مدخل عام

رؤية لمشروع النهضة الحضارية

 السيد/ مهدي إبراهيم محمد

 

 بسم الله الرحمن الرحيم. أحمد الله وأصلي وأسلم على رسول الله. أما بعد، فإني أُحي عضو مجلس قيادة الثورة، الأخ العميد صلاح الدين محمد أحمد كرار، وأخي الفريق معاش السر محمد أحمد، وأحي الإخوة الوزراء والإخوة الدبلوماسيين والإخوة الحضور.

لعل من حسن الطالع أن تأتي هذه الندوة في ظلال تغييرات إقليمية ودولية كبرى، نشهد فيها انهيار معسكرات بأكملها، إنهارت فيها المباني والمعاني، المعسكر الشيوعي، المنظومة الإشتراكية، بل إن الشعارات القومية والإشتراكية في كل مكان خارج البيئة الإشتراكية المعلومة سقطت، ولكن المتأمل يرى أن نظامنا العربي في محيطنا العربي والإسلامي لازال باقياً بملكياته ومشيخاته، على الرغم من علل الشيخوخة التي تمسك بأطرافه وتلابيبه. هذا الإنهيار العالمي في الأبنية والمعاني يتداعى ليشكل ظاهرة تهدد نظمنا العربية والإقليمية أيضاً بما هددت ذلك النظام البعيد. إذن نحن أمام ظاهرة الإنهيار والتمزق في الكيانات القديمة التي ألفناها، وفي الصروح التي شهدناها. في ظل ذلك يتساءل المرء كيف يمكن أن يصار إلى نظام جديد ليس كالشعار الذي ترفعه أمريكا ومن يواليها، ولكن في إطار بيئتنا العربية والإسلامية ؟ كيف يمكن أن نشكل وأن نبلور وأن نؤسس نظاماً جديداً يمسك بحركة النهضة ويقود حركة التغيير والإبداع في مجتمعنا المعاصر لننتقل مما كنا عليه حتى  نصير كما نريد ؟

 لعل الناس جميعاً يعلمون أن قضية التنمية والنهضة الشاملة أو عمارة الأرض في مصطلحنا الإسلامي ظلت هاجس الجميع، وشاغل الأفراد والمفكرين والسياسيين، وشاغل الحكومات والأحزاب والنظم، ولكن الفارق الكبير بين المشغولين بها هو طبيعة المذهبية التي يقوم عليها ذلك المشروع، مشروع النهضة أو التنمية أو عمارة الأرض. فكثير من الناس قد اقتحم حركة البناء والتنمية العشوائية والإرتجال، وبعضهم أقبل عليها بالمشروع المخطط، ولكنه يعتمد على الوافد المستجلب من الشعارات، ومن محاولات التلفيق والترويج. وقليل من الناس من رد نفسه بالنظر المتأمل الفاحص في بيئته، في حاضرها وماضيها وقيمها، في موروثاتها، في أصالتها، ليصوغ من ذلك كله نهج نهضته وطريق وثبته الجديدة، قليل من فعل ذلك. ونحن اليوم في السودان نحاول مثل هذا المشروع. ولكن أنَّى لمثل هذا المشروع أن ينعقد له الأمر، وأن تكتمل له الصورة، وأن يبلغ المدى المطلوب فيه قبل أن يستكمل، ليس بنظره فحسب وإنما بنظر الأصدقاء والأشقاء والإخـوة الذين يشاركونه جملة الهموم، ويشاركونه التطلعات، ويشاركونه الأصول والمباديء الفكرية التي يريد أن يستمد منها.

هذه الندوة ليست تصويباً للنظر نحو الجزئيات والشكليات، ولكنها عودة به إلى الأصول والجذريات والكليات. ليست للنظر في العاجل من أمره، ولكنها للنظر في العاجل والآجل. ليست استغراقاً في القريب من شؤوننا، ولكنها لمحة تستغرق القريب والبعيد. لقد ضاعت أمتنا أول ما ضاعت حين شغلتها الجزئيات والسطحيات والهامشيات والعاجلات والطارئات عن مجمل هموم المصائب والمآلات.

هذه الندوة هي عودة بنا إلى هذه المشارب وهذه المنابت وهذه الأصول والجذور. ولذلك نريد أن نخرج بعبرتها، وأن نستفيد من غلطتها بأن يكون تناولنا في سائر محاورها متجهاً نحو هذه الكليات ونحو هذه الجذريات، دون أن تستغرقنا منه التفصيلات كما سبق القول.

وفي هذا السياق أود مرة أخرى أن أشكر الإخوة الذين قدموا إلينا لمشاركتنا في هذه الندوة، وللإسهام معنا في تصويب النظر والرأي والفكر.

ما أريد أن أطيل عليكم في هذه التقدمة، ولكني بين يديها أود أن أقدم لكم أخي الأستاذ أمين حسن عمر ليكون أول المتحدثين وأول الوالجين لهذا الباب في مقدمته الشاملة فليتفضل.

التعليقات

أضف تعليقك