نصف هذا النظام أنه نظام عادل.

والحقيقة نحن لا نرى من عيوب الديمقراطيات الليبراليات إلا حيل الجليد. وما ثبت مؤخراً من الفيديو الذي عرض عن ضرب الرجل الزنجي في لوس أنجلوس هذا كما قيل ووصفه أحد الزنوج وكنت في أمريكا حينها قال فعلاً هذا رأس الجبل. وهذا الفيلم صوره بمحض الصدفة أحد الهواة، ولكنه كما قال هذه المعاملة معاملة شائعة جداً في أمريكا، لكل المعتقلين من الزنوج بالذات، وهذه مسألة خافية، وهناك تآمر من الصحافة، وتآمر من المؤسسات التي يفترض فيها أن تراقب الدولة لأنها مرتهنة بقرار فئات إجتماعية متميزة داخل ذلك النظام الليبرالي الذي لا يمتلك أي مرجعية نهائية نحن الذين ذهبنا إلى الغرب، ذهبنا كأناس محترمين دكاترة وأساتذة وتعاملنا مع طبقة محددة من الغرب. والذين ذهبوا إلى الغرب عمال وكادحين وفقراء واجهوا صوراً أخرى، لذلك أحذر جداً من أن نفتن بهذا النموذج.

على كل حال أعتقد أننا اتفقنا على مباديء وأساسيات ولم نتوصل إلى تفصيلات في هذه المسائل، ولكن هذه القضايا فعلاً جديرة بالنظر وجديرة بالمتابعة وجديرة بأن نبلور حولها الأفكار.

هناك سؤال ورد من الأخ حافظ الشيخ وأعتقد أنه سؤال مهم جداً. هو ذكر ما حكم المجموعات الفكرية ؟ ما حكم التنوع المذهبي ؟ وما يمكن أن يؤدي إليه مستقبلاً ؟

في الحقيقة حاولت أن أبين نظرية أسميتها التنوع الطبيعي، النموذج في جملته ما زال ساذجاً وفطيراً. يجب أن نعترف بذلك، لأنه في طور أحكام وتجويد وتلمس لمفرداته، ولكن إذا سلمنا أن هناك تنوعاً طبيعياً في المجتمع وسمحنا لهذا التنوع الطبيعي بالتعبير عن نفسه فيمكن ما دام هذا التنوع تنوعاً طبيعياً أن نسمح له بأقصى مدة من التعبير ما دام في إطار المصلحة العامة. ووضعت القبلية وقلت أن القبلية لها آلية عمل. صحيح أن لها اشتطاطاً ولكنها أيضاً لها مميزات، لأن القبلية واحدة من أسباب التماسك في المجتمع القبلي المحدود، ولكنها عندما تصبح عصبية تصبح نشاطاً مدمراً . العصبية الفئوية يمكن أن تصبح نشاطاً مدمراً  رغم أنها مشروعة جداً لأن أهل الفئات يجتمعون مع بعضهم ويدافعون عن مصالحهم إذن التعبير عن التنوع الطبيعي والمذهبية واردة في الإسلام. لا يمكن أن نمنع تطور مذاهب فكرية أو تنوع أفكار أو إجتماع الناس حول تلك الأفكار وفي ظل النظام الراهن هناك مداخل للمجموعات الفكرية، وللمذاهب ولأصحاب المهن والنقابات وما إلى ذلك إلى النظام السياسي. أما أن تتطور في المستقبل إلى أحزاب فأنا أشك في أنها ستكون بمنأى عن أدواء الأحزاب، ولكن أن تصبح فعلاً ذات إسهام وعطاء في داخل النظام السياسي وأن تصبح قوية ومعترف بها فهذا شيء طبيعي ومسموح به. وأشكركم جزيلاً وسأستفيد من ملاحظاتكم في بناء ورقة أخرى إن شاء الله.مع وكان لابد من طرح هذه المسألة كمبدأ نتفق عليه، ولكن كيف نهيء آليات لقوامة المجتمع هذه مسألة قابلة للتداول.

التعليقات

أضف تعليقك