ملخص لمحاضرة
اتجاهــــــــات الشعر العربي في الســودان
د.عمر أحمد فضل الله
17 فبراير 2003
اتحاد الكتاب – أبوظبي

اقتباسات بين يدي المحاضرة:
ليس لدَىَّ تعريف للشعر، لم أفكر في هذا قط، ولقد حاول الكثيرون من أهل النظر تعريفه. وقرأت كلاماً شافياً لأديب أوربي ، غاب عني اسمه الكريم ، يقول هذا الفصيح الأريب إن المشتغلين بالشعر يسألون دائماً ما هو الشعر، والسائل عن هذا كمن يسأل عن الحياة ما هى، والحياة لا تُعَرَّفُ بل تعاش وهكذا الشعر – يريحني هذا الكلام. محمد المهدي المجذوب (مقدمة الشرافة والهجرة)
•لقد ذهب أولاد العرب إلى أوربا ورأى بعضهم من الآداب والفنون شيئا بالغ العظمة، وبهرهم فألغوا ما نشأوا عليه من آداب فكانوا مقلدين تابعين، وعادوا إلينا بهذه المشبهات الأفرنجية من كلاسيكية تقليدية وأخرى مجددة ورومانسية ورمزية وواقعية إلى آخر هذه الأطباق والأزياء – مثلهم في هذا مثل الذين قعدوا في التراث العربي لا يتحركون، قدسوه ولم يستطيعوا الخروج عليه فكرروه وأكثره لا قيمة له. كلا الفريقين سلبي في إنسانيته. ولقد حيروني قبل زمان، وأصابني الشك فتوقفت، ثم عدت لأكتب شعري على كيفي غير مبال بالفريقين لاحساسي العميق بأن الشعر السوداني مأخوذ من أعماق هذا البلد في أي صورة جاء، وأنني أسعى إلى هذا الوطن بما أعاني من شعر ولغة. محمد المهدي المجذوب (مقدمة الشرافة والهجرة) والهجرة):

الشعر عند مشائخي موهبة من الله، ويقتضي القيام بشكرها أن تقتصر على النبويات والابتهالات، ولابد أن يكون الشعر صالحا للغناء في ليالي المديح يشترك الناس فيها جميعا بنية صادقة، والايقاع والوضوح شرط فيه ويكتفون حين يُعَلّمون بالحكم المأثورة من شعر العرب، ولا خير في أكثره، وتبين لي الآن أن رأى سادتي المشائخ في غنائية الشعر صحيح وإن كان لا ينطبق تماما على ما أكتب من شعر. محمد المهدي المجذوب (مقدمة الشرافة والهجرة)
مقدمة
لم يكن للشعر العربي في السودان شأن يذكر حتى انتهاء عهد الفونج، غير هنّات هنا وهناك، وكان العرب منحصرين في بعض بوادي السودان.. فلم يصلنا من شعرهم القديم شيء. وربما ما تفتقت أفواف شعرهم بعد ولا ظهرت بوادره رغم أن الفونج كانوا هجيناً بين العرب الوافدين والسكان الأصليين. قال ابن خلدون: (حاول ملوك النوبة صد العرب من دخول بلادهم السودان ولكنهم لما فشلوا في ذلك استطاعوا عن طريق آخر أن يكسبوا العرب وذلك عن وراثة ابن البنت.. وهكذا تفككت دولة النوبة وآلت لجهينة).
وكانت دولة الفونج ذات حظ بائس في الأخذ من سراج الثقافة العربية والإسلامية فهى شهدت زوال دولة المسلمين في الأندلس وانحلال المؤسسات الفكرية والسياسية في المغرب وظهور الدولة العثمانية على المسرح العربي واستيلاءها على مصـر أحد مصادر الثقافة العربية والإسلامية لطلاب دولة الفونج وبذلك قعد الفكر الإسلامي وانزوى الفقه ومات الابداع وسيطرت المذاهب الصوفية على عقائد الناس وظهرت الآداب الصوفية وأفكارها وأورادها وأناشيدها وأشعارها إلا بقية قليلة من علماء وفدوا على الأزهر في مصر وتعلموا في رواق السنارية.. وما كان كل الطلاب يقدرون على السفر إلى مصر وطلب العلم فيها.
ولما كانت الغالبية العظمى من السودانيين عاجزة عن الهجرة إلى الأزهر ومكة والقيروان لتخلف أسباب المواصلات فقد انكفأ طلاب العلم على المصادر المحلية ورضوا بالدون من العلماء ”وارتضوا بمن قذفتهم إليهم الأحداث، وهم في أكثر الأحيان مجرد رجال عاديين لا يخلون أحياناً من شعوذة، ينشـرون العلم أحياناً وأحياناً يجمعون الدنيا باسم العلم“ (محمد المكي ابراهيم، مجلة الخرطوم أكتوبر 169. ص 110)
وكان لانتشار الطريقتين القادرية والشاذلية أثرهما البالغ حيث دخلت القادرية من الشرق وانتشرت في منطقة العبدلاب (بين ودمدني والقضارف) حيث جاء الشيخ تاج الدين البهاري الذي كان من تلاميذه الكبار الشيخ عجيب المانجلك جد العبدلاب ومحمد الأمين عبد الصادق جد الصادقاب وبانقا الضرير جد اليعقوباب وعبد الله دفع الله العركي جد العركيين ومحمد سوار الدهب، وما تزال الطريقة تتناقل في أحفادهم وسلالتهم. وذكر ود ضيف الله في الطبقات أن الشيخ تاج الدين البهاري كان شاعراً وتلقى عنه الشعر من تلاميذه الهميم بن صادق الركابي.
أما الطريقة الشاذلية فقد جاءت من المغرب حيث نشأت في مراكش في القرن الخامس عشر الميلادي على يد أبي عبد الله محمد سليمان الجزولي مؤلف كتاب ”دلائل الخيرات“ وقد زوج إحدى بناته للشريف حمد أبودنانة الذي نزح إلى السودان ومعه ابنه السيد الحسن وسكنا منطقة المحمية عام 1445م وانتشرت تعاليم مذهبه في أوج الفونج على يد الشيخ خوجلي عبد الرحمن المحسي المتوفى عام 1743م (1156 هـ)
واعتنقها المجاذيب في الدامر على يد حمد بن محمد المجذوب (1693 – 1776)م (1105 – 1190 هـ) الذي أسس عند عودته من مكة فرعاً شاذلياً في الدامر ما زال أحفاده المجاذيب يدينون به.
وعن هاتين الطريقتين تفرعت الطرق الأخرى كالخلواتية والسمانية. وجاء الشيخ محمود العركي ”راجل القصير“ من مصر فدرّس الناس وجاء الشيخ ابراهيم البولاد من مصر إلى منطقة الشايقية ودرّس مذهب مالك ونشر علم الفقه في منطقة الجزيرة بوسط السودان.
وبعد هؤلاء وفد إلى السودان الشيخ التلمساني المغربي قادماً على الشيخ محمد بن عيسى سوار الدهب وسلكه طريق القوم. وجاء الشيخ محمد المصري وسكن بربر ودرس فيها علم التوحيد.
ثم جاءت الطريقة التيجانية من الجزائر في منتصف القرن التاسع عشر واتخذت أساليب القادرية في الدعوة بيد أنها لم تتورع عن اللجوء إلى السيف حيث أن محمد أحمد المهدي كان من أفرادها.
وفي عهد الفونج نشأ الشعر الدارج. وهو شعر منغم يعتمد على الايقاع الصوتي في إخراج الصورة أكثر من اعتماده على الرمز اللفظي. وكان الشعر كله مغنى. وكان من أشكاله الغزل والمدح والتحريض والاسترحام والرثاء.
وكانت الصوفية بحكم استعدادها الذوقي وارتكازها على المناجاة منجذبة إلى اللحن فورثت أنغاما افريقية متعددة.
وكانت المدائح النبوية قد بدأت تنتشر وأصبح لها مغنون ورواد وآلات طرب متعددة مثل الطار والدف.
الطار:
وللطار خمسة أوجه سميت بها أبحر قصائد المديح وهى: المُرَبَّع والمُعَشَّر والمُقَّيد والمخبوط والدَقْلاشِي. وزاد بعضهم وجهاً سادساً سماه الحربي. واشتهر الشايقية بالتميز في المديح النبوي.
وكانت المدائح النبوية وما زالت تأخذ من الغناء الشعبي وتنظم على منواله.
وكان للشعر تأثيره الكبير فكان أحياناً سبباً في إضرام نار الحرب بين القبائل: روى المؤرخ محمد عبد الرحيم عن زحف قائد ملك سنار ”محمود ودكونيه“ على الملك ادريس ملك الجعليين بجيش يقارب الثمانية آلاف مقاتل وليس لادريس ما يعادل ربع هذا العدد فخاف على قبيلته وعرضه وحزم أمره على الفرار. فدخل عليه النعيسان – وهو مغني مشهور – وأنشده:
إدريس أبوي ماصع الضُّمُرْ بالرُّقْ ادريس مدفع الترك الذخيرتـه تبــق
شمـر ياولــد ولـــى نحاســــك دق قدر الله بيطيح حت إن بقيت في حق
وكانت العامية السودانية نتاج اختلاط العرب بالفونج والنوبة وغيرهم إلا أن العربية غلبت عليها لقوتها وتأثيرها. وكذلك الشعر فقد نشأ الشعر الشعبي والغنائي أقرب ما يكون إلى العربية الفصيحة. وكان لكل قبيلة فنها الشعري وغناؤها المميز حتى إنك لتميز هذه القبيلة عن تلك بغنائها وشعرها وتعابيرها ومعانيها وأخيلتها وموسيقاها.
أنواع الغناء:
وأشهر أنواع الغناء هو ”النَّم“ وهو مثل الحداء ويكون على ظهور الإبل وأكثره تشبيب.
وغناء ”المطرق“ وسبب اسمه أن المغني المشهور ”اللبيب“ كان يضـرب الأرض بعصا صغيرة ”مطرق“ وهو يغني. والمطرق يغنى لمدح الأكابر ورثائهم.
وغناء ”الدلوكة“ وهو خاص بالنساء ويكون في الأعراس والمناسبات. وغناء الجردقة أو ”البوشنة“ وهو خاص بالبقارة يغنونه على ظهور الخيل وهو في أغاني الحماسة. وغناء ”الطنبور“ وهو من الالات الموسيقية.
وأنضج أشكال الشعر الشعبي في عهد الفونج وبعده هو الدوبيت وأشهر شعرائه من الشكرية، ومنه دوبيت الرجز الذي نشأ في البادية عند الذين يقطعون البادية على ظهور الإبل. ومن أشهر من نظم عليه في القرنين الثامن عشـر والتاسع عشـر الشاعرة ”شغبة“ المرغمابية وود الفراش شاعر بربر والحاردلو وغيرهم.
ومن الأشكال الشعرية الخاصة بالنساء نجد ”الجراري“ المنتسب لبني جرار في كردفان وشمال دارفور. ولعرب الزيادية في الغرب نظم يسمى ”التوية“ وهو اسم لرقصة خاصة بالرجال ترمز إلى الفخر. ويشارك التوية في الانتشار ”البوشان“ بأنواعه.
وهناك ”الكاتم“ وهو غناء الحكامات وهناك ”الشاشاى“ وهو شائع في غرب السودان وأنواعه كثيرة وألحانه قريبة من بحر الرجز والهزج. وكان شعراء القادرية يخرجون ألحان الشاشاي على توقيعات الطار ويتغنى به الضاربون في الفلاة على ظهور الإبل والناشلون من مياه الآبار ويتغنى به القطافون في مواسم الحصاد وفي دق العيش، ويدخل في ذلك أيضاً هدهدة الأم طفلها لينام:
اللول اللول بريد الزول،
النوم النوم بكريك بالدوم،
النوم تعال سكت الجهال
حبوبتك جات من البلدات
جابت ليك تلات قنقرات
يانوم تعال سكت الجهال
شمبورة قمت قمبورا (إذا كان الطفل ولد)
شمبرتي قمت قمبرتي (إذا كان الطفل بنت)
جيتي من جبال برتي
وصرفتي وأكلتي وشربتي
أو عند ترقيص الطفل وتلعيبه:
كدي وكدي
أب كنان كبر
شال ام سدر
فرش السباتات وكبر
جاب العروسات وكبر
اب كنان كبر وكمان كبر
وظهر في عهد الفونج الشعر الصوفي وأشعار الزهد ومدح الصالحين. واشتهر من الشعراء الشيخ طه ود لقاني. ومن نماذج قصائده في مدح الشيخ حسن شيخ الطريقة:
سلام الله ربي ذي الجلال على شيخ الطريقة والوصال
سلام الله من طاء وهاء على الشيخ المكمل بالخصال
واشتهر من الشعراء الشيخ محمد المجذوب في مدائحه النبوية:
سلام على راس الرسول محمد لرأس جليل بالجلال معمم
سلام على وجه النبي محمد فيا نعم وجه بالضياء ملثم
سلام على طرف النبي محمد بطرف كحيل أدعج ومعلم
سلام على أنف النبي محمد لأنف عديل أنور ومقوم
وبدأت بعض ملامح الشعر الفصيح تتضح كما في شعر أحمد كاتب الشونة في رثائه ليوسف الطريفي وكما في شعر الشيخ فرح ود تكتوك في قصائده ومنها:
يا واقفاً عند أبواب السلاطين أرفق بنفسك من هم وتحزين
إن كنت تطلب عزاً لا فناء له فلا تقف عند أبواب السلاطين
استغن بالله عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
الشيخ فرح ولد تكتوك:
العلم نـور لا يماثلــــه ضيــا والجهل ليل أسود مثل الفحـــــم
علم العقائد كالشموس إذا بدت يجلو سواد القلب من كرب وهم
علم الشريعة بدر ليل حالك وبه يجد السايرون على علـــــم
علم التصوف ذاك إكسير به يغنى الفقير عن الدراهم والنعـم
والنحو ذاك سفينة تطوى بها لجج البحار وكل موج يلتطــــم
من يشتم العلماء أو يغتابهم يخشى عليه موت عباد الصنــم
ويل لباغضهم إذا زفرت لظى يكسى بدرع مثل قطران السجم
قد جاء أن لحومهم مسمومة والسم آكلـــه يمــوت بلا سقـــم
وبدأت بواكير عصرالنهضة الأدبية في ذلك العهد وتمثلت في شعر المديح النبوي واستهلال الشعراء قصائدهم بالغزل كما في قصيدة الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم:
ليلى بدت لما أضاء الكوكب فمحت ضياه وغاب عنها الغيهب
واستقبلت قمر الزمان فناله من حسنها الكلف الذي لا يذهب
والعشق صعب لا يطيق صروفه إلا الذي بعذابه يستعذب
أمحمد ولأنت أكرم مرسل وأحق من بمديحه يتقرب
أمحمد ما أنت إلا رحمة وبشارة لك كل خير ينسب
وانظر قوله أيضا:
فتور بجفنى من أحب سباني وتوريد خديه استطار جناني
ورقة خصر واحتشام شمائل حكمن بأسري واستبحن هواني
وإن الهوى العذري أيسر حاله توقد نيران بغير دخان
وإني مذ علقت ليلى بخاطري جفيت منامي وافتقدت أماني
وانظر قول الشيخ يوسف أحمد نعمة:
في القلب من حب الحسان جراح لا ريب أن لحاظهن سلاح
حملت أثقال الغرام وفي الدجى لي من تباريح الشجون صباح
هدرت دمي تلك الحسان بحبها لا غرو حيث دم المحب مباح
وكذلك كان الشيخ محمد طاهر المجذوب مدرسة في المديح مثلما أصبح أحفاده من بعد مدارس في الشعر العربي. وقوى سلطان العربية الفصحى وظهرت في تحول فن المديح إلى ذكر تفاصيل السيرة النبوية كما في قصائد ابراهيم أحمد هاشم:
حتى خرقت سماء بدر دجنة فلقيت آدم والد الأشباح
ولقيت في الثاني ابن مريم والتي سادت ومحيي عين كل سماح
وبثالث لاقيت يوسف ذا الجدا واليمن والحسن الشهي الضاحي
والشيخ عمر الأزهري في ذكر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم:
أضحت منكسة في يوم مولده الأصنام والشرك قد أمسى بخسران
والنار أضحت بأرض الفرس خامدة من غير ما علة تعزى لذي جان
وخاطبته غزال والبعير شكا والعضو أخبره من غير كتمان
وكانت المهدية نوعا من التعبير عن الرفض الشديد للظلم التركي وصاحبتها أناشيد الجهاد وشعراؤه فتغير الأدب الصوفي من مدح النبي إلى مدح المهدي والجهاد في سبيل الله وكان ”ود سعد“ شاعر المهدية ومغنيها قد أثرى أدب الجهاد في تلك الفترة وكان محمد عمر البنا ممن أسهموا في تمجيد المهدية وأدبها:
الحرب صبر واللقاء ثبات والموت في شأن الإله حياة
إلا أن المهدية لم تعمر طويلاً وانتهت عام 1898 حينما عاد الفتح الثنائي يخيم على سماء السودان كرة أخرى.
ورغم رفض الشعراء للهزيمة إلا أنهم لم يذكروها في أشعارهم. فبعضهم عدل أوضاعه ليتعايش مع العهد الجديد. فأحرق ود اب شريعة الجزء الأعظم من ديوانه (المهدويات) الخاص بمدح المهدي وخلفائه واعتزل في قرية صغيرة إلى أن وافاه الأجل.
قال الشاعر محمد محمد علي في مقدمة ديوانه ”ألحان وأشجان“ (ذهبت المهدية فلم نسمع شعراً يصف هول الكارثة في كرري ولا في أبي ركبة ولا الشكابة. ولعل الشعراء تعمدوا ألا يذكروا هذه الحوادث رفضاً للهزيمة).
وعاد قضاة المهدية السابقون يتقاسمون مراكز القضاء والافتاء في الدولة الجديدة فأصبح محمد عمر البنا شاعر المهدية الأكبر مفتشاً للمحاكم الشرعية وبات بابكر بدري موضع ثقة الإداريين الانجليز يستشيرونه في أمور التربية والتعليم ويعينونه قيما على مصلحة المعارف.
وبذهاب المهدية ومجيء الانجليز عاد الشعر لينحو منحى الأدب الصوفي من جديد.
وتجلى ذلك في شعر الشيخ ابراهيم التليب وفي ديوان الشيخ قريب الله أبوصالح المسمى (رشفات المدام) وفيه 616 قصيدة كلها أو جلها في الأدب الصوفي ويلاحظ توجه الأدب الصوفي نحو الذكر أكثر من غيره ومن ذلك:
مولاى خلصني من الأهواء واحسم بحولك يا مهيمن دائي
واجذب إليك أعنتي بجواذب لا أنثني من بعدها لهوائي
وإليك خذ مني الفؤاد جميعه بالذات والأوصاف والأسماء
وقوله:
الذكر قوتي في الحياة وسلمي أرقى به أوج العلا للمغنم
قم بي له سحراً إلى وقت الضحى بل كل أوقاتي فأنت مقدمي
وقوله:
الذكر يجلو كل قلب صادي ونقيبه في الناس كالصياد
يرمي الشباك بليله ونهاره في بطن بحر زاخر أو وادي
وتراه يفرح بالذي يصطاده ولو ان ما يلقاه ذئب عادي
وقوله:
أرني بالله رقصاً طيبا ناشئاَ عن واحد لا يفتري
ثم فوق الصنج أورد نغمة بعدها الواجد بالرقص حري
حبذا الرقص الذي ينتج عن فرحة بالله رغم المنكر
ظن هذا الرقص عبداً واجداً إنه والله من عيب بري
خله في حاله ذات الطلا أنت لو ذقت الطلا لم تعير
وقوله:
طعم هذا الكأس طعم رائق إنه والله فوق السكر
عرفه المنشوق عرف مسكر ريحه قد فاق ريح العنبر
خمرة الأقوام طام بحرها وعميق حار فيها الصرصري
أسد من عام في أمواجها سالكا نهج الإمام الأكبر
إن ترد يا صاح أن تشربها لازم الأوراد وقت السحر
وقوله:
ألا فاسقني كأس المدامة والخمر إلى حالة فيها الغناء عن الغير
وغذ فؤادي من نعيم غذائها فصحة قلبي فيه يا صاح لو تدري
وسل طيب الأقوام يأتي بشربة على سرعة إن الجفا حل في سري
وقوله:
مواسم الخير جاءت فارحم الفقرا يا دائم الفضل يامن لا يرى ويرى
وكن لهم ناصرا في كل معضلة ومنقذا يا كريما بره غمرا
واحسم عوائقهم أو صل حبالهم بحبلكم يا كريما بره غمرا
وارزقهم الأمن في الأوطان ياسندي واطرد مخاوفهم والسوء والكدرا
وانشر لهم رحمة تهدي القلوب لكم وانفحهموا بعبير منكم عطرا
وهو أحيانا يقلد الموشحات لاعتمادها على الايقاع الصالح للنشيد والذكر الجماعي:
رب سامحني ويسر نحوكم حسن الدؤوب
وافتحن قلبي لأبصر منك أسرار العيوب
واجمعن قلبي عليكم كم جمعتم للقلوب
واغفرن ذنبي لديكم أنت غفار الذنوب
وكانت للشيخ مواقف من الانجليز والمتعاونين معهم من فقهاء زمانه فالانجليز فرضوا (كفرهم) على أكابر القوم في السودان وباتت حفلاتهم منتجعا لرواد المطامح. وفي سبيل ارضاء الانجليز ومجاراة للياقة معهم تخلى بعض رجال الدين عن إقامة فرائض الذكر في أوقاتها وإذا ما ذكرهم عادل منصف بواجبهم أهملوا إجابة داعي الحق واستجابوا لنداء الكافرين من الحكام. وقصيدته (أيا عازلي في حب هيللة) تشكل وثيقة تاريخية لمواقف الفئات الدينية المتعاونة مع الفتح من أصحاب المصالح وأهل التقية وفئات الخائفين المهزومين . وقد نظمها بعد حضورة حفلة تتويج الملك جورج الخامس ولما حان موعد صلاة العصر لم يجد بين الشيوخ الحاضرين في القصر من قام للصلاة فأمر أحد أتباعه بالأذان داخل القصر فلم يستجب للأذان غير واحد من الشيوخ فقام وصلى معه ثم نظم هذه القصيدة يذكر فيها بالصلاة وضرورة الاستجابة لها:
هى السبب الأقوى لكل مجاهد لنفس وللشيطان من فئة الكفر
ومن يستحي من ذكرها فهو غافل عليل مريض القلب في نزعة الشر
ومن يختشي أن يذكر الله في الملا فقد أشرك المخلوق مع مالك الأجر
تعرض قوم للوعيد بعمدهم لتركهم المفروض في حفلة السر
يدينون دين الكافرين بتركه وتأخيره عمدا حياء من الكفر
ثم يسخر من الشيوخ الذين بات الدين عندهم متجرا يفتح بابه متى طاب له ذلك:
وإن قال بعض منهم انهضوا بنا نصلي صلاة الفرض قالوا له بدري
وهذا على مرأى مشايخ ديننا ومسمعهم قل لي أيا حيرة الأمر
ألا فانظرن يا صاح أهل زماننا وما آثروا من حظ نفس على الذكر
وإذا كان هذا هو حال العلماء فالأحرى بالمتصوفة أن يضطلعوا بأمر الدين بعد أن تخلى عنه أرباب المصالحوأن يعلوا ذكره جهرة دون خوف من أحد:
دع الكل خلي واذكر الله جهرة وإن قال فيك الناس جن ولم يدر
دع الناس واشرب خندريس جماله بأكواب شماس يطيب بها سكري
ويا خلي اطربني بها فحديثها بخ ينجلي كربي وفيه شفا صدري
كذاك وأفرحني بتوحيد خالقي وطول ولا تقصر ودعني من القصر
بل إن الشيخ قريب الله يعظم المهدي لكونه إماماً من أئمة الذكر ويعرض بالحكام الانجليز والسائرين في ركابهم من المشائخ ويتشوق إلى أيام حاكم سوداني بنى دولة على الخشوع والتواضع والجود:
الآن قد عُرفت مكانته لمن في قلبه شيء من الإلحاد
وتميزت للمنصفين وهكذا تتميز الأشياء بالأضداد
شوقي إلى المهدي الإمام الهادي زاكي الخصال الراكع السجاد
القانت الأواه في غسق الدجى الخاشع الداعي إلى الميعاد
الزاهد التالي المراقب ربه الخاضع المتواضع الجواد
ليث الليوث الفارس البطل الذي يوم اللقا لم يخش من آساد
نور القلوب خبيرها وطبيبها من داء حب المال والأولاد
والله ما شهدت عيوني مثله مولى على ترك الحياة ينادي
لينيل سامعه الحياة بربه بعد الجهاد وحمل خير الزاد
علم إذا وعظ القلوب تفجرت وعلى الوجوه الرشد هام باد
وبرز في هذه الفترة أيضا من شعراء التصوف الشيخ ابراهيم التليب (1878 – 1928) الذي تعلم بالحجاز وكان من رجال الطريقة التيجانية ورفض المناصب الرسمية وأحرق جزءا كبيرا من شعره في منزل صديقه عبد النور عبد المجيد الصايغ.
ومن شعراء الصوفية في هذه الفترة الشيخ محمد نور الدائم والشيخ ابراهيم أحمد هاشم والشاعر السماني والشيخ عبد المحمود نور الدائم والشيخ الأمين الضريروغيرهم.
نشوء أدب القومية السودانية
كان نشوء أدب القومية السودانية امتداداً لرفض المحتل والذي عبر عنه شعراء الأدب الشعبي والقومي أيما تعبير في مقاومتهم له على امتداد العصور. فهذا الشاعر الطيب ود ضحوية يرفض الوجود التركي في أرض البطانة بعد أن ترك لهم الحلال والقرى:
مين شداك يا حدية ومين عمرك يا دية
كان سلمن كرعية وا كدر التركية
أمانة عليك يا عقبة كم عججناك بى قربة
وكم شققناك بى تلبة ما حال الدنيا الكربة
جابتنا قران في سلبة
الباشا البعنولو شن عرضو وشن طولو
كان حجر حلولو شرق الله البارد هولو؟
محمد سعيد العباسي (1880 – 1956) وانبعاث القومية في شعره
هو صنو التليب في تكوينه الثقافي. وهو من حفظة القرآن وممن درس النحو والعروض والقوافي وجالس العلماء ثم دخل المدرسة الحربية في مصر واستقال منها بعد سنتين وتجاهله الانجليز فلم يتول لهم قضاء ولا إدارة وظل مطرودا عن موائدهم وأبوابهم.
قال العباسي حين قام المستعمر بجلد الشيخ عبد المحمود نور الدايم:
حين عم السودان شر فعانى حكم وال من الطغاة عنيد
ورجال من رهطه قد تردوا جلدة الحر في ثياب العبيد
ما سمعنا بمثلهم منذ كنا غير عاد الأولى وغير ثمود
قال قاضيهم اضربوا الشيخ ألفا ضرب ذي قوة وضرب شديد
لا بحكم من الكتاب ولكن كان رأيا وكان غير سديد
والعباسي ممن رسموا صورا جميلة للصحراء في قصائده ”دارة الحمرا“ و ”وادي الريدة“ و ”خواطر“ ” ومليط“ و ”وادي الهور“ و“النهود“ و“عروس الرمال“ وكتب إلى جانب ذلك في الوصف والغزل والتغني بالخمر والبطولة وقصائد الحنين والشكوى. والعباسي يشبه المتنبي في شعره من حيث التراكيب وجذالة اللفظ واتساق المعاني وسوق الحكمة ومتانة البيت.
وما أنشأ قصيدة إلا وعرج في بعضها إلى القومية والوطن
انظر قوله في وصف مليط:
حياك مليط صوب العرض الغادي وجاد واديك ذا الجنات من واد
فكم جلوت لنا من منظر عجب يشجي الخلي ويروي غلة الصادي
كثبانك العفر ما أبهى مناظرها أنس لذي وحشة رزق لمرتاد
فباسق النخل ملء الطرف يلثم من ذيل السحاب بلا كد وإجهاد
كأنه ورمالا حوله ارتفعت أعلام جيش بناها فوق أطواد
والورق تهتف والأظلال وارفة والريح تدفع ميادا لمياد
أنت المطيرة في ظل وفي شجر فقدت أصوات رهبان وعباد
فاقتادت اللب مني قود ذي رسن ورقاء أهدت لنا لحنا بترداد
ورقاء إنك قد أسمعتني حسناً هيا اسمعي فضل إنشائي وإنشادي
إنا نديمان في شرع الهوى فخذي يا بنت ذي الطوق لحناً من بني الضاد
فربما تجمع الآلام إن نزلت صنوين في الشكل والأخلاق والعاد
لا تنكريني فحالي كلها كرم ولا يريبك إتهامي وإنجادي
هاتي الحديث رعاك الله مسعفة وأسعدي فكلانا ذو هوى باد
فحركت لهوى الأوطان أفئدة وأحرقت نضو أحشاء وأكباد
هوى إلى النيل يصبيني وساكنه أجله اليوم عن حصر وتعداد
وكان يبحث عن وحدة العرب والمسلمين مثلما نفعل نحن اليوم
ويح لهذا الشرق نام بنوه عن طلب العلا وتأخروا فتأخرا
ظنوا السعادة وهى أسمى غاية قصراً يشاد وبزة أو مظهرا
ويتأفف من النظام الجديد المفروض عليه من الانجليز:
جزى الله هاتيك الحضارة شر ما جزى من تصاريف الزمان المعاند
فلم تك يوما والحوادث جمة حمى لضعيف أو صلاحاً لفاسد
شقينا بها حتى لبثنا أذلة وأغلالها منا مكان القلائد
وكان يدعو للوحدة مع مصر وكان يحبها ويحن إلى أيامها وهو القائل:
أحبتي هذي الدموع بعدكم غيث همى
صيرت عن كره قرى السودان لي مخيما
ولي بمصر شجن أجري الدموع عندما
فارقت مصرا ذاكرا أرجاءها والهرما
والنيل والجزيرة الفيحاء والمقطما
ربوع خير طالما أسدت إلى نعما
مصر وأيام الشباب الغض من لي بهما
وفتية سامرتهم فاقوا الزمان همما
زين شباب حملوا مع السيوف القلما
وكان غصني مورقا والدهر لي مبتسما
أخذت أسباب الهدى واليوم صارت حلما
فلو كان لي علم ما في غد لما بعت مصر بسودانيه
عدتني بذاك الثواء نوى قُذُفٌ خيلها عادية
ودعتها أمس لا عن قلى ولم تكن النفس بالسالية
إلى بلد عشت فيه غريبا بعيداً عن الناس في ضاحية
أقيم بها في صدور المطي للمرج تحدو وللساقية
لعلي أصيب بتلك البطاح صباى وذاهب أياميه
رعى الله مصر فكم للأديب بها ثم من عيشة راضية
وأحبب بأيامها الذاهبات على ما بها وعلى ما بيه
وكان من دعاة الوحدة
إنا بنو النيل لا نرضى به بدلا فما جفانا ولا يوما بنا ضاقا
ولا أخص بها داري ولا سكني بل ساكني النيل تعميما وإطلاقا
هذا سبيلي وهذا مذهبي بهما أعطيت ربي والأوطان ميثاقا
ونظم العباسي على أوزان الكامل والبسيط والخفيف . أما الرجز فقد نظم عليه أجمل قصائده البدوية مثل قوله في دارة الحمرا والتي مطلعها:
قل للغمام الأربد لا تَعْدُ غَوْرَ السند
وفي قصيدة ”وادي الريدة“ ومطلعها
بالله يا حلو اللمى مالك تجفو مغرما
كان العباسي مفترق طرق بين جيلين.. التقى الناشئون من الخريجين على مائدة أدبه.. تقرأ شعره فتحس أنك أمام شاعر أموى أو عباسي فهو مجموعة عصور أدبية جمعت في شاعر واحد. كان شاعرا يعتمد قلبه في يده وينشر روحه بين أنامله.
الخريجون وبداية الشعر الحديث في السودان (1914 – 1935)
اهتم الانجليز بالتعليم لخدمة مصالحهم في السودان فأنشأوا بعض المدارس الابتدائية لتخرج الموظفين. وانشأوا كلية غردون التذكارية عام 1903. وأنشأت الحكومة المعهد العلمي لتخريج كبار رجال الدين على غرار الأزهر وكانت الغاية منه تحويل الطلاب عن الذهاب للدراسة في الأزهر. كانت كلية غردون واجهة ثقافية للحكم الثنائي حشدوا فيها أساتذة من مصر والشام إلى جانب السودانيين والبريطانيين. وكان لأساتذة كلية غردون دور وأثر بارز في توجيه الفكر السوداني والنشاط الأدبي وظهور الصحافة الأدبية. وكان من بين أساتذتها عدد من الشعراء والأدباء أمثال الشاعر فؤاد الخطيب والصحفي الأديب مصطفى القليلاتي الحسيني وكلاهما من لبنان الى جانب عدد كبير من الأدباء المصريين أمثال عبد المجيد بك ابراهيم والشيخ محمود ناصيف ومحمد المبارك والشيخ أحمد الجداوي والشيخ محمد الحصري والشاعر عبد الرؤوف سلام وغيرهم من الأدباء ذوي الصلة بالحركة الأدبية في العالم العربي. وتحلق حولهم الخريجون من الأدباء المصريين أمثال توفيق وهبي والشاعر محمد بك فاضل وأسهم الأساتذة السودانيون في إحياء الحركة الأدبية وكان من بينهم عدد من خريجي الأزهر الى جانب من تصدروا الحركة الأدبية في زمن المهدية أمثال محمد عمر البنا وأبو القاسم أحمد هاشم وعمر الأزهري وغيرهم.
الصحافة:
كانت الصحافة قد بدأت تنشر في أوائل القرن مثل دنقلا العجوز التي أنشأها قسم المخابرات في الجيش البريطاني والغازيتا السودانية الجريدة الرسمية وجريدة السودان التي أصدرها الدكتور اللبناني فارس نمر صاحب المقطم في مصر وأدارها عدد من الصحفيين من أمثال اسكندر مكاريوس صاحب اللطائف المصورة في مصر وخليل تابت ولبيب جريديني. إلى جانب صحف أخرى مثل جريدة الخرطوم وكشكول المساح وجريدة حضارة السودان وبدأ الأدباء السودانيون يكتبون فيها.
أندية الخريجين:
تأسس نادي الخريجين في ام درمان سنة 1918 وكان هذا الحدث من أبرز الأحداث في السودان التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وكانت له فروع في الأقاليم وأصبح قوة ذات خطر. وكانت له أنشطة متعددة إلى جانب كونه منبرا للشعر والنثر.
وفي أندية الخريجين ظهر قادة الفكر والرأي في الصحافة والأدب والسياسة أمثال محمد احمد محجوب وعبد الحليم محمد ويوسف مصطفى التنى ومعاوية نور.
وعلى غرار أندية الخريجين نشأت أندية أخرى للموظفين ونوادي الجاليات مثل النادي اليوناني والسوري.
وكان مقهى الشيخ أمين مجمعا للشعراء والأدباء الشبان فيه تعارف الكثيرون من رجالات ثورة 1924 وفي حديقته الغناء كان يسمر الشاعر الفنان خليل فرح وأصدقاؤه المعجبون بشعره وعوده. وكان هناك مغنٍ اسمه يني وكان الخليل يداعبه بقوله:
يا يني يا بلبل أمين صداح حميتنا النوم يمين
رجع نشيدك يا أمين بالله قلت حبيبنا مين
وكذلك كان الشعراء العابثون يجتمعون في دار ”فوز“ من أمثال توفيق صالح جبريل ومحي الدين جمال أبوسيف ومكاوي يعقوب وخليل فرح فكانوا يجتمعون للجد واللهو معا فيقرضون شعر الغزل وقصائد النضال ضد الانجليز.
وكانت فوز صاحبة مقهى ”جمعت بين الجمال والذكاء والرقة وكانت تستطيب الشعر وتستمع للنقاش الأدبي فلا يخطئها الفهم“ وهى التي أوحت للشاعر توفيق صالح جبريل بغزليات تذكرك بأوصاف ابن الرومي للمغنية ”وحيد“ ولعلها كانت هى المقصودة بشعره:
وتدير الراح غانية حسنها كالبدر متسق
حليها نفس مهذبة وشباب ريق لبق
فإذا ما أسفرت سبحت نحوها الأرواح تستبق
أو تغنت بيننا خشعت حولها الأذهان والحدق
ونجوم الليل ذاهلة كجفون هدها الأرق

أدب الخريجين
نشأ أدب الخريجين في ظل ظروف تبدل شديد للمجتمع السوداني فكرا وثقافة واقتصادا وعلاقات اجتماعية فالسودانيون كانوا ذوي ثقافة دينية وروحية غالبة ونشأت فئة الخريجين ضعيفة الاتصال بالجماهير منبتة عنها. ورغم ذلك فقد ظهر الأدب الإصلاحي في فترة الثلاثينيات ودعا حسين شريف في افتتاحية العدد الأول من الحضارة السودانية إلى أدباء جدد وكان عنوان مقاله ”حاجتنا إلى أدباء“ وتلقف الناس دعوة حسين شريف.
واشتهر من شعراء هذا العصر ”البنا“ وديوانه ”ديوان البنا“ وحمزة الملك طمبل ” ديوان الطبيعة“ وعبد الله عبد الرحمن ”الفجر الصادق“
وتركز شعر الخريجين خلال هذه الفترة في الحث على النهضة الوطنية والبعث القومي وتميز شعرهم بالرجعة الى القديم في صورة احياء الماضي العربي تارة والماضي الاسلامي تارة أخرى وتجسدت في شعرهم خصائص التقليد من حيث تقسيم القصيدة واعتمادها على وحدة البيت واستلهام المناسبات العامة واختيار الأسلوب الخطابي التقريري.
وظهرت نزعة العروب والعصبية اليها زمنا بين الشعراء والأدباء ولكن حدتها خفت عندما ظهرت الدعوة إلى السودنة بل ان الشعراء بدأوا يسخرون من دعوات الاصلاح المنبرية والقصائد المنبرية وشعر المناسبات
انظر الى الشاعر عبد الله عبد الرحمن في قوله:
أوكلما جاء المحرم نخطب هذا يحييه وهذا يندب
ونقيمها بدوية حضرية منها البيان بكل وجه يسكب
والناس تسمع معجبين كأنما غناهم شاد مجيد مطرب
والصحف تنشر والجرائد تنتقي والقارئون مخطيء ومصوب
حتى إذا ولى المحرم مدبرا ذهبت به أهواؤهم تتشعب
كما تميز شعر الخريجين بالدعوة إلى الاصلاح ومحاربة الفساد والدعوة الى التعليم والاهتمام بالمرأة السودانية والتعليم الوطني في مواجهة التعليم الأجنبي. انظر الى الشاعر يوسف مصطفى التنى في قصيدته الشعبية:
في الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوع الوطن العزيز
بى ديني اعتز وافخر وابشر ما بهاب الموت المكشر
ما بخش مدرسة المبشر عندي معهد وطني العزيز
ويبلغ الحماس ذروته عند افتتاح كلية الطب سنة 1923 فيقول أحمد محمد صالح:
أجل تعتريني اليوم هزة جذلان فأخطر في بردى خطرة نشوان
سنبصر جالينوس بين ربوعنا غدا وابن بختيشوع يصطرعان
والدعوة الى الاعتزاز بالقومية السودانية والزي القومي السوداني تبرز عند حمزة طمبل عندما يودع البعثة السودانية التي رأسها اسماعيل الأزهري الى الجامعة الأمريكية ببيروت فيوصي فيها أعضاء البعثة بالمحافظة على الخلق القومي السوداني ويحذرهمم مما وقع فيه أعضاء البعثة السابقة الذين ذهبوا يرتدون الجبة والقفطان ويغطون رؤوسهم بالعمائم والطرابيش فألقوا هذا الزي وارتدوا في معاهدهم الزى الافرنجي وعادوا به الى السودان
يا ليت شعري إن أتى عائدا وقد رمى القفطان في زاوية
يظل في بذلته رافلا أم يستعيد الجبة الزاهية
ارجع لما كنت فيما مضى شيخا له أثوابه الضافية
والدعوة الى التعمق في العلم والأخذ بالعلوم التقنية كما دعا الشاعر المهندس علي نور وفود البعثات في قوله:
فإذا وصلت الى ذرى ذاك المقام الأشرف
وعلمت من سر التقدم ما استبان وما خفي
فاعمل على رفع البلاد وكن بها البر الوفي
إن العلوم حياتنا وبها نشيد ونحتفي
ويدعو الشاعر أبوبكر عليم إلى نبذ الوظيفة الحكومية والاتجاه إلى الأعمال الحرة من تجارة وصناعة وزراعة فيقول عند الاحتفال بخزان سنار سنة 1926
أثيروا خبيء الرزق بالحرث وادأبوا على الزرع إذ الأرض قد مهدت مهدا
فإن الثراء الحر في باطن الثرى مقيم ولكن النجاح لمن جدا
وقوما بتعضيد الصناعات ترتقي بلادكم بئس التواني وما أجدى
ولا تستهينوا بالتجارة إنها تربي قليل المال إن أحسن القصدا
وزينوا بحسن الاقتصاد حياتكم تعيشوا على مر الزمان به رغدا
ولا يشغلن حب التوظف بالكم فلا خير في رزق يقيدكم قيدا
نظيرك من تستغن عن فضل ماله عفافا فإن تحتج اليه تكن عبدا
والدعوة إلى تعليم المرأة وإعدادها لتكون أما صالحة كما في قصيدة عبد الله محمد عمر البنا التي نشرتها جريدة الحضارة في 11 ديسمبر سنة 1920
والأم أول غارس في النفس ما ترقى به أو تبتلى وتعذب
فالطفل إن غذيته بلبانها كملت خلائقه وطاب المكسب
فعليك بالأم الرفيقة إنها هى مرشد ومعلم ومهذب
القانتات العابدات السائحات المستفز كمالهن المعجب
قال الأستاذ حسن نجيلة: ”ولولا القافية التي قيدته لأكمل الآية حتى ثيبات وأبكارا“ (ملامح من المجتمع السوداني ص 90)
والى جانب البنا فقد صدح كثير من الشعراء بالدعوة الى تعليم المرأة والاهتمام بالتربية ورسم صورة المرأة في مجتمعها الجديد من أمثال مدثر البوشي وحسيب علي حسيب وخليل فرح والعباس وعثمان بدري الذي قال عن المرأة
فهى الملاك ببيتها فيه المسرة تخطب
تلقاك في خلق يكاد من اللطافة يكسب
ولها على فرص العفاف رزانة تستعذب
وتبسم يزجي السرور الى النفوس ويطرب
وانظر الى هذهالرومانتيكية الهادفة وأصالة الفكر عن المرأة في أبيات خليل فرح:
لك مني تحية وسلام طلع الفجر والأنام نيام
كنت بالأمس جنة تحت أقدامك تجري الحياة وهى سلام
جنة كلما تقنعت الأكمام فيها تفتحت أكمام
تنشرين النفوس حتى اذا ما نعس الطير واستراح الغمام
وقف الجو حاسر الرأس لم يحر جوابا كأنه تمتام
نحن في حاجة لاصلاح ما خلف القاسطون والأيام
وكان الشيخ بابكر بدري ”مؤسس أول مدرسة للبنات في السودان“ ينظم القصائد والمقطعات التوجيهية ويحفظها لتلميذاته وهى تحث على شرف الأمومة ورعاية الزوج وماله:
أصون لزوجي ماله كل لحظة وأحفظه في عرضه وعياله
وأرعى له حق الإله وحقه وأجعل سمعي مصغيا لمقاله
وإن سامه وإن عضه أسى أكون له عونا لاصلاح حاله
وإن يؤذه في غير ما فيه سبة تحملته لله أو لخلاله
بذا والدي أوصى وإنى بنته أوافقه في فعله ومقاله
الأدب السياسي:
بين الموالاة لمصر والموالاة للانجليز والدعوة إلى التحرر من كليهما في تلك الفترة نشأ نوع من الأدب السياسي الذي كان يدور حول تقرير مصير السودان وانقسم الأدباء والشعراء والمثقفون ما بين داع للوحدة مع مصر ومتشبث بالذاتية السودانية
وممن كان يظهر العداء للانجليز من الشعراء الشاعر صالح عبد القادر الذي ألقى في مناسبة عامة قصيدة جاء فيها:
ألا يا هند قولي أو أوجيزي رجال الشرع أضحوا كالمعيز
ألا ليت اللحى كانت حشيشا فتعلفها خيول الانجليز
وكذلك كان مدثر البوشي شديد البأس على الانجليز مثلما كان شديد البأس على رجال الدين الذين هجروا الدين الحقيقي وأقاموا البدع فقال:
يقال رجال لا وربك إنهم جديرون حقا أن يقال الفواطم
نفوس أبت فعل الجميل لأهلها وأبدت إلى الأعداء نعم اللهازم
فما روع العلياء إلا عمائم تساوم فينا وهى فينا سوائم
وانظر الى قصائد توفيق صالح جبريل التي نظمها عن اللنبي عندما زار السودان وكذلك الشاعر عمر الأزهري الذي يسخر من بناء سد أسوان ويشكك في نوايا إقامته
جمل في الرمل مدفون وما ظهرت للعين إلا أذناه
هكذا قال سلاطيم لنا وسلاطين من القوم الدهاه
اجر يا نيل ولكن مسرعا قبلما يعلوك خزان المياه
وسر وقل ان ينج سعد ظافرا فلقد أودى سعيد بالفلاه
يا رعاك الله يا سعد ولا زلت تستفتح أبواب النجاه
وكانت الدعوة الى الوحدة مع مصر تلقى استحسانا من بعض الشعراء فكانوا يرون أنها قوة للسودان وأهله فعبد الله عبد الرحمن لا يرى بديلا للوحدة لأنها بعث للعروبة
إنما مصر والعروبة والسودان شعب أبى الإله انفصاله
وقوله:
من قال قطر وقطر فهو في نظري كم يقول بأن الواحد اثنان
وممن دعا الى الوحدة من الشعراء التيجاني يوسف بشير وحسن طه ومحي الدين صابر ومحمد محمد علي وكامل الباقر وغيرهم ممن ارتحلوا الى مصر وتأدبوا بأدبها ودرسوا علمها وعادوا يحملون مشاعل الدعوة الى الوحدة معها ولم يبلغ أحد من الشعراء ما بلغه التيجاني في صدق تعبيره عن حب مصر والدعوة اليها:
مصر دين الشباب في الحضر الرافه والبدو من قرى وبقاع
مصر أم الشعوب ماذا عراها واعترى الشرق من وجى وضياع
حبذا الموت في سبيلك يا مصر لنشء عن الحمى دفاع
والرابطة بين التيجاني ومصر ليست صفقة سياسية بل هى روابط روحية وفكرية:
كيف يا قومنا نباعد عن فكرين شدا وساندا البعض أزرا
كلما أنكروا ثقافة مصر كنت في صنعها يراعا وفكرا
جئت في حدها غرارا فحيا الله مستودع الثقافة مصرا
وهذا هو نفس منحى الشاعر محمد محمد علي الذي يقول:
أهلا بأبناء مصر ومهجة الشرق مصر
وكلما أنجبته فجر مبين أغر
واذا مررتم بأرض فكل خير يمر
تحسسوا من أخيكم ما يشتكى أو يسر
سنلتقي في المعالي وشاطيء النيل حر
وكانت الخرطوم ملتقى لشعراء السودان بالشعراء المصريين وغيرهم فقد زارها خليل مطران وحافظ ابراهيم وعباس محمود العقاد وكانت حلقات الفكر وتبادل القصائد واهدائها لإلى أدباء من أمثال زكي مبارك والسباعي بيومي وعلي الجارم وخليل مطران وعزيز أباظة معروفة.
وكان الشعراء السودانيون يذكرون أدباء مصر وشعراءها وقد ورد ذلك في شعر يوسف مصطفى التنى وحمزة الملك طمبل وأبوطراف النميري وعبد الله عبد الرحمن.
ولا أكذب الرحمن في العصر أنجم حماة لها من غيرة تتوقد
وصبابة أدت أمانة قومها وقامت على ضوء الرسالة ترشد
يطالعنا العقاد فيها بنافع من القول لا يطغى ولا يتقيد
ونقرأ للزيات فيها رسائلا هى السحر أو منها الى السحر مورد
وهيكل من أثوابه أى كاتب خصيب الى خير الأساليب يعمد
ولله طه ابن الحسين فإنه على نثره السهل الخناصر تعقد
ومثلما كان للدعوة الاتحادية أنصارها فقد كان لها خصومها الذين هاجموا مصر على التواء سياستها ازاء السودان وهاجموا زعماءها ومصالحها التجارية وهاجموا لطفي السيد وطه حسين والمؤسسات الفنية كفرقة التمثيل المصرية والمؤسسات اللغوية كالمجمع العلمي.
وممن هم في طليعة من أعملوا العقل والفكر تجاه مصر الشاعر حسين منصور صاحب ديوان الشاطيء الصخري الذي عاش أحداث ثورة 1924 وكانت له مواقف متطرفة ضد الانجليز فأجبر على الاستقالة من التدريس باحدى مدارس أم درمان والهجرة الى مصر حيث عاش كصحافي وأديب وشاعر من أصحاب النزعة الواقعية في الأدب. اقرأ له الجزء من ديوانه الخاص بمصر وهو ”من وحي القاهرة“
طبت يا مصر للأديب ثواء وطلاب النفوس طيب الثواء
غير إني إلى الجنوب مشوق واجف القلب ذاكر أصدقائي
لا ولم تلهني عمارات مصر وملاه ولجتها في المساء
ورياض يروع ضحك العذارى في رباها وهمس كعب الحذاء
كل هذا لم ينسني دور طين مائلات الجدار أو في استواء
وخلاء تحوطه القمم الشم كثير الصهيل جم الثناء
وظباء مقنعات تمشي في ملاء يرف فوق الظباء
ولا ينجو الانجليز من لسانه الصعب عليهم إذ يقول:
تأكد يابن وافدة البحار بأني ثابت ثبت اليقين
وان سلت على رأسي سيوفا جنودكم المزأبقة العيون
وسددت البنادق نحو صدري وشدت لي الرباط على عيوني
وإذا كان حسين منصور من دعاة الوحدة تحت التاج المصري فإن جعفر حامد البشير صاحب ديوان حرية وجمال هو من دعاة التحرر الوطني من الاستعمار في كافة أشكاله
والقوم ما زال فينا من يهيم بهم شر الهيام على جهر وفي شغف
ودوا لو ان العيون الزرق باقية ترنو اليهم وتبدي فاتن الوطف
قد أجلسوا الأخشاب في الكراسي
رمزا إلى النفاق والإفلاس
من كل وسواس لهم خناس
وكل قرد ينتمي للناس
مجرد من نعمة الإحساس
ما أشبه الأنجاس بالأنجاس
وعزيز التوم منصور يرى في تمثال كتشنر الممتطي حصانه قرب شاطيء النيل في الخرطوم رمزا للغزو والاستعمار فيخاطبه بقوله:
ترجل أنا ههنا السيد ترجل فقد أزف الموعد
وهات الحساب حساب السنين فإن الجموع غدا تحشد
ترجل وسر في زحام العبيد إلى ساحة عندها تجلد
وتجدع أنفك تحت الرغام وتقطع فيما اقترفت اليد
أتيت مع الفاتحين الغزاة كثير السلاح رهيب العدد
بسطت القضيب وسقت الحديد الى غاية الخائف المرتعد
ولاقاك في كرري الدافعون يموجون في حلل من زرد
ترجل أحاسبك أين الشيوخ وأين النساء وأين الولد
ترجل فستون عاما مضت وأنت لأعيننا كالرمد
أرى الله قد وعد الصابرين وقد صدق الله فيما وعد
وكانت نقمة المرتدين عن الوحدة مع مصر شديدة بعد ثورة 1924 فاتهموا مصر بالهروب من السودان وترك الشعب السوداني ليصمد وحده ويضمد جراحه في حين وقفوا يحيكون المؤامرات مع الانجليز فهذا منير صالح يقول للمصريين:
أين كنتم وكان هذا الولاء يوم هانت على البلاد الدماء
يوم هب الشباب والتهب القطر ونادى إلى الأمام اللواء
يوم نادى لتحيا مصر ويحيا النيل وليربط البلاد الإخاء
يوم فاجأتم البلاد برأي لم تزل منه تسخر الآراء
يوم بتنا مضللين وباتت تلعن الأرض جبنكم والسماء
يوم طارت حلومكم فتواريتم وراء النساء يا أدنياء
وائتمرتم بنا وكان لكم فينا مع الناصب المذل قضاء
أيهما المقحمون زورا على التاريخ هل أنتم ونحن سواء
وظهرت قصائد الناقمين مثل الهادي أحمد في ذكرى غردون وأحمد علي طه ومحي الدين صابر في ذكرى اتفاقية 1936 ومحمد المهدي المجذوب في اتفاقية 1952 وكثر التذكير بمواقع المهدية ضد المصريين في كرري وشيكان كقول محمد المهدي في جبل كرري
بالسفح من كرري بقية ثورة حملت بسيف كريهة مدرار
جبل به أثر الدماء كأنه عطر بذابل أغصن وثمار
وتعود الدعوة لتمجيد المهدي باعتباره رمزا للقوة في وجه الانجليز والمصريين على السواء.
ويخاطب منير صالح السيد اسماعيل الازهري رئيس البرلمان السوداني الذي كان ينادي بقيام حكومة سودانية ديمقراطية تحت التاج المصري بأن هذا الاتحاد لا يجلب القوة والعافية بل يجلب العار والمذلة للسودان:
دع عنك فكرة الاتحاد ونحها وناد باستقلالنا فهو أكرم
فشعبك خير من شعوب كثيرة وأرقى وأسمى بل أعز وأكرم
أدب المجالس الخاصة:
وظهر في تلك الفترات أدب المجالس الخاصة أيضا ولك يكن شعراؤه بمنأى عن السياسة ولكنهم الى جانب ذلك كان لهم وجودهم في مجتمعات أدبية وثقافية خاصة من أمثال الشاعر الأمين علي مدني والشاعر الفنان خليل فرح وتوفيق صالح جبريل ومحي الدين جمال ومكاوي يعقوب وابراهيم بدري وعبيد حاج الأمين وسليمان كشة.
ومن دار ”فوز“ وغيرها ظهر شعر جديد غنائي خلال تلك الفترة مثل:
فوق جناين الشاطي وبين قصور الروم
حى زهرة روما وابك يا مظلوم
في القوام مربوعة شوفها عالية منار
موضة وآخر موضة هيفا غير زنار
روضة داخل روضة غنى فيها كنار
الجبين الهل وفيه بق النار
بلى جسمي وفتك جفاك يا حبيبي أما كفاك
أيها الظبي في صفاك يا أخا البدر في سناك
نحن ونحن الشرف الباذخ دابي الكر شباب النيل
والخليل يجمع بين الشعر الغنائي والفصيح كأجمل ما يمكن لشاعر ويبرز أيضا من بين أولئك الشاعر توفيق صالح جبريل العضو البارز في جمعية الاتحاد السرية وعماد جلسات الأنس في دار فوز وماسح دموع المعذبين من إخوانه ومؤاسي رفاق النضال بشعره فهو أول من ربط حركة المثقفين بالأوساط الشعبية حيث انقسم شعره بين الوطنيات والخمريات والغزليات. ويعتبر توفيق من الشعراء المجددين في الوصف ولا ريب أن قصيدته المعروفة بالدامر تعتبر معلما في هذا النوع من الشعر. والدامر هى بلدة صديقه محمد المهدي المجذوب ومنها:
أيا دامر المجذوب لا أنت قرية بداوتها تبدو ولا أنت بندر
خرجنا قبيل الصبح منك وأنت في غلالة ظلماء فهل فيك من دروا
إلى جنة في شاطيء النيل برزة تطالعنا الأمواه أيان ننظر
أزاهيرها الحمراء مسدلة على عناقيدها والنخل فيها مزنر
أقمنا بها حتى الضحى في خميلة يطوف علينا بالقوارير كوثر
وغنت لنا هيفاء تختل كيفما يحركها ناي وعود ومزهر
شراعك يا ملاح دعه تسر به الى الملتقى ريح الصبا المتحرر
الأدب السوداني المعاصر: 1930 – 1975
ظهور مؤتمر الخريجين: 1936 – 1948
ظهور النقابات العمالية وانتشار الفكر الماركسي
نهضة المرأة
ظهور الصحافة
أندية الجاليات
ظهور النقد الأدبي
ظهور الأدب الاشتراكي والواقعية الاشتراكية
الاتجاه نحو افريقيا وظهورها في أدبهم
التمرد على الأعراف والتقاليد السودانية وما يسمونه أدب الواقع
فالنزعة الواقعية التي انتهى اليها محمد المهدي المجذوب (أنظر قصيدة تذكره لليالي النشوة في جنوب السودان)
وأجترع المريسة في الحواني وأهذر لا ألام ولا ألوم
طليق لا تقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم
وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم
ويظهر البعد المكاني لأقاليم السودان والدعوة إلى ماضيه في أشعار محمد عبد الحى:
أتغنى بلسان وأصلي بلسان
وعند الفيتوري وعند صلاح أحمد ابراهيم:
أنا من افريقيا صحرائها الكبرى وخط الاستواء
محمد عبد الحى يخاطب تاريخ سنار:
أنا منكم – جرحكم جرحي – وقوسكم قوسي
وثني مجد الأرض
وصوفي ضرير مجد الرؤيا ونيران الإله
فافتحوا حراس سنار افتحوا باب الدم الأول
لي تستقبل اللغة الأولى دماه
والملاك الحارس اللغة الأولى بوهج من ضياه
ويسير فيها صلاح أحمد ابراهيم:
”دبايوا“ ”دبايوا
أهلكت المجاعة الشياه
ولم يعد لأوشيك غير هذه النعال
صداره والثوب والسروال
والسيف والشوتال
وشعره المغوف الوديك والخلال
وعلبة التنباك
يراقب الزقوم والصبار والأراك
السل في ضلوعه يفح أفعوان
عيناه جمرتان
في وحدة الرهبان إلا أنه
يحب شرب البن ويمقت الشفتة والحمران
وكان بعث المكان توجها جديدا سار عليه كثير من الشعراء وظهر شعر الغابة والصحراء الذي عبر عنه النور عثمان ابكر في قوله:
”عندما سئمنا ويلات العري تحت سماء الشعر الحديث الذي يتقيأ من وقت لآخر شيئا مرضيا وفجأة طرقنا أبواب الشعر الحضاري المعاصر نغني أرضنا وأهلنا غناء الأهل والأرض هربنا منه إلى غناء الذات فوجدنا أن الذات هى الأخرى الأرض وأخرجنا ما أمكن من معطيات ما دون في القلب“ (جريدة الصحافة السودانية – 17/12/1967 من مقال بعنوان الغابة والصحراء)

التعليقات

أضف تعليقك