الفصل الأول

رؤية جامعة لمشروع النهضة الحضارية الشاملة

الاستاذ/ أمين حسن عمر

 بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، لعله أريد لي دورٌ صعبٌ في مبتدأ هذه الندوة، أن أتخذ إلى أوراقها مدخلاً يسيراً في هذه المقالة التي تعتبر مدخلاً للحوار، وتعتبر طرحاً عاماً للقضية. وأقول: (مقالة) احترازاً حتى لا يُظَنُّ أنها بحثٌ أكاديمي علمي كتب على الطريقة المثلى، وإنما هو استعراض أفكار إستدعاءً للنقاش، واستدعاءً للحوار الذي قدمنا جميعاً إلى معتركه، أو إلى ساحته في هذه القاعة.

تبدأ المقالة بتوطئةٍ تتحدث عن أن مشروع النهضة الحضارية الشاملة مشروع يحرك الشجون، ذلك أن الذي يتحدث عن النهضة لا بد له أن يكون واعياً بحال الكبوة التي يعيشها، حتى يفكر في النهوض، لكن استشعار حالة الكبوة نفسها هي حالة من حالات الوعي بالذات، ومن حالات الصحوة. وأحسب أن هذه المرحلة هي المرحلة السابقة لكل تفكير وتخطيط نحو نهضة حضارية شاملة. وعندما نتحدث نحن عن النهضة الحضارية الشاملة، لا نتحدث مثلما تتحدث بعض أمم العالم الثالث عن محاولة اللحاق بركب الحضارة، ومحاولة العثور على مقعد شاغر بين الأمم المتحضرة، وإنما نتحدث عن مشروع انبعاث حضاري لحضارة كانت هي أم الحضارات المعاصرة. لا نطرح مشروعنا باعتباره مشروع لحاق بركب الحضارات وإنما باعتباره تقديماً لبديلٍ حضاري ولقيادةٍ حضارية للعالم. ذلك أن الحضارة الراهنة قد أعلنت إفلاسها الروحي والمعنوي والأخلاقي، ولن تستمر هذه الحضارة لمدىً بعيدٍ مادياً إذا ظلت مفتقرة لمعاني الأخلاق والقيم والإعتبارات الروحية الأخرى.

أشرت في مقدمة هذه الورقة أن هذا المشروع هو مشروع تجديد وليس مشروع تحديث، ولا أريد أن أتوسع في ذلك. أريد أن أوضح الفرق بين كلمة (حداثة) وكلمة (تجديد)، على الأقل في المصطلح الإسلامي الذي نعرفه. فالحداثة عندنا في اللغة العربية القديمة: (أن تحُدِثَ شَيْئَاً أي أن تأتيَ بشىءٍ ليسَ لَهُ أَصْلٌ)، والمشروع السائد بالفعل هو مشروع حداثة، لأنه كان مشروع قطيعة مع التاريخ العربي الإسلامي، وقطيعة مع الفكر والمنهجية العربية الإسلامية. ولذلك فالمشروع المطروح الآن مشروع تجديد. ومشروع التجديد ليس استمراراً  لمشروع الحداثة، بل انقلابٌ على ذلك المشروع، لأنه مشروع إعادة وصل المشروع الحضاري بالمرجعية العربية الإسلامية، ووصله بالوطن العربي. وكل هذه الصفات لم تكن صفاتاً يمكن أن تطلق بشىءٍ من الدقة على ماكان سائداً في المرحلة السابقة التي أعلنت إفلاسها، بعد أن اتضح للجميع أن مشروع التحديث قد فشل على كل الأصعدة. وعلى افتراض أنه يمكن أن ينجح، لقد اتضح للجميع أيضاً أن هامش النجاح المتاح لهذا المشروع هو هامش محدود، فالأمة العربية غير مسموح لها بتجاوز هامش محدد ثقافياً، وغير مسموح لها بتجاوز حدٍ معينٍ إقتصادياً أوسياسياً. وهذا أصبح أمراً واضحاً، فمشروع التبعية أعلن إفلاسه الذاتي. ولذلك لا بد من مشروعٍ أكثرَ أصالةً، ومشروع تجديد. ويأتي السؤال المنطقي لماذا توقفت هذه الحضارة ؟ فالحضارة لا تتوقف إلا لعللٍ ذاتيةٍ تؤدي إلى حالة الركود والجمود الحضاري.

وفي الصفحة التالية حاولت أن أجرى مقارنةً بين التاريخ الأوربي والتاريخ العربي الإسلامي، فقلت إن التاريخ الأوربي ارتبط بفلسفات قديمة يونانية، ورومانية وأرسطو وسقراط، فلسفات وعلوم وفنون كانت متقدمة. لكن عندما ارتبطت أوربا بالمسيحية الكاثوليكية المتزمتة دخلت نفق القرون الوسطى، فكأن ارتباط أوربا بالدين قادها إلى الإنحطاط. والمقابلة في الجانب الآخر أن الجزيرة العربية كانت أرض بداوةٍ ليس فيها علومٌ تذكر، ولا فنونٌ تذكر، وليس فيها حضارةٌ قائمةٌ تذكر، على الأقل في تلك السنوات. فجاء الإسلام وكان سبباً لنهضة هذه الأمة، وكان الإسلام مشروع تقدمٍ وحضارةٍ لأمة العرب. ولذلك فالإتصال بالدين في أوربا قاد إلى الإنحطاط والإنسلاخ عنه في مرحلة متقدمة، عندما جاءت العلمانية، فكان سبباً في إعادة طلاقة التفكير وطلاقة الإبداع والتحرر، بينما العكس صحيح في العالم العربي الإسلامي، لأن الإرتباط بالدين قاد إلى النهضة، والإبتعاد عن الدين والدخول في حقبة من الإستبداد السياسي بعيداً عن قيم الدين وقفل أبواب الإجتهاد والتفكير الحر أيضاً قاد إلى حالة الكبوة الحضارية، ثم قاد إلى حالة التخلف وبالتالي وبالضرورة إلى حالة التبعية.

وجاءت أجيال في هذه المنطقة فنظرت إلى أوربا فوجدت أن أوربا بغير دينٍ متقدمة، وقرأت التاريخ الأوربي فاكتشفت أن السبب في انطلاق أوربا نحو التقدم كان طلاقها من الدين فقررت أن تطلق الدين، وظنت أن ذلك السبيل هو السبيل الأوفق للتقدم والتحضر. لكن اكتشفت بعد هذه العصور الطويلة (أكثر من قرن) أن الطلاق عن الدين لا يأتي بتقدم ولا بتحضر، بل قاد إلى عزله نفسية للصفوة المثقفة، وقاد إلى انغلاق وجمود أكثر للجماهير وعاد بجفوةٍ مفتعلة، إلى مجتمع صفوة ليست له علاقة نفسية ولا وجدانية حميمة مع الجماهير، ومجتمع جماهيري ليست له علاقة تواصل ولا علاقة ثقة مع القيادة.

هذه بعض مظاهر الأزمة، فإذا انفصلت الصفوة القائدة عن الجماهير لا يمكن أن تفكر في حال جيش ليس له قيادة. هذه البعثرة الحضارية التي حدثت في العالم الإسلامي سببها هو انحياز قيادة (الجيش الإسلامي) إلى معسكر العدو. الآن لا بد من عودةٍ إلى شاطيء الجماهير، وهذه العودة تقتضي عودة أصيلة إلى بيئة الجماهير أو وجدان الجماهير، إلى المرجعية الدينية التي حكمت وبررت سلوك الشعب في تلك المنطقة. صحيح أن تدين الجماهير تدين تقليدي وسكوني، لكن كان المنهج الأوفق أن تكون هناك حركة تجديد لهذه المرجعية الدينية، تجديد للأفكار الفقهية، وتجديد للمعاني العامة وبهذا تتقدم الشعوب.

قلت في صفحة أخرى أن مشروع التجديد الإسلامي ليس له طريق غير طريق الثورة والتجديد. ثم تحدثت عن الثورة وقلت أن الثورة على صعيدين، واستشهدت بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، {رَجَعْنا مِنَ الجهادِ الأصْغَرِ إلىَ الجهادِ الأكبرِ}.

داعبني بعض الإخوة وقال لي: (قد يقول لك بعض السلفيين أن هذا الحديث ليس له أصل)، قلت له: أن الحديث أثبته ابن تيمية، وهو شيخ يعتد برأيه. والجهاد الأصغر مجاهدة النفس والجهاد الأكبر هو مجاهدة الآخرين. والجهاد الأكبر تجديد الذات العربية المسلمة وذلك بمواجهة عناصر الجهل والخرافة والإنحطاط والظلم ولن يتم ذلك إلا بتجديد الوجدان ولا يمكن أن تحدث حركة تجديد عقلي قبل أن تحدث حركة تجديد وجداني. وحقيقة حتى  الدافعية نحو التعلم والتثقف تقود إليها بواعث وجدانية كان في معظم العصور في تاريخ العالم.

العامل الديني هو العامل الأساسي في كل نهضة، فنية أو علمية أو عسكرية. نحن نريد أن نعود إلى الدين لنحرك به بواعث النهضة والإبداع والإجتهاد والفكر الجديد والحركية عند الجماهير. ولن يكون ذلك إلا باستخدام هذه الإستمالات الدينية التي تجد تجاوباً  واسعاً عند الجماهير. ولذلك تحدثت عن تجديد الوجدان وإيحاء الإيمان، فهي ثورة على مستوى الفرد والجماهير، ووسائلها هي العودة إلى الينابيع الصافية في القرآن لتجلية القلوب وتنقيتها، ولها بُعدٌ أخلاقي وبعد عقلاني.

البعد العقلاني يرتبط بالتعلم المتواصل، والتثقف المستمر، ومواجهة الوعي الزائف، والتحلي بالروح النقدية. وأحياناً كثيرة بعض الجماعات الإسلامية تظن أنها يجب ألا تواجه عناصر الضعف والجمود والأخطاء والخطايا في معسكر الأمة، لأن ذلك يضعف هذا المعسكر في إزاء المعسكر الخارجي، وهذا وهمٌ كبير. والإسلام يعلمنا أن المعركة الكبرى للإنسان هي معركته مع نفسه، وأن أكبر أعداء الإنسان هو نفسه، ولا يمكن أن تستقيم النفس وتقوى  وتكون نفساً قويةً عزيزةً تحتمل تبعات الإعتماد على الذات وتستحق أن يعتد بها إلا إذا انتصرت في المعركة الأولى، معركة الجهاد مع النفس.

ثم يأتي الجهاد الأصغر وهو مواجهة الآخر المسيطر، في داخل وخارج المجتمع. ولعل أقوى  السيطرة هي الحضارة الغربية التي تمثلت في نظم ودول تريد أن تتقوى على كرامتنا الإنسانية ومواردنا وطاقاتنا. ولا أريد أن أستفيض في مسألة الآخر المسيطر، لكن لا بد أن نفهم أن هذه المعركة ليست معركة سهلة، لأن سيطرة الآخر ليست سيطرة مادية. كما يريد بعض الناس أن يصورها، هي سيطرة شاملة، مواجهة شاملة على كافة الأصعدة لأن الآخر تسلل إلى أفكارنا، إلى عقولنا إلى نفسياتنا. تسلل إلى مؤسساتنا الإقتصادية والإجتماعية ولذلك لا بد من عملية فرزٍ وفحصٍ متأنيةٍ وعميقة، ويجب ألا يقود هذا الفحص الشامل إلى روحٍ نكوصيةٍ سلبيةٍ، بمعنى أن أرفض كل ماعند الآخر وأعتزله تماماً،  لأن هذه الروح النكوصية ليست من الإسلام في شىء، وليست من الحكمة في شىء. فيجب أن آخذ كل ماعند الآخر من فعالية ومن أفكار وأخلاق وقيم فعاله وأجدد بها ماعندي كعامل إضافة وتجديد وتقوية. وكذلك لا بد ألا تتحول المواجهة مع الآخر إلى انعزال وانغلاق.

تحدثت عن ملامح مشروع النهضة الشاملة: قلت أن أي مشروع للنهضة لابد أن يكون مشروعاً لتجديد الذات وتنميتها والإرتقاء بفاعليتها وقدراتها. وهو في ذات الوقت مشروع تحريري للدفاع عن الذات في مواجهة سيطرة الآخر الذي يعتدي على كرامتنا الإنسانية، وهويتنا الثقافية، وحقوقنا المادية. مثل هذا المشروع يمكن أن يكون في أي مكان، لكن نحن معنيون بالمنطقة العربية الإسلامية، فما هي ملامح هذا المشروع في المنطقة العربية الإسلامية ؟

أول ملامح هذا المشروع في المنطقة العربية الإسلامية هي إسلاميته. لا نقول هذا اعتسافاً ولا نقوله بغير دليل ولا برهان، وإنما نقول ذلك لأن الفكرة الإسلامية هي أقوى فكرة وأعظم فكرة نبتت في هذه المنطقة، ولا جدال في ذلك قط وحتى المؤرخين الغربيين لم يشهدوا بفكرة عظيمة وفعالة كما شهدوا للإسلام، بل أن بعضهم (مثل الذي وضع الرسول صلى الله عليه وسلم على قمة المجددين في العالم، ومثل جوته الألماني وعدد من فلاسفة الغرب)، قرر أن الفكرة الإسلامية أكثر فكرة فعاله شهدها العالم على الإطلاق. وإذا بحثنا عن فكرة أخرى محورية أساسية تمثل رسالة للأمة التي تعيش في هذه المنطقة العربية الإسلامية لا نجد فكرة أخرى غير الإسلام. ولذلك فإسلامية هذا المشروع مقررة تاريخياً وعقائدياً، لأنها انتماء أصيل لما يعتقده الناس في هذه المنطقة. وأي فكرة أخرى ستكون افتعالاً وآيديولوجية مصطنعة تشرب تشريباً للناس، ولا أريد أن أستطرد أكثر من ذلك في الحديث عن إسلامية المشروع.

تحدثت أيضاً عن عروبة هذا المشروع، وأن هذا المشروع لابد أن يكون مشروعاً عربياً إسلامياً، لأن مادة الإسلام هي أرض عربية ولسان عربي، مادة الإسلام هي الثقافة العربية. بعض الناس يريد أن يهمش انتساب الإسلام للعروبة ويقول إن العروبة هي لغة القرآن، وهذا ليس صحيحاً، وأنا رجعت لكل إشارة للعرب في القرآن ولعروبة القرآن، فأحياناً ترد أنه لسان عربي، وأحياناً ترد حكماً عربياً، وأحياناً ترد قرآناً عربيا وهكذا. ولا أريد أن أقول بقول المتأخرين ورجعت لقول المتقدمين، الإمام الشافعي كتب مقدمة طويلة جداً عن صلة العرب بالرسالة الإسلامية، وأن الله سبحانة وتعالى اصطفى محمداً بين العرب، واصطفى العرب بين الأمم لحمـل هــذه الرســـالة. والعـرب أمـة مكـلفـة برســالة، واسـتشـهد لذلـك بالآية {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف، 44) ومحاولة الحديث عن أنها مجرد لغة هو دليل على عدم وضوح معنى اللغة في ذهننا، لأن اللغة لاتكون بغير ثقافة، فلذلك فإن الثقافة العربية مادياً ومعنوياً ارتبطت بالإسلام ارتباط الصبغة بالمادة، ولايمكن أن يفصل الإسلام عن قيم هذه الثقافة. صحيح أن الإسلام ألغى كثيراً من السلبيات و أعلن هذا الإلغاء. فما اعتمده القرآن من هذه الثقافة هو جزء أصيل من الرسالة الإسلامية، ولا أريد أن أستطرد، ولكن يمكن للإنسان أن يتحدث طويلاً عن الإستصحاب، وماهو مبدأ الإستصحاب في الفقه ومبدأ العرف. كل هذه أشياء يمكن للإنسان أن يتوقف عندها ليفصل الصلة بين ثقافة ولغة ما، ودينٍ ما. ولا أريد أن استطرد أكثر من ذلك، لكن بعض الناس يمكن أن يحاجج ويقول: (لماذا الثقافة العربية، لماذا لاتكون فارسية مثلاً ؟  ـ ولهم إسهام ضخم في الحضارة العربية ـ لماذا لاتكون ثقافة الهند ؟)، هذه حجة لا يسندها دليل لأن الفرس الذين ساهموا في الحضارة العربية مساهمات ضخمة، قد تكون أكثر من مساهمات العرب هم فرس مستعمرون، ساهموا في الثقافة وعبر الثقافة العربية. ونحن لا نتحدث عن عرف إنما نتحدث عن ثقافة. ولذلك حتى الفرس هم فرس مستعمرون. والنوبة أمثالنا نوبة مستعمرون وكذلك الأندلس وكلهم يمثلون ثقافة عربية. وحتى من ناحية عملية إذا تحدثنا عن ثقافة فما هي اللغة أو الثقافة الآسيوية التي يمكن أن تسع رسالة الإسلام وتكون قابلة للنمو والتوسع؟ كل هذا يظل مجرد احتمالات نظرية لايسندها واقع.

ثم إن هذا المشروع لن يكون مشروعاً سودانياً، أو مصرياً، أو جزائرياً بحالٍ من الأحوال، لأن القطرية لن تسع هذا المشروع، وإن محاولة تأطيره في القطرية تعسف، ولأن القطرية نفسها ليست أمراً طارئاً في تاريخ العالم العربي الإسلامي فقط، بل هي أمر طاريء في تاريخ العالم نفسه. ولا أريد أن أستطرد في ذلك، فأنتم تعلمون متى نشأت الدولة القطرية ومتى بدأت في الإختفاء. فالدولة القطرية بدأت تنسحب من العالم، فأروبا الآن تتوحد، وكل الدول تتجه نحو وحدة تختفي فيها الفوارق الإقتصادية والسياسية، ويتداخل فيها السكان. ولذلك فأية محاولة للدفاع عن القطرية هي محاولة زائفة. لكن الحديث عن تجاوز القطرية أحياناً يخيف الكثير من الناس لأنه يرتبط بمعنى دولة تتجاوز القطرية أي تفتح الأقطار الأخرى فتضمها إلى هذا المشروع.

وأنا عن هذا قلت أن نظرية الفتح ليست نظرية قابلة للتطبيق علمياً، وليست صحيحة ومبررة أخلاقياً في كل ظرف.

والنظرية الثانية التي تخيف الناس هي نظرية الثورة، وأيضاً هي فكرة ساذجة فالثورة لاتصدر. الثورة كيان عضوي، إجتماعي نفسي ينشأ بشروطة الإجتماعية والنفسية في مكان ما ولا يمكن أن تصدر، إلا إذا تخيلنا أننا يمكن أن نصدر العواطف والمشاعر والإنفعالات، والثورة غير قابلة للتصدير. صحيح أن بعض الدول تخاف من الأنموذج الإسلامي، ومن نجاح الأنموذج الإسلامي، لأنه سيحرك دواعي الثورة في بلاده، لأن الأحوال متتشابهة، والعواطف متشابهة، والعقيدة متشابهة، لأنهم يعلمون أن بذرة الإسلام تشققت تحت غلاف التربة الهشة. ولذلك يخافون من نجاح المشروع الإسلامي.وهم يعلمون علم اليقين أنه ليس هنالك قط تصدير للثورة، وليس هنالك أي نية في تصدير الثورة، لكن يخافون من تلك النجمة الساطعة التي تسطع في  السماء فيراها الجميع، يخافون من الأنموذج والمثال الناجح، ولذلك نحن ضد عملية تصدير الثورة، لأنها ليست عملية، لكننا نتحدث ـ مثلما تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم ـ بخطاب يتجاوز القطرية ـ حتى ولو كان محاصراً في بيت الأرقم ـ  خطاب له أفق عالمي، لأنه يتجاوز القطر بالتحولات الإجتماعية و السياسية التي تناضل من أجلها، لكن في النهاية لن يكون خطاباً قطرياً بحال من الأحوال.

أيضاً هذا المشروع لابد أن يكون مشروعاً للجماهير، ويمكن أن يكون مشروعاً للصفوة، فالصفوة التي مكثت معنا قرناً من الزمان لم تأت إلا بالمصائب، (وأنا لا أتحدث عن الصفوة الإقتصادية والصفوة السياسية والفكرية) ولابد من تدمير هذه الصفوات ونحن نريد أن ندمر الجسور والحواجز التي تمنعها من الإلتحام بالجماهير. هذه الصفوة لابد أن تذوب في الجماهير، ولابد أن تتواضع لتعرف أن حكمة الجماهير أحسن حكمة من الصفوة، وأن فن الجماهير أحسن من فن الصفوة، وأن شعر الجماهير أحسن من شعر الصفوة، أي كل شئ الآن عند الجماهير هو أفضل مما عند الصفوة، لأنه عفوي، لأنه يعبر عن تجربة شعورية وجودية حقيقية، ليس بها افتعال أو محاباة أو تصنع، وللأسف الصفوة أصبحت نموذجاً للتقليد و المحاباة أكثر من الجماهير، والمفترض أن تكون الجماهير أكثر تقليدية. لكن الصفوة أدعى إلى النموذج التقليدي المتحجر المحافظ على قيم ثقافة أخرى أكثر من الجماهير. (النخبة والصفوة هي التي اصطفت نفسها ولم يصطفها أحد) وفي الحقيقة ليس المقصود هو هجاء الصفوة، بل المقصود أن المشروع لايمكن أن يكون إلا مشروعاً جماعياً. لأن الإستهداف استهداف وجود، وفقه الإسلام يعلمنا أن العدو عندما يدخل المدينة يكون القتال واجباً على الجميع، النساء والأطفال ..إلخ لابد أن يستنفر الجميع. فالخطر الآن ـ بشهادة المثقفين عظيم جداً ـ فكيف يمكن أن تقابله بفرقة، لابد أن تستنفر الجميع. إن مشروع حماية وجود الأمة ومقدراتها، يستدعي أن يتحول كل مشروع في المنطقة إلى مشروع جماهيري. هذه هي الضمانة الوحيدة لوجود المشروع نفسه ـ دعك عن الحديث عن نجاحه وتطوره ـ وعندما نتحدث عن جماهيرية المشروع نتحدث عن ديمقراطيه، والديمقراطية كلمة فيها أقول الكثير و البعض يفضل كلمة (الشورى) وأنا لايهمني المصطلح إذا عَرَّفْنا المصطلح تعريفاً دقيقاً لايهم أن نستخدمه. وهذا هو منهج القرآن، إستخدام كلمات أعجمية كثيرة بعد أن وضع لها التعريف الدقيق الذي يجعل المعنى المطلوب يتداعى إلى الذهن.

والديمقراطية المقصودة ليست هي ديمقراطية أحزاب رائدة، أو غير رائدة ولا ديمقراطية لبيت عشائر، ولا ديمقراطية مجموعات ثورية، ولجان ثورية، ولكن ديمقراطية الهدف منها هو التوسع في إعطاء الجماهير الحق في التعبير. والأشكال ليست مهمة كثيراً. والأشكال نفسها يجب ألا تحضر. لابد أن تنبثق الأشكال أيضاً من مستوى المرحلة التي تعيش فيها الجماهير. وهذا حديث طويل، وللأسف حتى الآن لم تنشأ ديمقراطية أصيلة هدفت إلى مشاركة فعالة من قبل الجماهير في إدارة الشأن العام وفي الرقابة على الشأن العام.

في الجزء الأخير من الورقة هناك حديث عن مقاصد المشروع الإسلامي.  مقاصد المشروع تتوجه أساساً نحو الإنسان، وتهدف إلى تحرير الإنسان من الأهواء، ومن الحاجة، ومن الجهل، و التخلف. وغاية المشروع هو تحديد للحرية بمعناها الديني، بمعنى أن يتحرر الإنسان من كل ضغط ومن كل هوى، ولا يكون له علاقة خضوع إلا لله سبحانه وتعالى. فالنشاط الإقتصادي يهدف إلى التدخل في المسألة الإقتصادية، و إلى تحرر الإنسان من العبودية، ومن الحاجة التي تدفعه إلى العبودية للغير. ولذلك فإن مرامي التخطيط الإقتصادي هي تحقيق الكفاية عبر العمل والتكافل الإجتماعي، فالعمل واجب على كل فرد، وواجب  المجتمع أن يوفر العمل للقادرين عليه عبر الإنفاق. وكلمة الإنفاق تحمل فلسفة إقتصادية كاملة فالإقتصاد الإسلامي يبنى على النفقه لا على الصدقة. وليس لأحد أن يكنز المال فيمنعه من التدفق كما تتدفق الأنهار التي تحمل حركة الحياة. فالإنفاق الكامل هو الضمانة المثلى لتوفير العمل لكل القادرين. وأما العاجزون فتتكفل بهم الزكاة.

النشاط الإجتماعي يهدف إلى تحرير الإنسان من الوهم والجهل وسوء الخلق. ويهدف إلى جعل الإنسان قيماً على إفشاء العلم وتأمين الصحة وتوفير الكفاية وصيانة الأخلاق والحفاظ على الحق العام والبيئة الطيبة المزدانة.

النشاط السياسي يهدف إلى تحرير الإنسان من عدوان الإنسان، والدفاع عن الحقوق الطبيعية في الحركة، والتعبير، والكرامة الإنسانية، وضمانة ذلك هو المشاركة الفاعلة من كل فرد في الشأن العام، وهذه هي سمة النشاط السياسي الأولى. ولا تعني السياسة المشاركة في المسؤولية، مسؤولية الدفاع المباشر عن الوطن وعن حقوق المواطن وعن مشاريع تنمية الوطن ونهضته. وهذا يعني أن يدافع كل قادر عن مشروع تجييش الشعب وأن يعمل كل  قادر على العمل، وأن يستشعر كل مواطن المسؤولية كاملة. هذه هي المقاصد في كل المجالات.

وفي النهاية هناك محاولة استعراض لنسبة مشروع الإنقاذ في السودان لهذا المشروع وهذه الأفكار العامة. وقلنا أن المشروع في السودان قد أعلن إسلاميته، ولذلك أكد المرجعية الإسلامية لكل برامجه يوم جاءت الثورة، وأكدها عبر مؤتمرات الحوار التي شارك فيها العشرات من الألوف من أهل السودان في كافة مناحي الحياة.

في الجانب العربي أكد السودان هويته العربية والتزامه بالمواقف العربية ـ وهذا لاجدل حوله ـ فالسودان فتح أبوابه لكل العرب، وأعلن مشروعات تكامل، بل كان جاداً فيها كل الجدية. وهذا لايتناقض أبداً مع تحسين علاقات السودان بالدول الأفريقية، لأننا نعلم أننا عندما نتفاعل عربياً لايتناقض هذا التفاعل مع التفاعل الأفريقي كما يريد لنا الغرب أن نفعل.

إن العروبة الآن هي عروبة أفريقية. غالب أهل العالم العربي يسكنون أفريقيا وغالب الأرض العربية في القارة الأفريقية. فغالب العروبة الآن أرضاً وسكاناً أفريقية. ونحن نتفاعل عرباً وأفارقة ولا نشعر بأي إشكالية في أن نتكامل عربياً وأفريقياً، لكننا نفهم مضمون ومحتوى الرسالة التي ننهض بها.

أشير في الختام إلى أن بعض الناس ـ خاصة الزوار ـ عندما يزورون السودان ويسمعوا أن الحكم حكم عسكري لايمكن أن يصدقوا أن هذا النظام العسكري نظام جماهيري أو أنه يدعو إلى الجماهيرية. فالعسكرية تتعارض ـ طبعاً على الوجه الظاهر ـ مع الجماهيرية. لكن سوف تشهدون بأعينكم مظاهر للسند الجماهيري الواسع الذي تحظى به هذه الثورة، وليس هذا هو الشاهد الوحيد على جماهيرية النظام. وإنما الشاهد هو سعيه الحثيث الجاد في تحويل السلطة فعلياً عبر مراحل واقعية وعملية للجماهير، في برنامج محدد ينفذ بانتظام وبكل الخطة التي اجتمع إليها آلاف البشر، وخرجوا بصيغة حددت أطر المشاركة والتطوير. وهذه الصيغة نفسها مطروحة للتطوير والنقاش عبر نظام المؤتمرات. وضربت مثلاً بجماهيرية النظام باتجاهه لتجييش الشعب، فليس هناك نظام عسكري مغلق، نظام ديكتاتورية يسعى لتجييش الشعب. وتجييش الشعب يعني تمليك القوة التي تميزك عن الآخر. فهذه السياسات نفسها توضح هذا الإتجاه.

الفكرة الرئيسية لسلوك ثورة السودان هي فكرة مركزية في الثقافة السودانية وهي فكرة (النفير). وهذه الفكرة استخدمت في استنفار الناس لحوار مجتمع على الحوار والمشورات والمؤتمرات، ثم تحولت فكرة النفير نفسها إلى نظام سياسي، واستنفر الناس إلى الزراعة والفلاحة والحرب والدفاع وبناء الطرق القومية. وتحولت فكرة النفير التي هي فكرة اجتماعية من صميم فلسفة الشعب السوداني إلى فلسفة شاملة، وأصبح الإستنفار هو آلية النظام لتحديد كماليته.

تعقيب “1”

عادل حسين

(حزب العمل المصري)

 في الحقيقة أتفق مع الأخ مهدي في أن هذه الورقة تعتبر مدخلاً هاماً في أعمال هذه الندوة، ولذا فإنني أستاذنه أن يسمح النظام العام لهذه الندوة بإعطاء هذه الورقة بالذات قدراً أكبر من وقت النقاش، حتى تؤصل بعض الأمور التي تحكم الحوار في جلستنا التالية بإذن الله. وبالنسبة لي كمعقب على هذه الورقة بالتحديد فإنني أسجل في البداية إعجابي وتقديري بالجهد الذي بذله صاحبها في إعدادها. و لاشك أنني أتفق مع الإتجاه العام، وإن كانت لي بعض الإضافات أو الملاحظات فهي في إطار هذا الإتفاق العام. أبدأ ملاحظاتي حول ما جاء في الصفحة الأولى للتعريف بين الحداثة والتجديد، وكنت أفضل ألا تستند التفرقة بين المصطلحين على مجرد كفاءة كل منهما عن التعبير عن مقصدها، فالحقيقة أن تعبير الحداثة الذي ينبغي أن نرفضه جميعاً مع الأخ الأستاذ أمين، نحن لا نرفضه باعتبار أنه لا يعبر عند أصحابه عن مقصده، فالحقيقة أنه يعبر وما يقصدون، والمصطلح الذي اختاروه ليعبروا به عن مقصدهم، كل هذا نرفضه، فالمفهوم المقصود من تعبير الحداثة هو أن نكون الغرب السائد الآن، في كل أدبيات الغربية، والتي يتداولها مثقفونا التابعون للغرب، في كل هذه الأدبيات الحديثة التقدم، والعقلانية،…الخ كل هذه المصطلحات معروفة بالتميز تماماً محملة بكل مفاهيم الفكر العلماني أو الدنيوي، وبالتالي فهي تعني مفاهيم محددة غير مقبولة منا إسلامياً، وبالتالي ينبغي أن نصك نحن مصطلحات جديدة لتعبر عن المضمون المخالف الذي تقصده. إنني أتفق تماماً مع كاتب الورقة لأن التجديد هو الأصح في التعبير عن مقصدنا، لأنه يمثل عملية إنبعاثية من داخلنا نحن، وليس عملية محاكاة للحديث الذي زعموا أنه لا يكون إلا وفق النموذج الغربي، والتقدم الذي زعموا أنه لا يكون إلا وفق المعايير العلمانية التي حددوها هم.

خذوا مثلا في قضية التقدم الذي اختزلوا مفهومه من الجانب الإقتصادي. اعتبروا أن التقدم الإقتصادي هو المعيار الأول لقياس درجة التقدم لأمة معينة، واعتبروا أن كل أمر آخر غير الإقتصادي يعتبر مسألة هامشية بالنسبة للتقدم الإقتصادي. حين يقال أن هذا البلد متقدم يقصد به قسراً أنه متقدم من الناحية الإقتصادية، حتى إن كان ذلك إنحطاطاً من الناحية الإجتماعية.

خذوا مثلا الولايات المتحدة، هي بالفعل صاحبة أكثر الإقتصادات تقدماً، ولكنها مجتمع بالغ الإنحطاط من الناحية الإجتماعية، درجة التحلل والتفكك والمظالم والمفاتن والتفرقات .. الخ التي نعرفها هي مظاهر انحطاط اجتماعي. كيف لا يقاس هذا في المفهوم الكلي للتقدم، وتظل كل هذه الجوانب الحضارية والإجتماعية مهدرة لحساب عامل واحد وهو التقدم الإقتصادي، هذا مفهوم لاشك أنه مشوه، ولاشك أنه لايبين حقيقة الفروق والتباينات بين المجتمعات المختلفة، ولا يقيس درجة التقدم التي أحرزها هذا المجتمع أو ذاك، بل لقد اختزلوا التقدم الإقتصادي أيضاً بمؤشر واحد هو متوسط الدخل القومي. نحن بطبيعة الحال لاننكر أهمية متوسط الدخل، ونحن بالتأكيد نسعى لتحقيق تنمية إقتصادية تؤدي إلى تحقيق متوسط الدخل وبالتالي إلى رفع المستوى المعيشي بشكل عام. ولكن ما نعارضه هو أن يكون هذا الجانب وحده هو معيار التقدم والتخلف، وهو الذي يحدد أي الدول متقدمة وأي الدول متخلفة.

هناك دول متقدمة جدًا إجتماعياً وإن كانت متخلفة من حيث إمكاناتها الإقتصادية، وإذا كانت قوية في جانب وضعيفة في جانب فهذا يؤثر على المجموع الكلي، ولكنه بالقطع ينبغي أن يكون موضوعاً في الحساب.

ونأخذ هنا مثلا في بلد كالسودان إذا قيس الأمر بمتوسط الدخل فقط فحسب جداول الأمم المتحدة يكون السودان في آخر القائمة، ولكن من يعيش في هذا البلد العظيم ويرى هذه الأصالة الحضارية في السلوك، هذا المستوى من التكافل الذي يعيشه أفراد هذا الشعب، لا يمكن أن يغفل هذا عند حساباته. وإذا وضع في الحساب لا يمكن أن يكون السودان أبداً في قاعدة الأمم بمعيار التقدم والتخلف، ولكنه بالتأكيد يأخذ موقعاً بالغ التقدم إذا أضيف البعد الإجتماعي إلى جانب البعد الإقتصادي.

هذا المفهوم على سبيل المثال يختلف عن المفهوم الغربي الذي يعلي جداً القيم المادية، ويعلي جداً بالتالي من قيمة مؤشر متوسط الدخل، ويعلي جداً بالتالي من قيمة معدل النمو السنوي أياً كان محتواه، حيث نحن ننظر للأمور من ناحية إسلامية نظرة متكاملة شمولية مركبة، تضع الإقتصاد موضع الإهتمام، ولكن في حجمه الصحيح، في إطار الصورة الكلية للمجتمع، وفي إطار الفهم الكلي للمجتمع. وعلى هذا فنحن حينما نتكلم عن التقدم نحن نقصد مفهوماً للتقدم بمعنى كلٍ مركب يختلف عن المفهوم المادي الوحيد. الجانب الذي يدعو إليه الغربيون يقاس بمركب شامل كما قلت وبمعيار مركب.

على هذا نحن نريد أن نتقدم، نريد تقدم مجتمعاتنا، وأن تندفع بحيوية لتحقيق أهدافها، ولكن الحداثة الغربية والتي تقوم على أساسها مفاهيم التقدم الغربي…

نظراً لضيق الوقت سأمر على بعض رؤوس المواضيع، لمجرد الإشارة إليها، وأرجو أن تتاح فرصة لقاء مع الأخ الأستاذ أمين لنتناول في أمر هام لماذا الإنحطاط، الأمر الذي نتناوله في الصفحة (2) ملاحظتي هنا هي أن المنهج الذي استخدم فيه تفسير لماذا تأخرنا ولماذا لم نتقدم .. الخ.. أريد أن أقول بسرعة هنا أنني أخالف محاولة فهم هذه الظواهر بأسباب مادية واحدة. هناك أسباب كما في كل ظاهرة سواء في مجتمعات، أو في مشروع صناعي، أو في مدرسة ..الخ لابد أن نتزود بالأسباب، ولابد أن ندرس القضية، ولكن هناك بعض التوكل، هناك باستمرار إرادة الله، وفي تطبيق هذا المبدأ على حياة المجتمعات البشرية هذا المبدأ أيضاً قائم في تفسير الظواهر المختلفة. إذا استبعدنا هذا المتغير كما يفعل الغربيون لن نفهم المجتمع البشري بصورته الحقيقية. ولعل الأخ مهدي أشار إلى قضية الشيوعية، بكافة المقاييس من كان قادراً على التنبؤ بانهيار هذه الكتلة ؟

أقول دائماً أنني أزعم أنني قرأت أغلب الأدبيات التي تحدثت عن المستقبليات في السبعينات والثمانينات، وأتحدى من يجد من هذه الدراسات دراسة واحدة توقعت أنه في عام 2000 سنجد العالم بدون شيوعية.

إذن هناك من التدابير ما لا نستطيع أن تصل إليها عقولنا، ومهما حاولنا أن نمسك بالأسباب سنجد أن هناك مئات الأسباب تخرج عن إرادتنا وعن تصرفنا، وبالتالي كيف تتفاعل هذه الأسباب ؟ الله أعلم بذلك. ويأتي هذا على سبيل المثال في بلدكم هذا في السودان، من كان يتصور منذ عشر سنوات أن يكون السودان بالذات هو قاعدة الإنطلاق الأول  للنهضة الإسلامية المعاصرة في هذه المنطقة ؟ ومن كان يتصور بالحسابات المجردة أنه حتى لو قامت مثل هذه الثورة فان إمكانية النجاح قائمة؟ ومن كان يتصور خريطة الأحداث وخريطة الواقع منذ أربع سنوات أظن أنه من يتصور هذه الخريطة يجد أنه كان صعباً جداً توقع أن تستمر ثورة الإنقاذ وأن تحقق ما حققت. هناك بالتأكيد تدبير، وبفضل الله وفق الإخوة بالتمسك بالأسباب. ولكن هناك مسائل أخرى مدد إلهي لم يكن في الحسبان.

إذن هناك باستمرار متغيرات هامة ينبغي، وهذا معنى أن المؤمن عليه أن يفعل ثم يتوكل. عليه أن يعمل بكل جهده في الإقتصاد ثم ينتظر، بالإضافة إلى الثمرة المادية ينتظر البركة. هناك باستمرار هذا المفهوم الذي ينبغي أن يكون في المسلم.

النقطة الثانية الخاصة بموضوع، سأمر عليها سريعاً وأود أن نركز على قضية إستقلال الإرادة كشرط أول وضروري لتحقيق النهضة، ويأتي قبل الوحدة، وأظن أن هذا ما يمثله بالفعل ما يجري الآن في السودان، فلولا هذه القدرة على تحقيق استقلال الإرادة ولولا هذه الصلابة في أعمال الإرادة المستقلة لما تمكنا من السير في الطريق الذي سرنا فيه. وعليه فالإستقلال مسألة مهمة، وينبغي أن نركز عليه بالنسبة للوحدة، فإن من أسبابها ومقتضياتها العددية أنه استقلال لأي قطر بدون الوحدة، لأن حجم الأعداء الذين يواجهوننا يتطلب توسيع القاعدة التي نرتكز إليها في مواجهة هؤلاء الأعداء. فضلاً عن الأهمية الإقتصادية والسياسية والإسلامية، هناك أيضاً احتياج أمني، وبالتالي التركيز على  المعنى هام جداً جداً ولكن أود أن نضيف أمرين، بالنسبة لكم، في مصر، أو في بلاد أخرى أصبحت قضية الوحدة شعاراً نظرياً وأملاً نسعى إليه، أما بالنسبة لكم فهي نقطة موجودة في جدول الأعمال. وبما أننا كذلك فأصبح من واجبكم أن تدرسوا التجارب السابقة لكي تستخلصوا منها العبر وتتبينوا لماذا فشلت ؟ نحن لا نبدأ محاولات الوحدة من فراغ، وإنما سبقت ذلك في العهود السابقة محاولات متعددة لم يكتب لأي منها أن تنجح وتستقر لماذا ؟ ينبغي أن يكون هذا من همومكم، وأن تدرسوها دراسةً جيدةً حتى يكون التوفيق معكم بإذن الله، حيث تقدموا على خطوات عملية في هذا الإتجاه بالنسبة لقضية الديمقراطية أو الشورى في الحقيقة هنا قد أختلف مع أخي صاحب الورقة.

أنا بطبيعة الحال مع مبدأ توسيع المشاركة إلى أوسع حد وقدر ممكن، ولكنني أظن أن التعبير عن ذلك بإلغاء دور الصفوة لا أظن أنه تعبير موفق. أظن أنه من سنة الله في الإجتماع البشري أنه لا بد أن تكون هناك قيادة، ولا يوجد جيش بدون قيادة، ولا مجتمع بدون قيادة. القضية هي هل هذه القيادة أو هذه الصفوة تعبر تعبيراً صحيحاً عن تطلعات أمتها أم لا ؟ هل هي مخلصة لهذه الأهداف أم لا؟ هل تملك صلابة القيادة في مواجهة الأعداء أم لا ؟ هل هي متواضعة ؟ هل هي مرتبطة بجماهيرها أم لا ؟ كل هذه القضايا مهمة وكلها ضرورية جداً، ولكن الإعتراف بهذه لا يعني إنكار دورها، أو أن المجتمع يمكن أن يسير بدون قيادة. وأظن أن التجربة السودانية في هذا الإتجاه، فكل الذي تحقق تحقق بفضل قيادة تعرف طريقها، ولكنها تتميز عن القيادات السابقة في أنها مؤمنة وشجاعة، تعرف كيف تخطط، وكيف تقرر، ترتبط بجماهيرها بكافة أشكال الإرتباط، وتسعى دوماً لزيادة الروابط، إذن هذا هو النمط الصحيح.

ولعل اللبس يأتي من خشيتنا الشديدة من النظام الحزبي التقليدي الذي لا ينفع لأغلب بلادنا العربية والإسلامية، ولا حرج في ذلك. بالفعل أشكال التعددية الموجودة في الغرب لا تنفع، أغلبنا هم قد عبروا عن دور النخبة والصفوة في المجتمع من خلال أحزاب سياسية، ولكن سنعبر عن هذا الدور، دور النخبة والصفوة بأشكال أخرى. وينبغي أن نبتكر الأشكال التي تناسبنا ولا حرج في ذلك. والذي يهمنا هو أن نقيم نحن النظام السياسي الذي يلائمنا ويحقق أهدافنا.

تعقيب “2”

 

السيد/ منير شفيق

(من رموز الحركة الفلسطينية)

 هناك نقطة وردت في الدراسة تتحدث عن إفلاس مشروع الحداثة في بلادنا، ولكن أقول إننا سنكون مبكرين إذا تحدثنا عن إفلاس بكل معنى الكلمة. الحداثة ولاشك أصيبت بضربات قاسية، وهي الآن في حالة انتكاسة. ولكن هذا لايعني بالضروري أنها انتهت، وأننا نستطيع أن ننام قريري الأعين. فما دام الأصل مسيطراً على العالم، أصلها ومنبعها مسيطراً وقوياً، ومازال يتحكم بمصائر كثير من بلادنا، فإن هذه الحداثة مازال لها أثداء يمكن أن تتغذى منها بأشكال جديدة، وبصورة جديدة. وسيبرز هذا أكثر إذا ـ لا سمح الله ـ أصيبت بعض التجارب الإسلامية بنكسات، أو تخبطت بأخطاء، فإنهم عندئذ يرتدون مرة أخرى علينا ليتقدموا بمشاريعهم التغريبية والتحديثية. وأرى أن الخطر القادم ربما لا يأخذ شكل الحداثة التي عبر عنها أوائل رجال الحداثة في عصرنا الراهن. أرى أن أخطر ما سيواجهنا أو ما سيواجه الإسلام في هذه المرحلة هو الإرتداد إلى العصبيات الضيقة، الطائفية والدينية من قبل الأقليات، وربما القومية في بلادنا، ومحاولة تكرار مايحدث في يوغسلافيا مثلاً، أو ماحدث في العراق، أو ما يمكن أن يحدث في مصر، وفي بلاد أخرى، فالإسلام سيواجه بنشوء العصبيات والكيانات الضيقة، وتشكل أيديولوجيات سترضع بدورها من منبع الحداثة في الغرب قوتها لكي تتفادى الإسلام ومشروع النهضة، وهذا ما يتطلب أن نتدبره بصورة مبكرة، ونعد له منهاج وبرامج المواجهة.

أما من ناحية أخرى فإن مشروع الحداثة، أرى أنه يجب أن يواجه المشروع الغربي بأسره بنقض المشروع الغربي من أساساته، ومن خلال دراسات معمقة لدينامياته، وألا نكتفي بالجوانب القيمية والأخلاقية والسياسية في مواجهة هذا المشروع الحضاري الخطير الذي يشكل أخطر مشاريع الكفر والشرك والوثنية التي واجهت العالم منذ آلاف السنين.

يجب أن نغوص إلى مكامن قوته وإلى دراسة دينامياته. مثلا لا يكفي أن نقول أن البنك في الغرب بنك ربوي ونهاجم الربا، هذا جانب وجانب هام، ولكن للبنك في الغرب ديناميات أثرى بكثير من قضية الربا، إنه محرك في الإقتصاد، يلعب دوراً خطيراً في تطوير القدرات العسكرية والثقافية والسياسية للغرب، البنك. إنما هذه المرأة تقف خلف الكمبيوتر وتعمل فيه 8 ساعات، إنها قدرة وطاقة أيضاً، إنها تقود الطائرة، وقد جاءتنا في حرب الخليج مع القوات المسلحة، لذلك علينا أن ندرس الغرب من الداخل، وبعمق. أذكروا أن الإسلام والقرآن أول ماتناول هو هدم الشرك والكفر من الداخل. وقام بنقد عميق أزليٍ لهذه الظاهرة التي هي الكفر والشرك. ونحن لا يكفي أن نعرض مشروعنا الإسلامي بمشروع بديل إنطلاقاً من منابعنا الإسلامية فقط، وإنما أيضا يجب أن نتقدم بهذا المشروع باعتباره نقيضاً حقيقياً للمشروع الغربي السائد، ولا يكون ذلك إلا إذا قمنا بنقد عميق من الداخل لدينامياته التي تعتبر أهم عناصر قوته، لنظهر مثلا على سبيل المثال أن قدراته وأشكال تصوره العلمي والمادي يؤديان بالعالم إلى هلاك، يسيران بلا نتيجة ويؤديان إلى  دمار البيئة والطبيعة والإنسان والخيرات في هذا العالم.

علينا أن ندرس بدقة علاقة هذا النظام ليس فقط من زاوية أنه يقدم لنا أنواع وبضائع للإستهلاك فقط، وإنما يجب أن نراه في حركته إلى أين هو ذاهب، أو على سبيل المثال علينا أن نرى هذا المشروع لا يمكن أن يكون مشروعاً عالمياً، وإنما هو مشروع مخصوص وضيق النطاق، يقتصر فقط على دول المركز، وحتى على بعض دول المركز لا يمكن تعميمه ببقية شعوب العالم. كيف يمكن على سبيل المثال أن يُتَّخَذ هذا النظام نموذجاً للعالم وتستهلك الولايات المتحدة 60 بالمائة من بترول العالم! كيف يمكن أن تتطور الهند وبلادنا العربية والإسلامية على ذلك النمط من هذا التطور إذا كانت الولايات المتحدة تستهلك هذا القدر من الطاقة.

إذن طبيعة هذا النظام هي طبيعة المركز الذي يسيطر وينهب العالم، وليس لنا علاقة في هذا النظام سوى أن نكون عبيداً نحن وبقية شعوب العالم.

ومن هنا أرى أن الدخول في مثل هذا النقد الذي لا يأخذ هذا الشكل الذي قدمته لكم فقط بالخطوط العريضة، وإنما يدخل في العمق ويدرس الإحصائيات وبدقة حتى نثبت للغرب نفسه ولشعوبه أن هذه الحضارة لا تصلح للعالم، ولا يمكن أن تكون حضارة العالم، وإنما العالم بحاجة إلى بديل وهنا نتقدم ببديلنا الإسلامي الذي يقدم نمطاً للبنك ونمطاً للإنتاج وللتطوير العلمي مختلفاً من حيث الجوهر، عن المشروع الغربي بالنسبة لملامح المشروع الإسلامي.

 يذكر الأستاذ وبحق أن من ملامح هذا المشروع أنه يقوم على الإسلام، على العروبة والديمقراطية الجماهيرية، وأضيف كما أضاف أخي عادل أن التركيز على المشروع التحريري الإستقلالي الوحدوي والتنويري لهذا المشروع يجب أن يكون من ملامحه، وأظن أن هذا متضمن في الورقة ولكن أحب أن أضع تأكيداً على ذلك، وعندما نتحدث عن هذا المشروع بصفته مشروعاً تحريرياً بمعنى أنه يدخل في الصراع مع السيطرة الغربية يجب أن نضع مركزية القضية الفلسطينية كجزء أساسي ومحوري في المشروع النهضوي العربي الإسلامي، وأن معطيات المشروع التسيوي الذي ترعاه أمريكا (بوش وبيكر) لتسوية القضية الفلسطينية، وبالصلح والتطبيع، يعطي هذه المركزية المضادة لهذا المشروع أهمية خاصة، فلذلك نحن لا نستطيع أن نتحدث عن مشروع نهضوي عربي إسلامي، ما لم نضع في المركز الناحية التحريرية والسياسية. فقضية فلسطين، قضية مواجهة الصهيونية والإمبريالية العالمية. فأن نتجنب ذلك فمن رأيى أنه سيجعلنا نضرب على الحافر ولا نضرب على المسمار فعلا.

النقطة الأخرى، أرى أننا بقدر ما نتحدث عن البعد العربي لهذا المشروع وأهمية ذلك، علينا ألا نغفل مشروع تشكيل الجبهة الإسلامية العربية من الناحية السياسية، قضية الوحدة الإسلامية بين المذاهب ومختلف الأجنحة الكبرى لهذه الأمة. لأن ذلك أصبح من القضايا الأكثر إلحاحاً في مواجهة المشروع الغربي، وإلى جانب ذلك لابد أن أذكر أيضاً مشروع جبهة الشعوب المضطهدة والمستضعفة، بل جبهة كل الذين يتضررون من المشروع الغربي الذي تمثله أمريكا بنظامها الدولي الجديد.

تبقى ملاحظة أخيرة سأمر عليها بسرعة، وهي تتعلق ببعض إشكاليات تجارب أو مشاريع أو محاولات النهوض التي عرفناها منذ 200 عام حتى الآن وألخص:

أن المشروع النهضوي يجب أن يكون مشروعاً تعبوياً دفاعياً عسكرياً، لأن أي مشروع نهضوي عرفناه منذ 200 عام حتى اليوم انتهي بمجابهة عسكرية مع الغرب. فالغرب لا يسابقنا فقط بميدان الإقتصاد والأفكار والثقافة، وإنما هو أيضاً يضع أساطيله وسلاحه على المائدة عندما يفشل من أن يخضعنا بأساليب أخرى. وما تجربة حرب الخليج الأخيرة إلا رسالة بليغة جداً في هذا الأمر. لذلك فإن على المشروع الإسلامي أن يقوم ويستمر، إلا إذا كان يضع في اللب منه مسألة المواجهة العسكرية.

وأنتم هنا في السودان قد قمتم أصلاً في حالة دفاع ضد هجمة عسكرية غربية، جاءت لتزرع إسرائيل ثانية على أرضكم في جنوب السودان، وأنتم الآن بتجربتكم كما لاحظنا تسيرون في هذه التعبئة، وأظن أن تجربة السودان في المرحلة السابقة في عهد الثورة المهدية أيضاً لاقت العبرة نفسها، أنها في نهاية المطاف ووجهت بزحف الجيوش من الخارج لكي تسحق الثورة.

وهذه الإشكالية تفترض قضيتين: القضية الأولى: أن لا قطرية المشروع ليس فقط من الناحية الحضارية العامة، وإنما أيضا من ناحية المواجهة. إن نقطة الضعف المركزية التي واجهها كل مشروع نهضوي عربي كان الإستفراد بذلك القطر الناهض، ومحاصرته حتى من الأشقاء، ومن الخارج، ثم الإنقضاض عليه. لذلك علينا أن نعد العدة، ونرتب الأمور حتى لا نترك السودان في هذه التجربة على سبيل المثال، أو نترك أي قطر إسلامي قد نهض قبل السودان، سواء كان إيران، أو في الجزائر، أو أي محاولة نهضوية، كما لم نترك العراق ليواجه مصيره وحده، وإنما يجب أن نعد العدة، وندرس بقوة كيف يمكن أن نقف وقفة الرجل الواحد عندما يتعرض هذا القطر للحصار، ونرى جيوش الغرب تتجمع موحدة لسحقه ومحاصرته وضربه. هذه القضية أظنها من أولوياتنا.

تبقى نقطة واحدة أيضاً حول المشروع النهضوي، أرى أن هناك إشكالية تواجه كل محاولة لمشروع نهضوي، هي العلاقة بين الدولة والثورة، بين الدولة وتطوير الصناعة، وامتلاك القوة وبين الجماهير. لو أخذنا تجربة محمد علي، أو تجربة صدام حسين، وغير ذلك، كنا نرى أن الدولة تبحث باستمرار عن أسرع الوسائل لامتلاك القدرة الإقتصادية لتطوير الإنتاج ولتطوير القوة العسكرية، ولكن ذلك كان دائماً على حساب الضغط أكثر وأكثر على معاش الجماهير، وعلى حياتها وحتى على ممارساتها ومشاركتها في السلطة.

وكيف كانت النتيجة أن كثيراً من تلك التجارب حققت خطوات هامة في مجال التطور الصناعي والمادي والتطور في مجال القوات المسلحة، ولكن ذلك بقي في هوة بعيدة إذا ما قيس بقوة جيوش الغرب عندما تأتي للمنازلة، وعندما كانت تأتي تلك اللحظات للمنازلة كنا نلتفت أين الجماهير ـ لأن الجيش لا يكفي أن يواجه جيوش أمريكا والغرب ـ نلتفت إلى  تلك الجماهير ونجد أن وراء ذلك الحكم عشرات السنين من الإضطهاد والدكتاتورية والضغط، وكبت الأنفس، وإخماد آراء العلماء حتى ينمو بسرعة ويمتلك. هذه قصة محمد علي، على سبيل المثال، وغيره من هذه التجارب. لذلك أرى أن المشروع النهضوي يجب أن يقيم درجة من التوازن الدقيقة بين تطويره ومراعاة حياة الجماهير ومشاركتها ودورها من جهة أخرى. والمهم ألا نركض وراء التطوير وامتلاك القوة كما يفعل الغرب، وإنما نجعل ذلك مصيراً متوازناً مع المجتمع كله، لأننا إذا ما واجهنا الغرب بهذه القوة عندئذ تصبح إمكانيات المواجهة والإنتصار أكبر من الإعتماد فقط على الدولة والجيش، ولذلك أرى أن هذه النقطة يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار.

وأخيراً تبقى قضية واحدة أقول في هذا المقام إن الدولة والجماهير يحتاجان إلى معادلة دقيقة حتى لا يقضى على الحركة الشعبية والجماهيرية، ومن هنا فإن الحكمة التي أراها تتمثل بقيادة الثورة هو هذا التوجه نحو الجماهير وإعطاؤها ذلك الدور حتى لا تتحول هذه الدولة إلى دولة تتمثل بالملك العضوض والحكم العضوض، ولا تتحول إلى دولة فوق المجتمع، وفوق الثورة والعلماء، وفوق الحركة الشعبية، وإنما يكون التوازن بين الجماهير والدولة.

تعقيب “3”

 

السيد/ صلاح أحمد ابراهيم

هناك حديث أو في الحقيقة تطوير لمقولة سابقة (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وهو أن تعينه في الحالتين برده إلى الحق.

وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال عندما دخل مكة (من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن) ومداخلتي فيها كثير ممن دخل بيت أبي سفيان.

الكلمة جيدة وأعدت بفكر متعمق، وفي رأيي أن الأجيال الجديدة أرادت أن تحذو حذو أوروبا بالتخلص من الدين لتلحق بركب التقدم، لأن هناك مفهوماً بأن الدين هو العقبة التي تقف بيننا وبين التقدم إذا استمسكنا بديننا وفقدنا التقدم لماذا؟

أولا: إننا في آخر وقفة لنا أمام الحضارة الأوروبية التي حملها الجيش الأوروبي وقفنا مبهورين أمام سلاحه الرهيب والكيماويات التي جاء بها علماء فرنسيون، وصارت بالتالي مواجهة بين ما نحسبه ديننا الضعيف وبين قوة الغرب. ومن هناك ابتدأ التخلي عن ديننا في هذه اللحظات، وابتدأ قبل ذلك أو بعد ذلك وهو عندما كانت أوروبا تطور مختبراتها ومعاملها الكيماوية كانت مختبراتنا ومعاملنا مطابخ القصور، بينما يبدع أعداؤنا سلاح السيطرة علينا. وما لم نمتلك صنع أدوات المنع والقبول والحضارة المادية لا بمعنى الترف ولكن بأسلوب التعامل مع الطبيعة وبثروات الله فسنظل مهزومين مهما تمسكنا بديننا، لماذا؟ لأن في الحديث الشريف أنه سيأتي زمن تتخاطفكم فيه الأمم، ولا يبالي بكم الله ولذلك ما لم نعد ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل ونعطيها التفسير الحديث سنظل دائما نعطي الدنية.

الطريقة الثانية: طريقة تعليمنا الدين، هذا الدين خارجي وليس داخلي، وأقوال لا أفعال، وفي كثير من الأحيان يتحكم ذوو النفاق وهذه قالها الإمام علي يأتي زمان لا أعرف فيه من المنكر ولا أنكر فيه من المعروف، لا أبور فيه من كتاب الله، إذا حققت أن يحقق تلاوته ولا أنفق فيه إذا حرف الكلم من موضعه، وأعتقد أننا في آخر الزمان.

الشيء الثالث: هو اهتمام الدين بالشكليات دون الجوهر. خذ الموقف من المرأة شقيقة الرجل. عندما يأتي الغرب ويفهمنا نقول خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء..إلخ، وفي موقف آخر يجدنا نتصرف تصرفاً آخر وقد قرأت أسماء الذين يشاركون في هذه الندوة لم أجد اسم امرأة واحدة وأرى نسبة الحاضرين، ونرى بنات الإسلام، أذكر أن هناك فتاة جزائرية تحضر للدكتوراة وهي بنت مؤمنة وطاهرة ومتدينة لأقصى حدود، وكنت أعتقد أنها تنتمي إلى ما يسمى بجبهة الإنقاذ إلى أن جاء يوم من الأيام واتصلت بي من الجزائر وقالت بأني أقوم بكل ما يأمرنا به الإسلام، ومتحفظة، ولا أشاهد التلفزيون الفرنسي، ومع كل هذا أسمع أن الإسلام يهاجم المرأة، فهل العفة والطهارة والخلق تأتي بالقهر والعنف ؟ إذن لابد من تغيير مفاهيم كثيرة حتى لا يكون الغرب أفضل منا. والحرب التي يشنها الغرب على الإسلام بخاصة على شمال إفريقيا هو من خلال المرأة المسلمة.

نعم الأخ الكاتب قال إن النخب العربية المسلمة لم تكتسب أصالة التفكير ولا الحرية المبادرة، ولا طلاقة الإبداع، وأضيف والأخذ من المجادلة والدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، ولكن بغلاظة القلب التي نهى عنها المربي الأكبر صاحب الرسالة. فكيف بنا ونحن الذين لا نساوي التراب الذي وطأت عليه نعله، وليس لنا التكليف ناهيك عن السيطرة وكلمة (يريد أن يقيم فينا الدين) ويقولون (الحكاية مهدية) وأرى أنه ينبغي الرجوع إلى الأصول وإلى ما تقول الأصول عن أسلوب الدعوة.

الجهاد الأكبر هو مواجهة النفس، والدين هو المعاملة. نسأل عن ديننا من خلال المعاملة وليس من خلال العبادة، لأن العبادة بين العبد وخالقه وأن نخشى الله في عباده، والدين أيضا مكارم الأخلاق. والقدوة واضحة ومعروفة ومحددة ولكم في رسول الله أسوة حسنة في العبادة وفي المسلك الإجتماعي.

إسلامية المشروع الحضاري تأكيد لهذا وهذه حقيقة، ولكن كيف يمكن أن  يكون المشروع الحضاري أكثر تلبية لحاجاتنا للتقدم؟ هناك ما يشبه حوار الطرشة.

الجهاد الأكبر ثورة يقودها المسلم في مواجهة نفسه متوحدة، ويقودها في مواجهة غير متحدة، والآن هناك طليعة تقول بأن نحن الآن نقدم هذا المشروع الحضاري، والذين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد عصمته هذه من النار،كيف يمكن أن تعاملهم وكأنهم ليسوا جزءاً من هذا المشروع الحضاري ؟ إذن هي قضية أسلوب، وقضية مخاطبة، وأنت المسؤول في الآيات البينات التي تليت علينا وهي آية الأمانة والتي ينبغي أن يخطر في كل لحظة بأن الأمانة مسؤولية جسيمة فإذن كيف تقنع الآخرين بأنهم جزء من هذا المشروع ولهم مكان في هذا المشروع  وليسوا أعداء، كيف تعامل مسلم آخر يشهد بأن لا إله إلا  الله وأن محمداً رسول الله بأنه عدو ؟ وأنت حملت الأمانة وكأنك مكلف شخصياً.

إذن علينا أن نقدم المشروع الإسلامي بأنه مشروع ذو جدوى .. قلت نأخذهم بالظن إذن نوع الظن الذي نأخذهم به هو هذا البغض فإذا أحسنا فيهم الظن، لا نؤثم عليه.

نأتي للغة العربية. الحقيقة عز الإسلام بعز العرب، ولكن لا تمييز للعرب كعرب، ولا تمييز لبشر على بشر، ولا تمييز لآل البيت على الآخرين، إلا بما تخلقوا به من أخلاق أهل البيت، وماعدا ذلك، ومن خرج عن ذلك، مهما كانت قرابته بصاحب الرسالة فهو ملعون.

فيما يتعلق باللغة العربية، هي لغة القرآن، وإذا كان للعرب من فضل، فهو بمكارم الأخلاق التي جاء ليتممها صاحب الرسالة، والحكمة ضالة المؤمن ـ واطلبوا العلم ولو في الصين وهذا بالتالي لا يحصر الفضل في العرب ـ أطلبوا العلم ولو في الصين، معنى ذلك أن هنالك فضل وعلم وينبغي أن يؤخذ مثلما يؤخذ فضل العرب وعلم العرب ـ وفي هذا الصدد لابد أن نحترم لغات الآخرين كما نحترم اللغة العربية. اللغة العربية كما قال الإمام الخميني، لغة الإسلام، ولكن علينا أن نحترم أيضا لغات الآخرين، وهنالك حديث في هذا الشأن للرسول صلى الله عليه وسلم، قرأته من شخص افريقي، قال أنا أكتب شعراً باللغة العربية ولكن كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، اللغة الأم لابد من احترامها، ولذلك أكتب باللغة الأم.

القطرية لابد من اعتبارها، لأن العصبية موجودة، ومنذ أن أضير الإسلام في انقسامه إلى عرب وموالي، لابد إذن للمشروع الإسلامي الجديد أن يتفطن إلى غير العرب، وأن يضع لهم احترامه، وأعتقد أن في نقاش التعددية في السودان سيأتي هذا الأمر.

موضوع الكويت، أشار إليه الأخ، وكنت أتمنى أن يكون الصوت عالياً فيما يتعلق بموضوع الكويت من السودان، وألا يكون همهمة فقط، وألا يضيع فيما بينه وبين الدعاوي الأخرى المتعلقة بالموضوع، حتى يكون موقف السودان واضحاً في هذا الصدد، لا نقبل الظلم لأحد، ولا نقبل البغي والعدوان مهما كان.

أوافق علىأن موضوع تجاوز القطرية، بتصدير الثورة، مسألة نظرية فاشلة ومضرة، والنموذج بحد ذاته يكفي حجة ناطقة وتتكلم عن نفسها.

الصفوة. ينبغي أن نرفع الجماهير إلى مستوى الصفوة كلها، وذلك لن يكون إلا بأن يكون الأول والمقدم على كل مشروع آخر، محو الأمية، لأنه لا يمكن للجماهير أن تكون ديمقراطية، وأن تضيق الفجوة بين الصفوة وبين الجماهير بدون محو الأمية.

هنالك توأمان فرضان يكرران، يأتي أولهما قبل الآخر، الإحسان يأتي ثالثاً، لكن العدل يأتي أولاً {إن الله يأمر بالعدل} ولذلك لابد إذن في هذه الديمقراطية أن يكون هنالك عدل ـ ومن الآن وأنت يا أخي مسؤول هنا، لابد من أن تجعل ديوان عدل. الذي فُصل ولم يقل له أنت فصلت لماذا ـ يأتي ويقال له أنت فصلت لهذا السبب الذي أخذ منه شيء، عدالة الغرب تكون أفضل من عدالتنا!

الإنسان يختفي ولا يعرف أين هو ويعذب ـ أدخلت إمرأة النار بسبب هرة ـ إياكم والمثلى ولو بالكلب العقور ـ إذن هذا مقدم على كل شيء ـ سيدنا عمر أعطى لليهودي من مال المسلمين لأنه مواطن أيضاً ـ لذلك هناك أهل الثقة، وأهل الخبرة. يخرج المشكوك في أمره، أفهم هذا ـ ولو أن هذا تمييز يحتاج إلى الأمانة ولذلك يجب ألا يضار شخص، {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.

النقطة الأخيرة : التي أود أن أقولها وهي بجانب موضوع العدل، وهذا يستتبع النقد الذاتي، إذا كان هناك خطأ يجب أن يقال ـ قولوا خطأ، والله الناس يحترمونكم، وبعدين الإنسان خطاء.

المناقشات

د. إسحق الفرحان ـ الأردن

أريد أن أتطرق إلى بعض الأمور الثانوية البسيطة التي لا تنقص من قيمة الورقة.  بالنسبة للملمح الثاني في الصفحة الرابعة يتطرق إلى عروبة المشروع، أريد أن ألفت النظر كما أؤكد على ذلك، أن اللغة العربية ينبغي أن تكون اللغة الرسمية للأمة العربية مع حق الآخرين في تعلم لغاتهم، وأن تكون لغة التعليم العام والعالي. وهنا نحيي السودان بقراره العظيم بتعريب التعليم الجامعي، وقد سبق معظم الدول العربيـة في هذا القرار ـ فنشر على أيدي وزارة التعليم العالي في هذا الموضوع ـ التي أصبحت قدوة في العالم العربي، وأي نهضة لا تتم عندما يتم تعليم الناشئة في التعليم العام أو التعليم الجامعي في البلاد العربية على الأقل بغير اللغة العربية. الآن اللغة هي ثقافة أيضاً وليست مجرد أداة للتوصيل. وعندما يتعلم بالعربية فهو يفكر بالعربية، أما عندما يتعلم العلوم المختلفة باللغات الأجنبية ـ وللأسف حتى قرب مكة يتعلم باللغات الأجنبية ـ وهذا تغريب في تغريب، وننوب عن الغرب في تغريب أبنائنا.

أما الدول الإسلامية الأخرى فكما قيل، فلتكن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الثانية بعد اللغة القومية، وكذلك في التعليم، ولكن كمرحلة وسيطة حتى يتم تعريب الشعوب الإسلامية كما حدث عبر تاريخنا.

 الملمح الثالث، أشار إلى وحدة الأمة وأن المشروع لا يمكن أن يكون قطرياً، وأريد أن أُؤكد هنا على أن الوحدة لا تتم فجائياً، بدليل عشرات المشروعات الوحدوية، بل ربما أن دولة واحدة طرحت عشرات المشاريع، فكيف بالدول المختلفة في البلاد العربية، ولكن كلها فشلت، وكأن بها يراد لهذه الامة أن تقتنع عبر المشروع الغربي، الإستعماري الغربي، أن الوحدة لا يمكن أن تتم. جربوها مرة واثنتين وثلاثة، وربما كانت بتشجيع غربي بين الحين والآخر، قبل أن تكتمل عناصر الوحدة ومقومات الوحدة ـ ولذلك أثني وأعزز قول القائل بدراسة هذه المشاريع، وأولى الناس بدراسة هذه المشاريع هو السودان، ومركز الدراسات الإستراتيجية هنا، حتى نستفيد من هذه التجارب، فلا نتسرع ولا نبطيء المسير نحو الوحدة. وربما كان الأولى أن تتم وحدات إقليمية متجاورة كوحدة وادي النيل، وبعض دول القرن الإفريقي، ثم وحدة الجزيرة العربية كلها محاطة كلها بمياه، فلم لا تكون دولة واحدة، دولة مكة، دولة الحجاز، دولة الجزيرة العربية. ثم دولة الهلال الخصيب، أو سوريا والعراق، حتى نكون عمقاً إستراتيجياً ضد الهجمة الإستعمارية في فلسطين، وكذلك دول المغرب العربي، هي معلم من معالم المشروع، لكن بحاجة إلى برامج تفصيلية ومرحلية تدرس في هذا الموضوع.

ثم بالنسبة للملمح الثالث وهو الشورى الجماهيرية أتسـاءل مــع أخي عادل حسـين، مع أن الشورى الجماهيرية هي الأساس {وأمرهم شورى بينهم} لكن لا يجب أن نلغي موضوع الصفوة، والنخبة، وأولي الحل والعقد، ولكن هل يكون لجميع الفئات من أميين ومثقفين نفس الثقل الوزني في اتخاذ القرارات الشورية؟ لا بد من معادلات معينة تكون حلاً علمياً لهذا الموضوع، فلا يهمل رأي واحد، لكن لا يؤخذ رأي شخص عادي كرأي شخص ذي خبرة واختصاص في موضوع أو آخر. فالشورى شورى عامة وهي شورى أيضاً تخصصية وشورى تعتمد على الخبرة والرأي ـ وأرى أضافة ملمح خامس لهذا المشروع، وإن كان هذا الملمح موجوداً في ثنايا الورقة لكن أريد له أن يبرز حتى يكون متـسقاً مع الرســالة الإســلامية العالمية أو مع عالمية الرسالة الإسلامية  {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} إذن أرى إضافة ملمح إنسانية وعالمية المشروع الحضاري، فالمشروع يهتم بالإنسان من حيث هو إنسان {ولقد كرمنا بني آدم} ويحترم كرامته وحقوقه، ويحمل رسالة العدل إلى جميع الناس بغض النظر عن الدين أو اللغة أو الجنس أو اللون، والمشروع العالمي من حيث أن الإنسان الذي خلقه الله تعالى يعيش في هذا العالم في هذه الكرة الأرضية، له علينا حق الدفاع عن المستضعفين ومعرفة أي جوانب تخص هذا الإنسان تحتاج إلى مشروع الإسلام  لنجدته.

هذا الحلم الجميل، المشروع النهضوي الإسلامي الذي نحن بصدده ـ ولابد أن يكون إن شاء الله ـ لكن لابد من الإشارة في آخر الورقة إلى ما هي العقبات التي تحول دون تنفيذ هذا المشروع أو التي ربما تواجه هذا المشروع؟ وقد أثار بعض المعقبين بعض هذه العقبات، وأوجز فأقول إن أول عقبة هي المشروع الإستعماري الغربي الذي قاد حملة التغريب ولا يزال يقودها في بلادنا فكيف نواجه هذا ؟ المشروع الإستعماري الصهيوني في فلسطين لايقصد فلسطين فقط، إنما يقصد فلسطين كقلب العالم الإسلامي والعربي، ولذلك لا يمكن أن نبعد هذا الخطر عن إجهاض مشروعنا الإسلامي النهضوي. ثم المشروع الصليبي المتصهين الذي يحاول إبعاد القارة الإفريقية عن الإسلام. ومستقبل هذه القارة هي الإسلام. والسودان هو بوابة العروبة والإسلام إلى إفريقيا. وجون قرنق لا يريد أن يحرر جنوب السودان. يريد أن يحرر شمال السودان من العروبة والإسلام لتكون دولة علمانية. ولذلك يريدون لجون قرنق في جنوب السودان أن يكون كياناً متصهيناً إستعمارياً صنو الكيان الصهيوني الإستعماري في فلسطين.

ثم النظام العالمي الجديد هو من الملامح الكبرى التي يحاول بها الوقوف أمام المشروع النهضوي الإسلامي. وفي العدد قبل الأخير من التايمز، مرسوم على الغلاف صورة مئذنة، صورة كلاشنكوف، شمس الإسلام تبزغ من جديد، ثم يقول الإسلام هو الخطر الجديد على الحضارة الغربية، هذا قولهم بأفواههم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الشيخ / محمد إسماعيل ــ لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم. بالنسبة إلى فكرة العروبة والإسلام، أتساءل ماهي الضرورة في وقتنا الحاضر بطرح شعار العروبة، مع أن طرح شعار العروبة يمنع أن نكون شموليين في أطروحاتنا؟ إضافة إلى أن هذا الطرح لا يفيدنا كثيراً، فلا يزيدنا شيئاً، بل ينقصنا الكثير من الأشياء. نحن بدل أن نشطب كثيراً من عناصر قوتنا في العالم الإسلامي بأن نطرح العروبة ثم نحاول أن ندخلهم من طريق آخر، نقول الإسلام، فهم داخلون بطبيعة الأمر. فبدل أن نخرج الإفريقين ثم نقول الإفريقيون عرب، نقول المسلمون، وهكذا ندخل الأتراك والصينيين وندخل كثيراً من العالم الإسلامي. أقول إن العروبية تمنع الشمولية التي تسعون ونسعى في العالم الإسلامي للوصول اليها، إضافة إلى أن الله سبحانه وتعالى، يبدو أنه كان مشيراً إلى هذه المسألة عندما قال {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} وقد يكون قوم السودان، قوم إفريقيا أو أقوام أخرى هم الذين استبدل الله بهم الذين لم يكونوا أهلاً لحمل الرسالة التي ذكرت أنهم حملوا إياها.

ثانياً، موضوع تصدير الثورة، نتساءل ماهو المقصود من فكرة تصدير الثورة؟ إذا كان المقصود من تصدير الثورة أن تصدر نفس الثورة، فمثلاً يقال للمصري يجب أن تثور كما يثور السوداني، هذا أمر غير ممكن تصديره، ولكن إذا أثرت في المصري نفس ما أثرت في السوداني، أو في الفلسطيني نفس ما أثرت في اللبناني، أو العكس، تجد أن هذه الإثارة التي هي فعل الأنبياء عليهم السلام. يقول علي بن أبي طالب في نهج البلاغة في مهمة الأنبياء {ليثيروا لهم دفائن العقول} إذا كانت إثارة دفائن العقول مهمة الأنبياء، فإننا نجد أن هذا تصدير للثورة وتصدير ممكن وضروري. نحن تصدرنا ثورة الشهيد سيد قطب، الشهيد حسن البنا، وأفكاره وأظن أن هذا هو المقصود من مسألة تصدير الثورة.

أيضاً نجد كما أشار البعض أن هنالك نماذج تصدير، فمثلاً نموذج المقاومة الإسلامية في فلسطين، نموذج ثورة الحجارة، وأيضاً المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، وجنوب السودان. هذه المقاومة تتكرر الآن، النماذج تتكرر. المسلمون يندفعون، وهكذا. مسألة لا نستطيع أن نسميها عواطف وأحاسيس، وإنما هي نماذج للفكر وللعمل نتصدرها من هنا وهناك.

بالنسبة إلى فكرة الوحدة الإسلامية، يُعَقَّب على ما قاله الأخ الكريم السيد منير شفيق، أن الوحدة الإسلامية ليست فقط طريقاً للنصر على العدو حتى نبحث في أنماط الوحدة، نمط الوحدة المذهبية، أو العرقية، وأنما ألفت النظر إلى أن الوحدة الإسلامية طريق لاستكشاف الطاقات الفكرية التي هي موجودة لدى الفئات المختلفة والمذاهب المختلفة من المسلمين. وقد حرمنا الإستعمار من أفكار بعضنا بالحجب التي أسدلها فيما بيننا، ويجب أن نخرق هذه الحجب حتى نصل إلى بعضنا البعض، يصل الشيعي إلى السني، والمهدي إلى غير المهدي. وهناك أفكار إسلامية عظيمة أجدها في الفكر الإسلامي في المذاهب الإسلامية المختلفة. فمثلاً فكرة البنك اللاربوي الذي طرحه الأستاذ، نجده بشكل لا بأس به عند السيد محمد باقر الصدر الذي كان في العراق. فكر المرأة ودورها المطلوب في المجتمع الإسلامي حتى لايكون دوراً خالياً ويكون دوراً واقعياً وتطبيقياً، نجده موجوداً إضافة إلى فكر الأستاذ المرحوم أبو الأعلى المودودي، نجده في فكر الأستاذ مرتضى المطهري، أرجو مطالعة الكتاب. كما أن الفكرة المرجعية الدينية التي طرحتموها أنتم هي موجودة في كتب ولاية الفقيه.

العميد ـ صلاح الدين محمد أحمد كرار

بسم الله الرحمن الرحيم. أود أن أطمئن الأخ الأستاذ صلاح أحمد إبراهيم وكل الإخوة ضيوفنا بأن أمن دار أبي سفيان أوسع مما يتخيل البعض ـ فنحن لا نود أن يغادرنا أيُُ من الإخوة، سواء كان من السودانيين أو من الأشقاء، وفي ذهنه أو مخيلته تساؤل لا يجد الإجابة عليه. نؤكد أن في لقاءات الأخ الرئيس حسب البرنامج الذي وصلكم هنالك متسع للقاءاته. وأتعهد بأن كل إخوتنا في مجلس قيادة الثورة، والوزراء، مستعدون إن شاء الله للقاء بكم والإجابة على كل تساؤلاتكم، مثل هذه التساؤلات التي طرحها الأستاذ صلاح عن المفصولين، وأؤكد له أن هنالك من الذين عينتهم الثورة ممن فصلتهم، لأننا لا نضمن البشر، ولا نضمن حتى أنفسنا {إن النفس لإمارة بالسوء} أؤكد لك أن هنالك متسع، ومكتبي وشخصي سيكون تحت تصرفكم في تحديد أي لقاءات مع أي مسئول حتى تغادرونا وتسطيعوا أن تجيبوا عن من تمثلونهم إن شاء الله.

فتحي يكن الأمين العام للجماعة الإسلامية ـ لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم. أرجو أن يسمح لي الإخوة بالتأكيد عن المعالم التالية في مجال مناقشتنا لقضية المشروع الإسلامي، مشروع الإنقاذ والنهضة الشاملة:

أولاً: أن ينظر إلى محوريات المشروع من خلال فقه المرحلة، وليس فقط من خلال الماضي، والتي يجب أن تبدأ أولاً بفقه مشاريع الآخرين .

ثانياً: أن يجري التركيز على ضرورة تقنين الحلول للمسائل المطروحة في ضوء قواعد الشريعة دونما تجاوز لفقه الأولويات والموازنات، وفقه المصالح والمفاسد ـ أي في ضوء فقه العصر بما يعني ذلك التجديد في فقه التربية والتعليم والتجديد في فقه الإدارة والتنظيم، والتجديد في الفقه الأمني والعسكري، والتجديد في الفقه الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، وبما يعني كذلك التجديد في فقه المرأة بشكل خاص.

 ثالثاً: وأن يجري التركيز على ضرورة الخروج للمشروع الإسلامي من الحالة الوجدانية الشعارية العفوية، إلى الحالة العلمية العملية المؤصلة، المجذرة، القادرة على استيعاب مشاكل الحياة المختلفة والقادرة على تقديم الحلول الجذرية لها.

رابعاً وأخيراً: وأن يعمل على الخروج بالمشروع الإسلامي من الدائرة الأممية العالمية، وبخاصة أن المحوريات الكبرى لمشروع الإنقاذ يعتبر قاسماً مشتركاً بين الأقطار الإسلامية ـ  إن لم يكن ـ فقل حتى بين أقطار العالم كله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المهندس/ ليث شبيلات ـ الأردن

بسم الله الرحمن الرحيم. في الحقيقة أنا معجب جداً بهذه الورقة ـ فإذا أردنا أن نصور الورقة في مشروع بناء، فلقد وضعت الهيكل ـ فهي مدخل ـ وضعت الهيكل بجدارة. وما تبقى  الآن هو إتمام بعض ما نقص من هذا الهيكل، وملء الهيكل بالمعاني المطلوبة، فأهنيء أخي الكريم على هذه الورقة.

ثانياً: أيضاً أرى، لأول مرة، أن هذه الورقة هي بداية حقيقية، شعرنا أم لم نشعر، للنظام الدولي الذي نريده، لذلك التأكيد على إنسانية المشروع أمرٌ مهمٌ جدا،ً وأننا أصحاب رسالة في هذا المشروع. لذلك ما قاله الأستاذ منير شفيق من ضرورة نقد النموذج الغربي أمر هام جداً، لكي يطرح هذا معه سوياً، والسلام عليكم ورحمة الله.

الشيخ/ سليم البيدي ـ فلسطين

بسم الله الرحمن الرحيم. هنالك مشاكل يعاني منها كثير من المسلمين في الوقت الذي يحاصر الإسلام والمسلمون كدول وكأفراد، ولا يعطى لهم الحق في إبداء آرائهم في بعض الأحيان، نجد أنهم بحد ذاتهم مستهلكون لمادة العدو. وليس أعني بالمادة فقط الأمور الإستهلاكية، بل حتى بالنسبة للشعارات، فنجد أننا مثلاً نحاصر أنفسنا ضمن موضوع تصدير الثورة، وهذا أمر يشل بكل ما في الكلمة من معنى عملية التبليغ، لأن التصدير يعني التبليغ، والتبليغ أمر مأمور به كل مسلم. وعليه، وبالتالي أن يعني التبليغ في كافة المجالات وأوسعها، وخصوصاً التبليغ الثوري. وهذا مايجب ألا نتكاسل عنه ضمن الإرهاب بمقولات يصفوننا بها مثلاً أننا إرهابيون، فهذا أمر قرآني يجب أن نكون من ضمن الإرهاب، لأن الله عز وجل أمـرنا أن نرهب العدو حيث قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} وأيضاً موضوع التطرف، هذا الأمر نحن لابد أن نكون متطرفين لأنه لايستوي الحق والباطل في طرف واحد، نحن أصحاب حق، فلابد أن نكون في أقصى الطرف. ويتهموننا بأن الإسلام قد أمرنا بالوسطية، أن نكون في الوسـط. لا، الوسطية تعني الأعلى، {وأنتـم الأعلــــون} فيجـب أن نكــون نحــن في أقــصى طرف الحق لكي نبرهن إسلامنا. فلابد لنا من أن نقاتل، وأن نغزو العدو، كما قال سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه { أغزوهم قبل أن يغزوكم}، لابد من أن نكون نحن السابقين للضرب وأن نكون يداً واحدة على من عادانا بالضرب في كل المجالات والمحافل، وألا نضرب الصغار، بل أن نضرب الكبار والرؤوس وهذا أمر مناط بكل مسلم.

 إخوة الإسلام، الحضارة لا تقاس بما يضعه لنا الغرب، إنما الحضارة تقاس بمقاييس الشرع، وما يتساوى فيه الإنسان بذاته مع ربه ومجتمعه. وهذا الأمر ما أريد أن يكون في السودان، لا أن يكون بمقاييس الغرب. كيف يقولون عنا هل نحن نظام صحيح أم نظام باطل، إنما المقياس هو ما يرضى به عنا الله عز وجل، وأخيراً أقول أن كل الأنظمة التي سبقت تَدَّعِي الجماهيرية، وتدعي أنها مع الجماهير، وأنا أعرف كثيراً من الأنظمة التي عانيت من اضطهادها، أنها أنظمة جماهيرية، فأرجو أن يكون النظام في السودان نظاماً إسلامياً عادلاً لا نظاماً جماهيرياً، والسلام عليكم ورحمة الله.

الأستاذ / عثمان خالد مضوي

بسم الله الرحمن الرحيم. الحديث عن العمل على إنهاض الأمة العربية أو الإسلامية كأنما يحصر القضية في المجال الجغرافي الذي كان يحتله العالم الإسلامي أو العالم العربي، ولكن ينبغي أن نؤكد على عالمية الرسالة، أن الإسلام هو رسالة الله الأخيرة إلى الأرض. نحن لا ندعو إلى الإسلام لأن الإسلام نظام جميل، إنما ندعو اليه فقط لأنه هو الرسالة الخاتمة الموجهة إلى الناس جميعاً، أحمرهم وأسودهم، أبيضهم وأصفرهم. ولذلك نحن عندما نطرح هذا الطرح نطمح، بل نرجو، أن نستطيع أن نغير به وجه الدنيا كلها أوربا وأمريكا وغيرها. وهذه البلاد قد تبدو عليها مظاهر القوة الظاهرة الغالبة، ولكنها مجتمعات ضعيفة مفككة، إذا عملنا عملاً جاداً مخططاً مدروساً نستطيع أن نغير هذه البلاد جميعها من داخلها، والسلام عليكم.

الأستاذ/ بشير نافع

 ورقة الأخ أمين حسن عمر ورقة مهمة بلا شك. وأنوه بشكل خاص إلى موضوع البعد العربي للمشروع الإسلامي، وأعتقد أن هذه إضافة مهمة إلى الحوار الإسلامي المعاصر.

أعود إلى مسألة الحداثة. مواصلة إلى النقطة التي أشار اليها الأستاذ منير، فقد قال الأستاذ منير أن علينا ألا نتفاءل بسرعة في أن مشروع الحداثة قد انهار. وأنا أريد أن أذهب أبعد من ذلك بقليل، وأدعي أن مشروع الحداثة قد استقر بالفعل في المجتمع الإسلامي. وهذا يستدعي التمييز بين مسألتين: المسألة الأولى الحداثة كفكرة وخطاب، الحداثه كفكرة وخطاب في العالم العربي الإسلامي كانت بائسة وساذجة وسطحية، لأنه حقيقة لم تفهم الغرب الذي عاشت على إنتاجه. ولكن الحداثة ضمن التركيبة الإجتماعية، والمؤسسات الإجتماعية الإقتصادية والسياسية في العالم العربي الإسلامي انتخبت بلاشك، لماذا؟ المسلمون بعد الفتنة الكبرى قدموا وحدة الجماعة، ووحدة المجتمع على العدد، ولكن في هذا التقديم، في محاولتهم لتهميش الدولة ومنعها من التغول والسيطرة على المجتمع جعلوا العلماء هم النسيج الحامي للجماعة في مواجهة الدولة، وهم الفئة الإجتماعية الرئيسية التي حفظت التوازن بين الجماعة والدولة. العلماء حكموا التعليم، سيطروا على الحرف، حكموا المؤسسات الوقفية. العلماء حكموا المدارس، وكان لهم دور كبير في التعبئة والجيش والأمن العسكري، وفي كل نشاطات المجتمع الإسلامي كان العلماء في المقدمة. العلماء كانوا هم الفئة الإجتماعية الرئيسية التي حافظت على وحدة الجماعة أو على إجماع داخل المجتمع الإسلامي. الذي حدث في القرن التاسع عشر وبالتحديد بعد مرحلة التنظيمات العثمانية وما شابهها، محمد على في مصر، والدولة القجرية في إيران، وانهيار دولة المغول في الهند، الذي حدث أن الحداثة أخذت من علماء التعليم، حطمت الأوقاف، جعلت السوق من سوق داخلي إلى سوق مرتبط بالخارج، سوق الحقيقة أصبح سمساراً لإنتاج الخارج، رهنت السياسة بالخارج ورهنت الإستراتيجية بالخارج، وأفرزت فئات إجتماعية جديدة تعيش معنا الآن في هذه القاعة. ومؤسسات الفئة الأولى كانت فئة كبار الملاك من سكان المدن، والفئة الثانية فئة الطبقة المتوسطة المتعلمة في المدارس الحديثة التي نحن جميعاً تقريباً ننتمي إليها.

الحداثة كفكر وخطاب هزيلة وبائسة، حتى وهي في يدها الدولة والحكم  والسيطرة والجيش. ولم تستطع في أي لحظة من اللحظات أن تقنع الأمة، ولكن الحداثة كتفسير في داخل الفئات الإجتماعية في المجتمع الإسلامي، وفي داخل المؤسسة وفي السوق وفي السياسة والإستراتيجية، انتخبت بالفعل واستقرت. المسألة الأساسية الآن ولا أريد أن أخالف لكن هذه هي الرؤية التاريخية التي لابد أن ترى الأمور من خلالها. المسألة الآن ليست مسألة التعدد في داخل المجتمع العربي الإسلامي ولكن المسألة هي إعادة إنتاج الإجماع، هي إعادة تكوين وحدة الجماعة والمجتمع، وهذا لا يستدعي فقط هزيمة الفكر والخطاب الحديث، هزيمة الدولة الحديثة، لا. هذا يستدعي إعادة ترتيب السوق، عدم الإرتهان إلى أن يكون الدولار سلعة تباع وتشترى في إقتصادنا. عدم القبول بأن يكون السوق أجيراً للإنتاج الخارجي. إعادة تكوين السوق العربي الإسلامي مرة أخرى في داخل المجتمع. إعادة تشكيل التعليم. وهذه مسألة طويلة وعريضة وأستغرب لماذا لم يركز عليها المؤتمر. إعادة بناء الإجماع تعني البحث عن الفئات والقوى الإجتماعية المرشحة لإعادة بناء الإجماع وإعطاؤها الحق في النظام والحكم. طبع  الدولة في طبيعتها متغولة حتى لو حكمها أتقياء. الدولة تتغول بالفعل في داخلها، والدولة قد تتغول وعلى رأسها علماء وأتقياء، وفقهاء، وهذا حدث في التاريخ العربي الإسلامي، والدولة تتغول وتشتري إذا لم يكن هناك إجماع في المجتمع، فهي تشتري فئات إجتماعية، تشكل بيروقراطية بالملايين، هناك دولة عربية بيروقراطيتها تشكل بالملايين من البشر، وتشكل أجهزة من عشرات  الآلآف من الجيش وأجهزة الأمن، فيجب منع تغول الدولة وإعادة تكوينها.


 

التعليقات

أضف تعليقك