almathal

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر – بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد

المثل السائر – الجزء الأول

المثل السائر – الجزء الثاني

المؤلف: ضياء الدين بن الأثير
تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد
طبع بمطبعة مصطفى بابي الحلبي سنة 1939

يعدّ ابن الأثير، ونعني به ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد بن محمد بن عبدالكريم ابن الأثير (558-637هـ/1163-1239م) ؛ صاحب منهج متميّز في التأليف مؤسَّساً على ثوابت علمية واضحة، تمثلت في الترتيب الواضح، والمأخذ السهل، ووحدة الموضوع، وانتفاء التكرار، والتوثيق العلمي، فظهر لنا مؤلِّفاً متمكناً، توافرت لكتبه مقومات المنهج العلمي الحديث، مما يجعله يشغل منزلة رفيعة بين علماء العربية النوابغ.

نشأ ابن الأثير في أسرة عربيّة شيبانيّة ثريّة. وكان لهذه النّشأة أثر في اعتداده بنفسه، وتفرّغه للعلم، وتفتُّح موهبته الأدبية، وطموحه إلى المكانة السيّاسيّة.

يعدّ ابن الأثير، صاحب منهج متميّز في التأليف مؤسَّساً على ثوابت علمية واضحة تمثلت في الترتيب الواضح، ووحدة الموضوع

وتشير مؤلّفات ابن الأثير إلى أنّه حرص على التّنوع والشّمول، فلم تكن قراءته مقصورة على علوم اللّغة وحدها، بل شملت كتب النّقد والحديث والفقه والشّعر والأدب والتّفسير، إضافة إلى القرآن الكريم. وهو، تبعاً لذلك، أمينٌ لمفهوم ثقافة الكاتب الموسوعيّة، راغب في أن يُجسّد هذا المفهوم ليتمكّن من الخوض في الفنون الأدبيّة كلّها، لأنّ الكاتب في رأيه لا يُقْدم على الكتابة إذا لم تكتمل لديه المعارف جميعها. ولا شكّ في أنَّه بالغ كثيراً في ثقافة الكاتب، ولكنّه حرص، في الحالات كلّها، على أن يستمدّ ثقافته من مصادر متنوّعة، تكاد تشمل ما كان سائداً في عصره.‏

وقد أثنى المؤرخون على كتبه ومؤلفاته، وبخاصة كتابه الذائع الصيت “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر”، وقد ألّفه في الموصل في السنوات العشرين الأخيرة من حياته، ولم يكتف بإذاعته في النّاس، بل استمر يقلّب النّظر فيه تعديلاً وإضافة، وهو كتاب ضخم، يضمّ مقدّمة ومقالتين.‏

يتحدث ابن الأثير في الفصل الثالث من كتابه “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” عن “..الحكم على المعاني”. وفيما يأتي مقطتف مما كتب:

وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها، وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه، بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة لا سيما مفسّري الأشعار، فإنهم به أعنى‏.‏

واعلم أنّ الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهره لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وثيابك فطهر ‏}‏ فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس، ومن تأوّل ذهب إلى أنّ المراد هو القلب لا الملبوس، وهذا لا بد له من دليل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، وكذلك ورد عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه قال‏:‏ إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك وأغلق بابك. فالظاهر من هذا هو البيت والباب ومن تأوّل ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع عليك همّ قلبك وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة، فعبّر عن القلب بالبيت، وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب، وهذا يحتاج إلى دليل لأنه عدول عن ظاهر اللفظ، فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف، إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا، فإنه قد يأخذ بعضهم وجهاً ضعيفاً من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميزه على غيره من الوجوه القوية، فإن السيف بضاربه‏:‏ إن السيوف مع الذين قلوبهم كقلوبهن إذا التقى الجمعان تلقى الحسام على جراءة حده مثل الجبان بكف كل جبان. وذهب بعضهم في الفرق بين التفسير والتأويل إلى شيء غير مرضي فقال‏:‏ التفسير‏:‏ بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل‏:‏ إظهار باطن اللفظ كقوله تعالى ‏”‏إنّ ربك لبالمرصاد ‏”‏ فتفسيره من الرصد يقال‏:‏ رصدته,‏ إذا رقبته، وتأويله تحذير العابد من تعدي حدود الله ومخالفة أوامره، والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر ولم يصب في الأول، لأنّ قوله ‏”التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة‏”‏ لا مستند لجوازه، بل التفسير يطلق على بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازاً، لأنه من الفسر وهو الكشف كتفسير الرصد في الآية المشار إليها بالرقبة وتفسيره بالتحذير من تعدي حدود الله ومخالفة أوامره‏.‏

وأما التأويل، فإنه أحد قسمي التفسير، وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ، وهو مشتق من الأول وهو الرجوع، يقال‏:‏ آل يؤل إذا رجع، وعلى هذا فإنّ التأويل خاص والتفسير عام، فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلاً. ولهذا يقال‏:‏ تفسير القرآن، ومن تفسيره ظاهر وباطن، وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى التأويل لأنه أدق‏.‏

نشأ ابن الأثير في أسرة عربيّة شيبانيّة ثريّة. وكان لهذه النّشأة أثر في اعتداده بنفسه، وتفرّغه للعلم، وتفتُّح موهبته الأدبية

ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام‏:‏ إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره وتلك الغيرية‏:‏ إما أن تكون ضداً أو لا تكون ضداً وليس لنا قسم رابع‏.‏

فالأول يقع عليه أكثر الأشعار، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين الآخرين‏.‏

وأما القسم الثاني‏:‏ فإنه قليل الوقوع جداً وهو من أظرف التأويلات المعنوية؛ لأنّ دلالة اللفظ على المعنى وضده أغرب من دلالته على المعنى وغيره مما ليس بضده، فمما جاء منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام‏”‏ فهذا الحديث يُستخرج منه معنيان ضدان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنّ المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله، والآخر‏:‏ أنّ مسجد رسول الله ‏‏أفضل من المسجد الحرام‏:‏ أي أنّ صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام بل تفضل ما دونها بخلاف المساجد، وكذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ‏من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وهذا يشتمل على معنيين ضدين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنّ المراد به إذا لم تفعل فعلاً تستحي منه فافعل ما شئت، والآخر‏:‏ أنّ المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يستحى منه فافعل ما شئت، وهذان معنيان ضدان أحدهما مدح والآخر ذم‏.‏

ومثله ورد في الحديث النبوي أيضاً، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏”لا يتوسد القرآن‏”‏ وهذا يحتمل مدحاً وذماً. أما المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن فيكون القرآن متوسداً معه لم يتهجد به، وأما الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئاً، فإذا نام لم يتوسد معه القرآن، وهذان التأويلان من الأضداد‏.‏

وكثيراً ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية‏.‏

ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافوراً‏:‏

وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا       لمن بات في نعمائه يتقلّب

وهذا البيت يُستخرج منه معنيان ضدان‏:‏ أحدهما أنّ المنعم عليه يحسد المنعم، والآخر‏:‏ أنّ المنعم يحسد المنعم عليه‏.‏

وكذلك ورد قوله أيضاً من قصيدة يمدحه‏:‏ فإنّ هذا البيت يحتمل مدحاً وذماً، وإذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذم أولى منه بالمدح، لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد والشذوذ وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيب بلفظة رب التي معناها التقليل‏:‏ أي لست من نوالك على يقين فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده، وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دل على المدح خاصة لارتباطه بالمعنى الذي قبله‏.‏

وكثيراً ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره، كقوله من قصيدة أولها‏:‏ عدوك مذمومٌ بكل لسان، ولو كان من أعدائك القمران، ولله سرٌ في علاك، وإنما كلام العدا ضربٌ من الهذيان. ثم قال‏:‏ فما لك تعنى بالأسنة والقنا وجدك طعّان بغير سنان. فإن هذا بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه يقول‏:‏ لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه لأن السعادة تنال الخامل والجاهد، ومن لا يستحقها وأكثر، ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده الكافوريات‏.‏

باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا، فإنه قد يأخذ بعضهم وجهاً ضعيفاً من التأويل فيكسوه بعبارته قوة تميّزه 

وحكى أبو الفتح بن جني قال‏:‏ قرأت على أبي الطيب ديوانه إلى أن وصلت إلى قصيدته التي “أغالب فيك الشوق والشوق أغلب” فأتيت منها على هذا البيت، وهو‏:‏ وما طربي لما رأيتك بدعةٌ، لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب. فقلت له يا أبا الطيب لم تزد على أن جعلته أبا رنة فضحك لقولي‏.‏

التعليقات

أضف تعليقك